“الوحدة والبعد عن الخلطة”

حياة السكون لمار إسحق أسقف نينوى
“الوحدة والبعد عن الخلطة”1
“السكون هو عمل الراهب فإذا فقد السكون، اختلت حياته كراهب “مار اسحق”.
نشرنا في العدد الماضي شرح مار اسحق لكيفية حفظ السكون، وبدأنا بلزوم الوحدة والبعد عن الخلطة. وسنتابع شرحه لهذا الموضوع.
رسالة مار اسحاق إلى أخيه عن أخطار زيارته للدير:
كان مار اسحاق متوحدًا في مغارة، وكان أخوه بالجسد رئيسًا للدير وطلب منه، أن ينزل قليلًا من مغارته ليزور الدير، فيراه كما ينتفع الرهبان بروحياته. فرد على أخيه معتذرًا برسالة شديدة يثبت فيها ما يصيبه من خطر روحي إذا زار الدير. فقال:
“لسنا نحن أقوياء أيها الأب كما تظن. العلك ما تعرف ضعفي وعجزي؟! فهل يسهل عليك هلاكي؟! ألق حركة الطبيعة من فكرك، لأنها تحركت فيك كعادتها. العلك تظن أن الشيء الذي أنا مهتم به ما يستوجب الاهتمام؟ ‘يقصد حفظ السكون بالوحدة‘. لا تطلب ما يخص الجسد ورأبه – يقصد رؤية أخيه له بالجسد -. بل اهتم بخلاص نفسي يا أخي، لأنه عما قليل ننتقل من هذا العالم”.
“كم وجوه ألقى إذا ما أتيت إليك؟ وكم أنواع من الناس ومن المواضع أصادف إلى حيث أرجع إلى مكاني؟ وكم أسباب أفكار تقبل نفسي ملاقاتها. وتضطرب فيها الآلام التي استراحت منها قليلًا… انظر كم من التغييرات يقبل الفكر الذي هذا زمانًا كثيرًا مع نفسه، إذا نظر وسمع شيئًا خارجًا عمّا تعوده؟!”.
“فإن كانت ملاقاة الراهب لأهل زيّه – أعني الرهبان – تؤذيه وهو قائم بعد في الجهاد، وله حرب مع خصمه، إذا لم يكونوا موافقين قصده ولا سائرين في طريقه، ففي أية حفرة يسقط، وكيف يخلص من شماتة الأعداء، ان نزل إلى الخلطة؟! لذلك يجب ألا نفعل هذا من غير ضرورة تلجئنا إليه”.
“ويجب ألا يضل قلبنا بقول الذين يدعون أنهم ما يتأذون بشيء من السماع والنظر، وأنهم على السواء في القفر وفي العمر، في القلاية وخارجها!! وأن أفكارهم لا تتغير في السجس وفي الهدوء، وأنهم لا يحسون من ملاقاة الوجوه والأمور بشيء من ضغط الآلام! إن الذين يقولون هذا، ما يعرفون أين ومتى يُضربون وينجرحون”.
“وأما نحن فما وصلنا بعد إلى صحة النفس هذه. ولنا جراحات صعبة منتنة، إذا ما خليت يومًا من الرباطات والمراهم أنفثت دودًا!”.
فوائد البعد عن الخلطة
- البعد عن الخلطة، لجمع العقل:
“… إن كنا مع كثيرين، أفكار كثيرين تحدث لنا. وإن انفردنا عن الكل، ضميرًا منفردًا نقتني”. “العقل المتوحد يتولد من التوحد بالجسد، وحسب اختلاط الجسد، كذلك يختلط الفكر”.
“إن كانت جميع مصادفات النظر والسمع تنتهي بتربية الأفكار داخلًا، فأية منفعة إذًا للذين يسرعون باجتهاد إلى الملاقاة، ويمارون في أن يسكتوا الأفكار؟!”.
“إن العقل لا يهدأ بدون هدوء الجسد”. “لأن الأفكار الداخلية المتأملة في الله، تتشتت بالملاقاة المخسّرة وبالنافعة أيضًا”.
