تأملات في القيامة

تأملات في القيامة1
أبنائي وأخواتي الأحباء
يسرني في هذا اليوم المبارك أن أهنئكم بعيد القيامة المجيد، بكل ما يحمل هذا العيد من معان وتأملات روحية، وحقًا في كل صورة من صور المسيح، نجد معنى روحيًا له عمقه وله تأثيره في القلوب.
فالمسيح المصلوب يقدم صورة للحب والبذل والفداء، والمسيح القائم من الأموات يعطي، صورة للقوة وللانتصار والمسيح الصاعد إلى السماء يقدم لنا صورة للمسيح الممجد.
ونحن نود اليوم أن نتأمل في قيامة السيد المسيح من الأموات في عمق معانيها.
* القيامة غيرت الأوضاع في صلب المسيح، كان يبدو أن الإيمان قد ضاع وانتهى … وأن كل عمل المسيح قد تحطم بصلبه، إذ ضربوا الراعي فتبددت الرعية (زك13: 7).
هوذا المسيح القوي صانع المعجزات مسمًر على خشبة وسط هزؤ الناس واستهزائهم… وتلاميذه… قد هربوا وقت القبض عليه، لم يبق منهم سوى واحد فقط إلى جوار الصليب، ثم اعتكفوا خائفين في العلية، لا يجرؤ أحد منهم على الظهور أو على الكلام… وبطرس الجريء الذي قال من قبل بأكثر تشديد “ولو اضطررت أن أموت معك، لا أنكرك” (مر14: 31).
هذا للأسف قد أنكر وجدف وقال لا أعرف الرجل (مت26: 74).
والشعب الذي تبع المسيح ورأى معجزاته، اهتز من أساسه – منه من صاح قائلًا اصلبه اصلبه! ومنه من خاف وهرب… ومنه من بكى، واكتفى بالبكاء…
ووقف المسيح وحده، في عمق آلامه… وكما كانت صورة تلاميذه مؤسفة للغاية، كذلك كانت صورة أعدائه مؤلمة وشامتة…
تجبر أعداء الرب وملكوا الموقف بسيطرة عجيبة… استطاعوا أن يأتوا بشهود زور، وأن يلفقوا حول المسيح تهمًا، ويدعوا أنه عدو لقيصر، وناقض للشريعة وكاسر للسبت، ومضل وخاطئ.
وخدعوا الشعب، وأخضعوا بيلاطس الوالي لمشيئتهم، وعقدوا مجمعًا ضد المسيح وحكموا عليه، وأدانوه، واستطاعوا أن يثيروا الشعب ليهتف “اصلبه… اصلبه”… وأهانوا المسيح إهانات شديدة، وأوقفوه في موقف العاجز بعد أن تحدوه بكلمات كثيرة.
وحتى بعد موته، ضبطوا القبر بالحراس، بعد أن ختموه بأختام.
وبدا الموقف يدعو لليأس من كل ناحية! ولم تكن القيامة تخطر ببال أحد، فهي كما تبدو صعبة أو مستحيلة كان الظاهر للكل أن المسيح قد انتهى، هو وكل من معه!
كيف يقوم المسيح إذًا؟ كل الذين قاموا قبلًا من الموت، وجدوا من يقيمهم، ابن أرملة صرفه صيدا، أقامه إيليا النبي، وابن الشونمية، أقامه أليشع النبي… وابن أرملة نايين أقامه المسيح. ولكن المسيح نفسه، من الذي يقيمه؟!
واليهود ما كانوا يريدون فقط أن يقضوا عليه، وإنما كانوا يريدون أيضًا أن يقضوا على رسالته وتعليمه…
كان المسيح هو الحق الصارخ ضد أباطيلهم… وكان النور الذي يهتك ظلمتهم ويكشف أعمالهم… بل كان هو الصراحة التي تعلن رياءهم… وهو الصوت الجريء الذي قال لهم: “ويل لكم أيها المراؤون… يا قتلة الأنبياء” تغلقون ملكوت السموات أمام الناس. فما دخلتم ولا جعلتم الداخلين يدخلون” (مت23).
وكان تعليمه يقدم روحانية لا يعرفها تعليمهم المتمسك بالحرف وليس بالروح… كان المسيح يتكلم بسلطان وليس كالكتبة، وكان وجوده وسطهم يمثل الصراع الدائم بين الحق والباطل.
