الأمومة
| الكتاب | الأمومة |
| المؤلف | مثلث الرحمات البابا شنوده الثالث |
| دار نشر | كنيسة السيدة العذراء بالزيتون/ رقم 1021 |
| الطبعة | الأولى، يناير 2023م |
| رقم الإيداع بدار الكتب | 26437 / 2022 |
| 978-977-86437-4-9 |
طُرس البركة لقداسة البابا تواضروس الثاني
وإن مات فهو يتكلم بعد..
غزارة المعرفة وعمقها في حياة المتنيح قداسة البابا شنوده الثالث جعلته يترك لنا تُراثًا
ورغم أنه نُشر أكثر من 150 كتابًا بأحجام متنوعة وفي موضوعات عديدة تغطي مساحات كبيرة من المعارف المسيحية الروحية والكنسية والآبائية، والتي تُرجمت معظمها إلى العديد من اللغات، حتى صار اسمه معروفًا عالميًا أنه "مُعلم الأجيال".. إلا أنه ما زال يوجد الكثير مما لم يُنشر بعد. وننشر لكم بعضًا من ذلك التُراث الخالد والذي لم يُنشر من قبل..
ونقدم لكم كتاب:
الأمومة
وسوف تجد عزيزي القارئ متعة خاصة وأنت تستمع لصوت قداسته عبر الصفحات وبعد رحيله.. يُعلِّمنا ويروينا من فيض معرفته وروحياته وخبراته العميقة.
تقديري ومحبتي لكل من ساهم في إخراج هذه الكتب إلى النور.. خاصة مركز "معلِّم الأجيال لحفظ ونشر تُراث البابا شنوده الثالث" في كنيسة السيدة العذراء مريم بالزيتون بالقاهرة.
نفَّعنا الله ببركة صلواته لأجلنا كنيسةً وشعبًا وضعفي. ونعمته تشملنا جميعًا..
البابا تواضروس الثاني
بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية الـ 118
قداسة البابا شنوده الثالث في سطور
1- وُلِدَ في 3 أغسطس 1923م، باسم نظير جيد روفائيل. في قرية سَلاَّم بأسيوط.
2- حصل على ليسانس الآداب - قسم التاريخ - من كلية الآداب جامعة فؤاد الأول (جامعة القاهرة حاليًا).
3- التحق بالقوات المسلحة - مدرسة المشاة - وكان أول الخريجين من الضباط الاحتياط سنة 1947م.
4- تخرَّج في الكلية الإكليريكية "القسم المسائي" سنة 1949م، وكان الأول على الخريجين - فعُيِّنِ مُدرّسًا فيها.
5- عمِلَ مُدَرِسًا للغة الإنجليزية والعربية، في إحدى المدارس الأجنبية.
6- أتقَنَ الشعر منذ عام 1939م، وكتب كثيرًا من القصائد الشعرية.
7- في سنة 1949م: تَكَرَّسَ للخدمة في الكلية الإكليريكية وبيت مدارس الأحد في روض الفرج بشبرا، وتولى رئاسة تحرير مجلة مدارس الأحد.
8- صار راهبًا في دير العذراء الشهير بالسريان في 18 يوليو 1954م.
9- تمت سيامته بيد البابا كيرلس السادس، أول أسقف للتعليم والكلية الإكليريكية والمعاهد الدينية، باسم الأنبا شنوده في 30 سبتمبر 1962م.
10- بدأ الاجتماعات الروحية التعليمية منذ سنة 1962م، واستمر فيها حتى نياحته سنة 2012م.
11- أصدر مجلة الكرازة في يناير 1965م، واستمر في تحريرها حتى نياحته سنة 2012م (واستمرّ قداسة البابا المُعَظَّمْ تواضروس الثاني في إصدارها).
12- اختارته السماء بالقرعة الهيكلية وتمَّ تجليسه البابا الـ 117 للكنيسة القبطية الأرثوذكسية يوم 14 نوڤمبر 1971م.
13- نَمَتْ الكنيسة القبطية في عهده، داخل مصر وخارجها؛ في كل قارات العالم: أفريقيا
وآسيا وأوروبا وأستراليا والأمريكتين: الشمالية والجنوبية
14- حصل على تسع شهادات دكتوراه فخرية من كبرى جامعات أمريكا وأوروبا.
15- امتدت الكلية الإكليريكية في عهده، وأصبح لها 16 فرعًا في مصر وخارجها.
16- حصل على العديد من الجوائز مثل؛ جائزة أفضل واعظ ومعلم للدين المسيحي في العالم 1978م من مؤسسة Browning الأمريكية، وجائزة أوجوسبورج الألمانية للسلام. كما حصل على وسام الصليب الأكبر للقديس أغناطيوس من الكنيسة السريانية.
17- كتب أكثر من 150 كتابًا ونبذة في كثير من المجالات الكتابية والروحية، واللاهوتية والعقائدية وفي الخدمة والرعاية والتربية.
17- قامَ بسيامة بطريركين لكنيسة إريتريا و5 مطارنة و112 أسقفًا وأكثر من 2000 كاهن و1000 راهب.
18- قامَ برحلات رعوية ورسمية لكثير من بلدان العالم، وصلت إلى 104 رحلة.. فمثلاً زار الولايات المتحدة (57 زيارة)، والمملكة المتحدة (31 زيارة) وغيرها.
19- أحضر إلى مصر رفات القديس أثناسيوس الرسولي البطريرك الـ 20، في 10 مايو 1973م.
20- اهتم بخدمة المرأة؛ وقام بتشكيل لجنة المرأة، وسمح للمرأة بالدراسة بالكلية الإكليريكية والمعاهد الدينية، وقام بتعيينها مدرسًا بالكلية الإكليريكية والمعاهد الدينية لتدريس علم اللاهوت، وسمح لها بعضوية المجلس الملي، وعضوية مجالس الكنائس.
21- جلس قداسة البابا شنوده الثالث على الكرسي المرقسي لمدة 40 سنة، و4 أشهر، و3 أيام، وبهذا يعتبر سابع الباباوات من حيث طول مدة الجلوس على الكرسي المرقسي. عاش 88 سنة و7 أشهر، و14 يوم.
22- رقد في الرب في 17 مارس سنة 2012م، وكانت جنازة قداسته مهيبة وعظيمة، حضرها أكثر من اثنين ونصف مليون شخص. نيحَ الله نفسه في فردوس النعيم، ونَفَّعْنا بصلواته.
هذا الكتاب
هذا الكتاب
يسر مركز معلم الأجيال لحفظ ونشر تراث البابا شنوده الثالث أن يصدر كتابًا جديدًا عن
وهذا الكتاب الذي بين يديك عزيزي القارئ يتحدث عن "الأم".. كيف نُكرِّمها، ونحترمها كما أوصانا الكتاب المقدس.. وأيضًا عن عاطفة الأمومة، وواجبات الأم داخل الأسرة، ونوعيات من الأمهات.
إن هذا الكتاب مهم لكل أم بل ولكل امرأة؛ لأنه كما يقدم قداسة البابا شنوده نصائح لكل أم في تربية أبنائها، كذلك يكرِّم كل امرأة صارت أمًّا.
كما يبين لنا قداسته أهمية المرأة للعالم أجمع. ويعطينا صورة عن بعض نوعيات لأمهات من الكتاب المقدس، وأيضًا من تاريخ الكنيسة كأمهات قدَّمن للكنيسة آباءً بطاركة أو لاهوتيين. كما تكلم كثيرًا عن أمهات شهيدات أو أمهات شجَّعن أبناءهنَّ على الشهادة. أيضًا تعرَّض لأمهات كُنَّ مرشدات روحيات أو رئيسات لأديرة. موضحًا أنه لا يمكن لأحد أن ينكر تعب وحب الأمهات ودورهنَّ العظيم في تقديم أبناء للكنيسة وللأبدية، وهذا الدور يقابله دَيْنٌ في عُنق الأبناء، يطالبهم في كل حين بالوفاء والعرفان بالجميل.
يزخر هذا الكتاب بكلمات روحية عميقة، تثير في النفس عواطف شكر وامتنان لأمنا العذراء وللكنيسة، ولكل أم قدَّمت المسيح لأبنائها.
نتمنى لكم أوقاتًا ممتعة في قراءة هذا الكتاب، ببركة وبشفاعة العذراء مريم والدة الإله، وقداسة البابا شنوده الثالث.. وبصلوات قداسة البابا الأنبا تواضروس الثاني.
القمص بطرس بطرس جيد
مركز معلم الأجيال
لحفظ ونشر تراث البابا شنوده الثالث
الفصل الأول واجب الأم في الأسرة - ضرورة المرأة للعالم
ضرورة المرأة للعالم[1]
أول حقيقة أن المرأة مهمة بالنسبة إلى العالم.
هناك كلمة عجيبة سجَّلها سفر التكوين في قصة الخليقة، وهي أن الله خلق كل شيء حسنًا. ولكن وسط هذه الصورة العجيبة الرائعة للخليقة، رأى الله أن هناك شيئًا لم يكن حسنًا. وفي هذا قال الكتاب: "لَيْسَ جَيِّدًا أَنْ يَكُونَ آدَمُ وَحْدَهُ، فَأَصْنَعَ لَهُ مُعِينًا نَظِيرَهُ"(تك18:2).
كانت هذه هي نقطة النقص الوحيدة في الخليقة، وأكملها خلق الله للمرأة. وبعد ذلك "وَرَأَى اللهُ كُلَّ مَا عَمِلَهُ فَإِذَا هُوَ حَسَنٌ جِدًّا"(تك31:1)، على أننا نلاحظ شيئًا مميزًا في خلق المرأة:
خلقها الله في طبيعة معدَّلة ألطف مما خُلِق منه الرجل.
لقد خُلِق آدم من تراب، وخُلِقت المرأة من جسد الرجل أي أنها خُلِقت على مرحلتين: من التراب صنع الله الرجل، ومن الرجل صنع المرأة.
وليس صحيحًا ما يقال إن المرأة فُرِضَت على الرجل!!
أي أن آدم لم يكن محتاجًا إليها وفُرِضَت عليه، فوجد إلى جواره امرأة، كلَّا، فقد كان آدم محتاجًا إلى حواء. فكل المخلوقات الحية كانت تتآلف معًا في الحياة الاجتماعية. وأما آدم "فَلَمْ يَجِدْ مُعِينًا نَظِيرَهُ"(تك20:2). وهذا الاحتياج الداخلي في قلب آدم، صعد إلى الله فاستجاب وخلق له هذا المعين نظيره، أي في نفس المستوى، ومثله على صورة الله ومثاله (تك27:1).
وأخذ الله ضلعًا من آدم - بدون ألم - وصنع منه حواء.
ذلك لأن الألم لم يُعرَف إلا بعد الخطية، وهكذا أوقع الله عليه سُباتًا وانتزع منه الضلع، فقام الله بأول عملية تخدير في العالم ووُجِدَت حواء، وفرح بها آدم، وقال عنها: "هذِهِ الآنَ عَظْمٌ مِنْ عِظَامِي وَلَحْمٌ مِنْ لَحْمِي هذِهِ تُدْعَى امْرَأَةً لأَنَّهَا مِنِ امْرِءٍ أُخِذَتْ"(تك23:2).
وهكذا نرى أن آدم وحواء كانا جسدًا واحدًا قبل أن يتزوجا.
لأنهما من جسد واحد.. ونلاحظ في قصة الخليقة أن حواء، وإن كانت من الناحية الجنسية والجسدية تختلف عن آدم، إلا أنها كانت مساوية له في الطبيعة، وفي السلطة، وفي البركة، وفي المواهب.
هي في نفس الصورة الإلهية، حسبما قيل إن الله خلقهما على صورته "ذَكَرًا وَأُنْثَى خَلَقَهُمْ وَبَارَكَهُمُ اللهُ وَقَالَ لَهُمْ: أَثْمِرُوا وَاكْثُرُوا وَامْلأُوا الأَرْضَ، وَأَخْضِعُوهَا، وَتَسَلَّطُوا عَلَى سَمَكِ الْبَحْرِ وَعَلَى طَيْرِ السَّمَاءِ وَعَلَى كُلِّ حَيَوَانٍ يَدِبُّ عَلَى الأَرْضِ"(تك1: 27 - 28). أي باركهما معًا، وأعطاهما معًا نفس السلطان على جميع حيوانات البرية وطيور السماء وسمك البحر.
هذه الأنثى سميت أولًا امرأة، لأنها من امرئ أُخِذَت. ولكنها بعد الخطية، بعد أن أنجبت بنين، دعاها آدم حواء لأنها أم كل حي: "دَعَا آدَمُ اسْمَ امْرَأَتِهِ حَوَّاءَ لأَنَّهَا أُمُّ كُلِّ حَيٍّ"(تك20:3).
ونلاحظ أن المرأة في التاريخ كان لها وضع قيادي.
فبين النساء كانت هناك ملكات، سواء منهن من صرن هكذا بالوراثة أو من تزوجن ملوكًا. فــ "الملكة أستير" لم تصر قائدة لأنها زوجة ملك فحسب، بل نجد لها موقفًا قياديًّا لكل الشعب اليهودي في أيامها.
- وفي تاريخ مصر نسمع عن "الملكة حتشبسوت"، التي كان كل إخوتها الملوك تحت قوة تفكيرها وقوة شخصيتها.
- كذلك فإن "الملكة كليوباترا"، كان تحت سلطتها جميع الملوك الذين عاصرتهم.
- ومعروف أن المرأة من أول حياتها قامت بعمل قيادي، حتى بالنسبة إلى الرجل، فبِغَض النظر عن أن حواء قادت آدم إلى طريق الخطأ، إلا أنها - على أي الحالات - قادته وكان لها تأثير عليه. أي أن مواهب القيادة كانت لها منذ البدء. أقول هذا لأثبت أن موهبة القيادة لا تنقص المرأة.
من هذه الأمثلة، "أبيجايل" التي قادت داود النبي.
وقد مدح داود حكمتها، وقال لها: "مُبَارَكٌ عَقْلُكِ، وَمُبَارَكَةٌ أَنْتِ، لأَنَّكِ مَنَعْتِنِي الْيَوْمَ مِنْ إِتْيَانِ الدِّمَاءِ وَانْتِقَامِ يَدِي لِنَفْسِي"(1صم33:25)، وقال لها أيضًا: "اصْعَدِي بِسَلاَمٍ إِلَى بَيْتِكِ. انْظُرِي قَدْ سَمِعْتُ لِصَوْتِكِ وَرَفَعْتُ وَجْهَكِ"(1صم25: 33، 35).
إن "أبيجايل" في هذه القصة، قادت - ليس رجلًا عاديًّا - إنما رجلٌ كان نبيًّا، وقائدًا لجيش، وكان روح الرب قد حَلَّ عليه من قبل، وكان مسيحًا للرب.
نذكر أيضًا "دبورة" في العهد القديم.
هذه التي كانت قاضية لإسرائيل، تجلس تحت النخلة التي دُعِيَت باسمها "نَخْلَةِ دَبُورَةَ"، "وَكَانَ بَنُو إِسْرَائِيلَ يَصْعَدُونَ إِلَيْهَا لِلْقَضَاءِ"، وكانت أيضًا نبية لله (قض4:4).
وكما قادت الشعب، قادت "باراق بن أبينوعم" قائد الجيش أيضًا، الذي رفض أن يذهب إلى الحرب بدونها. وقال لها:"إِنْ ذَهَبْتِ مَعِي أَذْهَبْ، وَإِنْ لَمْ تَذْهَبِي مَعِي فَلاَ أَذْهَبُ"(قض8:4). وذهبت معه ونسب إليها الانتصار والقضاء على سيسرا.
نذكر أيضًا "القديسة ماكرينا" التي قادت إخوتها القديسين روحيًّا.
فكانت هي الأم الروحية للقديس باسيليوس الكبير رئيس أساقفة قيصرية كبادوكية، وكذلك كانت القائدة الروحية لأخيها القديس غريغوريوس أسقف نيصص، ولأخيها القديس بطرس أسقف سبسطية، كما صارت الأم الروحية لدير راهبات.
نذكر أيضًا قديسات مُرشِدات في الرهبنة.
منهن "القديسة ميلانيا" الراهبة المعروفة، التي كانت مرشدة روحية للقديس مار أوغريس. و"القديسة الأم سارة"، التي كان رهبان الإسقيط يأتون إليها للاسترشاد بها، ويكشفون لها أفكارهم.
ولا ننسى أيضًا "القديسة دميانة" الراهبة والشهيدة، التي قادت أباها الوالي إلى التوبة عن جحوده وإلى الاستشهاد، وكانت تقود أربعين عذراء وتشجعهم.
