أيام جليلة مشهودة تلتحم بالقيامة المجيدة

أيام جليلة مشهودة تلتحم بالقيامة المجيدة1
من المفروض أن يكون كل يوم في حياتنا مقدسًا للرب. ومع ذلك فإن أيام أكثر قدسية. وأن كانت أيام الصوم عمومًا هي أيام مقدسة فلا شك أن الصوم الكبير هو أكثر قدسية من جميع الأصوام. وإن كان الصوم الكبير، هو أكثر الأصوام قدسية، فإن أسبوع الآلام، هو أقدس أيام الصوم الكبير. ولا شك أن يوم الجمعة الكبيرة هو أقدس يوم في أسبوع الآلام كله وهكذا يكون أقدس أيام السنة، وأكثرها عمقًا وروحانية وتأثيرًا في نفس الناس.
في يوم الجمعة العظيمة، نرى السيد المسيح في قمة حبه وفي قمة بذله..
إن المحبة تبلغ عمق أعماقها، أو ترتفع إلى قممها.. حينما تصعد على الصليب. المحبة تختبر بالألم. نختبرها بالضيقة، ونختبرها بالعطاء والبذل. الذي لا يستطيع أن يبذل، هو إنسان لا يحب، أو هو إنسان محبته ناقصة، أو هو يفضل ذاته على غيره.. أما إن أحب، فإنه يبذل..
وكلما يزداد حبه، يزداد بذله، حتى يبذل كل شيء..
فإن وصل إلي كمال الحب، وإلي كمال البذل، فإنه يبذل ذاته.. يصعد على الصليب، ويقدم ذاته عمن يحبهم.
وهذا هو الدرس الذي أخذناه يوم الجمعة الكبيرة. “هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد” (يو3: 16). لقد أظهر الله محبته للعالم بأنواع وطرق شتى: أعطى العالم نعمة الوجود، وأعطاه المعرفة، وكل أنواع الخيرات. بل أعطاه أيضًا المواهب الروحية. وتولى هذا العالم بعنايته ورعايته وحبه.
ولكن محبته لنا، ظهرت في أسمى صورها، حينما بذل ذاته عنا، لكي تكون الحياة الأبدية. ولقد جاء السيد المسيح إلى العالم، لكي يبذل.. لكي يبذل نفسه فدية عنا. وفي ذلك قال لتلاميذه:
“إن ابن الإنسان لم يأت ليُخدَم بل ليَخدِم، وليبذل نفسه فدية عن كثيرين” (مر10: 45)
وأول شيء بذله الرب، هو أنه أخلى ذاته، وأخذ شكل العبد (في2: 7). بذل مجده وسماءه وعظمته، حينما تجسد من أجلنا، وأخذ شكل العبد، وصار في الهيئة كإنسان.. ثم بذل راحته أيضًا. وطاف يجول في الأرض يصنع خيرًا، وهو ليس له مكان يسند فيه رأسه. (مت 8: 20). وأخيرًا بذل حياته عنا على الصليب.. وبهذا البذل، عبر عن حبه اللانهائي.. لنا.
وهكذا صارت صورة يسوع المسيح المصلوب، هي أجمل الصور أمام البشرية كلها. أنها صورة الحب الباذل، في أعماق بذله..
إن صورة التجلي علي جبل طابور، وربما لا تجدها في كل مكان صورة المسيح وهو داخل كملك إلى أورشليم.. ولكنك في كل مكان تجد صورة المسيح المصلوب.. لأنها أثمن صورة، أعمق الصور تأثيرًا في النفس. أمامها وقف المهاتما غاندي Gandhi، وبكي.. إنها صورة الحب الكامل، والعطاء. لأنه “ليس حب أعظم من هذا، أن يضع أحد نفسه عن أحبائه” (يو15: 13). ولهذا قال القديس بولس الرسول:
“حاشا لي أن أفتخر، إلا بصليب ربنا يسوع المسيح” (غل 6: 14).
