جاء السيد المسيح للكل يرفع معنويات الجميع

جاء السيد المسيح للكل1
يرفع معنويات الجميع
أهنئكم يا أخوتي بعيد الميلاد المجيد، وببدء عام جديد، راجيًا لكم فيه حياة سعيدة مباركة، ثابتة في محبة الله وطاعته، ومصليًا لأجل بلادنا مصر المحبوبة لكي يمنحها الله الرخاء والسِعة، ويديم عليها الاستقرار والهدوء…
ويسرني في عيد ميلاد السيد المسيح، أن أحدثكم عن بعض ما تركه لنا من أمثولة طيبة، وكيف كان يعمل دائمًا على راحة كل الناس: يحب الكل ويخدم الكل، ويرفع معنويات الضعفاء، ويرشد ويعلّم…
كان قلبًا مفتوحًا للكل، يجول يصنع خيرًا (أع10: 38)
فيشعر كل إنسان أن له نصيبًا في المسيح.
اهتم بالأمم كما اهتم باليهود، وشمل حنانه الأبرار والخطاة، القديسات والساقطات، الأطفال والكبار، الأحرار، والمسبيين، النساء والرجال. وبسط عطفه على الفقراء والمحتاجين والجياع، والتعابى والضعفاء. وأيضًا بالمرضى والمصروعين من الشياطين. وفي اهتمامه لم ينس الحزانى على موتاهم. بل إنه لم يغفل حتى مقاوميه فأشفق عليهم…
وقال “تعالوا إلىَّ يا جميع المتعبين والثقيلي الأحمال وأنا أريحكم” (مت11: 28) وقال أيضًا إنه جاء ليعصب منكسري القلوب، وينادي للمسبيين بالعتق وللمأسورين بالإطلاق، ويعزي كل النائحين (أش61: 21).
نعم، جاء يطلق الذين وقعوا في أسر الشياطين، أو الخطية، أو الأمراض. وكل من كانوا في ضعف أو عجز.
فمن جهة المرضى: شفى مريض بيت حسدا الذي ظل ملقى في مرضه مدى 38 سنة إلى جوار البركة، حتى قال السيد المسيح “قم احمل سريرك وامشِ” (يو5: 8) فقام وحمل سريره ومشى وهكذا كان يشفي كل من يئس من شفائه، ومن عجز الطب في علاجه.
فلجأوا إليه باعتبار أنه رجاء من ليس له رجاء، ومعين من ليس له معين… وكان يشفي جميع المتسلط عليهم إبليس.
أما عن إقامة الموتى: فقد أقام ابنة يايرس رئيس المجمع (لو8: 41، 55). وأقام ابن أرملة نايين، وكان شابًا وحيدًا لأمه تبكي عليه (لو7: 11، 12). وبين الذين أقامهم أيضًا: لعازر أخو مريم ومرثا من بيت عنيا (يو11)
وكان السيد المسيح حانيًا على الخطاة، ويقتادهم إلى التوبة. كان لا يعتبرهم أشرارًا، بقدر ما يعتبرهم مرضى. وكان يقول عنهم في رفق: “ما جئت لأدعو أبرارًا بل خطاة إلى التوبة. لا يحتاج الأصحاء إلى طبيب، بل المرضى” (مر2: 17). وهكذا جعل للخطاة نصيبًا فيه.
السامريون كانوا أيضًا خطاة، ولكن شملهم حنانه وعطفه وأيضًا شمل حنانه (الأمم) أي الشعوب غير اليهودية.
وكانوا مكروهين جدًا من اليهود، على اعتبار أنهم يعبدون آلهة وثنية، وأنهم غرباء عن رعوية إسرائيل، بلا ناموس، ولا أنبياء، ولا عهد مع الله (أف2: 13). هؤلاء اجتذبهم السيد المسيح إليه وأظهر أنهم مقبولون أمام الله.
وفي شفائه لغلام قائد المائة الأممي، أعجب بإيمان ذلك القائد، وقال عنه “لم أجد في إسرائيل إيمانًا مثل هذا” (مت18: 10). كما شفى أيضًا ابنة المرأة الكنعانية، وهي من شعب يعتبره اليهود ملعونًا. وقال لتلك المرأة “عظيم هو إيمانك” (مت15: 28).
