معالم الطريق الروحي – الميلاد بشارة فرح

معالم الطريق الروحي
الميلاد بشارة فرح1
أهنئكم جميعًا ببدء عام جديد…أرجو من الله أن يكون عامًا سعيدًا مباركًا لكم ولبلادنا العزيزة وللعالم أجمع…
نريده عامًا تخف فيه الحروب القائمة أو تنتهي، ونريده عامًا تزول فيه المجاعات من كل الأرض، وينتشر فيه الخير والبركة، ونريده عامًا يسود فيه الحب، والسلام بين الناس… ويعيش الكل في أمن وفي طمأنينة بل في ود وتآخٍ.
وأهنئكم أيضًا بعيد ميلاد السيد المسيح له المجد، وبما يحمله العيد في طياته من معانٍ عميقة.
بشرى الفرح
لقد كان ميلاد المسيح هو بشرى الخلاص للجميع. كان الخطوة الأولى لهذا الخلاص الذي تم بالفداء. ولهذا قال سمعان الشيخ “الآن يا رب تطلق عبدك بسلام، لأن عيني قد أبصرتا خلاصك” (لو2: 29، 30).
وفي ميلاده حمل الملاك بشرى الفرح قائلًا للرعاة “ها أنا أبشركم بفرح عظيم يكون لجميع الشعب: إنه ولد لكم اليوم… مخلص هو المسيح الرب” (لو2: 10، 11).
إن رسالة المسيحية كلها تتركز في هذه العبارة التي قالها الملاك للرعاة “ها أنا أبشركم بفرح عظيم يكون لجميع الشعب”.
إن المسيحية هي بشارة مفرحة لجميع الناس. وحتى كلمة الإنجيل معناها بشارة، بشارة مفرحة تحمل للناس خبرًا مفرحًا عن الخلاص.
وكانت البشارة المفرحة هي عمل السيد المسيح، وعمل يوحنا المعمدان، وعمل الرسل، والأنبياء والرعاة… وقد قال السيد المسيح في بشارته المفرحة: “روح الرب عليَّ، لأنه مسحني لأبشر المساكين، أرسلني لأعصب منكسري القلوب، لأنادي للمسبيين بالعتق، وللمأسورين بالإطلاق… أكرز بسنة الرب المقبولة… أعزي كل النائحين. أعطيهم جمالًا عوضًا عن الرماد، ودهن فرح عوضًا عن النوح”. (إش61: 1- 3)، (لو4: 18، 19).
وهكذا صار عمل كل رجال الدين أن يتمموا رسالة المسيح في أن يبشروا بهذا الفرح. يبشروا المسبيين بالعتق والمأسورين بالإطلاق… بل هذا هو عمل كل خادم وكل قلب محب أن يعمل كالمسيح… يعزي النائحين ويفرح منكسري القلوب. ويحمل للجميع بشرى الخلاص…
ينادي للجميع قائلًا: هوذا المسيح قد أتى ليحمل خطاياكم، ويوفي عنكم ديونكم، ويكسر أبواب الجحيم، ويفتح أبواب الفردوس. ويقول للجميع عبارته المعزية: “تعالوا إليَّ يا جميع المتعبين والثقيلي الأحمال، وأنا أريحكم” (مت11: 28).
هوذا المسيح قد جاء “لكي يطلب ويخلص ما قد هلك” (مت18: 11) يقول في بشرى مفرحة “ما جئت لأدين العالم بل لأخلص العالم” (يو12: 47) بل يقول أيضًا للمرأة الخاطئة (وأنا أيضًا لا أدينك. اذهبي ولا تخطئي” (يو8: 11).
جاء المسيح ليبحث عن الخروف الضال ويحمله على منكبيه فرحًا” (لو5: 15). وجاء يبشر رئيس العشارين قائلًا “اليوم حدث خلاص لأهل هذا البيت”(لو19: 9). جاء ليقول للص المصلوب “اليوم تكون معي في الفردوس” (لو23: 43). ويقول للأمم الغرباء إنهم “يأتون من المشارق والمغارب ويتكئون في ملكوت الله” (لو13: 29). جاء المسيح ليقدم ديانة فرح للناس.