وكلما ننظر إلى صورة الصليب، نتذكر الحب الإلهي العجيب.. نتذكر إلهنا القوي غير المحدود في قدرته وعظمته، وقد بذل سماءه، وأخلى ذاته، وأخذ صورة عبد، وبذل حياته، وبذل دمه، حبًا للإنسان المحكوم عليه بالموت..
إن أجمل عبارة تكتب على صورة المسيح المصلوب، هي عبارة “أحب حتى بذل ذاته”..
لقد كتبوا لافتة على صورة السيد المسيح، مكتوب عليها “يسوع الناصري ملك اليهود INRI ولكن أجمل لافته نكتبها على صليبه هي “الحب والبذل”.. هكذا أحب الله العالم، حتى بذل ابنه الوحيد.. والعظة التي نأخذها من صلب ربنا يسوع المسيح، هي أن نحب وأن نبذل.. لا نحب ذاتنا، إنما نحب الناس، ونحب الله.. لا نحب راحتنا، إنما نحب راحة الناس، مهما كانت حساب راحتنا.
إن كنت لا تحب ولا تبذل فأنت لم تستفد من صليب المسيح دروسًا ولا استفدت من صليبه قدوة لحياتك..
إن صليب السيد المسيح، يعلمنا أن نحب حتى الموت.. في حبنا لله نفعل هذا. وفي حبنا للناس نفعل هذا “لا نحب بالكلام ولا باللسان، بل بالعمل والحق” (يو3: 18).
وما هو هذا التعبير العملي للحب؟
إنه العطاء والبذل، حتى الموت.
نحب المحبة التي تصعد على الصليب، المحبة التي تصل إلى الموت من أجل من تحبه، أو على الأقل تكون مستعدة قلبيًا أن تصل إلى الموت وأن تبذل ذاتها.
انظروا في التوبة وفي مقاومة الخطية، كيف أن الرسول يعاتب أهل العبرانيين ويقول: “لم تقاوموا بعد حتى الدم، مجاهدين ضد الخطية” (عب12: 4).
أتريد أن تحب الله؟ ينبغي إذن أن تحبه حتى الدم..
تقاوم الخطية حتى الدم. تصعد على الصليب. تصلب ذاتك “تصلب الجسد مع الأهواء والشهوات” (غل5: 24) تصلب العالم داخل قلبك، فلا يتحرك في داخلك. وتصلب ذاتك، فلا تتحرك هذه الذات طالبة أن تظهر. هنا يبلغ الحب غايته. وهنا تفتخر عمليًا بصليب ربنا يسوع المسيح، وتقول عنه “هذا الذي به قد صلب العالم لي، وأنا للعالم” (غل6: 4). نتعلم من صليب السيد المسيح، أن نحب وأن نبذل. ولا يمكن أن نحب وأن نبذل إلا إذا أنكرنا ذواتنا.
إن السيد المسيح، قبل أن يبذل ذاته، أخلى ذاته أولًا وأخذ شكل العبد..
إذن إذا أحببت، وأردت أن تبذل، عليك أن تخلي ذاتك أولًا من كل محبتك لنفسك وشعور بذاتك.. أي أن تتواضع، وتأخذ شكل العبد وحينئذ يمكنك أن تبذل..
وثق أن البذل هو التعبير الحقيقي عن الحب:
أبونا إبراهيم أبو الآباء، ظهرت محبته لله بالبذل. فبدأ أولًا بأن ترك من أجل الله عشيرته ووطنه وبيت أبيه، وجال وراء الله متغربًا يعيش في خيمة. ومع ذلك فإن حب إبراهيم لله، لم يظهر في قمته إلا حينما وضع ابنه الوحيد على المذبح، مع الحطب، وأمسك بالنار وبالسكين، لكي يقدمه محرقة لله..