من القيادات النسائية أيضًا "القديسة مونيكا".
التي بأمثولتها الطيبة، وبصلواتها ودموعها، قادت ابنها أغسطينوس إلى حياة الإيمان والتوبة.
إنني لا أقصد بهذه الأمثلة قيادة نساء لرجال فحسب، إنما أقصد بصفة عامة أن المرأة لا تنقصها روح القيادة.
المرأة أيضًا لا تنقصها الشجاعة والإيمان.
فنحن نقرأ في التاريخ عن شهيدات في منتهى الشجاعة، احتملن عذابات لا تُطاق. والمعروف أن المرأة – عمومًا - مشهورة بالاحتمال.
- ومن أمثلة هؤلاء "الأم دولاجي" التي ذبحوا أطفالها على حجرها، وهي تشجعهم على الاستشهاد.
- و"الأم صوفية" التي شجعت بناتها الثلاث على الاستشهاد.
- كذلك "القديسة ثيئودورا" التي اقتادوها إلى بيت للدعارة لإفسادها، فأنقذها شاب كان يرتدي ملابس جندي، وأعطاها هذه الملابس لينقذها فخرجت بها، ثم اكتشف أمره. فلما اقتيد إلى القتل ورأته، جرت وراءه قائلة: "أتريد أن تسرق مني إكليلي؟!" فقبضوا عليها وقادوها إلى الاستشهاد.
- لا ننسى أيضًا "القديسة كاترين" وتأثيرها، وغيرها كثيرات.
- كما لا ننسى شخصية "القديسة يوستينا"، وكيف خاف الشيطان من مجرد ذكر اسمها، وكيف قادت الساحر كبريانوس إلى الإيمان.
النساء أيضًا كن مُبادِرات وظاهرات في محيط الخدمة.
- تبعن المسيح، وصرن له تلميذات.
- وذكر إنجيل لوقا بعضًا منهن. ثم قال: "وَأُخَرُ كَثِيرَاتٌ كُنَّ يَخْدِمْنَهُ مِنْ أَمْوَالِهِنَّ"(لو3:8).
- ولا ننسى "فيبي" تلميذة بولس الرسول التي كانت شماسة وشهادته لها بأنها: "هِيَ خَادِمَةُ الْكَنِيسَةِ الَّتِي فِي كَنْخَرِيَا كَيْ تَقْبَلُوهَا فِي الرَّبِّ كَمَا يَحِقُّ لِلْقِدِّيسِينَ"(رو16: 1، 2). وكيف: "أَنَّهَا صَارَتْ مُسَاعِدَةً لِكَثِيرِينَ"(رو2:16)، كما كانت تكتب بعض رسائل القديس بولس.
- كذلك لا ننسى بيوت العذراى والأرامل وخدمتهن (1تي5).
والمعروف أن بعض النساء في العصر الرسولي وَهَبن بيوتهن لتكون كنائس.
- منهن "أم مرقس الرسول" التي صار بيتها أول كنيسة في المسيحية. ويُذكَر في (أع12:12) عن القديس بطرس الرسول لمَّا خرج من السجن متجهًا إلى التلاميذ في بيت "أم مرقس الرسول"، فيقول الكتاب عنه: "ثُمَّ جَاءَ وَهُوَ مُنْتَبِهٌ إِلَى بَيْتِ مَرْيَمَ أُمِّ يُوحَنَّا الْمُلَقَّبِ مَرْقُسَ، حَيْثُ كَانَ كَثِيرُونَ مُجْتَمِعِينَ وَهُمْ يُصَلُّونَ".
- ويقول القديس بولس الرسول في آخر رسالته إلى رومية: "سَلِّمُوا عَلَى بِرِيسْكِلاَّ وَأَكِيلاَ الْعَامِلَيْنِ مَعِي فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ، اللَّذَيْنِ وَضَعَا عُنُقَيْهِمَا مِنْ أَجْلِ حَيَاتِي، اللَّذَيْنِ لَسْتُ أَنَا وَحْدِي أَشْكُرُهُمَا بَلْ أيضًا جَمِيعُ كَنَائِسِ الأُمَمِ، وَعَلَى الْكَنِيسَةِ الَّتِي فِي بَيْتِهِمَا"(رو16: 3 - 5).
لا ننسى قبل كل هؤلاء "القديسة العذراء مريم". التي لما سمعت القديسة أليصابات صوت سلامها، امتلأت من الروح القدس، وارتكض الجنين بابتهاج في بطنها (لو1: 41 - 42).
القديسة العذراء التي نقول عنها في التسبحة: "ارتفعتِ يا مريم فوق الشاروبيم، وسموتِ يا مريم فوق السارافيم". نذكرها في ألحاننا قبل رؤساء الملائكة.
إن العذراء مريم تمثل البتولية، وأليصابات تمثل الزواج، وحَنة النبية تمثل الترمُّل. وكلهن اجتمعن في قصة ميلاد المسيح.
[1] من محاضرة ألقاها قداسة البابا بمناسبة عيد الأم وعيد الأسرة، في ديسمبر 1977م في مؤتمر المرأة، نُشرت في مجلة الكرازة، بتاريخ 13 مارس 1998م
واجب الأم في الأسرة
واجب الأم في الأسرة[1]
على المرأة واجبات عديدة في محيط الأسرة، تلزمها عناصر ينبغي توافرها لكي تسير الأسرة بمنهج سليم، يقود إلى سعادة الأسرة ومثاليتها.
فما هي العناصر اللازمة لصيانة الأسرة وحفظ سلامتها؟
عنصر الفهم
تحتاج المرأة في الأسرة أن تفهم عقلية الرجل ونفسيته وطباعه، وتتعامل معه بما يناسب هذا الفهم، كما ينبغي للرجل أيضًا أن يفهم نفسية المرأة وطباعها.
يُعوِز المرأة أيضًا أن تفهم نفسية أبنائها، في كل مرحلة من مراحل السن، وما يناسب كل مرحلة من أسلوب التعامل، عليها أن تدرس ذلك، أو على غيرها أن يفهمها هذه الأوضاع كلها.
يمكن أن تصدر لجنة المرأة كتبًا تشرح نفسيات الأطفال، وطريقة تربيتهم. وما قد يصدر عنهم من أخطاء في كل مرحلة من مراحل العمر، سواء عن قصد أو غير قصد وطريقة معالجة تلك الأخطاء. أو يمكن لمعهد الرعاية في كنيستنا أن يصدر أمثال هذه الكتب أو النبذات.. ومن المعروف أن هناك هيئات تربوية كثيرة قد اهتمت بهذا الموضوع. وأصدرت فيه مطبوعات عديدة.
مثال ذلك ما نُشِر عن الطفل الخجول وكيفية معاملته أو عن الطفل المشاكس والطفل العدواني، والطفل الأناني، والطفل العنيد وطريقة معاملة كل منهم.
طول البال
يلزم الأم أيضًا أن تكون طويلة البال مستريحة الأعصاب، ولا تجعل أولادها ضحية لحالتها النفسية. فقد تكون حالتها النفسية مُتعَبة في بعض الأوقات نتيجة لظروفها الجسدية أو الصحية. أو نتيجة لخلاف بينها وبين زوجها أو بعض المعارف فلا يجوز أن يدفع أولادها الثمن. ويتحملوا تعبها النفسي من جهة اضطراب أعصابها، أو كونها غير قادرة على الاحتمال، لو أنها تعاني ضيق الخلق. مجرد رؤية أولادها لها في هذه الحالة، عثرة لهم. ما ذنبهم في أن أمهم تكون وقتذاك عصبية. لا تحتمل كلمة منهم، تصيح وتنتهر، وترفض التفاهم. أو ربما تضرب وتؤذي!
وقد يلتقط أولادها منها هذا الأسلوب، في تعاملهم مع بعضهم البعض! بينما المفروض أنها تكون قدوة لهم في كل شيء ووسيلة إيضاح أيضًا لكل فضيلة.
عليها إذا غضبت أن تضع حدودًا لغضبها وأسلوبها. فيكون غضبها لسبب روحي يتفهمه الأطفال، ويأخذون منه درسًا ولا ينحرف الغضب إلى العنف، أو إلى استخدام ألفاظ غير لائقة ولا تستخدم فيه الضرب أو الشدة، أو التهديد بما لا تستطيع تنفيذه! مع إدراك الأبناء لعدم قدرتها على تنفيذ تهديداتها، فيسخرون منها في داخلهم أو يعلنون ذلك.
عنصر الحنان
المفروض في الأم أن تكون مصدر حنان لأبنائها، وينفع الأطفال جدًّا أن يشبعوا من حنان أمهاتهم. حتى لا ينحرفوا إلى التماس الحنان من مصدر خارجي لا نضمن سلامته. وحنان الأم ينبغي أن يكون بحكمة. فلا يتحول إلى تدليل خاطئ يسيء إلى تربيتهم، ولا يستغله الأبناء في أن يسلكوا بأسلوب اللامبالاة؛ إذ يجدون أمهم أمامهم راضية بأي خطأ، أو أنها أمام أبيهم تدافع عن أخطائهم، وتبررها، أو تغطي عليها فلا يراها!! وهكذا لا يجد الابن من يربيه.
والحنان يشمل أيضًا عنصر العطاء لما يحتاجه الابن. فتشعر الأم باحتياجاته وتعطيه دون أن يطلب. ولا شك أن هذا يترك في نفسه أثرًا طيبًا ويبادلها حبًّا بحب. ولكن العطاء ينبغي ألا يمتزج بالإسراف والبذخ. وإنما يكون في حدود المعقول. وذلك حتى لا يشب الابن شاعرًا بأن كل ما يطلبه واجب التنفيذ، مهما كانت حالة الأسرة لا تسمح بهذا.
المرح وانضباطه
من الأمور اللطيفة التي يحبها الأطفال، جو المرح في البيت.. والأم اللطيفة المرحة تكسب محبة أبنائها، حتى إن الضيوف والأقرباء الذين يزورون البيت، إن كانوا يتصفون بالمرح يحبهم الأولاد ويلتفون حولهم، ويُسعدهم تكرار زياراتهم.
وإن لم يجد الأبناء مرحًا في البيت، سيبحثون عنه خارج محيط الأسرة. ولا نضمن أي نوع من المرح سيجدونه، وتأثير ذلك عليهم.
على أن المرح في البيت يجب أن يكون منضبطًا، فيتعود الأولاد أن للمرح حدودًا وأوصافًا، وإن خرجوا فيه عن الأسلوب المعتدل، يخطئون ولا يُقابَلون بتشجيع من أحد؛ بل تنبههم الأم إلى تجاوزهم في مرحهم، سواء بكلمة أو بإشارة أو بملامحها غير الراضية.
إذًا ينبغي الاهتمام بأسلوب المرح، وبوسائله. ومع من يكون؟ وإلى أي حد؟ ويدركون أنه يمكن لهم أن يمزحوا مع غيرهم، وليس أن يسخروا منهم. ويميزون بين الفكاهة المقبولة وغير المقبولة.
وكيف أن مجالس المرح لا تتحول إلى مجالس المستهزئين (مز1) وكذلك لا يتحول المرح إلى هرج، ولا يكون في كل وقت ولا مع كل أحد، لأن هناك أوقاتًا تحتاج إلى جدية. والخروج عن الجدية وقتذاك يكون ملومًا ومعيبًا.
عنصر الحكمة
التمييز بين أوقات المرح والجدية، وضبط الأم لهذا الأمر يحتاج إلى حكمة.. كذلك ينبغي أن تحل مشاكل البيت والأولاد بحكمة. فهناك أمور تحتاج من الأم إلى تدخل جاد، وأمور أخرى يحسن تركها بعض الوقت، حتى لا تأخذ الأم موقف الشرطي في محيط الأسرة!!
أمور تصمت عنها إلى أن تحلها فيما بعد، وأمور تأخذ فيها موقفًا في نفس الوقت. هناك ما تحله على مستوى الجلسة الخاصة مع أحد الأبناء وأشياء أخرى نتكلم عنها أمام الجميع، لكي يأخذ الآخرون منها درسًا وينتفعوا، ومسائل تحتاج إلى لون من التوعية والتفهيم.
والحكمة تدخل أيضًا في موضوع العقوبة.
العقوبة والمخاصمة
بعض الأخطاء تحتاج إلى عقوبة، إذا كانت فادحة ومقصودة، بينما أخطاء أخرى يكفيها مجرد التنبيه، أو التوبيخ أو الإرشاد، أو إظهار عدم الرضى عنها، أو الإنذار بالعقوبة إن تكرر الخطأ.
والعقوبة لازمة لأن كثيرين لا يشعرون بفداحة الخطأ إن لم يُعاقَبوا. وبدون العقوبة قد يستمر المخطئ في خطأه، وقد يصل إلى حد الاستهانة والاستهتار. والله - تبارك اسمه - قد عاقب كثيرين فرادا وشعوبا . أفرادًا وشعوبًا.
وقد حكم حكمًا شديدًا على عالي الكاهن، لأنه لم يؤدب أولاده، فمن حق الأم أن تُعاقِب، ومن حق الأب أن يُعاقِب، بل من واجبهما أن يفعلا ذلك، لأنهما مسؤولان عن تربية أولادهما.
وهناك ألوان من العقوبة يستخدمها الآباء والأمهات.
البعض منهم قد يمنع عن ابنه بعض المصروف أو الهدايا، أو يمنعه عن بعض النزهات أو بعض المشتهيات أو بعض الزيارات التي يحبها. أو يمنعه عن اللعب، أو عن بعض الصداقات، أو يلجأ بعض الآباء والأمهات في معاقبة أبنائهم إلى الضرب أو الشتيمة. وهذا بلا شك أسلوب غير روحي. إن كان مرتبطًا بالعنف والإهانة وجرح الشعور، وقد يأتي بنتائج مسيئة إذا كان منهجًا مستمرًّا.
على أن البعض قد يستخدم المخاصمة أو المقاطعة، فتستمر الأم مثلًا فترة طويلة لا تكلم ابنها، ولا تستمع إليه ولا ترد عليه إن كلَّمها. أو تتجاهله باستمرار. أو أن تغيظه في فترة مخاصمتها له بأن تعامل أحد إخوته بلطف وحنو ومودة، وقد تطول المقاطعة أو المخاصمة ويبدو الموضوع بلا حل.
وإن اشتكى الابن لأحد الأقارب أو الأصحاب، تعنفه بشدة وتقول له: "أنت تفضحنا وسط الناس، وتنشر أسرار الأسرة في الخارج"، وتزداد مقاطعتها له ولا شك أن المخاصمة والمقاطعة لها أضرارها وأخطارها. فهي إجراء سلبي، وليست حلًّا لمشكلة. ويكون فيها الابن - وبخاصة إن كان صغيرًا - في وضع عاجز عن التصرف، ولا يعرف متى تنتهي هذه المخاصمة؟ وكيف؟ كما أنها لا تعطي مجالًا للتفاهم ولا للحوار، وإن طالت يزداد الأمر تعقيدًا.
يبدو أن هذه الوسيلة كعقوبة لا تصلح إلا إذا كانت لدقائق أو ساعات يعقبها عتاب. المهم في العقوبة أن تكون ذات نتيجة طيبة في تقويم الابن ولا تكون مجرد تنفيس عن غضب مكبوت، أو إراحة لأعصاب متوترة، والأم الحكيمة لا تهدد وإنما تتصرف تصرفًا حكيمًا، يجمع بين الحب والحزم وبين العقاب والعلاج.
فيكون العقاب هدفه العلاج، وليس لمجرد العقاب والمجازاة.. وبحكمة تكون العقوبة وتعرف صاحبتها متى تكون؟ ولأي سبب؟ هل تصلح؟ وإلى أي مدى؟
شروط العقوبة
الشرط الأول
أن يعرف الابن أنه مخطئ ويستحق العقوبة؛ لذلك ينبغي توضيح الموقف له، وشرح نوعية الخطأ الذي وقع فيه ونتائجه.. على أن يقتنع بذلك، لأنه إذا لم يدرك أنه قد أخطأ، سيشعر أنه واقع تحت ظلم، وأن سلطة الوالدين تُستَخدم بطريقة عشوائية وبدون حق، وهذا الشعور يضره ويتعبه.