وبعد القيامة قال لتلاميذه “تكونون لي شهودًا في أورشليم وكل اليهودية، وفي السامرة، وإلى أقصى الأرض” (أع1: 8). كما أوصاهم قائلًا “اذهبوا وتلمذوا جميع الأمم، وعلموهم جميع ما أوصيتكم به” (مت 28)
كما قال فيما بعد لتلميذه بولس الرسول “ها أنا أرسلك بعيدًا إلى الأمم” (أع22). وقال له في مرة أخرى “كما شهدت لي في أورشليم، ينبغي أن تشهد لي في رومية أيضًا” (أع23). وهي أشهر مدينة للأمم وقتذاك.
وهكذا كان السيد المسيح لكل الأمم وكل الشعوب.
وكذلك رفع معنويات المرأة، وأعطاها مكانةً لم تكن لها في العالم اليهودي. وبارك النساء وخدمة النساء “ونسوة كثيرات كن يتبعنه من الجليل ويخدمنه من أموالهن (لو8: 2، 3)، (مت27: 55). وقد طوّب الأرملة الفقيرة التي دفعت في الصندوق من أعوازها (مر12: 44) كما أنه أقام العشاء الأخير في بيت مريم أم يوحنا الملقب مرقس. وقد تحول هذا البيت فيما بعد إلى كنيسة (أع12: 12)، وكذلك بيت ليديا بائعة الأرجوان (أع16).
وكما اهتم بالنسوة القديسات، كذلك شمل عطفه الساقطات أيضًا. فدافع عن المرأة الخاطئة التي ضُبطت في ذات الفعل، وقال لمن طلبوا رجمها “من كان منكم بلا خطية، فليرجمها أولًا بحجر” (يو5: 7). فلما مضى هؤلاء، قال لها “ولا أنا أيضًا أدينك. اذهبي ولا تخطئي مرة أخرى” واهتم السيد المسيح أيضًا بالأطفال ورفع معنوياتهم وكان يحب الأطفال ويحتضنهم ويباركهم (مر10: 16)
كان قلبًا عطوفًا على الكل، لا يرفض أحدًا حتى الذين ينتقدونه! وأشفق على الضعفاء والجياع والمرضى.
وقال لمن يصنعون معهم احسانًا – ولو بزيارتهم – “مهما فعلتموه بأحد أخوتي هؤلاء الأصاغر، فبي قد فعلتم” (مت25: 40). وفي معجزة إشباع الجموع من الخمس خبزات، قال لا أستطيع أن أصرفهم جياعًا لئلا يخوروا في الطريق (مت15: 32). ومن اهتمامه بالفقراء أنه اختار تلاميذه الفقراء صيادي السمك. وكان غالبيتهم من غير المثقفين، ولكنه منحهم من عنده الحكمة والقوة وكانت له شعبية كبيرة، باهتمامه بالكل وكان يعلم الناس أعمق التعاليم، ولكن في بساطة أسلوب يفهمه الكل، الكبير والصغير، الجاهل والمتعلم. وكان في شعبيته يتبعه الألوف وكثيرًا ما كانوا يزحمونه… كان يدخل بيوت الناس، ويدخل إلى سفن الصيادين. يقابل الكل ويكلمهم: في الطريق، وفي المزارع، وعلى الجبل، وفي مواضع خلاء، وعند شاطئ البحيرة… في كل مكان. ودخل مجامع اليهود أيضًا، وعلّم الناس فيها (لو4: 16- 21) … كان للكل، يعمل لأجل الجميع…
وكل الذين قابلوه منحهم بركة أو نعمة أو إرشادًا. ولم يغلق ذاته على أحد إطلاقًا. وفتح أبواب الخلاص أمام الجميع. ولم يقصر محبته على طائفة أو مجموعة معينة، أو نوعية خاصة من الناس، أو شعب واحد…
ختامًا يا أخوتي، هذا الموضوع طويل. فاقتصر على ما ذكرته، وأطلب سلامًا للعالم كله، في الشرق الأوسط، وفي السودان والصومال، وفي بلاد الغرب، وفي فلسطين التي عاش فيها السيد المسيح حوالي الثلاثين عامًا، وكذلك مصر التي مكث فيها ثلاث سنوات ونصف السنة
كونوا جميعًا بخير، وليبارك الله هذا العام، ويبارك دولتنا المحبوبة ورئيسها حسني مبارك، وكل العاملين فيها.
- مقال لقداسة البابا شنوده الثالث نشر في جريدة الأهرام بتاريخ 7-1-2007م