هناك عوائق قد تحاول منع الإنسان من البذل:
مثال ذلك: محبة الراحة، محبة الكرامة ومحبة الذات.. أما الحب الحقيقي، فلا يعرف لذاته راحة ولا كرامة إلا في تحقيق محبته. وهكذا يبذل كل شيء لأجل من يحب. يعقوب أبو الآباء، عندما أحب راحيل، بذل من أجلها الشيء الكثير.. تعب من أجلها عشرين سنة تحرقه الشمس بالنهار، والبرد بالليل.. وكانت هذه السنوات في نظره كأيام قليلة من أجل محبته لها. (تك31: 40)، (تك29: 20). إن المحبة تستطيع أن تعمل الأعاجيب. المحبة تحتمل كل شيء، وتبذل كل شيء.
إن كنت لا تستطيع أن تبذل، فأنت إذن تحب ذاتك، ولست تحب غيرك..
وإن عاقتك الكرامة عن البذل، فأنت إذن تحب الكرامة أكثر وهكذا أيضًا إن عاقتك محبة الحياة، أو محبة الحرية..
حينما أحب دانيال الرب، لم يجد مانع من أن يلقى في جب الأسود الجائعة، ولم يمنعه الخوف، ولم ير حياته أغلى من الحب.
كان الحب في قلب دانيال، أقوى من الخوف، وأغلى من الحياة.
والثلاثة فتية بالمثل في محبتهم لله، لم يجدوا مانعًا من أن يلقوا في أتون النار. استهانوا بالنار وبالموت وبالحياة، لأجل الله، والقديس بولس الرسول، قال في التعبير عن محبته للمسيح: “خسرت كل الأشياء، وأنا أحسبها نفاية، لكي أربح المسيح” و “ما كان لي ربحًا، فهذا قد حسبته من أجل المسيح خسارة، بل إني أحسب كل شيء أيضًا خسارة من أجل فضل معرفة يسوع المسيح ربي” (في3: 6-8).
وهنا نجد البذل، بكل رضى، بغير ندم على شيء..
بل بكل زهد في ما يبذله، كأنه نفاية وخسارة..
إن صليب المسيح، يعلمنا بذل الذات في حب.. ولكن بذل الذات قد يحتاج إلى تداريب أخرى تسبقه. فقد يتدرب الإنسان الروحي على أن يبذل أولًا من خارج ذاته، من ماله وعطاياه مثلًا، قبل أن يبذل ذاته.
وحقًا إن الذي لا يستطيع أن يبذل ما هو خارج ذاته، كيف يمكنه إذن أن يبذل ذاته؟ إن كنت لا تستطيع أن تعطي مالك للرب، أو عشورك وبكورك، فكيف يمكنك أن تعطيه عمرك وحياتك؟! كيف يمكنك أن تعطيه دمك؟! كيف…؟! وإن كنت لا تستطيع أن تعطي الرب يومًا في الأسبوع فكيف يمكنك أن تعطيه الحياة كلها؟!
في عصر الاستشهاد، لكي تدرب الكنيسة أولادها علي حب الموت ولقائه، دربتهم أولًا على الزهد في الماديات، وترك الأملاك والمقتنيات، وترك الأهل والبيت، فكان “الذين يستعملون العالم كأنهم لا يستعملونه، والذين يشترون كأنهم لا يملكون، والذين لهم نساء كأن ليس لهم” (1كو7: 29- 31) لكي يثق الكل بأن “هيئة العالم تزول” وتضع الكنيسة في آذان أولادها في كل قداس قول الرسول “لا تحبوا العالم ولا الأشياء التي في العالم.. فالعالم يمضي وشهوته معه” (1يو2: 15، 17). إن الذي يزهد في العالم وما فيه، يستطيع أن يبذل الحياة من أجل الله. الذي يقول “مملكتي ليست من هذا العالم” مشتهيًا أن يملك مع المسيح في الأبدية، هذا يستطيع أن يبذل ذاته من أجل أخوته ومن أجل الرب
أما الذي لا يستطيع أن يبذل القليل، فكيف يمكنه أن يبذل الكثير؟! وكيف يستطيع أن يبذل الكل؟!
كيف يتمثل بالسيد المسيح الذي بذل الكل.. الذي بذل المجد وبذل الراحة، وعاش بلا لقب ولا مركز رسمي، وبلا مال وبلا مرتب.. ثم بذل دمه عن حياة العالم كله، لكي نحيا نحن بموته، ونحيا بمحبته لنا..