الشرط الثاني
يجب إقناعه أيضًا بأن العقوبة نافعة له وأنها تفيده وتربيه، حتى يبتعد عن الخطأ، ولا يكرره ولا يصبح عادة له. وكلما يتذكر العقوبة، يذكر أنه قد فعل ما لا يليق، وقد أغضب الله ووالديه بما فعله، وربما قد أساء كذلك إلى سمعة الأسرة، وقدَّم صورة غير لائقة لإخوته، الذين قد يقلدونه إذا وجدوا أن خطأه قد مر بسهولة دون عقاب، فالعقوبة كما هي نافعة له، فهي نافعة أيضًا لغيره.
الشرط الثالث
يجب أن يشعر المخطئ بأن العقوبة لا تمنع المحبة، فمحبة أمه له قائمة، تُظهِرها نحوه بأساليب أخرى على الرغم من بقاء العقوبة. وأن هذه المحبة هي جزء من طبيعة الأم، وقد أظهرتها نحوه في مناسبات عديدة تُذكّره بها. وأن الله نفسه قد عاقب البشر، على الرغم من محبته لهم.
الشرط الرابع
من شروط العقوبة أن تكون على قدر الاحتمال، على قدر ما يستحق الخطأ من جهة، وعلى قدر ما يحتمل المخطئ من جهة أخرى. ويُراعَى في هذا شعور الابن الحساس، والابن الصغير، والابن المحب قد تصدمه العقوبة في أمه. وأيضًا يُراعَى شعور الابن المحتاج إلى حنان لظروف خاصة، ويُراعَى أيضًا عامل السن، وعامل المعرفة أو الجهل.
الشرط الخامس
تكون العقوبة لوقت محدد، تنتهي بعده. لأن هناك أمهات إذا غضبت مرة واحدة يكون غضبًا مستمرًّا لا تعرف متى ينتهي! وإن خاصمت تستمر المخاصمة إلى مدى لا تعرف نهايته! وهكذا إذا عاقبت، لا يعرف الابن متى تنتهي عقوبته! وإذا منعته عن شيء، لا يعرف متى ينتهي هذا المنع!
وكل هذا خطأ بلا شك. فالله نفسه تبارك اسمه قيل عنه فى المزمور: "الرَّبُّ رَحِيمٌ وَرَؤُوفٌ، طَوِيلُ الرُّوحِ وَكَثِيرُ الرَّحْمَةِ لاَ يُحَاكِمُ إِلَى الأَبَدِ، وَلاَ يَحْقِدُ إِلَى الدَّهْرِ"(مز103: 8 - 9).
الشرط السادس
تكون العقوبة لونًا من العلاج، فتعاقبه الأم بمنعه عمَّا يضره وإبعاده عن أسباب الخطأ، ويكون هذا علاجًا له، بحيث يدرك أيضًا أن هذا لونًا من العلاج، وليس مجرد عقاب؛ كمنعه مثلًا من صداقات ضارة. وعن زيارات تسبب له خطايا، أو منعه عن مرفِّهات ومسلِّيات تضره.
الشرط السابع
ويشترط في العقوبة أن تكون على أساس ثابت. بحيث يفهم الابن أنها تمثل مبادئ وقيمًا ثابتة، وهكذا لا تكون الأم مترددة تمنعه عن شيء في وقت ما. وتصرح بنفس الشيء في وقت آخر، فلا يدري الابن الحكمة من تصرفها ومن معاقبتها، ما دامت هي تأمر بالشيء وعكسه!!
مصادقة الأبناء
يفيد جدًّا في التربية، وفي العلاقات الأسرية، أن تكون الأم صديقة لأبنائها تربطها معهم عوامل من المودة، وليست مجرد سلطة الأعلى على الأدنى. وفي هذه الصداقة والمودة، توجد الثقة والمصارحة.
فيستطيع الابن أن يفتح قلبه لها، ويحدثها بكل صراحة عمَّا في داخله، وعن مشاكله وحروبه الروحية، دون أن يخشى عقابًا أو توبيخًا أو فقدانًا لثقتها به. بل يطلب المشورة والإرشاد، ولا مانع من الحوار، لا بلون من المجادلة والكبرياء، بل – فقط - للتوضيح وبحث كل وجهات النظر معًا.
وحتى إن كشف لها الابن أخطاءه ومشاكله، يكون على يقين أنها ستحفظ السر، ولن تعايره بخطأ وقع فيه، أو تعاقبه عليه. وفي هذا يثق الابن أن أمه موضوعية وليست انفعالية وتحلل ما يقوله لها في موضوعية، وترشده إلى الواجب عليه، دون أن تثور، ودون أن تتضايق أو تبكي، أو تطالبه بأكثر مما يستطيع، أو تشتد في لومه وفي إيلامه. وفي حفظها للسر لا يكون ذلك بحفظ اللسان فقط من الكلام، بل أيضًا بحفظ ملامحها فلا تكشف شيئًا، وبالحرص في معاملاتها له فلا يستنتج منها ما أرادت أن تخفيه بصمتها.
مثل هذه الأم التي لا تتصرف بطريقة انفعالية، تكون موضع ثقة ابنها وتقديره، ويستطيع أن يتخذها كصديقة ومرشدة.. وفي ثقته بها توجد المصارحة وكشف القلب والفكر، على أساس من المودة والحب.
ويا ليت الابن أيضًا يثق بذكاء أمه وحكمتها وحسن تصريفها للأمور، فليست كل أم تصلح أن يتخذها أبناؤها مرشدة لهم.
الاحترام والتقدير
من المفروض أن يحترم الأبناء آباءهم وأمهاتهم، فالكتاب يقول: "أَكْرِمْ أَبَاكَ وَأُمَّكَ لِكَيْ تَطُولَ أَيَّامُكَ عَلَى الأَرْضِ الَّتِي يُعْطِيكَ الرَّبُّ إِلهُكَ"(خر12:20)، "وَلِكَيْ يَكُونَ لَكَ خَيْرٌ علَى الأَرْضِ الَّتِي يُعْطِيكَ الرَّبُّ إِلهُكَ"(تث16:5).. وقد علَّق القديس بولس الرسول على هذه الوصية بأنها أول وصية بوعد (أف2:6).
ويكون احترام الإنسان لأمه، ليس لمركزها العائلي كأم فحسب، ولكن حبَّذا إذا كان ذلك أيضًا بسبب تقديره لعقلها وحكمتها، وحسن مشورتها، وحسن تصريفها وتدبيرها لأمور الأسرة. ولا تكون مثل "بثشبع" أم سليمان الملك، التي جاءته في طلب فقام عن كرسي ملكه وسجد لها، وأجلسها على كرسي عن يمينه. ولكن لما طلبت منه طلبًا شعر أنه ضد الشريعة، لم يستجب لها، بل عاقب من جاءت تتوسط لأجله وقال: "حَيٌّ هُوَ الرَّبُّ الَّذِي ثَبَّتَنِي وَأَجْلَسَنِي عَلَى كُرْسِيِّ دَاوُدَ أَبِي، وَالَّذِي صَنَعَ لِي بَيْتًا كَمَا تَكَلَّمَ، إِنَّهُ الْيَوْمَ يُقْتَلُ أَدُونِيَّا"(1مل2: 19 - 25).
هناك إذًا فرق بين الاحترام للمركز، واحترام الصفات والشخصية. والأم الحكيمة العاقلة هي الأم التي يحترمها أبناؤها للأمرين معًا. حتى لو لم تكن أمًا، لا يقل احترامهم لها، فشخصيتها تُوجِب الاحترام. وكلامها يجب تنفيذه، ليس لأنه فقط كلام أم، بل بالأكثر لأنه كلام منفعة، كله حكمة وفائدة.
هذه هي الأم التي لها مواهب وشخصية، وحياة ماثلة، إنه احترام من عمق القلب والعقل، لأنها موضع ثقة. غير أن بعض الأمهات، للأسف، يطلبن الاحترام والطاعة في مواقف وأوامر خاطئة لا يمكن للابن الحكيم أن يطيعها! كما حدث لــ "بثشبع" مع ابنها سليمان الحكيم.
وإن حدث لمثل هذه الأم أن خالفها ابنها! أن تثور عليه وتوبخه، وتقول له: بهذا الأسلوب تُكلِّم أمك؟! وأين هي الطاعة التي أمرك بها الرب؟! ونفس الوضع بالنسبة إلى الأب المخطئ في أوامره، وهكذا يقول الكتاب: "أَيُّهَا الأَوْلاَدُ، أَطِيعُوا وَالِدِيكُمْ فِي الرَّبِّ لأَنَّ هذَا حَقٌّ"(أف1:6). نعم في الرب، فهذا حق. أما خارج دائرة الرب، فيقول السيد الرب: "مَنْ أَحَبَّ أَبًا أَوْ أُمًّا أَكْثَرَ مِنِّي فَلاَ يَسْتَحِقُّنِي"(مت37:10). أما في الرب فكل كلمة تقولها الأم، تكون موضع الطاعة وموضع التنفيذ، برضى وبشكر.
والأم الحكيمة تحترم أولادها أيضًا كما يحترمونها لا تهينهم، ولا توبخهم بغير سبب يستحقون عليه التوبيخ، ولا تجرح شعورهم، ولا تصغِّر من شأنهم، بل تكلمهم بألفاظ رقيقة، ويكونون في نظرها كبارًا تفتخر بهم، وترفع من قدرهم أمام الكل، وتمتدح ما فيهم من حسنات، وتسرّ بنجاحهم وتفوقهم. الابن يعاملونه خارج بيته معاملة طيبة وباحترام، ولكنه – للأسف - لا يجد في بيته نفس الاحترام الذي يجده خارجًا. فإنه في نظرهم باستمرار، صغير مهما كبر، لهذا يعاملونه في البيت كصغير لا يستحق احترامًا، وبهذا قد ينشأ الابن معقدًا، يبحث عن احترامه دائمًا خارج بيته!
أما في البيت فقد يجد الابن العناية، ولكن ليس الاحترام. لهذا أقول باستمرار أن الزواج يحتاج بكل تأكيد إلى مواهب تربوية سليمة. والأم بالذات، تحتاج بالأكثر إلى هذه المواهب التربوية؛ لأن الأب غالبًا ما يكون مشغولًا بعمله خارج البيت، تاركًا مسؤولية تربية أبنائه لأمهم.
[1] مقال نُشر في جريدة وطني، بتاريخ 15 مارس 1998م
دور الأم كإشبين وخلق جو روحي في البيت؟
دور الأم كإشبين وخلق جو روحي في البيت؟[1]
نقطة أخرى أقولها في عيد الأم وهي عمل الإشبين والجو الروحي، لقد تسلَّمتم أطفالكم من الكنيسة بملابس بيضاء، رمزًا للنقاوة والطهارة الداخلية يوم المعمودية، تذكروا قول الكتاب: "لأَنَّ كُلَّكُمُ الَّذِينَ اعْتَمَدْتُمْ بِالْمَسِيحِ قَدْ لَبِسْتُمُ الْمَسِيحَ"(غلا27:3)، وتذكروا أن الطفل أصبح عروسًا للمسيح لذلك نلبسه ملابس بيضاء مثل العروس، الولد أنتم أخذتوه نقيًّا والأم إشبينة له وتحمله على كتفها.
هل أنتن قمتن بعملكن كإشبينات؟
أنا أسأل جميع الأمهات في هذا الاجتماع كله: هل قمتنَّ بعملكن كإشبينات؟ يجب أن تعلّمن الولد الكتاب المقدس ورشم الصليب، تقومن بتحفيظه آيات وألحانًا وتراتيل، وكيف يصلي، تعلمنه أخلاقًا حسنة، وتعطينه قدوة صالحة ونموذجًا للحياة الطيبة.
هل عندما يكبر تسردن له قصصًا من الكتاب المقدس، وسير القديسين؟
تعلمنه طريق لله، تعطينه دروسًا روحية كل يوم، تمارسن معه الحياة الروحية، تعلمنه كيف يرفع يديه، كيف يركع؟ كيف يصلي؟ كيف يذهب إلى الكنيسة؟ كيف يتأدب فيها؟ تعلمنه الألفاظ الحلوة، ماذا يتعلَّم الولد منكن؟ ما الذي قمتنَّ به كأشابين لأولادكم؟ أب وأم يقولان ربينا أولادنا أفضل تربية، وأفضل ملابس، أفضل طعام وشراب، أفضل تعليم، أفضل راحة في البيت، سرير خاص، غرفة خاصة، لعب ممتازة، كل احتياجاته، لكن روحياته لا توجد!!
ماذا فعلتِ أيتها الأم كإشبينة؟ أقول لكِ أنا ماذا تعملي؟ تأتي هذه الأم بعد عشر سنين، وتبكي وتقول: "الولد مكفر سيئاتي".. وأنت لماذا تكون لك سيئات كي يكفرها الولد؟ لو ربيت الولد في مخافة الله لا يتعبك. كلمة حسنة جدًّا قالها أحد القديسين: "أدِّبوا الأحداث قبل أن يُؤدِّبوكم".. إذا لم تؤدِّب الولد وهو صغير، هو سيؤدِّبك عندما يكبُر، وما يزرعه الإنسان إياه يحصد. تقول لم أقصر في حق ابني في شيء، أحضرت له الراديو والتلفزيون والتسالي وعضوية النادي وأعطيته مصروفًا كبيرًا والرحلات والسينما، وكل شيء كما أراد وأكثر، وأين الله ومعرفته وما يتعلق بحياته الأبدية؟!
[1]جزء من عظة لقداسة البابا شنوده الثالث، بعنوان "الأسرة المثالية وكيف تكون؟"، بتاريخ 20 مارس 1981م
عاطفة الأمومة
عاطفة الأمومة[1]
عاطفة الأمومة أو غريزة الأمومة قوية في غالبية النساء، حتى إن نساء يبكين بكاءً إن لم يكن لهن أولاد، ويشتهين النسل بكل قلوبهن.
أمنا "سارة" أعطت جاريتها هاجر لأبينا إبراهيم، لكي تلد له نسلًا يُنسَب إليها!
وما أعجب الصراع الذي قام بين أختين هما ليئة وراحيل من أجل التسابق في ولادة البنين، حتى قالت راحيل في ذلك: "مُصَارَعَاتِ اللهِ قَدْ صَارَعْتُ أُخْتِي وَغَلَبْتُ"(تك8:30).
بل إن شهوة البنين جعلت راحيل تقول لزوجها يعقوب: "هَبْ لِي بَنِينَ، وَإِلاَّ فَأَنَا أَمُوتُ! فَحَمِيَ غَضَبُ يَعْقُوبَ عَلَى رَاحِيلَ وَقَالَ: أَلَعَلِّي مَكَانَ اللهِ الَّذِي مَنَعَ عَنْكِ ثَمْرَةَ الْبَطْنِ؟"(تك30: 1، 2).
ومن أجل شهوة البنين، كانت العاقر إذا ولدت تقول: "قَدْ نَزَعَ اللهُ عَارِي"(تك23:30). وكانت تعتبر إنجابها خلاصًا(1صم1:2)، (لو71:1).
ومن أجل الرغبة في إنجاب البنين، بكت حنة في الهيكل أمام الرب، وأكثرت الصلاة وهي حزينة الروح، ونذرت نذرًا أن تهب المولود للرب (1صم1).
وإنجاب البنين كانت له بهجة، جعلت نسوة في سن الشيخوخة يفرحن بولادة البنين مثل سارة وأليصابات.
والكتاب المقدس يشبه المرأة التي تنجب البنين بالكرمة المخصبة، فيقول في المزمور: "امْرَأَتُكَ مِثْلُ كَرْمَةٍ مُثْمِرَةٍ فِي جَوَانِبِ بَيْتِكَ. بَنُوكَ مِثْلُ غُرُوسِ الزَّيْتُونِ حَوْلَ مَائِدَتِكَ"(مز3:128).
وعاطفة الأمومة تبدو في قمتها بالنسبة إلى الابن الوحيد.. وبخاصة إذا كانت هذه الأم أرملة.
وتقوى عاطفة الأمومة جدًّا بالنسبة إلى الرضيع، إذ ليس له سوى أمه.. وفي هذا قال الرب: "هَلْ تَنْسَى الْمَرْأَةُ رَضِيعَهَا فَلاَ تَرْحَمَ ابْنَ بَطْنِهَا؟ حَتَّى هؤُلاَءِ يَنْسَيْنَ، وَأَنَا لاَ أَنْسَاكِ"(إش15:49).
وعاطفة الأمومة قوية جدًّا حتى عند الحيوان. وقد ضرب الكتاب مثالًا لذلك بالدجاجة التي تحيط فراخها بجناحيها، وبهذه الصور شبَّه محبة الله.
إذًا عاطفة الأمومةِ غريزة في المرأة.
