تأملات في القيامة

أهنئكم بعيد قيامة الرب من الأموات، ونود أن ننتفع اليوم ببعض تأملات في القيامة.
تأملات في القيامة1
† أول ما نلاحظه هو تواضع الرب، الذي سمح بأن يكون صلبه وإهانته أمام الكل، بينما جعل قيامته الممجدة في الخفاء، سرًا لم يره أحد…!!
لم يقم في مجد أمام جميع الناس، لكي يعوض الإهانات والتعييرات التي لحقت به في وقت الصلب… وإنما قام سرًا. واختار للقيامة وقت الفجر، حين كان جميع الناس نائمين، حتى لا يراه أحد في مجد قيامته…
إنه كان بعيدًا عن المظاهر المبهرة في قيامته، كما كان أيضًا بعيدًا عن المظاهر المبهرة في ميلاده…
ثم ظهر بعد ذلك لمريم المجدلية ولمريم الأخرى، ولبطرس وللنسوة، ولتلميذي عمواس وللأحد عشر، ثم لشاول الطرسوسي ولبعض الأخوة… للأحباء، للخاصة… ولم يظهر للذين شمتوا به قبلًا…
ومع كل ذلك فإن هذه القيامة التي حدثت في الخفاء، كانت تزعج اليهود إلى أبعد حد، وقد حاولوا بكل طاقاتهم أن يمنعوها، أو على الأقل يمنعوا الناس من الإيمان بها…!!
حاولوا أولًا أن يمنعوها عن طريق السلطة الحاكمة، فاتصلوا ببيلاطس الوالي. وقالوا له: سمعنا أن ذلك المضل قال إنه سيقوم في اليوم الثالث، فلئلا يأتي تلاميذه ليلًا ويسرقوه، وتصير الضلالة الأخيرة أشر من الضلالة الأولى، مر أن يُضبط القبر بالحراس. وأخذوا معهم جندًا، ووضعوا حجرًا كبيرًا على القبر، وختموا عليه. وضبطوا القبر بالحراس، ليمنعوا القيامة. ولم يستطيعوا بكل هذا أن يمنعوا القيامة… وقام المسيح.
ولما وجدوا أنهم فشلوا في منع القيامة بالجند والحراس والحجر والأختام، أرادوا أن يمنعوا وصولها إلى الناس بطريقة أخرى: بالكذب، والرشوة، والإشاعات.
وهكذا دفعوا رشوة للحراس، كما دفعوا مالًا ليهوذا. وأوعزوا إليهم أن يقولوا لبيلاطس إن التلاميذ سرقوا الجسد بينما كان الجند نيامًا. ونشر كهنة اليهود هذه الإشاعة المضللة. ووقعوا في نفس الصفة التي وصفوا بها المسيح، فصاروا هم المضللين، وكانت الضلالة الأخيرة هي ضلالتهم هم… ولما فشلت هذه الحيلة، ولم يستطيعوا أن يمنعوا خبر القيامة بالكذب والرشوة، وانتشر خبر القيامة في الأرض كلها بكرازة التلاميذ، لجأوا إلى طريقة أخرى.
فحاولوا منع الكرازة بالقيامة بواسطة القبض على التلاميذ، وجلدهم وسجنهم، وتقديم شكاوى ضدهم للحكام…
وبكل هذا لم يستطيعوا منع القيامة، ولا منع الكرازة بها. واستطاع التلاميذ أن يبشروا بها بكل مجاهرة، بلا مانع. وقالوا لكهنة اليهود ولرؤسائهم “ينبغي أن يطاع الله أكثر من الناس” وامتلأت الدنيا بحديث القيامة، وعقد زعماء اليهود مجمعًا، وقالوا إن هؤلاء الناس يريدون أن يجلبوا علينا دم هذا الإنسان…
وفشلت الطرق البشرية في منع الإيمان بالقيامة… وصدق قول الكتاب “كل آلة صوّرت ضدك لا تنجح”.
