عظات عيد القيامة المجيد
| الكتاب | عظات عيد القيامة المجيد |
| المؤلف | مثلث الرحمات البابا شنوده الثالث |
| دار نشر | كنيسة السيدة العذراء بالزيتون/ رقم 1021 |
| الطبعة | الأولى، 2021م |
| رقم الإيداع بدار الكتب | 22728 / 2020 |
| الترقيم الدولي | 978-977-334-283-8 |
طُرس البركة لقداسة البابا تواضروس الثاني
وإن مات فهو يتكلم بعد..
غزارة المعرفة وعمقها في حياة المتنيح قداسة البابا شنوده الثالث جعلته يترك لنا تُراثًا
ورغم أنه نُشر أكثر من 150 كتابًا بأحجام متنوعة وفي موضوعات عديدة تغطي مساحات كبيرة من المعارف المسيحية الروحية والكنسية والآبائية، والتي تُرجمت معظمها إلى العديد من اللغات، حتى صار اسمه معروفًا عالميًا أنه "مُعلم الأجيال".. إلا أنه ما زال يوجد الكثير مما لم يُنشر بعد. وننشر لكم بعضًا من ذلك التُراث الخالد والذي لم يُنشر من قبل..
ونقدم لكم موسوعة اللاهوت الأعياد المناسبات:
الجزء الأول – عظات عيد القيامة المجيد
وسوف تجد عزيزي القارئ متعة خاصة وأنت تستمع لصوت قداسته عبر الصفحات وبعد رحيله.. يُعلِّمنا ويروينا من فيض معرفته وروحياته وخبراته العميقة.
تقديري ومحبتي لكل من ساهم في إخراج هذه الكتب إلى النور.. خاصة مركز "معلِّم الأجيال لحفظ ونشر تُراث البابا شنوده الثالث" في كنيسة السيدة العذراء مريم بالزيتون بالقاهرة.
نفَّعنا الله ببركة صلواته لأجلنا كنيسةً وشعبًا وضعفي. ونعمته تشملنا جميعًا..
البابا تواضروس الثاني
بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية الـ 118
قداسة البابا شنوده الثالث في سطور
1- وُلِدَ في 3 أغسطس 1923م، باسم نظير جيد روفائيل. في قرية سَلاَّم بأسيوط.
2- حصل على ليسانس الآداب - قسم التاريخ - من كلية الآداب جامعة فؤاد الأول (جامعة القاهرة حاليًا).
3- التحق بالقوات المسلحة - مدرسة المشاة - وكان أول الخريجين من الضباط الاحتياط سنة 1947م.
4- تخرَّج في الكلية الإكليريكية "القسم المسائي" سنة 1949م، وكان الأول على الخريجين - فعُيِّنِ مُدرّسًا فيها.
5- عمِلَ مُدَرِسًا للغة الإنجليزية والعربية، في إحدى المدارس الأجنبية.
6- أتقَنَ الشعر منذ عام 1939م، وكتب كثيرًا من القصائد الشعرية.
7- في سنة 1949م: تَكَرَّسَ للخدمة في الكلية الإكليريكية وبيت مدارس الأحد في روض الفرج بشبرا، وتولى رئاسة تحرير مجلة مدارس الأحد.
8- صار راهبًا في دير العذراء الشهير بالسريان في 18 يوليو 1954م.
9- تمت سيامته بيد البابا كيرلس السادس، أول أسقف للتعليم والكلية الإكليريكية والمعاهد الدينية، باسم الأنبا شنوده في 30 سبتمبر 1962م.
10- بدأ الاجتماعات الروحية التعليمية منذ سنة 1962م، واستمر فيها حتى نياحته سنة 2012م.
11- أصدر مجلة الكرازة في يناير 1965م، واستمر في تحريرها حتى نياحته سنة 2012م (واستمرّ قداسة البابا المُعَظَّمْ تواضروس الثاني في إصدارها).
12- اختارته السماء بالقرعة الهيكلية وتمَّ تجليسه البابا الـ 117 للكنيسة القبطية الأرثوذكسية يوم 14 نوڤمبر 1971م.
13- نَمَتْ الكنيسة القبطية في عهده، داخل مصر وخارجها؛ في كل قارات العالم: أفريقيا
وآسيا وأوروبا وأستراليا والأمريكتين: الشمالية والجنوبية
14- حصل على تسع شهادات دكتوراه فخرية من كبرى جامعات أمريكا وأوروبا.