ولقد ظن الباطل حين علق المسيح على الصليب، أن الحق قد مات! فلما قام المسيح: عرف الكل أن الحق لا يموت، وعرفوا أن الحق المصلوب، هو أقوى من الباطل المتآمر والمتسلط…
نعم، كان الحق الوديع الهادئ المتسامح، أكثر قوة من جميع جلاديه وصالبيه… ولم يكن صمته عن ضعف وإنما عن إرادة إلهية لخلاص البشر وفدائهم…
كان المسيح في قبره أكثر حياة من أولئك الذين كانت حياتهم قبرًا… كانوا موتى وهم يتنفسون ويتحركون! وكان هو حيًا بعد أن لفظ نفاسه الاخيرةأنفاسه بالجسد.
كانت حياتهم موتًا من الناحية الروحية بينما كان موت المسيح حياة وخلاصًا للعالم كله… إن المسيح قد داس الموت بموته… وقدم للناس عربون القيامة بقيامته.
قيامة تختلف عن كل قيامة
وكانت قيامته عجيبة من كل ناحية. كثيرون قاموا من قبل… ولكن قيامتهم لم تكن مطلقًا من نوع قيامة المسيح.
قيامة كانت فريدة في نوعها، لذلك سمي “باكورة الراقدين” (1كو15: 20).
فكيف نقول إنه الباكورة بينما قام من قبل على يديه لعازر، وابنة يايرس وابن أرملة نايين، وقام من قبل ابن أرملة صرفه صيدا، وابن الشونمية، وقام ميت لامس عظام أليشع؟!
إنه الباكورة لأن قيامته تختلف عن كل قيامة أخرى. وسنذكر النقط التالية
إنه الباكورة، لأنه الأول الذي قام قيامة لا موت بعدها.
كل الذين قاموا من قبل، ماتوا مرة أخرى، وينتظرون القيامة العامة التي فيها يقومون مرة أخرى، قيامة إلى حياة أبدية لا موت بعدها، على شبه قيامة المسيح…
وهو الباكورة، لأنه الأول الذي قام بجسد ممجد.
وكل الذين قاموا من قبل، قاموا بنفس الجسد المادي، الذي يتعرض لكل عوامل الفساد من تعب وألم، ومرض وانحلال… وهم ينتظرون في القيامة العامة أن يقوموا مرة أخرى على شبه جسد مجده “بالجسد النوراني الروحاني، حيث يلبس هذا الفاسد عدم فساد، ويلبس هذا المائت عدم موت” (1كو15: 49، 54).
وقيامة المسيح تختلف عن كل قيامة أخرى، في أنه قام بنفسه، ولم يقمه أحد غيره كالباقين…
ولذلك يمكن هنا من جمعة اللغة أن نميز بين لفظين: قيامة (بالنسبة إلى المسيح)، وإقامة (بالنسبة إلى غيره) فنقول إقامة لعازر وليس قيامة لعازر، ونقول أيضًا إقامة ابن الأرملة وليس قيامته، أما بالنسبة للسيد المسيح فنقول قيامة المسيح…
وهذا يعطينا فكرة عن القوة التي قام بها من الموت.
قوة القيامة…
قيامة المسيح هزأت بكل الأعمال البشرية المضادة.
فخرج من القبر وهو مغلق ومختوم كما خرج من بطن العذراء وبتوليتها مختومة.
فإن كانت قيامته معجزة خارقة للعادة فإن خروجه من القبر وهو مغلق وعليه حجر عظيم، هو معجزة ثانية.
وهنا نلاحظ أن الملاك – بعد القيامة – قد رفع الحجر عن القبر، لكي يرى النسوة القبر الفارغ ويراه الكل فارغًا ولم يرفع الملاك الحجر، ليخرج المسيح من القبر… فقد خرج منه قبلًا في وقت لم يعرفه أحد.
وهنا يكون خروج المسيح من القبر دون أن يراه الحراس هو معجزة ثالثة ويكون تركه في قيامته الأكفان والمنديل مرتبة، معجزة رابعة جعلت بطرس يؤمن (يو20: 6- 8).
ويكون دخوله العلية بعد القيامة والأبواب مغلقة (يو20: 26) معجزة خامسة.
لو لم يكن اليهود قد ختموا على القبر، ووضعوا عليه حجرًا عظيمًا، وضبطوه بحراس مسلحين، لكان لهم أن يشكوا في القيامة… أما هذه الإجراءات فقد كانت شاهدًا عليهم، وإثباتًا للقيامة، أعطت القيامة قوة معينة جعلتها فوق التدابير البشرية، وصار اليهود بعد هذا يخافون جدًا من تبشير التلاميذ بالقيامة.