وبهذه العاطفة تفيض بالحنان، وتحب الطفولة، وتشفق على الصغار ومن على شاكلتهم.. لذلك فإن القوانين تُؤثِر المرأة على رجلها بحضانة الأطفال الصغار، لأنها مُؤهَّلة لذلك بحسب طبيعتها أكثر منه.
ولهذا تنجح المرأة أيضًا في الإشراف على دور الحضانة، وفي تربية الأطفال، وبخاصة المرحلة الابتدائية، سواء في التربية الكنسية أو في التعليم العام. وبنفس عاطفة الأمومة، تنجح المرأة في أمور التمريض أكثر من الرجل.
[1] مقالتان في مجلة الكرازة، بعنوان "عاطفة الأمومة"، بتاريخ 30 مارس 1979م، 14 يوليو 1978م
الفصل الثاني الأمومة وتكريم الأمهات - الأم عطاء مستمر فكيف نكرِّمها
الأم عطاء مستمر فكيف نكرِّمها[1]
إننا نحتفل بعيد الأم كل عام يوم 21 مارس وهو عيد الربيع.. ويُعتَبر عيد الربيع اليوم الذي يتساوى فيه النهار والليل في الاعتدال الربيعي، وبهذه المناسبة أود أن أهنئ جميع الأمهات بهذا العيد، وبخاصة الحاضرات معنا اجتماعنا في هذه الليلة. وأرجو لهن جميعًا حياة سعيدة، مع أولادهن وأحفادهن وأبناء أحفادهن، لأني أرى أمامي الآن بعضًا من كبيرات السن، ليس كلكن طبعًا.
في الحقيقة إن الأمومة غريزة في المرأة، فكل زوجة تحب أن تكون أمًّا، وتحزن إن لم تنجب بنين.
مثال ذلك "حنة" زوجة ألقانة، التي بكت في صلاتها أمام الله، وهي تطلب منه أن يرزقها ابنًا، لكي تنذره لخدمته؛ وقد قَبِلَ الله صلاتها ووهبها صموئيل ففرحت به (1صم1: 10، 11).
كذلك "راحيل" – لما كانت عاقرًا – قالت لزوجها يعقوب أبي الآباء: "هَبْ لِي بَنِينَ وَإلاَّ فَأَنَا أَمُوتُ"(تك1:30).. إلى هذا الحد كانت راحيل تشتاق أن تكون أمًّا، وإلا فالموت أفضل لها!
ونلاحظ أن جدتنا الأولى لم تُدعَ (حواء) إلا بعد أن صارت أمًّا.. دُعِيَت "حَوَّاء، لأَنَّهَا أُمُّ كُلِّ حَيٍّ"(تك20:3).. أما قبل ذلك فكانت "تُدْعَى امْرَأَةً لأَنَّهَا مِنِ امْرِءٍ أُخِذَتْ"(تك23:2).
والعجيب في مجتمعنا أن الولادة الأولى للمرأة تكون اختبارًا لها! فإن ولدت أنثى يحزن زوجها، ويستاء من ولادتها!
بينما لا ذنب لها في ذلك، حسب رأي غالبية الأطباء، وحسنٌ أن الأم تحتمل غضب الأب وحزنه، وإن أراد أن (يواسيها!)، فإنه يقول لها "ماذا نفعل؟! نرضى بالأمر الواقع!"؛ كما لو كان يندب حظه في هذه الولادة!!
أما لو ولدت ابنًا ذكرًا، فإن الأب يفرح به، وسواء كان المولود ابنًا أو ابنة، فإنه يُنسَب إلى أبيه لا إلى أمه التي تعبت كثيرًا حتى ولدته.. وهكذا نقرأ في سلسلة الأنساب: "إِبْراهِيمُ وَلَدَ إِسْحاقَ. وَإِسْحاقُ وَلَدَ يَعْقُوبَ..."(مت2:1)، دون ذكر للقديسة سارة التي ولدت إسحاق، ولا للقديسة رفقة التي ولدت يعقوب، على الرغم من طول احتمالهما للعقم حينًا، ثم لأوجاع الحمل والولادة بعد ذلك.
إن الأم هي مثال للعطاء والاحتمال: سواء في فترة الحمل وأوجاعه، أو في ساعة الولادة وآلامها، وما بعد ذلك أيضًا.
إنها تعطي الجنين مكانًا في بطنها، ينمو فيه ويتحرك، بل تعطيه من جسمها أيضًا لكي يتكوَّن: عظامه تتكون من الكالسيوم الموجود في جسدها، ودمه يتكوَّن من دمها، من الحديد الذي فيها، وجسمه يتكوَّن من بروتينها وأنسجتها، وكل جزء من تكوينه يأخده منها حتى يكتمل.
ولذلك تضعف صحة الأم جدًّا من توالي الإنجاب في فترات متقاربة، وإن كان الجنين يتأثر بحالة دم الأم الذي يعيش فيه ويتغذَّى به، فإنه من الواجب الاهتمام بالأم كل الاهتمام في فترة حملها، فلا نعكر دمها بإثارات أثناء فترة حملها، ولا نرهق أعصابها وهي حامل.. كما يجب الاهتمام بغذائها، لأنها لا تتغذَّى وحدها، وإنما تغذي جنينها معها.
كذلك في فترة الرضاعة هي تعطي من لبنها ليتغذَّى ابنها وينمو، فتحتاج أيضًا إلى غذاء مضاعف وقوي.
ولذلك فإن الكنيسة تعفي المرضِعات من الصوم، والحبالى وبخاصة في الشهور التي يتكوَّن فيها الجنين وينمو.
والأم تظل تعطي طفلها وتحتمله، لفترة طويلة.
هي تعطيه وتحتمله في إرضاعه، وفي الاهتمام بنظافته، وفي تطعيمه ضد الأمراض في كل موعد محدد لذلك، وتحتمل كذلك صراخه وبكاءه وإيقاظه لها إن نامت، في أي وقت يريد.
وإن كبر تحمله على صدرها أو على كتفها زمانًا تختلف مدته، وتحتمل أيضًا أن يحرمها من عملها – إن كانت من النساء العاملات – بل إن حرمها أحيانًا من الذهاب إلى الكنيسة، ويحرجها بصراخه فتضطر إلى الخروج حفاظًا على هدوء الكنيسة. إلا في الكنائس التي توجد فيها Crying Room أو Glass Room لأجل الأطفال الصغار وأمهاتهم.
وتتعب الأم أيضًا في تعليم ابنها المشي، وحتى بعد أن يتعلمه، قد يصر الطفل على القفز إلى كتفها لتحمله.. كما تتعب الأم أيضًا في تعليم ابنها الكلام والنطق.
لهذا كله كانت الولادات المتتابعة المتقاربة عبئًا ثقيلًا على الأم، قد لا تحتمله صحتها ولا أعصابها ولا قدرتها.
مثال ذلك الأم التي تحمل جنينًا في بطنها، وابنًا آخر تحمله على كتفها، وفي نفس الوقت قد تجر ابنًا بيدها!!
لذلك يحسن أن الأم لا تنجب ابنًا إلا كل سنتين ونصف، حتى عندما تلد ابنًا جديدًا، يكون الابن السابق له قد قارب السنتين أو أكثر من سنة ونصف في عمره، حتى يسهل عليها تربيتهما.
نقول هذا لأن الأب غالبًا ما يكون مشغولًا في عمله، وليس لديه وقت لتربية الأطفال، ويقع العبء كله على الأم.
كما أن ترك تربية الأطفال إلى الحضانات أو الشغالات، ليس هو الأسلوب الصحيح أو المثالي في التربية.
قال أحد الآباء: "إن المرأة لا تُدعَى أمًّا بإنجاب البنين، بل بالحري بتربية البنين".
الأم هي إشبينة الطفل يوم عماده، هي التي تحمله وتقدِّمه للعماد، وتتلو نيابة عنه جحد الشيطان والقواعد الأساسية للإيمان. وبكونها إشبينة الطفل، تصير مسؤولة عن العناية به روحيًّا.
الملابس البيضاء التي يلبسها الطفل يوم عماده، رمز للولادة الجديدة التي وُلِدَ بها طاهرًا في المعمودية، والشريط الأحمر الذي يُربَط به (الزنار) رمز لدم المسيح الذي نال به نعمة المعمودية.
فيا ليت كل أم استلمت ابنها من المعمودية طاهرًا بلا خطية، أن تحافظ له على نقاوة حياته وتربيه تربية صالحة.
قد تعتمد الأم في تربية ابنها على مدارس الأحد.. هذا من جهة التعليم العام، ولكني كنت أقول عن ذلك للأم:
إن كان طفلك يقضي في مدارس الأحد ساعة واحدة كل أسبوع، فهو يقضي معك 167 ساعة الباقية من الأسبوع.
فهو يأخذ منك بالأكثر، فما الذي تحكينه له من قصص القديسين ومن قصص الكتاب؟ وما الذي تُحفِظينه له من الآيات ومن التراتيل؟ وما الذي تُعَوِدينه إياه من تفاصيل الحياة الروحية؟
عليكِ واجب حياله في طفولته المبكرة قبل دخوله المدرسة، وفي طفولته المتأخرة في السنوات الأولى من المدرسة، ثم في فترات صباه أيضًا وشبابه، وإن ضَلَّ في تلك الفترة، فتذكري قصة القديسة مونيكا التي ظلت تبكي على ابنها أغسطينوس، حتى قال لها القديس أمبروسيوس أسقف ميلان: "إن ابن هذه الدموع لا يهلك".
حقًّا إن كانت كل الأمهات يهتممن بأبنائهن روحيًّا كما ينبغي، إذًا لكانت الكنيسة تمتلئ بالقديسين.
وفي تحيتنا للأمهات في عيدهن، نذكر الأمهات الراهبات.
فالراهبة ندعوها (تماڤ) Tamau أي أمي.
فالراهبات أمهات من الناحية الروحية، وقد وردت قصص عنهن في بستان الرهبان، ولعل من أشهرهن "الأم سارة" التي كان يسترشد بها بعض رهبان الإسقيط، ويكشفون لها أفكارهم.
وكذلك من المشهورات بين الراهبات "الأم سڤرنيكي".
لا ننسَى أيضًا الأمهات إذا ترمَّلن.
فالأم إذا ترمَّلت بوفاة زوجها، يصير العبء كله في تربية الأبناء واقعًا عليها وحدها، وبخاصة أولئك الأمهات الأرامل اللائي يكرِّسن كل وقتهن وجهدهن لتربية أولادهن والعناية بهم.
وفي تحيتنا للأمهات في عيد الأم، يحسن أن نذكر وصايا الله في الكتاب المقدس الخاصة بإكرام الأب والأم.
الوصايا العشر كُتِبَت في لوحين: اللوح الأول يشمل الوصايا الأربع الأولى الخاصة بعلاقة البشر بالله، واللوح الثاني يشمل باقي الوصايا وهي خاصة بالعلاقات البشرية. وأولها (الوصية الخامسة) تقول: "أَكْرِمْ أَبَاكَ وَأُمَّكَ لِتَطُولَ أَيَّامُكَ عَلَى الأَرْضِ"(خر12:20).
والقديس بولس الرسول يذكر هذه الوصية في (أف6: 1 - 3). ويقول إنها: "أول وصية بوعد" أي مصحوبة بمكافأة.
ومن الناحية السلبية، ما أكثر العقوبات على من لا يحترمهما. فيقول الكتاب: "مَلعُونٌ مَنْ يَسْتَخِفُّ بِأَبِيهِ أَوْ أُمِّهِ"(تث16:27). وأيضًا "مَنْ يَشْتِمُ أَبًا أَوْ أُمًّا فَلْيَمُتْ مَوْتًا"(مر10:7).
وفي سفر اللاويين بنفس المعنى: "كُلُّ إِنْسَانٍ سَبَّ أَبَاهُ أَوْ أُمَّهُ فَإِنَّهُ يُقْتَلُ. قَدْ سَبَّ أَبَاهُ أَوْ أُمَّهُ. دَمُهُ عَلَيْهِ"(لا9:20).
ويقول الكتاب أيضًا: "اَلْعَيْنُ الْمُسْتَهْزِئَةُ بِأَبِيهَا وَالْمُحْتَقِرَةُ إِطَاعَةَ أُمِّهَا تُقَوِّرُهَا غِرْبَانُ الْوَادِي وَتَأْكُلُهَا فِرَاخُ النَّسْرِ"(أم17:30).
وكانت شريعة موسى تقول: "إِذَا كَانَ لِرَجُلٍ ابْنٌ مُعَانِدٌ وَمَارِدٌ لا يَسْمَعُ لِقَوْلِ أَبِيهِ وَلا لِقَوْلِ أُمِّهِ وَيُؤَدِّبَانِهِ فَلا يَسْمَعُ لهُمَا" عقوبته أن "يَرْجُمُهُ جَمِيعُ رِجَالِ مَدِينَتِهِ بِحِجَارَةٍ حَتَّى يَمُوتَ. فَتَنْزِعُ الشَّرَّ مِنْ بَيْنِكُمْ وَيَسْمَعُ كُلُّ إِسْرَائِيل وَيَخَافُونَ"(تث21: 18، 21).
على أن كلمة (أم) يمكن أن تُؤخَذ بالمعنى الرمزي غير الأم بالجسد، فتطلق كلمة الأم على المعمودية التي يولد منها المؤمن ولادة جديدة.
والكنيسة من الناحية الروحية هي أمنا جميعًا، فكلنا مثلًا أبناء الكنيسة القبطية، كما قال القديس أغناطيوس الأنطاكي: "لا يستطيع أن يدعو الله أبًا، إلا مَن يدعو الكنيسة له أمًّا".
والقديس بولس الرسول يقول: "يَا أَوْلاَدِي الَّذِينَ أَتَمَخَّضُ بِكُمْ أَيْضًا إِلَى أَنْ يَتَصَوَّرَ الْمَسِيحُ فِيكُمْ"(غلا19:4).
وأبناؤنا في الكلية الإكليريكية، كانوا يعتبرون الكلية الإكليريكية هي أمهم، ويحتفلون بها في عيد الأم، باعتبارها أمهم في العلم. وكذلك يفعل أبناء إحدى الجامعات أو الكليات أو المدارس.
ولنا أم أخرى هي الوطن.. والذين في المهجر يعتبرون أن مصر هي الوطن الأم، وأن الكنيسة في مصر هي الكنيسة الأم.
ولجميع المسيحيين أم روحية، هي القديسة العذراء مريم.
والسيد المسيح له المجد – وهو على الصليب – اهتم بأمه العذراء، وحَوَّلَها إلى تلميذه الحبيب يوحنا ليعتني بها، قائلًا له: "هُوَذَا أُمُّكَ"(يو27:19). فإن كانت أمًّا لهذا الرسول، تكون أمًّا لنا جمعيًا.
ولا ننسَى أن الأب الكاهن - وهو خارج بالبخور من المذبح – يعطي البخور لأيقونة العذراء في الناحية البحرية من الهيكل، وهو يقول لها: "نعطيك السلام مع جبرائيل الملاك قائلين: السلام لك أيتها الممتلئة نعمة".. "السلام لك أيتها الحمامة الحسناء التي ولدت لنا الله الكلمة"، "السلام لك أيتها الملكة الحقيقية، السلام لفخر جنسنا التي ولدت لنا عمانوئيل".
كل ذلك تمجيد للقديسة العذراء كأم.. ونحن نذكرها في القداس الإلهي في مجمع القديسين، فنقول: "وبالأكثر القديسة المملوءة مجدًا، العذراء كل حين، والدة الإله القديسة الطاهرة مريم، التي ولدت الله الكلمة بالحقيقة".
كذلك نحن نكرم أم الأم، ومَن في مستوى الأم.
كما تحدث القديس بولس الرسول عن لوئيس جدة تلميذه تيموثاوس (2تي5:1). وكما قال في رسالته إلى رومية: "سَلِّمُوا عَلَى رُوفُسَ الْمُخْتَارِ فِي الرَّبِّ وَعَلَى أُمِّهِ أُمِّي"(رو13:16). فاعتبر أن أم تلميذه هي أم له.. إنه درس لكل الآباء الكهنة في معاملة السيدات الكبار في السن.. وبنفس المعنى يقول بولس الرسول لتلميذه تيموثاوس الأسقف: "لاَ تَزْجُرْ شَيْخًا بَلْ عِظْهُ كَأَبٍ... وَالْعَجَائِزَ كَأُمَّهَاتٍ"(1تي5: 1، 2).
وهناك أم أخرى يجب إكرامها واحترامها، وهي الحماة.