15- امتدت الكلية الإكليريكية في عهده، وأصبح لها 16 فرعًا في مصر وخارجها.
16- حصل على العديد من الجوائز مثل؛ جائزة أفضل واعظ ومعلم للدين المسيحي في العالم 1978م من مؤسسة Browning الأمريكية، وجائزة أوجوسبورج الألمانية للسلام. كما حصل على وسام الصليب الأكبر للقديس أغناطيوس من الكنيسة السريانية.
17- كتب أكثر من 150 كتابًا ونبذة في كثير من المجالات الكتابية والروحية، واللاهوتية والعقائدية وفي الخدمة والرعاية والتربية.
17- قامَ بسيامة بطريركين لكنيسة إريتريا و5 مطارنة و112 أسقفًا وأكثر من 2000 كاهن و1000 راهب.
18- قامَ برحلات رعوية ورسمية لكثير من بلدان العالم، وصلت إلى 104 رحلة.. فمثلاً زار الولايات المتحدة (57 زيارة)، والمملكة المتحدة (31 زيارة) وغيرها.
19- أحضر إلى مصر رفات القديس أثناسيوس الرسولي البطريرك الـ 20، في 10 مايو 1973م.
20- اهتم بخدمة المرأة؛ وقام بتشكيل لجنة المرأة، وسمح للمرأة بالدراسة بالكلية الإكليريكية والمعاهد الدينية، وقام بتعيينها مدرسًا بالكلية الإكليريكية والمعاهد الدينية لتدريس علم اللاهوت، وسمح لها بعضوية المجلس الملي، وعضوية مجالس الكنائس.
21- جلس قداسة البابا شنوده الثالث على الكرسي المرقسي لمدة 40 سنة، و4 أشهر، و3 أيام، وبهذا يعتبر سابع الباباوات من حيث طول مدة الجلوس على الكرسي المرقسي. عاش 88 سنة و7 أشهر، و14 يوم.
22- رقد في الرب في 17 مارس سنة 2012م، وكانت جنازة قداسته مهيبة وعظيمة، حضرها أكثر من اثنين ونصف مليون شخص. نيحَ الله نفسه في فردوس النعيم، ونَفَّعْنا بصلواته.
هذا الكتاب
هذا الكتاب
يواصل مركز معلم الأجيال لحفظ ونشر تراث البابا شنوده الثالث إصدار موسوعات البابا شنوده، وهذه الموسوعة التاسعة عشر حول "المناسبات والأعياد".
وبين يديك الكتاب الأول من هذه الموسوعة "عظات عيد القيامة المجيد" وهو تجميع لكلمات قداسته التي ألقاها في الكاتدرائية المرقسية بالعباسية في أعياد القيامة منذ عام 1972م وحتى عام 2011م.
كما قمنا بوضع فصل يضم بعض الرسائل البابوية لقداسة البابا شنوده الثالث التي كان يرسلها كل عيد قيامة لأبنائه في المهجر.
وتناول قداسة البابا شنوده الثالث في هذه العظات محاور عديدة عن القيامة، فتكلم عن أهمية القيامة، وضرورتها ونتائجها.. والدروس النافعة لنا من القيامة. كما تكلم أيضًا عن قيامة الأجساد والأرواح في اليوم الأخير وكيف أن القيامة هي للأجسادِ فقط، لأن الأرواحَ حيّةٌ بطبيعتها لا يلحقها موت، وبالتالي ليست في حاجة إلى قيامة. وعن اللقاء العجيب الذي سيكون يوم القيامة، سواء لقاء الأحباء مع بعضهم، أو اللقاء مع القديسين والملائكة.. واللقاء الأروع والأجمل مع ربنا يسوع المسيح له كل المجد.
كما أن القيامة أعطت لحياة الإنسان معنى وهدف فيقول قداسة البابا شنوده "لولا القيامة لكانت حياة الإنسان قصيرة وتافهة.. لو كنا نموت ولا نقوم لكانت حياتنا بلا معنى، ولكن نشكر الله الذي أعطانا بقيامة السيد المسيح عربونًا للقيامة في حياتنا، وأصبحنا نعرف أن حياتنا لا تنتهي بالموت".
كما أعطتنا القيامة هدف، أعطتنا أيضًا رجاء وأمل... وميزت الإنسان عن الكائنات الأخرى التي تموت وترجع إلى التراب أما الإنسان فله حياة أبدية.