فشلت القوة البشرية من جند وحراس وأختام. وفشل الكذب، والرشوة، والشائعات، وفشل الاضطهاد والحبس والجلد… وأبواب الجحيم لم تقو على الكنيسة. والقيامة التي كانت تخيفهم، ظلت لتطاردهم. وانتشر الإيمان.
فما سر هذه القيامة العظيمة؟ سرّها أنه لأول مرة في التاريخ ولآخر مرة، قام شخص من الموت بذاته، لم يُقمه أحد…! حادث أرعبهم…
لقد حقق السيد المسيح ما قاله عن نفسه… إنه لا يستطيع أحد أن يأخذها منه “لي سلطان أن أضعها، ولي سلطان أن آخذها”… لقد وضع ذاته، بذلها. لم يرغمه أحد على الموت. هو مات عن أحبائه، وهو قام. هو قدم نفسه فدية، وهو أخذها. ليس لأحد سلطان عليه…
لقد غلبهم الناصري الجبار، الذي لم يقو الموت عليه، الذي داس الموت، وقام، حينما شاء، وحسبما أنبأ من قبل. ولم يستطع أحد أن يمنع قيامته…
فعلوا به كل ما قدروا عليه: اشتروا أحد تلاميذه بالمال، قبضوا عليه، حاكموه ظلمًا وليلًا، دبّروا له شهود زور، حكموا عليه بالتجديف، ضغطوا على الحاكم، هيجوا الشعب، أهانوا المسيح، جلدوه، صلبوه، مات أمام أعينهم… وظنوا أنهم قد تخلصوا منه إلى الأبد… وهوذا قد قام بنفسه “وقبره فارغ وأمام قيامته شعروا بفشل كل طرقهم البشرية، وانفضّ الناس عنهم…
ولكن لماذا لم يظهر لهم المسيح بعد القيامة؟ ألم يكن ذلك مناسبًا لكي يقنعهم فيؤمنوا؟!
لم يظهر لهم، لأنهم لم يكونوا مستحقين… ولأنه حتى لو ظهر لهم ما كانوا سيؤمنون… تُذكرنا هذه النقطة بقول إبراهيم أبي الآباء للغني الذي عاصر لعازر المسكين “ولا لو قام واحد من الموتى يصدّقون”… ثم أن السيد المسيح قد فعل بينهم معجزات أخرى كثيرة، ولم يؤمنوا… وعندما شفى المولود أعمى، قالوا للمولود أعمى: ألا تعلم أن الذي شفاك رجل خاطئ؟!! وأثناء الصلب اظلمت الشمس، وتشققت الصخور، وحجاب الهيكل انشق، وقام بعض الموتى… ومع ذلك لم يؤمنوا…!!!
لم يظهر لهم إذًا لأنهم غير مستحقين، ولأنهم لن يؤمنوا. فلماذا إذًا لم يظهر لباقي الناس…
إن السيد المسيح ترك بذلك مجالًا للإيمان. والإيمان كما قال بولس الرسول “هو الثقة بما يرجى، والإيقان بأمور لا تُرى”… لو كانت القيامة مرئية، لانضمّت إلى دائرة العيان وليس الإيمان. فالإيمان هو “الإيقان بأمور لا تُرى”. يكفي أنه ظهر للقادة، ليؤمن الكل بواسطتهم…
وبالإضافة إلى عنصر الإيمان، ليس الجميع يحتملون هذا الأمر، لذلك عندما ظهر المسيح في قيامته، حتى لخاصته، لم يظهر في مجده، لأنهم لا يحتملون…
مع تلميذي عمواس تدرج، فلم يعرفوه أولا…
ومع مريم المجدلية، أخفى ذاته حتى ظنته البستاني، ثم أعلن نفسه لها بعد أن تدرج معها قليلًا.
وشاول الطرسوسي عندما ظهر له في شيء بسيط من مجده، عميت عيناه من النور، ثم شفاه بعد ذلك.
ويوحنا الحبيب لما ظهر له في شيء من المجد، وقع عند قدميه كميّت، فأقامه وقال له لا تخف…
حقًا من يحتمل رؤية المسيح في مجده؟! أما في تواضعه، فيكفي ما أظهره من إخلاء ذاته… سيظهر لهم فيما بعد في مجده، في المجيء الثاني فيقولون للجبال غطينا، وللتلال أسقطي علينا.. وتنوح عليه جميع قبائل الأرض.