والنقطة الأولى في عظمة القيامة وقوتها هي أن المسيح داس الموت.
لقد كان الموت تحت سلطانه، ولم يكن هو تحت سلطان الموت…
لقد قيل عنه “فيه كانت الحياة، والحياة كانت نور الناس” (يو1: 4).
وكانت الحياة التي فيه، أقوى من الموت الذي يأتي من الخارج.
بل قيل إنه هو نفسه الحياة…
قال “أنا هو القيامة والحياة من آمن بي ولو مات فسيحيا” (يو11: 25).
وقال أيضًا “أنا هو الطريق والحق والحياة” (يو14: 6). فإن كان هو الحياة، فلا يكون للموت إذًا، سلطان عليه.
عودة معنويات التلاميذ
وقوة قيامته، أعادت للتلاميذ معنوياتهم. وأظهرت أن الحق مهما بدا منهزمًا في بادئ الأمر، فلابد سينتصر أخيرًا…
وأن الباطل قد يبدو معتزًا ومنتفخًا ومفتخرًا باضطهاده للحق، ولكنه ما يلبث أن يتبدد أمام قوة الحق.
إن الباطل كالدخان، يرتفع إلى فوق، أعلى من النار بكثير، أعلى من حرارتها ونورها، وما يلبث أن يتبدد.
الدخان الذي يحاول أن يطمس نور النار، مرتفعًا إلى فوق، يحدث أنه كلما يرتفع، وتتسع رقعته، في نفس اتساعه تخف حدته. وتضعف قوته ويتبدد ويتلاشى وتبقى النار كما هي في قوتها وفي نورها وحرارتها، على الرغم من اتضاعها وعدم منافستها للدخان في العلو والاتساع.
هذا يذكرنا باتضاع المسيح في قيامته على الرغم من قوتها. ذلك أنه صلب علنًا أمام الكل… أما قيامته في عظمتها فقد جعلها في الخفاء، ولم يرها أحد!
لم يروه أثناء القيامة، لكن الكل رأوا القبر فارغ، ورأوا الأكفان مرتبة… فكيف خرج منها وتركها أن لفظ أنفاسه الأخيرة هكذا مع كل حنوطه الذي كان نحو مائة منًا “لترًا” (يو19: 39)؟
أليست هذه معجزة واضحة؟
من معجزاته الأخرى بعد القيامة ظهوراته للتلاميذ، التي تعطينا وجهًا آخر للقيامة هو التعزية والفرح…
حقًا إن القيامة تعطي عزاء لمن تركه أحباؤه بالموت. وهذا العزاء تمتع به التلاميذ حينما رأوا الرب الذي كان قد سبق فبشرهم بذلك حينما قال: “ولكني سأراكم أيضًا فتفرح قلوبكم ولا ينزع أحد فرحكم منكم” (يو16: 22).
وكما فرح التلاميذ إذ رأوا الرب، كان هذا الأمر مفرحًا للعالم كله، إذ أن الرب قدس الطبيعة البشرية في قيامته، ومنحها القدرة على القيامة من الموت… فصارت قيامته عربونًا للقيامة العامة.
إننا نفرح بقيامته، لأنها قيامة لنا أيضًا، قيامة لطبيعتنا.
هذه القيامة غيرت الأوضاع كما قلنا… وكان لها مفعولها العجيب في نفسية التلاميذ الذين خرجوا من العلية بكل جرأة… وطافوا يبشرون بقيامة الرب في كل مكان.
وهؤلاء الذين كانوا خائفين في العلية لا يتكلمون، إلى أقطار المسكونة بلغت أقوالهم.
وبطرس الذي أنكر الرب من قبل، وحلف أنه لا يعرف الرجل، عاد ليعلن إيمانه به في كل مكان مبشرًا باسمه. وحينما كانوا يهددونه، ما كان يخاف بل قال عبارته الخالدة “ينبغي أن يطاع الله أكثر من الناس” (أع5: 29).
لقد زال خوف التلاميذ من الموت، لأنه بقيامة المسيح ما عاد الموت يخيفهم وما عادوا يخافون السجن ولا العذابات… بل إنهم بعد أن جلدوهم وسجنوهم، يقول الكتاب أنهم ذهبوا فرحين “لأنهم حسبوا مستأهلين أن يهانوا لأجل اسمه… وكانوا لا يزالون كل يوم في الهيكل وفي البيوت معلمين ومبشرين بيسوع المسيح” (أع5: 41، 42).