وإذا برسول يقول: “افرحوا في الرب كل حين… وأقول أيضًا افرحوا” (في4: 4). “…
وفي وسط ضيقات هذا الرسول مع زملائه في الخدمة، يقول “كحزانى ونحن دائمًا فرحون” (2كو6: 10).
والسيد المسيح يقول: “أراكم فتفرح قلوبكم، ولا ينزع أحد فرحكم منكم” (يو16: 22).
والكتاب يقدم لنا الفرح كأحد ثمار الروح في القلب. فيقول الرسول: “وأما ثمر الروح فهو محبة فرح سلام….” (غل5: 22). ولذلك فإن الذي يخلو قلبه من الفرح والسلام، إنما يخلو من عمل الروح.
الفرح في مجيء المسيح
وقد شرح لنا الكتاب الفرح الذي عم العالم عند مجيء المسيح. وظهر فرح الناس في ترنيمة الملائكة “وفي الناس المسرة” أي الفرح… لقد فرح الناس لأن المسيح قد نادى للمسبيين بالإطلاق. وحماهم من أسر الشيطان ومن عبوديته المرة، وهكذا قال الرب “أبصرت الشيطان ساقطًا مثل البرق من السماء” (لو10: 18)
وبهذا انتهت سلطة الشيطان كرئيس لهذا العالم، وقال عنه الرب “رئيس هذا العالم قد دين” (يو16: 11) وفرح الناس إذ تحرروا من أسره وقال لهم الرب “إن حرركم الابن فبالحقيقة تكونون أحرارًا” (يو8: 36)
صارت الأرض كلها للرب ومسيحه والرب قد ملك…
فرح سمعان الشيخ وتهلل لأنه أبصر الخلاص. وفرح الملائكة وترنموا وبشروا الناس بالفرح. وفرحت أليصابات العاقر. التي لم تكن تلد، ثم ولدت أعظم من ولدته النساء. وفرحت الأرض كلها لأن المسيح قد جاء يصالح الأرضيين مع السمائيين ويجعل الاثنين واحدًا، وينقض الحائط المتوسط ويغسل الناس من خطاياهم، فتبيض قلوبهم أكثر من الثلج.
فلتكن لنا في بداية العام هذه النظرة المستبشرة. وليكن لنا في عيد ميلاد المسيح فرح بالخلاص كفرح سمعان. ولنقل مع إشعياء النبي: “ما أجمل قدمي المبشر بالسلام المبشر بالخيرات” (إش52: 7).
ولنفرح جميعًا بميلاد المسيح ونبشر الناس كلهم بالفرح… وليكن فرحنا روحانيًا مملوءًا بالرجاء… الرجاء في الله وعمله… فهو “معين من ليس له معين، ورجاء من ليس له رجاء”. انشروا الفرح والرجاء بين الناس.
أما الذي ينذر دائمًا بالشر، ويسود كل أبيض، فإنه كالبوم التي تنعق منذرة بالخراب… ولا يمكن أن يكون له صوت الله. أما أولاد الله، فكلامهم مملوء بالعزاء، وتشجيعهم مملوء بالرجاء. إنهم يقدمون مفتاحًا لكل باب مغلق، ويرسلون شعاعًا إلى كل مكان مظلم، ويغرسون الأمل في قلوب الناس، ويعلمونهم أنه لا يأس ما دام هناك أمل بأن الله يعمل…
الفرح في الرجاء
لقد جاء المسيح يعطي رجاء لكل نفس، حتى القصبة المرضوضة وللفتيلة المدخنة (مت12: 20).
نازفة الدم التي أنفقت كل أموالها على الأطباء ولم تنتفع شيئًا، منحها الرجاء بل الشفاء بمجرد لمسة… ومريض بيت حسدا الذي قضى ثماني وثلاثين سنة في مرضه وليس له إنسان جعله الرب يحمل سريره ويمشي… ولعازر الذي كان قد أنتن في قبره بعد أربعة أيام من موته، أقامه حيًا وسليمًا. وهكذا قال للناس… “كل شيء مستطاع عند الله” (مر10: 27) بل قال أكثر من هذا:
“كل شيء مستطاع للمؤمن” (مر9: 22).