فأم الزوجة تعتبر أمًّا للزوج، وكذلك أم الزوج تعتبر أمًّا للزوجة، ويسمونها في اللغة الإنجليزية Mother in Lawأي أمًّا حسب الشريعة. ولعل أبرز مثال لذلك معاملة راعوث لحماتها نُعمَى.. إذ قالت لها: "لاَ تُلِحِّي عَلَيَّ أَنْ أَتْرُكَكِ وَأَرْجِعَ عَنْكِ، لأَنَّهُ حَيْثُمَا ذَهَبْتِ أَذْهَبُ وَحَيْثُمَا بِتِّ أَبِيتُ. شَعْبُكِ شَعْبِي وَإِلَهُكِ إِلَهِي. حَيْثُمَا مُتِّ أَمُوتُ"(را1: 16، 17).
ملاحظة ملفتة للأنظار، أقولها في موضوع الأم وهي:
إن الله كما دُعِيَ الأب السماوي، كذلك شبَّه نفسه بالأم.
فقال إنه حتى لو نسيت الأم رضيعها، فإنه لا ينسانا (إش15:49). وقال: "كَإِنْسَانٍ تُعَزِّيهِ أُمُّهُ هَكَذَا أُعَزِّيكُمْ أَنَا".. وقال في ذلك: "عَلَى الأَيْدِي تُحْمَلُونَ وَعَلَى الرُّكْبَتَيْنِ تُدَلَّلُونَ"(إش66: 12، 13).
وشبَّه نفسه حتى بالأم في الطيور، فقال لأورشليم: "كَمْ مَرَّةٍ أَرَدْتُ أَنْ أَجْمَعَ أَوْلاَدَكِ كَمَا تَجْمَعُ الدَّجَاجَةُ فِرَاخَهَا تَحْتَ جَنَاحَيْهَا وَلَمْ تُرِيدُوا"(مت37:23).
نقطة أخرى جديرة بالملاحظة: قيل عن السيد المسيح إنه كان في صباه خاضعًا لأمه (لو51:2). هذا الذي يخضع له الملائكة ورؤساء الملائكة والشاروبيم والسارافيم، كان خاضعًا لأمه! إنه درسٌ لنا.
وهنا نسأل كيف يكرم الإنسان أباه وأمه؟
يكرمهما أولًا بالطاعة والخضوع.. كما يكرمهما بالنجاح في حياته.
وكما يقول الكتاب: "الاِبْنُ الْحَكِيمُ يَسُرُّ أَبَاهُ وَالاِبْنُ الْجَاهِلُ حُزْنُ أُمِّهِ"(أم1:10). بل هو خزي لأمه أيضًا.
تفرح الأم بابنها الناجح، وتفتخر بابنها الممتاز، وتخزى بسبب ابنها الفاشل.
كذلك من إكرام الوالدين: عدم إغضابهما بزواج لا يرضيان عليه.
كذلك قيل عن عيسو (ابن إسحاق ورفقة) إنه لما تزوج باثنتين من الحيثيات إنهما: "كَانَتَا مَرَارَةَ نَفْسٍ لإِسْحَاقَ وَرِفْقَةَ"(تك35:26). لذلك حينما يتزوج الابن، يحرص في اختيار زوجته أنها لا تكون مرارة نفس لأمه، بل تكون مثل راعوث مع نُعمَى.
وفي إكرام الوالدين، يجب أن يعترف الابن بجميلهما عليه.
يعترف بفضلهما عليه في كل شيء: في تكوينه، وفي تربيته، وفي تعليمه، وفي الاهتمام بصحته، وفي رعايته من كل ناحية، وفي حمايته، حتى قَدَّماه أخيرًا هدية للمجتمع كعضو نافع فيه.
وبقدر الإمكان يهتم بهما وبإعالتهما في كبرهما.
فهما يحتاجان إلى معونته حينما يبلغان سن الشيخوخة، ويحتاجان إلى مَن يعتني بهما من كل ناحية.
نقول ذلك لانتشار بيوت المسنين حاليًا، فالأبناء يكبرون ويتزوجون، ويسكنون في بيوت مستقلة عن والديهم، وبعضهم يعمل في بلاد بعيدة، وبعضهم يهاجر خارج الوطن، ويجد الوالدان نفساهما وحيدين، وفي سن تحتاج إلى الرعاية والعناية.. وحسنًا ما فعلته الكنيسة في إنشاء بيوت للمسنين، تقوم مقام الأبناء في العناية بالأم وبالأب في سن الشيخوخة.
نحن في بيوت المسنين نعتبر هؤلاء أمهات لنا ونهتم بهم كأمهات ونعاملهم معاملة طيبة جدًا ونجعل أيام شيخوختهم أيامًا سعيدة وأيامًا مقدسة. الابن الذي لم يهتم بوالديه تقف أمامه الآية التي تقول: "إِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يَعْتَنِي بِخَاصَّتِهِ، وَلاَ سِيَّمَا أَهْلُ بَيْتِهِ، فَقَدْ أَنْكَرَ الإِيمَانَ، وَهُوَ شَرٌّ مِنْ غَيْرِ الْمُؤْمِنِ"(1تي8:5).
آخر ما أختم به هذه المحاضرة، هو المحبة للوالدين من كل القلب.
فنتيجة لهذه المحبة، تكون الطاعة، والاحترام، والخضوع، والإكرام، والعناية، وإرضاء الوالدين من كل ناحية.
نطلب البركة لجميع الأمهات.
[1] من مقال "عيد الأم" نُشر في مجلة الكرازة 4 أبريل 2003م عن محاضرة "عيد الأم"، التي ألقاها قداسة البابا شنوده في 19 مارس 2003م بالكاتدرائية المرقسية في الأنبا رويس بالعباسية
المرأة والأم في عيد الأم
المرأة والأم في عيد الأم[1]
بمناسبة عيد الأم أريد أن أكلمكم عن المرأة والأم. وكل عام وأنتن طيبات جميعًا. لولاهم لم نكن قد أتينا، فلهم فضل علينا.
إذا أكرمنا الأم لا يكون هذا فضلًا منا ولكن هو واجب علينا لأن ربنا يقول: "أَكْرِمْ أَبَاكَ وَأُمَّكَ لِكَيْ تَطُولَ أَيَّامُكَ عَلَى الأَرْضِ"(خر12:20).
ومثلما قال القديس بولس الرسول إنها: "أَوَّلُ وَصِيَّةٍ بِوَعْدٍ" ولها مكافأة، فإكرام الأم نتذكر فيه كم تعبت الأم في كل ابن من أبنائها وتعبت في فترة الحمل فكانت تغذيه من دمها ومن جسمها، وجسمه كله تكوَّن من جسمها، وعندما كانت تتغذَّى كانت تغذي نفسها وتغذيك وأنت في بطنها، وتعبت في عملية الولادة "بِالْوَجَعِ تَلِدِينَ أَوْلاَدًا"(تك16:3).
وتعبت في إرضاعه وحمله وتنظيفه والعناية به، حتى تعلَّم المشي على قدميه، وأيضًا بعد ذلك يتعلَّق بها ويشتاق أن تحمله.
العلاقة بالأم هي أول علاقة عرفها الإنسان في حياته.
عرفها وهو يرضع منها ويتطلع إلى وجهها، وهي تبتسم في وجهه وتداعبه، ولذلك أي طفل لا يقبل بأي مَلِكة عظيمة من ملكات العالم بدل أمه. لأنها مصدر الحنان ومصدر العطف بالنسبة له، المفروض أن يتعب الإنسان من أجل أمه كما تعبت هي من أجله. وكما اهتمت به يهتم هو أيضًا بها، وكما حملته في صغره يحملها هو أيضًا حينما تكبُر ويرفع عنها التعب ولا يكون ثقلًا جديدًا عليها.. وإلا يكون ناكرًا للجميل.
أمومة السيدة العذراء
ونتذكر أن السيد المسيح كان محبًّا لأمه ومخلصًا لها، ويقول إنجيل لوقا إنه: "كَانَ خَاضِعًا لَهُمَا"(لو2). والسيدة العذراء أيضًا تعبت من أجله. ومن أجله قبلت أن تصير أمًّا، ومن أجله رحلت إلى مصر وهي أرض غريبة بالنسبة لها، وعاشت ثلاث سنوات ونصف في أرض غربة، وظلت تهتم به ولذلك كان السيد المسيح يُكرِم أمه حسب الجسد.
أول معجزة صنعها - معجزة عرس قانا الجليل - كانت لأجل شفاعة أمه، مع أنه في ذلك الحين كان لا يريد أن يُظهِر لاهوته، ولكن لأنها قالت له أن هؤلاء الناس محتاجون، أعطهم، فنفَّذ كلامها وصنع المعجزة وأطاعها.
وظلت العذراء تتبع السيد المسيح في خطواته ووقفت إلى جواره عند الصليب، ومعروفة الكلمة التي نقولها في صلواتنا على لسان العذراء عند صلب المسيح: "أمَّا العالم فيفرح لقبوله الخلاص.. أمَّا أحشائي فتلتهب عند نظري إلى صلبوتك الذي أنت صابر عليه يا ابني وإلهي"؛ لذلك سمعان الشيخ قال لها: "يَجُوزُ فِي نَفْسِكِ سَيْفٌ"(لو35:2) بالنسبة لابنها واحتملت هذا.
وكانت مخلصة له بالنسبة من جهة الشريعة أيضًا.. فنفَّذت الناموس عندما كَمُل له أربعون يومًا من عمره، فذهبت إلى الهيكل وقدَّمته كبكر، قدمت عنه الذبيحة التي قال عنها الناموس، وكانت من المريمات اللائي تبعن المسيح حتى إلى قبره.
والسيد المسيح إن كان قد قال سبع كلمات على الصليب، فإن كلمتين من هذه السبع كلمات كانتا من أجل أمه، عهد بها إلى يوحنا الحبيب تلميذه المحبوب وقال له: "هُوَذَا أُمُّكَ" وقال لها: "هُوَذَا ابْنُكِ"(يو19: 26، 27). فأخذها يوحنا إلى بيته، وهكذا ضمن السيد المسيح أنها ستكون في رعاية منزلية بعد صعوده إلى السماء.
والسيد المسيح عَهَد بمريم العذراء إلى يوحنا الحبيب؛ فكانت مريم العذراء أمًّا بالجسد ليسوع المسيح، وكانت أمًّا روحية ليوحنا الحبيب، وصارت أمًّا روحية لجميع الآباء الرسل، بل صارت الأم الروحية للكنيسة كلها.
ونحن نقول: أمنا وسيدتنا كلنا السيدة العذراء مريم. فحينما نحتفل بعيد الأم نحتفل أولًا بمريم العذراء أم السيد المسيح، وأم الكنيسة كلها، والدة الإله القديسة مريم.
الكنيسة أمنا
وحينما نحتفل بعيد الأم نحتفل بالكنيسة كأمنا - كما قال أحد القديسين: "لا نستطيع أن نسمي الله أبًا إن لم نسمِّ أولًا الكنيسة أمًّا"؛ لأن الكنيسة هي التي ولدتنا من الماء والروح في المعمودية المقدسة، والكنيسة هي التي أرضعتنا الأرثوذكسية والتعاليم الدينية، وهي التي علمتنا وأنشأتنا وسلَّمتنا الإيمان.
ولولا الكنيسة ما كنا مؤمنين ولا كنا نعرف شيئًا عن إيماننا. الكنيسة هي التي سلمتنا هذا الإيمان.
وما زالت الكنيسة تسلمنا الأسرار كلها، وهي التي تعطينا الحِل والمغفرة من فم الكاهن، وتعطينا سر الإفخارستيا، والكنيسة هي التي تقدس الأزواج بالصلوات لكل مَن يتزوج، وهي التي تصلي على مَن يموت وتودِّعه إلى السماء وتطلب له الرحمة من الله. فالكنيسة أم حقيقية فعلًا نذكرها.
أمنا حواء
ولا ننسى أمنا حواء. للأسف الشديد كثير منا يتكلَّم كلامًا سيئًا عن أمنا حواء ولا يتذكر أمنا القديسة حواء التي باركها الله في الإصحاح الأول من سفر التكوين، والتي خلقها الله على صورته ومثاله وهي أمنا جميعًا.. كثيرًا ما يتكلمون عنها كلام سوء، ولا يذكرون من حياة حواء إلا خطية حواء، لماذا هذا الجحود في عيد الأم؟
أمنا حواء كانت بسيطة جدًّا وبريئة، خدعتها الحية بسبب براءتها وبساطتها، وكذبت عليها، وهي لم تكن تعرف ما يسمى الكذب، خدعتها ولم تكن تعرف أنه يوجد خداع أو مكر. ومع ذلك عندما عاقب الله حواء قال لها: "إن نسل المرأة يسحق رأس الحية".
فطبعًا حواء هي الجدة الأولى للسيد المسيح حسب الجسد.. نيَّح الله نفسها في فردوس النعيم ولولاها ما كنا. وأمنا حواء تألَّمت آلامًا كثيرة؛ فإن تحدَّثنا عن طاعتها للحية نتحدَّث أيضًا عن آلامها، تألَّمت من شعورها بالعري وغطت نفسها بأوراق التين، وتألَّمت لطردها من الجنة، وتألَّمت من لوم الله لها، وتألَّمت بأنها فقدت أول ابنين. ولها ابن مات قتيلًا بواسطة الآخر، وفقدت الابن الآخر أيضًا لأن اللعنة حلَّت عليه وصار مطرودًا من وجه الله تائهًا وهاربًا. يهدده كل من يراه، ويريد أن يقتله أيضًا.
كل هذه آلام جاشت في نفسها. وعندما أنجبت أبناءًّ آخرين أطلقت عليهم أسماء الله: "شيث" و"أنوش" يقول: "حِينَئِذٍ ابْتُدِئَ أَنْ يُدْعَى بِاسْمِ الرَّبِّ"، أَبْنَاءَ شيث وأنوش في (تك6) تسموا أولاد الله قيل: "أَبْنَاءَ اللهِ رَأَوْا بَنَاتِ النَّاسِ أَنَّهُنَّ حَسَنَاتٌ" فأولاد الله كانوا أولاد حواء هم شيث وأنوش.
أم مار مرقس الكاروز
متى ذكرنا الأمهات نذكر أيضًا "أم مار مرقس" كاروز الديار المصرية التي صار بيتها أول كنيسة في العالم (أع12:12)، عندما خرج بطرس من السجن ذهب إلى بيت مريم أم يوحنا الملقب مرقس، له اسمان اسمه اليهودي يوحنا واسمه الروماني مرقس، حيث كان كثيرون مجتمعين للصلاة، بيتها صار أول كنيسة، وحلَّ الروح القدس على التلاميذ فيه، والسيد المسيح غسل أرجل التلاميذ في نفس البيت.
وأول قداس أقيم في الكنيسة الجامعة الرسولية بواسطة السيد المسيح نفسه، هو القداس الذي أقامه السيد المسيح في بيت أم مرقس عندما قال لتلاميذه: "خُذُوا كُلُوا، هذَا هُوَ جَسَدِي" وخذوا اشربوا "هذَا هُوَ دَمِي"(مر14).
وحينما نتحدث عن الأمهات القديسات، نتحدث عن أن بعضهن كُنَّ أمهات أنبياء، والبعض أمهات رسل، والبعض أمهات قديسين، والبعض أمهات شهداء. كما نتكلم أيضًا عن القديسة هيلانة الملكة، هي أم وكانت ملكة، وبواسطتها وُجِد الصليب المقدس.
راعوث جدة المسيح
لا ننسى أيضًا راعوث جدة المسيح، وهي من النادرات في التاريخ التي أحبَّت حماتها حبًّا لم يوصف، سجَّله الكتاب المقدس، قالت لها بعد موت زوجها: "شَعْبُكِ شَعْبِي وَإِلهُكِ إِلهِي حَيْثُمَا مُتِّ أَمُوتُ وَهُنَاكَ أَنْدَفِنُ"(را1: 16، 17)، مَنْ مِنَ الأمهات كان عندها حب لحماته مثل راعوث؟ لذلك سمح الله أن تصبح راعوث من جدَّات المسيح وكُتِب اسمها في سلسلة الأنساب.
أليصابات
أيضًا من الأمهات القديسات اللائي كُنَّ عواقر "القديسة أليصابات" أم يوحنا المعمدان الذي قال عنه المسيح: "بَلْ مَاذَا خَرَجْتُمْ لِتَنْظُرُوا؟ أَنَبِيًّا؟ نَعَمْ، أَقُولُ لَكُمْ: وَأَفْضَلَ مِنْ نَبِيٍّ!"(لو26:7).