إن عودة معنويات التلاميذ كان سببها القيامة. وكان لها سبب آخر، هو افتقاد الرب لهم بعد قيامته.
الرب يفتقد تلاميذه
لم يصعد الرب مباشرة بعد قيامته بل ظل أربعين يومًا مع التلاميذ، يفتقدهم ويعزيهم ويقويهم، ويشرح لهم تفاصيل خدمتهم المقبلة، ويقدم لهم تعليمه وما يمكن أن يلقنوه للناس من عقائد الإيمان.
وفي ذلك يقول معلمنا القديس لوقا “الذين أراهم أيضًا نفسه حيًا ببراهين كثيرة بعد ما تألم، وهو يظهر لهم أربعين يومًا، ويتكلم عن الأمور المختصة بملكوت الله” (أع1: 3).
حقًا ما كان ينفعنا أن يصعد الرب مباشرة بعد قيامته، إذ كان هناك عمل رعوي يعمله قبل الصعود.
بدأت عملية الافتقاد، حينما قال لمريم المجدلية “اذهبي وقولي لأخوتي أن يمضوا إلى الجليل. هناك يرونني” (مت28: 10).
ثم ظهر لبطرس كنوع من التعزية الخاصة له إذ كان مر النفس بعد نكرانه للمسيح… ونلاحظ أن الرب لم يوبخه على ذلك بكلام يؤلمه، إنما قال له في رقة “يا سمعان ابن يونا” أتحبني أكثر من هؤلاء؟ … ارع غنمي… ارع خرافي” (يو21: 15- 17).
وهكذا أعاده إلى الرسولية، التي ربما كان قد خاف أن تنزع منه بعد نكرانه.
وكما افتقد الرب مريم المجدلية، وبطرس افتقد أيضًا توما ليزيل منه الشك…
أراه يديه المثقوبتين لأجله، وجنبه المجروح، وقال له “هات يدك – ولا تكن غير مؤمن، بل مؤمنًا”، (يو20: 27) ولم يتركه إلا وقد آمن…
هكذا الرب كان رقيقًا مع الكل… وفي شك التلاميذ الأحد عشر في موضوع القيامة، دخل عليهم والأبواب مغلقة… ولما ظنوه روحًا، قال لهم “.. انظروا يدي ورجلي، إني أنا هو. جسوني وانظروا، فإن الروح ليس له لحم وعظام كما ترون لي” (لو24: 39).
في قيامة الرب، كما أعاد معنويات التلاميذ، وأزال شكوكهم، كذلك أكمل عمله التعليمي لهم، وفتح عقولهم ليفهموا…
ويظهر هذا في لقائه مع تلميذي عمواس، إذ يقول الإنجيل… إنه “ابتدأ من موسى ومن جميع الأنبياء، يفسر لهم الأمور المختصة به في جميع الكتب” (لو24: 27).
ومن جهة الأحد عشر قال لهم: “هذا هو الكلام الذي كلمتكم به وأنا بعد معكم، أنه لابد أن يتم جميع ما هو مكتوب عني في ناموس موسى والأنبياء والمزامير… فحينئذ فتح ذهنهم ليفهموا الكتب” (لو24: 45،44).
وبعد قيامته أيضًا منح تلاميذه سر الكهنوت وسلطان الحل والربط.
فقال لهم: كما أرسلني الآب، أرسلكم أنا… ولما قال هذا، نفخ وقال لهم: اقبلوا الروح القدس. من غفرتم خطاياه، تغفر له. ومن أمسكتم خطاياه أمسكت”
(يو20: 21- 23).
ولما أكمل تسليمهم كل قواعد الإيمان وكل الأسرار وكل الطقوس، قال لهم
“اذهبوا وتلمذوا جميع الأمم، وعمدوهم باسم الآب والابن والروح القدس، وعلموهم أن يحفظوا جميع ما أوصيتكم به… (مت28: 19- 20) “اذهبوا إلى العالم أجمع، واكرزوا بالإنجيل للخليقة كلها. من آمن واعتمد خلص” (مر16: 15، 16).
ووعدهم بأن يكون معهم قائلًا: “ها أنا معكم كل الأيام وإلى انقضاء الدهر” (مت28: 21).
مبارك الرب في قيامته، وفي كل ما عمله لأجلنا بعد قيامته.
- مقال لقداسة البابا شنوده الثالث نشر في جريدة وطني بتاريخ 14-4-1985م