وهذا يجعلنا ننتبه أنه طالما توجد قيامة إذًا بالتالي هناك حساب، وهناك ثواب وعقاب، ولهذا فإن الذين يؤمنون بالقيامة عاشوا مدققين في حياتهم، أمناء لروحياتهم محافظين على وصايا الرب، محبين لله وللناس لأنهم يعرفون أن كل عمل سيقدمون عنه حسابًا عندما يتركون هذا الجسد.
نتمنى لكم أوقات مباركة بشفاعة العذراء مريم والدة الإله، والبابا شنوده الثالث، وصلوات قداسة البابا تواضروس الثاني.
القمص بطرس بطرس جيد
مركز معلم الأجيال
لحفظ ونشر تراث البابا شنوده الثالث
الفصل الأول – السبعينات (1972- 1979م)
حقيقة القيامة[1]
نشكر الرب الإله الذي أعطانا هذه النعمة أن نكمل هذا الصوم بسلام وأن نكمل أيام البصخة المقدسة وأرانا أفراح قيامته.
أهنئكم جميعًا بعيد القيامة المجيد طالبًا أن يعيده الرب عليكم وأنتم في ملء الروح وفي عمق الصلة به.
لماذا يعتبر السيد المسيح أول القائمين من الأموات؟
في عيد قيامة السيد المسيح أود أن أنبِّهكم إلى حقيقة هامة في قيامته. كثيرون قاموا من الأموات في العهد القديم وفي العهد الجديد ولكن السيد المسيح يعتبر أول القائمين من الأموات .. لماذا؟
الأمر الأول؛ لأن قيامته كانت تختلف في جوهرها وطبيعتها عن كل قيامة أخرى في أمور كثيرة الأمر الأول هو أن كل الذين قاموا من الأموات من قبل ماتوا ثانية وما يزالون في عداد الموتى ينتظرون القيامة العامة في اليوم الأخير.
ابن أرملة نايين؛ أقامه المسيح من الأموات، ولعازر أقامه المسيح من الأموات، وابنة يايرس أقامها المسيح من الأموات ولكن هؤلاء ماتوا ثانية وينتظرون القيامة العامة..!
أيضًا ابن ارملة صرفة صيدا الذي أقامه إيليا النبي، وابن المرأة الشونمية الذي أقامه أليشع النبي، رجعوا فماتوا مرة ثانية وما يزالون ينتظرون القيامة العامة، أما السيد المسيح عندما قام... قام قيامة دائمة لا موت بعدها فكان أول القائمين من الأموات كلهم قاموا وماتوا، أما هو فقام ولم يمت ولن يموت.
الأمر الثاني؛ هو أن الذين قاموا من الأموات من قبل قاموا بأجساد عادية مثل أجسادنا هذه أجساد تأكل وتشرب وتجوع وتعطش وتتعب وتستريح وتتوجع وتتألم ويمكن أن تموت وتنحل، أما المسيح فقام بجسد ممجَّد غير قابل لهذا الضعف لا يحتاج إلى طعام ولا إلى شراب ولا إلى راحة ولا إلى غذاء ولا إلى دواء ولا يشعر بتعب ولا ألم، بجسد ممجد على مثاله ستقوم أجسادنا نحن في اليوم الأخير بعد الدينونة في القيامة العامة.
الأمر الثالث؛ الذي تختلف فيه قيامة المسيح عن أية قيامة أخرى هو أن كل الذين قاموا من الأموات من قبل أقامهم غيرهم، أما المسيح فقام بقوته الخاصة. ابن ارملة صرفة صيدا أقامه إيليا النبي، ابن الشونمية أقامه أليشع النبي، لعازر أقامه السيد المسيح.. أما المسيح فعندما قام من الموت لم يوجد أحد ليقيمه قام من ذاته بقوته بطبيعته بفعل القيامة الموجود فيه بلاهوته...
وهكذا كانت قيامة السيد المسيح هي قيامة فريدة من نوعها ليس لها شبيه في جميع القيامات الأخرى.
وقيامة السيد المسيح كانت صدمة كبيرة للشعب اليهودي، فعندما قام اليهود على المسيح وتآمروا عليه وصلبوه وقتلوه ظنوا أنهم قد تخلصوا منه إلى الأبد وأنه قد انتهى! انتهى هو وانتهى أمره وانتهى أتباعه وانتهت رسالته وتخلصوا منه إلى الانقضاء..