أليصابات هذه أم يوحنا المعمدان من الأمهات القديسات، والتي حلَّ الروح القدس عليها حينما زارتها القديسة مريم العذراء، وحل الروح القدس في داخلها على ابنها يوحنا المعمدان وقيل عنه في (لو15:1): "وَمِنْ بَطْنِ أُمِّهِ يَمْتَلِئُ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ".
وأليصابات هذه كان عندها بالروح القدس روح الكشف والإعلان فقالت للعذراء: "مِنْ أَيْنَ لِي هذَا أَنْ تَأْتِيَ أُمُّ رَبِّي إِلَيَّ؟.. فَطُوبَى لِلَّتِي آمَنَتْ أَنْ يَتِمَّ مَا قِيلَ لَهَا مِنْ قِبَلِ الرَّبّ"(لو1: 42 - 45).
من أين عرفت أليصابات: مَا قِيلَ لَهَا مِنْ قِبَلِ الرَّبّ؟ ومن أين عرفت أنها آمنت؟ ومن أين عرفت أنها أم ربها؟
بالكشف الإلهي وبالروح القدس، امتلأت أليصابات من الروح القدس، وامتلأ ابنها في بطنها من الروح القدس، وارتكض بابتهاج في بطنها. قالت: "ارْتَكَضَ الْجَنِينُ بِابْتِهَاجٍ فِي بَطْنِي". من الممكن أن تشعر أن شيئًا يرتكض في بطنها لكن قولها: "بِابْتِهَاجٍ" كيف تعرف أن هذا الجنين يبتهج؟! هذا أيضًا نوع من أنواع الكشف الإلهي، وتبيَّن لنا أن الجنين يمكن أن يبتهج أيضًا وهذا كشف آخر!
أم ابنيّ زَبَدي
إن تكلمنا عن أمهات الرسل، مثلما قلنا عن أم مار مرقس، نذكر أيضًا اثنتين من الأمهات: أم ابنيّ زَبَدي، وهذان صارا تلميذين للمسيح من الاثني عشر. وأم بطرس وأندراوس وهذين أيضًا صارا من التلاميذ.
المرأة والأم في إنجيل لوقا
والعجيب أن إنجيل لوقا بدأ بالأمهات، وعندما أُهدي أي بنت ستتزوج أو أم، أعطيها إنجيل لوقا، لأنه أكثر إنجيل كتب عن المرأة والأطفال والنساء.
يبدأ بالعذراء وأليصابات، وهما اثنتان من الأمهات، كما تحدَّث عن مريم ومرثا، وعن الأم التي هي أرملة نايين، التي أقام السيد المسيح ابنها من الموت. إنجيل لوقا هو الذي تحدَّث عن النساء اللائي كُنَّ يخدمن المسيح من أموالهن وتَبِعنَه، وعندما تحدَّث عن القيامة ذكر ذهاب النساء إلى القبر.
يا ليت جميع النساء يقرأن إنجيل لوقا، ويتمتَّعنَ به بفحص وتحليل وتأمل.
الأمهات والجدَّات حفظن الإيمان في روسيا.
وإن تحدَّثنا عن الأمهات القديسات اللائي أصبح أولادهن أساقفة؛ لا ننسى أم القديس تيموثاوس أسقف أفسس تلميذ بولس الرسول.
بولس الرسول يقول لتيموثاوس: "إِذْ أَتَذَكَّرُ الإِيمَانَ الْعَدِيمَ الرِّيَاءِ الَّذِي فِيكَ، الَّذِي سَكَنَ أَوَّلًا فِي جَدَّتِكَ لَوْئِيسَ وَأُمِّكَ أَفْنِيكِي"(2تي1: 5).. جدته وأمه هما اللتان علمتاه وأرضعتاه الإيمان عديم الرياء. أتذكر أنني عندما زرت روسيا أثناء الحكم الشيوعي سنة 1972م، كانت النساء العجائز هن القديسات الموجودات، وعندما نسير في الطريق ينحنين ويرشمن الصليب. وهن اللائي كُنَّ السبب في معمودية ثلاثين مليون عند عودة روسيا إلى الإيمان. كان هذا العدد في روسيا، أما الآن يوجد أكثر من 120 مليونًا من الأرثوذكس. وكان الرجال لا يستطيعون أن يصرحوا بالإيمان، للاحتفاظ بوظائفهم، مَن الذي علَّم الأطفال ومهَّدهم للمعمودية؟ هُنَّ الأمهات والجدَّات.
لذلك عندما ذهبت إلى روسيا في ذلك الحين، قلت: أحيي الأمهات والجدَّات؛ لأنهن من حفظن الإيمان طوال السبعين سنة وقت الحكم الشيوعي الذي كان الإلحاد منتشرًا فيها في روسيا.
وإن ذكرت راعوث التي تحب حماتها، أحب أن أذكر أن الحماة تغيَّرت في العصر الحاضر، لأن المرأة أصبحت عاملة، وتقضي وقتًا طويلًا في العمل وتعتمد في تربية أولادها على أمها أو على حماتها. فأصبحت فعلًا أمًّا ثانية لهن وللأحفاد الصغار.
[1] من عظة "المرأة والأم" بمناسبة عيد الأم، بتاريخ 21 مارس 2007م
تكريم الأم
تكريم الأم[1]
نُعيِّد في شهر مارس لعيد الصليب يوم 19 مارس وعيد الأم يوم 21 مارس. الكل يستعد لعيد الأم سواء كنتنَّ أمهات أو بنات لَكُنَّ أمهات، وجيد أن الدولة نظمت عيدًا للأم، وسمحت الآن أن يتغير اسمه إلى "عيد الأسرة" حتى لا يشعر الأب بالغيرة، وطبعًا في هذا العيد تحضرون هدايا لأمهاتكم.
يا ليت كل واحد يهتم بأمه ويقدِّم لها هدية، ويقول لها كلمة طيبة، ويقبلها في جبهتها ووجهها ويديها، ويشكرها على العناية التي قدَّمتها له منذ الطفولة.
ومن سافرت أمه للسماء لا مانع من أن يضع باقة من الورد في عيد الأم على قبرها، أو يذكرها في صلواته أو يطلب لها الرحمة من ربنا فى عيد الأم.
أهمية الأم
في الواقع الأم مهمة في حياة كل إنسان.
فالأم هي أول وجه وقلب يراه الطفل عند ولادته.
وهي أول صدر حنون يتَّكئ عليه.
وهي أول عينين فيهما الحنان والحب والعطف.
والأم صاحبة أول يد تربُت عليه، وصاحبة أول لسان يناغيه.
ونجد أنه بسبب أقل إهمال من الأم، يمكن أن يضيع الطفل. لو أهملت الأم في أن تلاحظ التحصينات اللازمة لابنها ضد الجُدري وشلل الأطفال وبعض الأمراض، يمكن أن يضيع الطفل. ولكنها كانت تعتني به في كل مناسبة وبمنتهى الحرص عليه، الأم تقوم بالاهتمام بطفلها وهو صغير، فمن الواجب عليه أن يحتملها حينما يكبر.
هي مصدر الحنان بالنسبة إليه، ومصدر حمايته والدفاع عنه، كلَّما احتدَّ أبوه أو ثار عليه بسبب أخطائه، فلا بدَّ أن يكون عند الابن عرفان بالجميل من جهة أمه، ويهنئها ويحبها ويحترمها ويقول لها كلمة مديح.
أمهات أخريات
حينما نقول هذا عن الأم لا ننسى أيضًا أن هناك أمهات أخريات في حكم الأم، مثلًا المُدرِّسة في المَدرسة تُعتَبَر كأم بالنسبة للطفل، يا ليت التلاميذ في عيد الأم يزينون مدرستهم في الاحتفال بعيد الأم، على اعتبار أنها أم لهم. بلادنا أيضًا هي أم لنا نحتفل ببلادنا في عيد الأم.
كما اهتمت الأم بنا وربَّتنا، هكذا بلادنا أيضًا اهتمت بنا وربَّتنا، وندين لها بالحب والولاء. أيضًا الكنيسة تعتبر أمًّا لكم، وكما قال أحد القديسين: "لا يستطيع أحد أن يدعو الله أبًا إن لم يتخذ الكنيسة أمًّا".
أفضل أم
من أحسن الأمثلة للأمهات في نظري أم موسى النبي، في الكتاب المقدس اسمها "يوكابد" وأخذته من الأميرة المصرية وهو بعد طفل رضيع، والأميرة أخذته من البحر وسلَّمته لهذه الأم حتى تربيه، ولم تكن تعرف أنها أمُّه، وربَّته أمُّه إلى أن استطاع السير على قدميه وسلَّمته إلى الأميرة. كان عمره أربع سنوات تقريبًا، أي في سن الطفولة، ولكن أمه استطاعت في هذه السنوات القلائل أن تربيه فيها،
وأن تجعل منه رجلًا مؤمنًا؛ بل بطلًا للإيمان في جيله.
بينما عاش موسى كأمير في قصر فرعون وسط العبادات الفرعونية القديمة إيزيس وأوزوريس وحورس ورع وآمون وحتحور وآلهة كثيرة، لكن لم تؤثر فيه العبادات الوثنية، بسبب فضل أمه وما أخذه منها من إيمان في فترة طفولته القصيرة.
وهنا يعلمنا الكتاب أهمية الأم في تعليم الدين لابنها، سواء القواعد الإيمانية أو الممارسات الدينية.
لذا عندما يجد الطفل أمه دخلت إلى الكنيسة وسجدت يسجد مثلها، بالتقليد والممارسة والمحاكاة، وعندما يجدها رفعت يديها لتصلي، يقف ويرفع يديه ويصلي، وعندما يجدها تصلي قبل الأكل، يصلي هو أيضًا قبل الأكل، وعندما يجدها تصلي قبل النوم، يصلي هو أيضًا قبل النوم، وكما نعطي الأم إكرامًا، عليها واجبات أيضًا وينبغي أن يعرف الإنسان أنه أخذ الكثير من أمه. بل إن حنان الأم عجيب. وتوجد كثير من القصص التي تُروَى عن ذلك.
قصة
قيل في بعض القصص الخرافية أن شابًّا كان يحب زوجته جدًّا، وكانت أمه تحبه أيضًا، ولكن عندما مرضت زوجته، قيل له: إن لا علاج لها إلا قلب امرأة عجوز، فذهب الشاب وقتل أمه وأخذ قلبها ومشى به في الطريق، ولتعبه انزلقت قدمه وسقط، فسمع صوتًا من هذا القلب يقول: "اسم الله عليك يا ابني"، أي أن الأم تعطف على ابنها حتى لو خانها أو عاملها بقسوة لا تليق بالأبناء.
أمهات الشهداء
نذكر أيضًا أمهات الشهداء كيف أنَّهنَّ في التاريخ كُنَّ يشجِّعنَ أبنائهنَّ على الاستشهاد وعلى التمسك بالإيمان، خاصة في العصر الروماني الذي اشتدَّت فيه قسوة الحكام الرومان، ابتداءً من عصر نيرون إلى عصر دقلديانوس، لا سيما في بداية القرن الرابع الميلادي.. كيف أن أمًّا تشجع ابنها على الاستشهاد، وتشرح له أنه ليس إلا ضربة سيف وتجد نفسك مع الله، أو يُذبَح أولادها على حجرها وهي تشجعهم أن يثبتوا في الإيمان ولا يخافوا.
أمهات قديسات لم يكن عندهنَّ العطف الكاذب أو العطف الخاطئ؛ إنما كُنَّ يتَّصفنَ بالعطف الروحي المملوء بالإيمان.
تكريم الكتاب المقدس للأم
في الحقيقة الوصية الخاصة بإكرام الأم والأب كانت أول وصية في اللوح الثاني من لوحي الشريعة، والذي كانت عليه الوصايا الخاصة بالعلاقات مع الناس وأولها: "أَكْرِمْ أَبَاكَ وَأُمَّكَ لِكَيْ تَطُولَ أَيَّامُكَ عَلَى الأَرْضِ"(خر12:20)، وبولس الرسول يقول عنها: "أَوَّلُ وَصِيَّةٍ بِوَعْدٍ"(أف2:6)، أي أول وصية مع مكافأة، وذكرت شريعة موسى النبي: "مَنْ يَشْتِمْ أَبًا أَوْ أُمًّا فَلْيَمُتْ مَوْتًا"(مت4:15، مر10:7)، وكانت الشريعة تحكم عليه بالموت مثل القاتل: "وَمَنْ ضَرَبَ أَبَاهُ أَوْ أُمَّهُ يُقْتَلُ قَتْلًا"(خر15:21).
والابن المُعانِد أيضًا كان كذلك، بل كانت تقول الشريعة: "تَهَابُونَ كُلُّ إِنْسَانٍ أُمَّهُ وَأَبَاهُ"(لا3:19)، بل كان مَن يشتم أبًا أو أمًّا تصيبه اللعنة حسب شريعة موسى، وهكذا حينما كانت تُذكَر البركات واللعنات في سفر التثنية إصحاحيّ (27 و28) كان من ضمنها: "مَلْعُونٌ مَنْ يَسْتَخِفُّ بِأَبِيهِ أَوْ أُمِّهِ"(تث16:27)، وأنتم تعرفون لعنة كنعان التي نالها ابن أبينا نوح؛ لأنه لم يحترم أباه ولم يوقّره.
والشريعة أيضًا تقول: "اَلْعَيْنُ الْمُسْتَهْزِئَةُ بِأَبِيهَا، وَالْمُحْتَقِرَةُ إِطَاعَةَ أُمِّهَا، تُقَوِّرُهَا غُرْبَانُ الْوَادِي، وَتَأْكُلُهَا فِرَاخُ النَّسْرِ"(أم17:30).
إذًا كان عدم احترام الأب والأم خطية كبرى في ناموس موسى وكانت عقوبتها اللعنة بل الموت أيضًا، وهكذا كان الناس يتنافسون في إكرام الأب والأم، وفي نوال بركتهما.
احترام الأب والأم
أتذكر عندما كنت فتى قبل أن أحضر إلى القاهرة، كنت في بنها، وكانت تُعتَبَر كالريف بالنسبة للقاهرة، وكانت العادة أن يقبل الإنسان يديّ أبيه وأمه قبل خروجه من البيت.. فعندما حضرت للقاهرة، وكنت موجودًا في أسرة أحد أقاربنا، كان هناك رجل مسن، فعندما سلَّمت عليه، قبَّلت يده، فسخر مني الأولاد، وقالوا إن هذا الإنسان الذي يقبل يد رجل مسن قد أتى من الأرياف، وأنا نظرت حولي في تعجُّب عن سبب ضحكهم، واكتشفته فيما بعد.
نحن عِشنا في جو نحترم فيه الكبار، ليس فقط الأب والأم وإنما حتى الأخ الكبير، أنا عشت حياتي كلها وأنا عِلماني قبل الرهبنة، لم يحدث في يوم من الأيام أن ناديت أخي الكبير باسمه مجرَّدًا، لا أستطيع أن ألفظ من فمي اسمه مجرَّدًا، لأن الأخ الكبير في درجة والدي، ولم يحدث في يوم من الأيام أنني عصيت له أمرًا أو عصيت لأبي في الجسد أمرًا، غالبية الناس من أهل الصعيد كانوا يحترمون الأب والأم احترامًا شديدًا، بل ويحترمون الأخ الأكبر.
كان لي زميل في الجامعة وكان يدخن، لكنه لم يكن يستطيع أن يدخن أمام أخيه الأكبر؛ لأن أخاه الأكبر له الاحترام كالأب والأم.
مظاهر احترام الأب والأم
- فمن ضمن إكرام الأب والأم احترامهما ومهابتهما، ولم يكن أحد يستطيع أن يجلس وأبيه أو أمه واقفين. أما الآن فقد أصبحت ديمقراطية أو فهم خاطئ للديمقراطية!
- احترام الأب والأم في ألا يعلو صوت الابن على صوت أبيه أو أمه، ولا يعاند أباه أو أمه، ولا يعامل أباه أو أمه معاملة المِثل أو على نفس المستوى.
- من ضمن إكرام الأب والأم، أن يحب الإنسان أمه ويكرمها في عيد الأم، ويحضر لها وردة أو هدية.. إلخ.
- لكن هناك نواحٍ أخرى من إكرام الأب والأم عن طريق النجاح في الحياة، الأم تفتخر بابنها الناجح في حياته وتحزن إن فشل.