وهكذا فرح الناس بالرجاء، وأصبح اليأس مجرد حرب من حروب الشياطين تحاول بها إسقاط الناس وإلقائهم في دوامة من القلق والاضطراب… ومن الخوف والانزعاج، ولكن البشرى المفرحة تقول: “قوموا الأيادي المسترخية والركب المخلعة” (عب12: 13). وجاء المسيح يقدم فرحًا حتى للخطاة.
فرح للخطاة…
فرح بأن الله سيعطيهم توبة وسيقبلهم. وهكذا قال الكتاب أن “الله يريد أن الجميع يخلصون، وإلى معرفة الحق يقبلون”… (2تي2: 4) ولذلك فإن السيد المسيح وعدنا بأن يرسل لنا روحه القدوس، يحل فينا، ويمكث معنا إلى الأبد (يو16) ويرسل لنا نعمته تعمل في كل أحد.
لذلك فإنني أعجب من الذين تملكهم الكآبة حتى في الوسط الديني. ولا يضعون أمامهم سوى فضيلة الدموع. وإن لم يجدوها، يغصبون أنفسهم عليها!!
لا يرون الدين إلا حزنًا على السقوط وكآبة على الخطايا، ولا يرون في الكتاب المقدس من سفر التكوين إلى الرؤيا آية تستحق أن تكون شعارًا لهم سوى قول الجامعة “بكآبة الوجه يصلح القلب”… (جا7: 3). وأيضًا “طوبى للباكين الآن” ناسين تكملتها “لأنهم يتعزون”… (مت5: 4) وينسون أيضًا قول الرب “ولكن حزنكم يتحول إلى فرح” (يو16: 20).
إن البكاء على الخطية فضيلة… ولكنه لا ينبغي أن يصير منهج حياة… كما أن نفس هذا البكاء يحمل في داخله عزاءًا وفرحًا، فهو ليس كآبة خالصة.
من أجل هذا افرحوا بالخلاص الذي جاء الرب يقدمه إلى العالم. افرحوا بطريق التوبة الذي فتحه الرب بكل وسائط النعمة. افرحوا بالراعي الصالح الذي يبحث باستمرار عن خرافه … افرحوا بالرب الذي قال إنه “حتى شعور رؤوسكم جميعها محصاة” (مت10: 30). لا تسقط واحدة منها بدون إذن أبيكم الذي نقشكم على كفه.
إذن افرحوا برعاية الله وحفظه.
الفرح برعاية الله…
افرحوا لأن لكم إلهًا محبًا شفوقًا. أحبنا قبل أن نوجد، ومن أجل ذلك أوجدنا. وأحبنا حتى ونحن خطاة، ولهذا جاء وخلصنا، وقيل عنه إنه “أحب خاصته الذين في العالم. أحبهم حتى المنتهى” (يو13: 1) وفي محبته اهتم بنا، ودعانا أبناء له، ودعا الكنيسة عروسًا له… وقدم لنا سفر من أسفار الكتاب المقدس هو سفر النشيد، يشرح فيه محبته لنا، هذه المحبة التي وصلت إلى الفداء، لكي يخلصنا بدمه.
فلندرك باستمرار أن هناك قوة إلهية عظيمة تسندنا، وتمسح كل دمعة من عيوننا… وتقودنا إلى “فرح لا ينطق به ومجيد” (1بط1: 8) وفي رعاية الله لنا، قال لنا “لا تهتموا” لا تحملوا همًا (مت6: 25).