لذلك عندما قام السيد من الأموات كانت صدمة كبيرة لهم وكانت بداية لنهايتهم، واستطاعت المسيحية أن تأخذ قوة من قيامة السيد المسيح وأن تشهد لقيامته في كل مكان وأن تملأ الأرض كلها.. وأن تكتسح أمامها اليهود الذين لم يتبق منهم سوى أقلية ضئيلة مبعثرة في الأمم، وهكذا كانت القيامة لها قوتها...
ونحن نؤمن بقيامة الأموات، ونؤمن أننا بعد أن نموت سنقوم في اليوم الأخير وسنعطي حسابًا عن أعمالنا إن كانت خيرًا أو شرًا. هكذا فإن القيامة تعطي الإنسان اهتمامًا بالأبدية التي سيؤول إليها.
الشخص الذي يؤمن بالقيامة من الأموات يؤمن بالعالم الآخر.. يؤمن بالحياة الأخرى، ويرى أن تلك الأبدية هي كل شيء وأن الحياة الحاضرة في العالم ضئيلة جدًا ولا تُقاس كأنها لا شيء إلى جوار الأبدية التي لا تنتهي.
نحن في عيد القيامة نذكر تلك الأبدية ونسعى لموضع صالح فيها ونجعل حياتنا كلها مجرد تمهيد لتلك الأبدية. هناك أشخاص في العالم مشغولون بالعالم، جرفتهم اهتمامات العالم، جرفتهم مشاغل الدنيا الحاضرة ونسوا أبديتهم، يفكِّرون في ساعتهم فقط، كأنه ليست هناك حياة أخرى أو كأنه ليست هناك دينونة.
سعيد هو الإنسان الذي يفكر في أبديته ويجعل حياته الحاضرة مجرد استعداد لتلك الأبدية التي لا تنتهي ويشعر بأن هذا العالم فانٍ وزائل وأن الحياة الأخرى هي الباقية والدائمة.
وقيامة السيد المسيح أيضًا أعطتنا فكرة عن أن الموت ضعيف... لقد انتصر المسيح على الموت... كان أقوى من الموت فلم يستطع الموت أن يعمل فيه شيئًا... انتصر على الموت وقام من الأموات، وأعطانا فكرة أننا لا نهتم بالموت ولا نعبأ به. الموت لا يخيف المؤمنين إنما يخيف الرجل الجاهل الذي لم يستعد لهذا الموت.
الموت مجرد قنطرة ذهبية توصِّل إلى الشاطئ الآخر للأبدية.
الموت مجرد رحلة جميلة إلى فردوس النعيم.
الموت لا يخيف المؤمنين لأنهم يشعرون أن الموت ينقلهم إلى حياة أفضل، إلى حياة أسمى من حياتهم بكثير.. لذلك يستقبلون الموت بفرح وببهجة بل يشتهونه كما تُشتهى الحياة.
بولس الرسول يقول: "لِيَ اشْتِهَاءٌ أَنْ أَنْطَلِقَ وَأَكُونَ مَعَ الْمَسِيحِ، ذَاكَ أَفْضَلُ جِدًّا"(في1: 23)، وداود النبي يقول: "ارْجِعِي يَا نَفْسِي إِلَى رَاحَتِكِ، لأَنَّ الرَّبَّ قَدْ أَحْسَنَ إِلَيْكِ"(مز116: 7) لذلك فأولاد الله لا يخافون الموت.
آباؤنا الشهداء كانوا يذهبون إلى ساحة الاستشهاد، وهم يرتلون ويغنون الأغاني الروحية كأنهم ذاهبون إلى أفراح، وإلى ولائم... كانوا يفرحون بالموت لأنه يوصلهم إلى الحياة التي لا موت فيها، الحياة الأبقى والأسمى، يوصلهم إلى عشرة الله وعشرة الملائكة وعشرة القديسين.
فلنفرح بقيامة الرب ولنفرح بأنه أعطانا نعمة القيامة من الأموات ولنستعد باستمرار لتلك الحياة الأخرى التي تنتظرنا بعد الموت.. ولنحاول في هذه الحياة أن نحب بعضنا بعضًا، وأن ننشر الخير في كل مكان، وأن نخدم كل أحد وأن نعيش للآخرين قبل أن نعيش لأنفسنا، وأن نحيا كالشموع التي تبذل ذاتها فيما هي تضيء للآخرين.