لذلك يقول الكتاب المقدس: "اَلابْنُ الْحَكِيمُ يَسُرُّ أَبَاهُ، وَالابْنُ الْجَاهِلُ حُزْنُ أُمِّهِ"(أم1:10)، لذلك عندما تكرم أباك وأمك بنجاحك في الحياة يفتخرون بك. يقول الكتاب: "الابْنُ الْجَاهِلُ غَمٌّ لأَبِيهِ، وَمَرَارَةٌ لِلَّتِي وَلَدَتْهُ"(أم25:17)، يقول الكتاب أيضًا: "شَأْنُ الإِنْسَانِ الْكَذُوبِ الْهَوَانُ، وَخِزْيُهُ مَعَهُ عَلَى الدَّوَامِ"(سي28:20)، "مَنْ يَلِدُ جَاهِلًا فَلِحَزَنِهِ.."(أم21:17)، وقيل عن عيسو في زواجه أنهما: "كَانَتَا مَرَارَةَ نَفْسٍ لإِسْحَاقَ وَرِفْقَةَ"(تك35:26).
هناك قصص عجيبة في احترام الأب والأم وفي محبة الأب والأم وفي توقيرهما.
يوسف الصديق عندما جاء إلى مصر، صار أبًا لفرعون وصار الرجل الثاني في المملكة، والناس يخضعون له ويحترمونه ويسجدون أمامه، ومع ذلك لم يخجل أن يقدم أباه يعقوب لفرعون وقال له: أبي راعي غنم (تك1:47)، تصوروا رجلًا كأنه رئيس الوزراء أو الوزير الأول، ولا يخجل من القول بأن أباه راعي غنم ويقدمه لفرعون؛ بل كان أبوه موضع احترام فرعون بسببه، وفرعون طلب منه أن يباركه.
ليس كلَّما يأخذ أحدٌ منصبًا كبيرًا، فيحتقر أباه وأمه، أو يفكر أن أباه من جيلٍ مَرَّ عليه الزمن ومضت أيامه، أو يستهزئ بمعلومات أبيه إن لم تكن متطورة.
المفروض أن يحترم الابن أباه وأمه، مهما وصل إلى أي درجة من درجات التعليم أو الوظائف.
طبعًا لا شك أن في أيامنا الحالية الأولاد يعرفون كمبيوتر وآباؤهم لا يعرفون بعد، فلا يستهزئ بأبيه أو أمه لأنهما لا يفهمان في الكمبيوتر أو المخترعات الحديثة، أو أن الولد أصبح أكثر علمًا من أبيه وأمه، مهما بلغ الإنسان من علم أو معرفة أو مركز أو درجة يجب أن يحترم أباه وأمه، لأنهما من ربوه، ويشعر بواجب من نحوهما وبعرفان للجميل.
طاعة الأب والأم في غيابها.
الابن الذي يحترم أباه وأمه يطيع وصيتهما حتى في غيابهما.. ونقرأ في إحدى القصص أن شخصًا كان له أصدقاء سوء، دعوه في يوم من الأيام أن يذهب معهم إلى مكان غير لائق، فرفض لأن والده نصحه بعدم الذهاب. قالوا له: لا تخف، لأن أباك لن يعرف، قال لهم: فعلًا قد أذهب وأبي لا يعرف، لكنني لن أستطيع أن أرفع عيني في وجهه، وأخجل في داخلي لأنني خالفت أبي ولم أطعه سواء عرف أم لا. هذا الابن الذي يطيع والديه في حضورهما أو غيابهما، وطاعته بدون تذمر، وبدون جدل، وبدون وقاحة، وبدون اضطرار، لأن الطاعة مع التذمر، لا تكون طاعة حقيقية.
مساعدة الأم ومعاونتها
هناك أشياء بسيطة يمكن أن يكرم الابن فيها أمه، مثل المساعدة في إعداد الطعام وتقديمه، وترتيب ما يجب عمله ومد يد المعونة فيما يخصه أو حتى ما لا يخصه. لكن أن ينتظر أن تخدمه أمه فهذا غير لائق، أو أن يترك أباه محتاجًا لأي شيء ولا يقدمه. أو بعض كلمات الاستحسان والمجاملة والمدح على ما يُقدَّم من طعام أو خدمة.
الإكرام عن طريق المساعدة يكون أيضًا عندما لا يلقي الابن ملابسه أو مشغولاته أينما حلَّت، وأينما سقطت، ويقوم بترتيب فراشه ولا يتركه كما هو، أنت ترتب فراشك عندما تستيقظ من النوم، وترتب ملابسك عند تغييرها، ولا تشعر أن أمك هي المُكلَّفة بإصلاح الأخطاء التي تقع فيها، ومن الأفضل ألا تقع في أخطاء.
كلمة المديح الطيبة ليس بمناسبة عيد الأم فقط، عيد الأم هو فقط تذكِرة لما ينبغي أن تُعامَل به الأم، تذكِرة لمعاملة تستمر طوال العام، تحترم أمك وتمتدحها، وتقول لها كلمة طيبة، وتطلب بركتها ودعاءها، ومهما فعلت أمك تحمَّل، لأن لو كنت أنا في سنها وصحتها وإرهاقها قد كنت أخطئ أكثر، لكن حاول أن تساعدها ألا تخطئ، كل عام وأنتم وأمهاتكم طيبون.
[1] من عظة قداسة البابا شنوده الثالث عن "عيد الأم"، بتاريخ 17 مارس 1999م
عيد الأم
عيد الأم[1]
حسن أن وطننا المحبوب قد جعل من بين أعياده عيدًا للأم. فهو عيد تزدحم فيه العواطف من كل ناحية.. وهذه الكلمة المحبوبة، كلمة (الأم) يفسرها كل شخص حسب عواطفه وانتمائه.
الأم الأولى (حواء).. أمنا جميعًا.
أم كل حي، للأسف لا نجد في عيد الأم من يذكرها أو يهتم بها كثيرًا. وفي غالبية الحالات لا نذكرها بالخير، وننسب لها كل تعب البشرية! وننسى حسناتها!
في عيد الأم يذكر كل منا أمه الخاصة التي ولدته، سواء كانت على قيد الحياة أو فارقته.
يُذكَر لها محبتها ورعايتها، ويُذكَر أنها صاحبة الوجه البشوش الأول الذي قابله في حياته، هي أول من داعبته ولاطفته وحنَّت عليه واهتمت به.
إنه عرفان بالجميل، لهذه الإنسانة الطيبة التي تعبت بإخلاص وحب، وبكل حواسها وأحاسيسها، من أجل إسعاد ابنها.
إنه تحية لهذا القلب الذي احتمل كثيرًا، من أجل الكل، من أجل الأبناء، ومن أجل أبيهم، وكل أهل البيت وضيوفه.
تحية لهذه الإنسانة التي تفيض على البيت جمالًا وأناقة ونظامًا. يتركون لها كل شيء مرتبِكًا ومشوَّشًا، فتنسقه في هدوء، بغير احتجاج ولا تذمر ولا تعب.
وقد تتعب، ولا تسمع كلمة طيبة.
لذلك نحن في عيد الأم، نقول لها كلامًا طيبًا، نعوضها عن نسياننا القديم، ونضعها على عرش يليق بها، ويليق ببذلها وحبها وطيبتها، وكرامتها كأم.
ومن محبة الناس للأم، وشعورًا بالانتماء إليها، استخدم الناس اسمها في كثير من الانتماءات الأخرى.
نطلق اسمها على الوطن، ونقول: أمنا مصر. ونطلق اسمها على الكنيسة، ونقول: الكنيسة هي أمنا جميعًا، وكذلك نقول عن المعمودية: كلنا ولدنا من بطن المعمودية التي هي أمنا، وكذلك نقول عن المعاهد التي تخرَّجنا فيها: الجامعة أمنا، الإكليريكية أمنا.
وفي الاحتفال بعيد الأم، نحيي كل هؤلاء الأمهات الفضليات.
بكل احترام، وعرفان بالجميل، نضع باقات تقدير على هامَة الأم.
ولقد أمر الله بإكرام الأم، كإكرام الأب، في وصية واحدة (خر12:20). وعلينا أن نعرف كيف نكرمها عمليًّا.
كيف يكرِّم الإنسان أمه؟[2]
تُكرَّم الأم بإطاعتها، وبالعمل على راحتها، وبمحبتك لها وخدمتها، وعدم الإثقال عليها. وتُكرِّمها أيضًا باحترامها وتوقيرها: وبالاهتمام بها، وإظهار حبك لها بالكلمة الطيبة، وبالهدية مهما صغرت.
+ لا تجادل أمك بكبرياء.
+ ولا ترفع صوتك في التحدث إليها.
+ ولا تخالفها ولا تتحداها ولا تتخطاها.
+ ولا تقل لها كلمة جارحة.
+ ولا ترغمها على تنفيذ رغباتك.
+ ولا تنتقدها وبخاصة أمام الناس، واطلب بركتها كل يوم.
[1] من مقالتين في مجلة الكرازة بعنوان "تحية للأم في عيد الأم" 17 مارس 1978م، و"عيد الأم" 1 مارس 1987م
[2] من مقال "عيد الأم"، نُشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 17 مارس 1978م
الفصل الثالث نوعيات من الأمهات
نوعيات من أمهات[1]
نتحدَّث عن بعض نوعيات الأمهات من الكتاب المقدس
1- نوعية مَن صارت أمًّا بعد صبر طويل في العقم.
مثل "حنة أم صموئيل" التي كانت ضرتها "فننة" تغيظها لدرجة أنها أبكتها. وأخيرًا أعطاها الله ابنًا فما أن كبر، حتى قدَّمته لله بنفسها، ليخدم في الهيكل، تُرى هل كان سهلًا على مثل هذه الأم أن تقدم ابنها لخدمة الرب؟! إنها درس لكثيرات.
مثالها أيضًا، بأسلوب آخر، "أليصابات" التي شاخت وهي عاقر. ثم أعطاها الله ابنًا، وإذا بالموت يتهدده من هيرودس، فحُمِل الطفل إلى البراري، وعاش هناك بعيدًا عن أمه إلى سن الثلاثين، حتى ظهر لأداء رسالة، وقال الرب عنه إنه أعظم من ولدته النساء (مت11:11).
كل من هاتين، عاشت بلا ابن، ثم عاشت بعيدة عن الابن. وكل منهما صار ابنها عظيمًا، وهي بعيدة عنه.
"سارة" أيضًا لم تصر أمًّا إلا في سن التسعين، ثم ولدت إسحاق وطلب الله إسحاق ليقدمه أبوه محرقة.
و"راحيل" ظلت عاقرًا فترة، تنافسها أختها في إنجاب البنين. ثم ولدت يوسف. وماتت راحيل قبل أن ترى يوسف عظيمًا.
2- نوعيات من أمهات ربَّينَ أطفالهن في الإيمان، وكان لهن فضل التربية.
نذكر من هؤلاء "يوكابد أم موسى"، التي ربَّت ابنها في طفولته في الإيمان الذي ثبت فيه طوال إقامته في قصر فرعون، واستمر معه، حتى صار نبيًّا ومن رجال الإيمان وقادته.
نذكر أيضًا أم القديس تيموثاوس تلميذ بولس الرسول الذي قال عنه: "إِذْ أَتَذَكَّرُ الإِيمَانَ الْعَدِيمَ الرِّيَاءِ الَّذِي فِيكَ، الَّذِي سَكَنَ أَوَّلًا فِي جَدَّتِكَ لَوْئِيسَ وَأُمِّكَ أَفْنِيكِي"(2تي5:1).
ترى أنستطيع أن نذكر في هذه النوعية "القديسة يوليطة" التي ربَّت ابنها قرياقوص في الإيمان، إلى الدرجة التي تقدَّم فيها للاستشهاد وهو طفل.
3- وهنا نصل إلى نوعية ثالثة من الأمهات، شجَّعنَ أبناءهنَّ على الاستشهاد.
كـ"القديسة صوفية" التي شجَّعت بناتها الثلاث الصغيرات (أغابي، وهلبيس، وبيستس) على قبول الاستشهاد، وتم قتلهنَّ جميعًا.
نذكر هنا "الأم رفقة" بسنباط، و"الأم دولاجي" بإسنا وغيرهما من الأمهات.
نذكر القديسة التي ذبح الوثنيون أولادها الخمسة على حجرها وهي تشجعهم على الاستشهاد ولقاء الرب في الأبدية. إنه تاريخ طويل، يلزمه بحث خاص.
4- نوعية أخرى هي أمهات الآباء الرعاة.
في مقدمة هؤلاء نضع "القديسة إميليا" أم القديس باسيليوس الكبير وأولادها الأربعة القديسين: القديس باسيليوس رئيس أساقفة قيصرية كبادوكية، والقديس غريغوريوس أسقف نيصص، والقديس بطرس أسقف سبسطية، وأختهم "القديسة ماكرينا" التي صارت مرشدة روحية لإخوتها وكانت أمًّا روحية لهم. ولما تنيَّحت رثاها أخوها القديس غريغوريوس بمرثاة صارت كتابًا وطُبِع.
إن وراء تاريخ القديسين الكبار من الآباء البطاركة والأساقفة وكبار معلمي الكنيسة توجد أمهات قديسات، يحتاج تاريخهن إلى إيضاح، وتحتاج سيرتهن إلى إبراز.
5- نوعية أخرى أمهات ترمَّلن في شبابهن.
ومع ذلك فضَّلن عدم الزواج مرة أخرى، وتفرَّغن لتربية أطفالهن، وهكذا كانت عاطفة الأمومة عندهن غالبة على عاطفة الزواج، وفي نفس الوقت تحمَّلن المسؤولية كاملة في تربية الأطفال، بدون مساعدة من رجل، وكانت الواحدة منهن لأطفالها أمًّا وأبًا وصديقة ومربية، وكل شيء.
6- أمهات.. إشبينات.
المفروض تقريبًا، أن تكون كل أم إشبينة لأولادها، تستلم أبناءها كأطفال من الكنيسة، يوم المعمودية، لكي تربيهم في خوف الله.. ولكن هل حقًا كل أم تقوم فعلًا بعمل الإشبينة؟
أم أن كثيرًا من الأمهات، يهتممن فقط باحتياجات أطفالهن الجسدية، فيما يختص بالطعام والشراب والملبس والراحة والصحة، والترفيه، والإنفاق المادي، والتعليم.. أمَّا من جهة الروحيات، فلا يوجد اهتمام! معتمدة تمامًا على الكنيسة ومدارس الأحد، كأن لا شأن لها بهذا الأمر الذي تحسبه من اختصاص غيرها!
ولكن ما أجمل هذه الأم التي تكون أول مدرِّسة دين لابنها. ليست فقط كمدرِّسة مدارس الأحد، إنما مدرِّسة كل الأيام. تعلِّم أولادها الكتاب المقدس، وتحفِّظهم الآيات والتراتيل، وترتِّل معهم، وتحكي لهم قصص القديسين، وتجيب عن أسئلتهم.
طوباها أيضًا، إن كانت تعوِّدهم على الكنيسة، وتعلِّمهم آداب الحضور فيها، ورشم الصليب، وتعوِّدهم على السجود، والتناول من الأسرار المقدسة، وعلى الاعتراف، وتحفِّظهم الألحان، وتثبِّتهم في كل فضيلة.
7- نوعية أخرى من أمهات مكرَّسات.
وهذا النوع هو من أجمل الأنواع؛ حيث تكرس الأم نفسها لخدمة الرب، وتكرس ابنتها معها أيضًا.
نذكر مثالًا لذلك، "القديسة باولا" تلميذة القديس چيروم، التي بعد ترمُّلها، ذهبت مع هذا القديس إلى بيت لحم، وبنت ديرًا هناك، وعاشت فيه مع ابنتها "القديسة يوستوخيوم"، وصارت رئيسة للدير، وخلفتها في رئاسته ابنتها.. كما بَنَت ديرًا آخر للرهبان رأسه القديس چيروم.
و"القديسة ميلانيا الكبيرة" أيضًا بَنَتَ ديرًا وتكرَّست فيه. وقد شجعت في هذا المجال حفيدتها "ميلانيا الصغرى" التي عاشت مكرَّسة للرب، وترهَّبت على الرغم من أنها متزوجة، وتبعها زوجها في حياة النسك.
8- ومن الأمهات القديسات.
نذكر "أم مار مرقس الرسول"، التي صار بيتها أول كنيسة في المسيحية وفي العالم (أع12:12). كما أنه في بيتها كان السيد المسيح قد غسل أرجل تلاميذه، وتحدث معهم حديثًا طويلًا، وأقام هناك أول عشاء رباني (يو16:13). وفي هذا البيت حلَّ الروح القدس على التلاميذ في يوم الخمسين (أع2).