الله هو المعطي، وهو الرازق، وهو الراعي، وهو المشبع كل حي من رضاه. حتى الدودة التي تدب في الأرض أو تحت حجر، يرسل لها الله رزقها ويعولها… فكم بالأولى البشر أولاده، وصورته ومثاله؟!…
ألا يدعو كل هذا إلى الفرح، إن السيد المسيح، حينما اضطرب تلاميذه في السفينة عند هياج البحر ظانين أنه لا يهتم بها، وبخهم قائلًا: لماذا شككتم يا قليلي الإيمان…؟!
افرح إذن بالرب… ولا تفقد فرحك مهما وقعت في ضيقة، ومهما ضاقت الدنيا من حولك.
الفرح في الضيقة
لا تفصل الضيقة عن الله وعمله، إنه فيها ينقذك ويهتم بك، وهو الذي قال “ادعني في وقت الضيق. انقذك فتمجدني“… إن حلت بك ضيقة افرح جدًا واعلم أن وراءها بركة سيمنحها الله لك. وأن وراءها إكليلًا سيضعه الله على رأسك، واعرف أيضًا أن في الضيقة خبرة روحية سوف تقتنيها، ومحبة الله سوف تدركها. واعلم أن الضيقة سوف تزودك بفضائل ما كنت تحصل عليها بدون ذلك.
لذلك افرح باستمرار سواء كنت في سعة أم في ضيقة.
واعلم أن الله لا يسمح بالضيقة إلا لفائدتك، وأنه لا يجعلها تحل بك إلا في حدود احتمالك. وأنه يعطي معها المنفذ.
وهنا يظهر سلام أولاد الله ومعدنه الطيب، إنهم لا يتضايقون في الضيقات ولا يفقدون سلامهم مطلقًا بل يفرحون في الرب.
وميلاد المسيح كانت فيه ضيقات كثيرة احتملها المسيح واحتملتها القديسة العذراء أيضًا ولم يمنع هذا من الفرح الإلهي بالميلاد. لم يكن هناك موضع لهم في البيت فباتوا في مذود بقر. وكان البرد شديدًا في عمق الشتاء، وكان هناك اضطرار إلى رحلة في جبال اليهودية في وقت الاكتتاب ثم كانت هناك مؤامرات هيرودس لقتل المسيح مما أدى معه إلى قتل كل أطفال بيت لحم، لعله يكون من بينهم! ولذلك اضطرت العائلة المقدسة إلى السفر والتغرب في مصر.
ومن جراء هذه الضيقة، نلنا بركة حلول المسيح والعذراء في بلاد مصر فتقدست مواضع كثيرة من أرضنا، وصنعت فيها معجزات.
لذلك نقول ان أولاد الله يعيشون في فرح دائم مهما كانت الظروف. ونلاحظ هنا ملاحظة هامة وهي:
عبارة “افرحوا” أمر
عبارة ” افرحوا في الرب كل حين” ليست هي مجرد نصيحة، إنما هي أمر إلهي، من إلهنا الصالح الذي يريد لنا الفرح هنا، كما يريد لنا الفرح في السماء، والفرح الآن وكل أوان وإلى أبد الآبدين.
لذلك خلق الإنسان في جنة، ويعده بالنعيم الأبدي.
والإنسان يمكنه أن يفرح بتذكار وعود الله المفرحة التي حفل بها الكتاب المقدس، وعبر بها الله عن حبه لنا، تذكر هذه الوعود فتفرح.
وتذكر إحسانات الله الماضية إليك وإلى أحبائك ومعارفك فتفرح.
وتذكر هدف الله من خلقك، وما أعده الله لمحبي اسمه القدوس، وكل معجزات الله وعجائبه مع آبائنا ومعنا حينئذ يمتلئ قلبك إيمانًا وفرحًا. ولكن إلهنا لم يقل فقط افرحوا إنما قال افرحوا بالرب…
وهنا يشير إلى أن فرحنا هو فرح مقدس، وليس فرحًا عالميًا ماديًا، كما أن مصدره هو الله. هذا هو الفرح الذي يجب أن نتذكره ونعيشه في عيد الميلاد، جعله الله عيدًا سعيدًا للكل.
- مقال لقداسة البابا شنوده الثالث نشر في جريدة وطني بتاريخ 6-1-1985م