لنطلب خير إخوتنا في العالم، ولنطلب خير وطننا العزيز ولنطلب أن يعطينا الله حياة مقدسة مقبولة أمامه.. نطلب لكم ولكل إنسان في أمتنا العزيزة حياة ثابتة في الرب ونموًا في الروح.
[1] عظة عيد القيامة، 8 أبريل ١٩٧٢م
صوت الحقِّ
صوت الحقِّ[1]
نشكر الرب الذي أجاز علينا أيام الصوم بسلام وأتى بنا إلى أفراح القيامة المجيدة... ونحن في عيد القيامة إنما نتذكر معلومات هامة ومعاني روحية لا بد أن تجول في قلوبنا.
السيد المسيح يكشف رياء اليهود
السيدُ المسيح له المجد عاش في جيلٍ يختلف معه تمامًا في كل شيء من جهة الروحانية. كان السيد المسيح يرى زيف الحياة التي يعيش فيها اليهود في ذلك الزمان، كان يرى أنهم مثل القبور المبيضة من الخارج وفي الداخل عظام نتنة، كان يرى رياء القادةِ من الكتبة والفريسيين ومن الكهنةِ ورؤساء الكهنة وشيوخ الشعب سواء في حياتهم أو في تعاليمهم.
من جهة التعليم كان يرى وصايا الله في ناحية وتفسير قادة الدين اليهود في ناحية أخرى. كان يراهم يهتمون بالحرفية أما هو فكان يهتم بالروح. كان يراهم يحزمون أحمالاً ثقيلة الحمل ويضعونها على أكتاف الناس وهم لا يستطيعون أن يحركوها بأصابعهم (مت23: 4). كانت تفسيراتهم مخالفة للشريعة، ولذلك قال لهم: "لأَنَّكُمْ تُغْلِقُونَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ قُدَّامَ النَّاسِ، فَلاَ تَدْخُلُونَ أَنْتُمْ وَلاَ تَدَعُونَ الدَّاخِلِينَ يَدْخُلُونَ" (مت23: 13).
من أجل هذا كله كان السيد المسيح يحارب الفساد الموجود في ذلك الجيل كان هو صوت الحق الذي يصرخ كاشفًا أباطيل الزيف في زمانه..
كان أيضًا يكشف رياء هؤلاء الناس وكان يقول لهم: "ويل لكم أيها المراؤون"، "يا قتلة الأنبياء". من أجل هذا كرهه اليهود وصمَّموا على قتله.. اتهموه اتهامات باطلة.. جمعوا حوله شهود زور.. قبضوا عليه.. قدَّموه للحاكم الروماني طالبين قتله. استراحوا من هذا الصوت الذي ينادي بالحق والذي يكشف الزيف الذي يعيشون فيه!!
وإذ مات المسيح ووُضع في القبر استراح اليهود وطلبوا أن يُختم القبر بأختام وأن يوضع حوله الحراس إذ قالوا لئلا يأتي تلاميذه ويسرقوه ويقولون إنه قام.
بهذا ظنوا أن المسيح قد انتهى وأن تعاليمه قد بادت وأنهم قد استراحوا منه إلى الأبد.. وبدا أن الباطل قد انتصر على الحق وأن الحق قد مات فعلاً... وخاف تلاميذ المسيح وهربوا واختبأوا.
وقام جميع الناس ضده في ساعة صلبه، هتفوا جميعًا للحاكم الروماني: "اصلبه! اصلبه!" وبعد موته خاف أحد أن ينتسب ليسوع المسيح!! بدا أن الباطل قد انتصر ثم قام المسيح ولما قام المسيح حطَّم كل كبرياء اليهود واستطاع أن يعيد الحق إلى سلطته.. وإذا بتعاليمه ترجع مرة أخرى، وإذا بصليب المسيح يصبح عارًا لليهود إلى الأبد، وإذا بالنور يشرق بعد ظلام.
وإذا بالذين ظنوا أن المسيح قد مات يعرفون أنهم هم أمواتًا، كانوا موتى بالحياة، وكان هو حيًا في الموت لم يكن للموت سلطانًا عليه بل على العكس كان له سلطان على الموت.. أليس هو الذي أقام الأموات أكثر من مرة.