كان السيد المسيح يعطي باستمرار قبل إعطاء ذاته على الصليب.
كانت محبته تجول وسط الناس تعطيهم حنانًا وحبًا وشفقة. كانت تعطي البعض شفاء، والبعض عزاء والبعض طعامًا. كانت تنادي للمسبيين بالعتق، وللمأسورين بالإطلاق، وتعمل كل حين لأجل راحة الكل. ولكن كل هذا لم يكن يكفي..
كان ينتظر من المحبة أن تعطي ذاتها، أن تصعد على الصليب، وتنضح بدمها على البشرية، من قمة الفداء العالية.
وسار السيد المسيح إلى الجلجثة، ليقدم ذاته ذبيحة حب. كان يمثل المحبة متجسدة، والمحبة باذلة.
وتعجب الشيطان من هذا الحب، وثار عليه بكل قوته. وجميع كل قواته ليمنع محبة الرب من أن تصل إلى قمتها على الصليب، بكل حيلة وبكل عنف..
وإذا بمياه كثيرة أحاطت بهذه المحبة التي تتقد نارًا
مياه كثيرة.. كالاستهزاء، والإهانة، والتهكم، والتحدي بتلك العبارة الماكرة المتحفزة “لو كنت ابن الله، انزل من على الصليب” أو بنفس المعنى “خلص آخرين، أما نفسه فلم يستطيع أن يخلصها”
ولكن محبة ربنا لنا، كانت أقوى من محاولات الاستفزاز
وانتصر الرب في المعركة. صمد أمام كل هذا التحدي والتهكم، لكي يخلصنا من حكم الموت، واضعًا أمامه هدفه الذي جاء من أجله، أن يموت عنا لكي نحيا بموته.
وهكذا ظلت محبته تصعد إلى قممها إلى الصليب والألم والعذاب، وتدوس في طريقها، كل عقبة، إلى أن وصلت إلى أعلى قمة لها وهي الفداء، فتكللت بمجد عجيب لا يوصف..
وصار الصليب رمزًا للحب، وبالتالي للفداء والعطاء.
فعلى الصليب أعطى السيد المسيح للعالم كله وثيقة العتق، وقدم له فداءً كاملًا، وتكفيرًا عن خطاياه..
وعلي الصليب أعطى اللص اليمين وعدًا بأن يكون معه في الفردوس، وأعطى لصالبيه – إن تابوا – غفرانًا وتنازلًا عن حقه تجاه ظلمهم. وعلى الصليب أعطى يوحنا الحبيب أُمًا روحية هي العذراء مريم. وأعطي السيدة العذراء ابنا هو يوحنا..
وعلي الرغم من آلام الرب علي الصليب، كانت أفكاره ليست مركزه في آلامه وفي ذاته، إنما في خلاص الناس وتقديم ثمن العدل الإلهي للآب.
وصارت أبصارنا معلقة في هذا الصليب وعطائه:
الصليب الذي يعطي غفرانًا وخلاصًا، وحياة، ورجاءً أكيدًا في الأبدية السعيدة..
الصليب الذي يعطي صورة مثالية للعطاء وللبذل، ولنكران الذات وإخلائها.. بلا حدود.. الصليب الذي أعطانا صورة لمن يعطي وهو في عمق آلام الجسد، ولكن في عمق محبة الروح.. ويعطي إلى آخر قطرة تسفك من جسده، في الوقت الذي لا يقدم فيه العالم أي عطاء.. إلا دموع عزيزة كانت تسكبها قلوب محبة. وكانت لها قيمتها عند الرب.. فليعطينا الرب بركة صليبه، وليعطينا أن نتدرب على الحب والبذل، وأن نحب الإعطاء أكثر من الأخذ. وليعطنا أن ننمو في هذا العطاء ونظل ننمو حتى نعطي أرواحنا لأجله له القوة والمجد والبركة والعزة إلى الأبد آمين.
- مقال لقداسة البابا شنوده الثالث نشر في جريدة وطني بتاريخ 27-4-1997م