ومع أن السيد المسيح قام في هدوء، وفي اختفاء، إلا أن قيامته دلت على قوته الفائقة الحد، وعلى انتصاره… واستطاعت هذه القيامة أن تقلب كل الأوضاع، فحوّلت خوف التلاميذ إلى جرأة، وشكوكهم إلى كرازة وتبشير، وأعطتهم قوة عظيمة وجسارة قلب فلم يعودوا يخافون الموت وقد داسه المسيح.
وهكذا قلبت القيامة الأوضاع التي انقلبت قبلا بهوان الصليب، فرجعت الأوضاع إلى طبيعتها الأولى.
كان الناس مؤمنين بالرب. ولما رأوه مهانًا ومصلوبًا، ضعف إيمانهم وشكّوا. فأعادت لهم القيامة سابق إيمانهم. الكل سار وراءه قبل الصلب، وساعة الصليب انقلبوا فهتفوا ضدّه. وبالقيامة رجعوا يسيرون وراءه مرة أخرى.
بل إن الصليب الذي كان هوانًا، صار فخرًا للمؤمنين…
استطاع المسيح بقيامته أن يرفع رؤوسًا قد نكست، ويعطي الجرأة لقلوب قد خافت، ويمنح القوة لمن ضعفوا واختفوا. وصار كل من ينظر إلى صورة المسيح القائم من الموت، يذكر قوة المسيح وانتصاره، وبإيمانه بالقيامة، تدخل القوة إلى قلبه، ويدخله روح الانتصار، فلا يخاف موتًا ولا يفشل.
وبالقيامة تأكد الناس أن قوى الشر لها حدود، وأنها مهما بدت منتصرة فمصيرها إلى الزوال، لأن الخير أقوى وأبقى. حتى إن صُلب الخير فسيقوم حيًا مرة أخرى…
المسيح هو القوي المنتصر، وهو أيضًا الموجود مع تلاميذه، أربعين يومًا معهم، يثبتهم في الإيمان، ويزيل شكوكهم، ويحدثهم عن الأمور المختصة بملكوت الله، ويهمس في آذانهم بعبارته المشجعة:
“ها أنا معكم كل الأيام، وإلى انقضاء الدهر”…
نعم، إنه معهم، بقوته، وبتأييده، الآن، وكل أوان… لذلك هي أيام فرح تحتفل بها الكنيسة، لا صوم، ولا مطانيات، ولا تذلل، ولا ألحان حزن… حتى إن دخل جثمان ميّت إلى الكنيسة، يستقبلونه بألحان الفرح…
إنها فترة تحتفل فيها الكنيسة بالحياة، الحياة التي لا يقوى عليها الموت… الحياة التي في المسيح يسوع…
“فيه كانت الحياة، والحياة كانت نور الناس” هكذا قال يوحنا الإنجيلي (1: 4). والمسيح نفسه قال عن ذاته “أنا هو الطريق والحق والحياة” “أنا هو القيامة والحياة”…
هل يصدق أحد إذًا أن تموت الحياة؟! إن الحياة التي كانت فيه كانت أقوى من الموت الذي حمله عنا.
الحياة التي فيه، ما كان يمكن أن تبقى في القبر. بل كان لابد أن تخرج منه ظافرة لكي تُحي الكل بقوتها. هكذا كانت قوة القيامة في المسيح، في ذاته، لا تأتيه من الخارج….
وهكذا قام المسيح، فاختفى كل أعدائه، كفئران ضعفاء دخل كل واحد إلى جحره. وصارت كلمة الرب تنمو، وعدد التلاميذ يتكاثر… حتى إن الذين تشتتوا، جالوا مبشرين بالكلمة… حتى الدولة الرومانية التي اضطهدت المسيحية أيام نيرون وديوقلديانوس وغيرهما… آمنت أخيرًا… أما اليهود فتشتتوا… وظهرت قوة القيامة.
- مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة السادسة (العدد عشرون) 16-5-1975م