بالقيامة انتصر الحق
وبقيامة المسيح انتصر الحق على الباطل وبقيامة المسيح ظهر للناس أن الحق وإن بدا منهزمًا في أول الأمر إلا أنه لا بد أن ينتصر أخيرًا وأن الجولة الأخيرة هي الهامة في المعركة كلها. وبدا أن الباطل قد يرتفع إلى حين ولكنه لا بد أن ينزل عن كبريائه، أن الباطل مثل الدخان قد يرتفع إلى فوق ويعلو في الفضاء يعلو على النار وعلى نورها وعلى حرارتها ولكن هذا الدخان في ارتفاعه إنما يتبدد وينقشع كلما تتسع رقعته.. كلما تضعف قوته.. وكلما يرتفع إلى فوق كلما يبهت ويزول ويختفي. هكذا الباطل باستمرار.
لا تخافوا من الباطل إذا ارتفع فإنه سينخفض يومًا ولا تخافوا على الحق إذا انهزم مرة فهو لا بد أن ينتصر.
أخيرًا نقول هذا ونحن نتذكر الظروف العصيبة التي تعيش فيها بلادنا ونعرف أن الحق لا بد سينتصر، وأن النور لا بد سيبدد غياهب الظلام مرة أخرى، ولا بد أن الله سيعمل عملاً وينصر كل المتوكلين عليه.
إن قيامة المسيح كانت قوة عجيبة.. كانت سلاحًا ضد اليأس يُشعر الناس أن الحق لا يعرف يأسًا على الإطلاق. الحق باقٍ ببقاء الله نفسه فالله هو الحق. الحق لا يمكن أن ينهزم ولا يمكن أن يخاف من الباطل. وقيامة المسيح تعطينا فكرة أن الموت ضعيف، لأن المسيح بموته قد داس الموت وانتصر عليه. لذلك كل من يؤمن بالقيامة لا يمكن أن يخاف الموت.
الإنسان المؤمن لا يرتعب من الموت ولا يخشاه ولا يتحاشاه. الموت بالنسبة إليه مجرد جسر ذهبي يصل بين هذه الحياة والأبدية السعيدة، "ليس موت لعبيدك يا رب بل هو انتقال"، نحن لا نخاف الموت ولا نعترف للموت بسلطان علينا نعيش دائمًا في أفراح القيامة، نقول للرب باستمرار: "إِنْ عِشْنَا فَلِلرَّبِّ نَعِيشُ، وَإِنْ مُتْنَا فَلِلرَّبِّ نَمُوتُ. فَإِنْ عِشْنَا وَإِنْ مُتْنَا فَلِلرَّبِّ نَحْنُ" (رو14: 8)، ولذلك يهتف الرسول قائلًا: "أَيْنَ شَوْكَتُكَ يَا مَوْتُ؟" (1كو15: 55).
إن المسيح في قيامته قد داس على الموت وأرانا ضعف الموت.. أرانا أن الموت ليس هو نهاية الحياة إنما هو بداية لحياة أفضل ولحياة أسعد.. ونحن نعيش باستمرار على رجاء هذه القيامة السعيدة. نعيش باستمرار ونحن نُعِّد أنفسنا لهذه القيامة.. نُعِّد أنفسنا لهذه الأبدية.
حياتنا على الأرض مُجرَّد غُربة ننتقل منها إلى الوطن السمائي الكبير الذي يلتقي فيه جميع المؤمنين، ويلتقي فيه المؤمنون بالملائكة، ويلتقي الكل بالله تبارك اسمه واعتز.
لذلك فالموت شيءٌ ضعيف، ليتنا في أفراح القيامة لا نعبأ بالموت.. وليتنا في أفراح القيامة نذكر أن السيد المسيح قام بعمل الفداء وفدى الجميع من موت الخطية ومن الموت الأبدي، ونعيش أيضًا في بركة الفداء وفي سعادته. وفي هذا العيد يسُرُّني أن أهنئكم جميعًا بقيامة السيد المسيح من الأموات، وبانتصار الحق على الباطل، وببركة الفداء، وبعربون الحياة الأبدية.
[1] عظة عيد القيامة، 28 أبريل 1973م
روح الانتصار
روح الانتصار[1]
إنه فرحٌ كبير أن نحتفل اليوم بقيامة السيد المسيح من بين الأموات.
إن السيد المسيح عندما قام من الموت أعطانا معانٍ جميلة وعميقة وروحية، من هذه المعاني..
- روح الانتصار النصرة على الأعداء المقاومين، والنصرة على الموت ذاته.
- أعطانا أيضًا عدم الخوف من الموت.