9- ومن الأمهات القديسات اللائي وَلَدنَ أنبياءً ورسلًا وكهنة.
"يوكابد" التي كان من أولادها موسى النبي، وهارون أول رئيس كهنة، ومريم التي كانت نبية، وهي التي قادت التسبيح وقت العبور وهي تعزف على الدُف بيدها، وجميع النساء وراءها (خر20:15). وهنا أذكر قول ذهبي الفم: "إن الأم لا تصير أمًّا بولادة البنين، إنما بتربية البنين".
ولا ننسى "أم ابني زبدي" يعقوب ويوحنا اللذين رسولين من الاثني عشر، و"أم بطرس وأندراوس" وكانا أيضًا رسولين من الاثني عشر.
نسمع عن أم أخرى هي "القديسة مونيكا" أم القديس أغسطينوس التي ضلَّ ابنها في أول حياته وظلت تبكي عليه سنوات طويلة، حتى قال لها القديس أمبروسيوس أسقف ميلان: "إن ابن هذه الدموع لن يهلك"، وفعلًا تاب ابنها، وتعمَّد وترهَّب وصار أسقفًا، ومنبعًا للروحيات، ونشر كتاب اعترافاته وكتاب "مدينة الله". ودافع عن الإيمان ضد البلاﭼــيين والمونتانيين، وصار من أبطال الإيمان، ومن قادة التأملات والروحيات في العالم بفضل صلوات أمه القديسة.
10- ومن أمهات الأنبياء أيضًا
"أم صموئيل النبي" التي كانت عاقرًا، وبكت أمام الرب، ونذرت إن أعطاها الله ابنًا تهبه للرب، وقد كان. فلما ولدت صموئيل، ما أن كبر حتى قدَّمته وهو ابنها الوحيد وقتذاك، ليخدم الهيكل في شيلوه. وكبر صموئيل وصار النبي الذي مسح داود النبي ملكًا (1صم16).
كذلك لا ننسى "أليصابات" أم يوحنا المعمدان التي كانت عاقرًا ووهبها الله ابنًا. وامتلأت بالروح القدس عندما سلمت عليها العذراء. وامتلأ ابنها بالروح القدس وهو في بطن أمه (لو15:1)، وقالت: "ارْتَكَضَ الْجَنِينُ بِابْتِهَاجٍ فِي بَطْنِي"(لو44:1)، وقال عنه السيد المسيح لما كبر: "اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: لَمْ يَقُمْ بَيْنَ الْمَوْلُودِينَ مِنَ النِّسَاءِ أَعْظَمُ مِنْ يُوحَنَّا الْمَعْمَدَانِ"(مت11:11). ولقبه الكتاب بأنه "ملاك".
أيضًا "امرأة منوح" أم شمشون الجبار، أم أقوى رجل عرفه التاريخ (قض13).
"بثشبع" زوجة داود النبي وأم سليمان الحكيم" أحكم رجل على وجه الأرض، الذي كتب أمثالًا عديدة وأسفارًا كثيرة في الكتاب المقدس.
"الأم" التي رفضت تقطيع ابنها إلى نصفين في عهد سليمان الحكيم، وبهذا اكتشف أنها الأم الحقيقية للطفل (1مل26:3).
ومن الأمهات القديسات أيضًا "سارة" أم أبينا إسحاق.
وقد كلَّمها الله، ووعدها بابن وهي عاقر (تك18)، وكانت عجوزًا في التسعين من عمرها وكانت من أجمل النساء. وقد اشتهاها أبيمالك الملك وهي في سن الثمانين تقريبًا وظهر له الله في حلم وبكَّته، فلم يمسَّها (تك20: 3 - 7).
وكذلك "رفقة" أم أبينا يعقوب وأخيه عيسو. وكانت عاقرًا. وهذه أيضًا كلمها الله وقال لها: "فِي بَطْنِكِ أُمَّتَانِ، وَمِنْ أَحْشَائِكِ يَفْتَرِقُ شَعْبَانِ: شَعْبٌ يَقْوَى عَلَى شَعْبٍ، وَكَبِيرٌ يُسْتَعْبَدُ لِصَغِيرٍ"(تك23:25). وهي التي نصحت ابنها يعقوب أن يهرب لحياته من أخيه عيسو (تك43:27).
وفي كلامنا عن الأمهات القديسات نذكر أم القديس تيموثاوس وجدَّته. وتيموثاوس هذا كان أسقفًا لأفسس، وقد كتب له القديس بولس الرسول يقول: "إِذْ أَتَذَكَّرُ الإِيمَانَ الْعَدِيمَ الرِّيَاءِ الَّذِي فِيكَ، الَّذِي سَكَنَ أَوَّلًا فِي جَدَّتِكَ لَوْئِيسَ وَأُمِّكَ أَفْنِيكِي"(2تي5:1).
وهنا أذكر أنني عندما زرت روسيا سنة 1972م أعجبت جدًّا بالأمهات والجدَّات اللائي كُنَّ مبارَكات بالحقيقة، وهن اللائي علَّمن الأطفال الإيمان وأعددنهم للمعمودية، بينما كان الرجال لا يستطيعون أن يصرحوا بإيمانهم أثناء الحكم الشيوعي.
11- من بين الأمهات القديسات "الأمهات الروحيات".
نذكر أمهات الرهبنة مثل "القديسة دميانة"، التي كانت مرشدة لأربعين راهبة واستُشهِدت معهن.
و"الأم كاترين" في سيناء.
و"الأم سارة التي كان يسترشد بها رهبان الإسقيط ويكشفون لها أفكارهم، فتقول لهم: "بالحقيقة أنكم إسقيطيون. ما فيكم من الفضائل تخفونه وما ليس فيكم من الرذائل تنسبونه لأنفسكم".
نذكر أيضًا "القديسة ميلانيا" التي كانت مرشدة للقديس مار أوغريس وقادته للتوبة وللرهبنة.
و"القديسة يوستوخيوم" التي صارت رئيسة لدير في أورشليم، وكتب لها القديس چيروم رسالته العشرين. و"أمها" التي كانت رئيسة الدير قبلها بعد ترمُّلها.
12- أمهات قدوة.
يَرى أولادهن فيهن، مثالًا لكل فضيلة، بل يرون الله في حياتهن، ويستطعن أن يقُدن أولادهن في الفضيلة والتوبة.
ولا ننسى "القديسة مونيكا" التي كانت سببًا في توبة ابنها أغسطينوس، والتي بكت من أجله سنوات طويلة.
13- الأم التي لا تحب نفسها أكثر مما تحب ابنها.
الأم التي لا تمنع ابنها عن التكريس بحجة محبتها له، ورغبتها في أن يبقى إلى جوارها ويترك تكريسه!
والأم التي لا تتدخل في سعادة ابنها مع زوجته، ولو بعدت هذه الأم عنه، حريصة ألا تثير شقاقًا في البيت الجديد.
والأم التي لا تصر على الحياة مع ابنها في بيت زوجيته، إن كان هذا الأمر غير مقبول من امرأته، واضعة في ذهنها عدم إيقاع ابنها في حرج.
والأم التي لا تُرغم ابنها على طاعتها، إن كان تحطيمه نفسيًّا هو نتيجة هذه الطاعة.
والأم التي لا تقف في طريق مستقبل ابنها في السفر، ولا تتعلل بأنها محتاجة إليه عاطفيًّا.
والأم التي لا تحطم ابنها بضغوط نفسية كالبكاء والانهيار والشكوى من المرض، لكي تصل إلى غرضها، وترغمه أدبيًّا على الخضوع لطلبها، مهما كان ذلك شاذًّا، ومهما كان ذلك ضارًّا به.
بركة جميع هؤلاء الأمهات تكون معنا.
[1] من مقالات قداسة البابا شنوده التي نُشرت في مجلة الكرازة بمناسبة عيد الأم، (نوعيات من أمهات20 مارس 1981م، و27 مارس 1981م، مشاهير الأمهات وتحية للأمومة والأمهات في عيد الأم، كرازة 30 مارس 2007م، مشاهير الأمهات 23 مارس 1979م)
أمنا العذراء
أمنا العذراء[1]
محبتنا لأمنا العذراء
لا يوجد أناس يحبون أمهم الروحية، مثلما نحب أمنا العذراء.
نذكرها كل يوم في صلواتنا.. في كل صلاة من صلوات الأجبية. كلما نقف أمام الله نصلي، نتجه بقلوبنا إلى أمنا العذراء لتقف معنا.
كلما نرتل قانون الإيمان، نذكرها في مقدمته، في قطعة "نعظمك يا أم النور الحقيقي".
ما أكثر الذكصولوجيات التي نذكر فيها صفات العذراء وأمجادها، ونتغنَّى بها في حب. وما أكثر المزامير التي نرتلها ونحن نتغنَّى بكرامة العذراء. ونقول: "قامَت الملِكةُ عَنْ يَمينِكَ أيها الملك، كُلُّ مَجْد ابْنَةُ الملِكِ مِنْ داخِل. مشْتمِلةٌ بأطرافٍ مُوَشّاةٍ بالذَّهَبِ"(مز45).
ما أعمق وأجمل الصفات التي نصف بها العذراء مع رموزها ودلالاتها: فهي الحمامة الحسنة، وشورية هارون، وهي العصا التي أفرخت، وهي العليقة التي رآها موسى النبي في البرية، وهي الباب الشرقي الذي رآه حزقيال النبي (حز44: 1، 2)، وهي العروس التي تغنَّى بحبها سليمان الملك.
نضع أيقونتها على الجانب البحري للهيكل، ويبخر لها الأب الكاهن وهو خارج بالبخور ويقول لها: "السلام لك يا مريم".
ونذكرها في مجمع القديسين في كل قداس، ونذكرها في الاعتراف الأخير قبل التناول. ونذكرها في صلوات التسبحة، ونتشفع بها في الهيتنيات قبل رؤساء الملائكة. ونقول لها في تمجيدنا: "ارتفعت يا مريم فوق الشاروبيم. وسموت يا مريم فوق السارافيم".
ونطلق اسمها على الكنائس والأديرة، ليس على أديرة الراهبات فقط، وإنما على كثير من أديرة الرهبان أيضًا. وتتسمى باسمها بناتنا.
واسمها يكون على أفواهنا طوال شهر كيهك. ونصوم صومًا كل عام على اسمها. ونحتفل بأعياد كثيرة لها. بميلادها والبشارة بميلادها، وبيوم نياحتها، ويوم صعود جسدها إلى السماء، وبمناسبات أخرى في حياتها.
هذه التي قالت لها القديسة أليصابات: "فَمِنْ أَيْنَ لِي هذَا أَنْ تَأْتِيَ أُمُّ رَبِّي إِلَيَّ؟"، "مُبَارَكَةٌ أَنْتِ فِي النِّسَاءِ وَمُبَارَكَةٌ هِيَ ثَمَرَةُ بَطْنِكِ!"(لو1: 43، 42).
ما أكثر التراتيل التي نذكر فيها اسم مريم نتأمل فيها حياتها الطاهرة، وعلو مركزها عند الله، وكيف كانت أمًّا روحية للآباء الرسل (يو27:19). وكانت معهم في الصلاة في العلية (أع14:1). وفي يوم الخمسين يوم حلول الروح القدس (أع1:2).
عيد سعيد هو عيدك، يا أمنا المحبوبة، أعظم نساء العالم، التي تطوبها جميع الأجيال (لو48:1). إننا نفرح بعيدك، ونعيش في ظل صلواتك، ونطلب في كل حين بركتك وشفاعتك المقبولة. مهما كتبنا عنك، فكتابتنا لا تكفي. ومهما أحببناك، فالله أحبك قبلنا: "لأَنَّهُ نَظَرَ إِلَى اتِّضَاعِ أَمَتِهِ"، "لأَنَّ الْقَدِيرَ صَنَعَ بِي"(لو1). ولا يزال يصنع بك عجائب كل يوم.
اذكرينا يا أمنا باستمرار، مثلما نذكرك كل يوم.
[1] مقال نُشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 15أغسطس1997م
تحية للأمهات..
تحية للأمهات..[1]
تحية للأمهات.. لجميع الأمهات المخلصات، في كل ما يتَّصفن به من محبة وحنان. ومشاعر أعمق من أن توصف.
تحية للعذراء مريم الأم الملكة.
تحية لأمهات الشهداء اللائي شجَّعن أبناءهن على قبول العذاب لأجل الرب.
تحية لأمهات الرهبنة، في نسكهن وبتوليتهن وإرشادهن الروحي.
تحية للأمهات الإشبينات اللائي تأتمنهن الكنيسة على إيمان صغارها وتربيتهم.
تحية لكل أم تأتي بابنها وتقدمه للمسيح فهذه هي الأمومة الحقيقة.
[1] كلمة في مجلة الكرازة بمناسبة عيد الأم، بتاريخ 16 مارس 1979م
أسئلة
كسرت وصية الرب.. ولم أكرم أمي[1]
السؤال: كسرتُ وصية الرَّب ولم أكرم أمي، خاصة وهي في اللحظات الأخيرة قبل موتها. وأشعر بالندم وتأنيب الضمير باستمرار فكيف الخلاص من هذا الإحساس، وهل يقبل الله اعترافي بهذا الذنب؟
الجواب: بالطبع الله يقبل اعترافك، لكن لا بد أن تفعل بعض الأمور مثل:
- ارفع قداسات باسم والدتك واطلب لها الرحمة.
- قدم صدقات باسم والدتك واطلب لها الرحمة.
- اضرب مطانيات كل يوم ما عدا الأيام التي لا يجوز فيها الميطانيات (السبوت والآحاد والخمسين المقدسة)، وقل أثناء الميطانية: "اغفر لي يا رب أنني لم أكرم أمي".
إذًا أقم قداسات وصدقات وميطانيات باسمها.
وهذا إنذار لكل أحد لا يكرم أمه.. كما فعل هذا الأخ، فاحترزوا من عدم إكرام الأم لأنه يتعب الضمير.
*___________*_____________*
تنيَّحت والدتي وأشعر بحزن شديد[2]
السؤال: يقول الكتاب المقدس: "اِحْسِبُوهُ كُلَّ فَرَحٍ يَا إِخْوَتِي حِينَمَا تَقَعُونَ فِي تَجَارِبَ مُتَنَوِّعَةٍ"(يع2:1).
كيف يتمِّم الإنسان هذه الآية في حياته والحياة كلها متاعب وآلام وتجارب تطغى عليه وتقلق حياته وتفقده سعادته. لقد تنيَّحت والدتي منذ فترة وأنا متعب جدًّا جدًّا ولا أستطيع أن أتحمل فراقها، فهذا شيء صعب جدًّا وليست لي رغبة في أي شيء في هذه الحياة.
كل فترة أتذكرها وأحزن، وهذا يؤثر على عملي وبيتي وحتى في الشارع! أرجوك ارشدني لأني متعب جدًّا.
لقد كانت والدتي مريضة فلماذا لم يشفها الله؟ أنا أريد أن أذهب إليها هل أنتحر أم ماذا أفعل؟
الجواب: يا ابني، لا يوجد أحد في هذه الدنيا عاشت والدته طول العمر، يعني أن ربع الموجودين هنا في الاجتماع على الأقل والدتهم أو والدهم مُتوفَّى، لا مفر من هذا لأن هذه نهاية كل حي، كل إنسان يأتي وقت ويموت أمه أو أبيه. لا تُفكر بهذه الطريقة، بل ليكن تفكيرك روحيًّا.
إذا كنت تحب والدتك وتحب أن تلتقي بها، قم بعمل الخير لكي تذهب إلى الفردوس وتقابل والدتك هناك، ولكن إذا انتحرت تدخل جهنم، وتكون والدتك في الفردوس وأنتَ في جهنم! وبالتالي لن تراها إلى الأبد، فأنت قل: "لكي أرى والدتي في الفردوس لا بد أن أفعل الصواب، لكي أذهب إلى المكان التي هي فيه"، وهنا تأخذ عزاءً، أيضًا قل لنفسك: "إن الأرواح ترى.. فعندما تراني والدتي التي أحبها حزينًا ومكتئبًا ومضطربًا هي نفسها ستتضايق في العالم الآخر"، وتحزن عليك! هل تريد أن تُحزنها في أبديتها؟! طبعًا لا تريد!
[1] سؤال من عظة "ليكن لي كقولك"، بتاريخ 13 يناير1993م
[2] سؤال من عظة "البركة في العام الجديد"، بتاريخ 26 ديسمبر1990م