“ما دام الضمير والأفكار يصطبغان كل يوم بأفكار شتّى بالملاقاة النافعة والمُخسّرة – إذ يتسامح مع هذا لطيبة قلبه، ومع الآخر لينفذ له إرادته، ومع ثالث لينيح شهوته، ومع رابع ليهدئ غضبه – فمتى يثبت الذهن إذًا في ما يخصه ويهدأ، وما ينقسم إلى أشياء كثيرة، ويصير واحد عن الواحد وينتج ثمار روحية لنياح إرادة الله؟!
- البعد عن الخلطة، للتفرغ للصلاة:
“لا يستطيع الإنسان أن يكون بمفاوضة الله ومفاوضة الناس في وقت واحد”. “فإن لم يمت الراهب وينقطع عن كل أحد، وينقبض بالسكون إلى ذاته كالميت في القبر، فما يستطيع أن يقتني في نفسه الصلاة التي بلا طياشة”.
“إن كنت قد وهبت نفسك للصلاة المطهرة للعقل ولمداومة سهر الليالي لتقتني فكرًا نيرًا، فابعد ذاتك عن نظر العالم، واقطع مفاوضة المحادثات”.
“اقطع حديثك مع المائتين، حتى تتعلم أن تتحدث مع الأحياء. واجمع بصرك من كل نظر، حتى تتفحص في خالقك وعظمته”.
“الذي يحب المفاوضة مع المسيح، فهو يحب أن يكون وحده. أما الذي يحب أن يدوم مع كثيرين فهو محب لهذا العالم”.
“الذي له عزاء سري في داخله من هذيذ الفكر، ويحس بثاؤرية عقلية السماء أو الأرض، ليس هو في حاجة إلى عزاء من الحواس الخارجية”.
- البعد عن الخلطة، بقصد التوبة والنقاوة:
“الذي يبتعد زمانًا كثيرًا عن مفاوضة الكلام ونظر الوجوه، تنقلع منه التذكارات القديمة، وتبطل منه العوائد والتدابير الأولى والتخيل التي هي رباطات النفس”.
“التوبة هي أم الحياة، تفتح لنا بابها بالفرار من الكل”.
“لأنه حالما يبتعد الإنسان عن البشر وينقبض إلى ذاته، فمن ذلك الوقت تسم في عقله حركات التوبة، ويقبل زرع الحياة من النعمة. ومثل جنين حرك فيه حزن الإفراز، ويختلج بقلبه ذكر حياة العالم الجديد وانتظار القيامة وهم الدينونة”.
“إن الإنسان إذا ما انقبض عن مفاوضة الناس، رجع إلى ذاته وإلى تقويم تدبير سيرته حسنًا قدام الله”.
“إن كنت تحب العفة، فلا تكن محبًا للطياشة. لأن الملاقاة التي تعرض بواسطة الطياشة، ما تتركك أن تمسك العفة باحتراس في نفسك”. “عدم الاحتراس، والقرب من الناس والأمور، ولدا للشيوخ الأعفاء العمالين أفكار الشباب، وأقاماهم في قتال الصبوة”.
4-البعد عن الخلطة، لنوال ثمار السكون:
“الذي يد الكل عليه، ويده على الكل، لا يتفرغ ليستريح بالسكون. لأنه لا يمكن أن يكون مع الواحد في كونه مع كثيرين”. “إن لم يقبض حواس الجسد – وبالأكثر نظره وسمعه ولسانه – ما يجد سكونًا لنفسه”.
“لا يؤهل المتوحد لنور الضمير، ما دام يجري في اتباع أمور يشبع بها جوعه! إلى أن يشبع من الكل، ويقبض ذاته من الكل، ويصير واحدًا، لا كثيرين…”.
“لا يقتني المتوحد حرية النفس واتساع القلب، من دون الانفراد
- مقال لنيافة الأنبا شنوده أسقف التعليم – مجلة الكرازة السنة الثالثة –العدد السابع – سبتمبر 1967