- وأيضًا عدم اليأس مهما كانت الأمور.
فلنتأمل قليلاً في قصة القيامة هذه لنرى أعماقها وفاعليتها في حياتنا...
كان اليهود يكرهون السيد المسيح، وكانوا يبحثون عن قتله على قدر ما يستطيعون من جهد ومن قوة. كانوا يكرهونه لأنه كان نورًا يكشف ما هم فيه من ظلام، ولقد قال الكتاب: "إِنَّ النُّورَ قَدْ جَاءَ إِلَى الْعَالَمِ، وَأَحَبَّ النَّاسُ الظُّلْمَةَ أَكْثَرَ مِنَ النُّورِ، لأَنَّ أَعْمَالَهُمْ كَانَتْ شِرِّيرَةً"(يو3: 19).
كانوا يكرهونه لأنه كان الحق؛ وفيما هو الحق كان يفضح ما هم فيه من رياء، ومن حرفية، ومن بُعد عن الله، لذلك بذل اليهود كل ما يستطيعون لكي يتخلصوا من السيد المسيح، ولكي يقضوا عليه، وعلى رسالته، وعلى تلاميذه وينتهوا من هذا الأمر إلى الأبد.. وكان يبدو أنهم قد نجحوا في ذلك!!
في يوم الجمعة كان السيد المسيح مصلوبًا بين لصين، كان الجميع يستهزأون به، كان تلاميذه خائفين متفرقين مشتتين، كان الشعب كله قد بدأ ينحاز إلى رؤساء كهنة اليهود، ويهتف: "اصلبه! اصلبه!".. كان الجو قد تغيَّر تمامًا! وبدا أن المسيح ورسالته وتلاميذه قد انتهوا وما عادت لهم رجعة مرة أخرى.
في وسط هذا اليأس ووسط خوف التلاميذ واختبائهم، قام المسيح من الأموات فقلب الأوضاع كلها وأعطى الناس روح الانتصار..
علَّمهم أن الباطل قد ينتصر إلى حين ولكنه لا بد أن يندحر أخيرًا..
علَّمهم أن الحق الأعزل أقوى من الباطل المسلَّح..
وهكذا رأينا أن السيد المسيح الذي كان ينادي بالوداعة والاتضاع، الذي كان يقول: "مَنْ لَطَمَكَ عَلَى خَدِّكَ الأَيْمَنِ فَحَوِّلْ لَهُ الآخَرَ أَيْضًا.. وَمَنْ سَخَّرَكَ مِيلًا وَاحِدًا فَاذْهَبْ مَعَهُ اثْنَيْنِ"(مت5: 39، 41)، المسيح هذا في وداعته وفي اتضاعه وفي هدوئه وفي سلامه استطاع أن ينتصر على دسائس اليهود، وعلى قوة الرومان..! فالقيامة تعطي روح الانتصار، تعطي عدم اليأس مهما اسودَّت الأمور، مهما بدا أن الحل مستحيل، فمهما تشامخ الباطل لا بد أن ينتصر الحق أخيرًا..
علَّمنا المسيح بهذا أيضًا أن نصبر إلى أن يتدخل الله، في الساعة التي يريدها ويرفع وجه الحق عاليًا ومنيرًا ولقد قال لنا الكتاب: "بِصَبْرِكُمُ اقْتَنُوا أَنْفُسَكُمْ" (لو21: 19).
في قيامة المسيح أيضًا كان انتصار على الموت. كان الموت مخيفًا للضعفاء، أما في القيامة فلا يوجد خوف من الموت على الإطلاق. لقد استطاع السيد المسيح بقيامته أن يدوس الموت فلم يعد للموت هيبة، ولم يعد للموت خشية، ومن ذلك الحين لم يعد أحد من تلاميذ المسيح على الاطلاق يخاف الموت.
إن بولس الرسول يهتف ويقول: "أَيْنَ شَوْكَتُكَ يَا مَوْتُ؟ أَيْنَ غَلَبَتُكِ يَا هَاوِيَةُ؟"(1كو15: 55). الموت لم يعد له المفهوم القديم أنه نهاية الحياة وخاتمة المطاف. لقد أصبح الموت في نظر الناس الذين يفهمون القيامة حق فهمها هو الباب للحياة الأبدية، هو ذلك الجسر الذهبي الذي نعبر به من أرض الفناء إلى أرض البقاء.
أصبح الموت مجرد عبور إلى الحياة الأبدية، إلى النعيم الدائم، إلى عشرة الله والقديسين والملائكة والرسل والأنبياء.
لم يعد أحد يخشى الموت على الإطلاق...
إن الموت ليس نهاية حياة، إنما هو بداية حياة أفضل.
الذين يؤمنون بالقيامة لا يخافون الموت أبدًا، ومن هنا كان الشهداء يقابلون الموت بصدرٍ رحب، يقابلون الموت بلا خوف، يقابلون الموت وهم في فرح يتأمَّلون في المصير السعيد بعد الموت.
إن قيامة السيد المسيح حطَّمت هيبة الموت فلم تعُد له قيمة..! إنما يخاف من الموت الملحدون والذين لا يؤمنون بالحياة الأخرى، فيظنون أن الموت يُنهي حياتهم على الأرض ويُنهيها إلى الأبد، فلا حياة لهم بعد ذلك.. أما نحن فنؤمن أن الموت يقودنا إلى حياة لا موت فيها بعد ذلك.
المسيح في قيامته قام بقوة أكبر، قام بانتصار كبير وأعطى قوة عجيبة لتلاميذه. إننا عندما نذكر هذه الحقائق جميعها التي نبعت من القيامة ونذكر كيف أن السيد المسيح انتصر على اليهود الذين صلبوه، وانتصر على الرومان الذين انضموا إلى اليهود، وأنقذ التلاميذ من روح اليأس والضعف والخوف والخشية والاختباء.. عندما نذكر كل هذه المعاني إنما نذكر حالة بلادنا المجيدة التي داست الموت أيضًا، والتي عبرت من الموت إلى الحياة ومن الهزيمة إلى الانتصار، واستطاعت أن تفرح فرحًا عجيبًا وتقوي روحها المعنوية وتقوي سمعتها في كل مكان.
إنما نذكر أيضًا جنودنا الذين لم يخافوا الموت، وإنما بكل بسالة وبكل قوة وبكل إيمان بالحياة الأخرى وإيمان بالنعيم الذي يُعده الله لكل من أحسن عملاً وكل من آمن به، تقدَّموا وناضلوا وجاهدوا مستهينين بالموت.. ففرحوا بلذة الانتصار لأنهم كانوا أقوياء وكان الله معهم.
إن روح القيامة يعمل في بلادنا التي لم تقم فقط من نكسة 1967م وإنما أيضًا بدأت تنشر التعمير في كل بلادنا التي تحطَّمت سابقًا.. وقامت الآن لتعطي فكرة جميلة عن روح القيامة التي تعمل.
إن الإنسان الذي يؤمن بروح القيامة لا يعرف لليأس معنى.
الإنسان الذي يؤمن بروح القيامة إنما يجاهد مهما حدث له، يصمد في قوة وفي بسالة وفي إيمان بتدخل الله.
نحن نفرح هذه الأيام أن معنى القيامة المجيدة يعمل فينا على الدوام وينهضنا ويقوي روحنا المعنوية ويحثنا على التقدم إلى الأمام، واثقين من معونة الله ومن تدخله.
أهنئكم جميعًا بعيد القيامة المبارك، أهنئ بلادنا بروح القيامة التي عاشت بها وتعمل فيها.
[1] عظة عيد القيامة 13 أبريل 1974م
قوَّة القيامة
قوَّة القيامة[1]
يسرني أن أهنئكم جميعًا بعيد قيامة السيد المسيح من بين الأموات.. هذا العيد الكبير الذي يحمل الكثير من المعاني الكبيرة..
الاِنتِصار
أول معنى يمكن أن نتأمله في قيامة السيد المسيح هو الاِنتِصار.. لقد انتصرَ السيد المسيح على الموت، وانتصر أيضًا على خصومه.. لا يوجد عدو أقوى من الموت.
الموت انتصر على الجميع من آدم إلى يومنا هذا.. إلى آخر الدهور..
والاِنتِصارُ على الموتِ لم يكن شيئًا سهلًا، وخصوصًا أن السيد المسيح قام من الأموات بإرادته الخاصة. لم يقمه أحد، ومن هنا كانت القيامة لها معناها الكبير في الاِنتِصارِ على الموتِ.. وعندما نطلب مفعول القيامة في حياتنا، إنما نطلب أن يعطينا الرَّبُّ نصرةً على الأعداء مهما كانوا..
مما يزيد في قوَّةِ القيامة أن السيد المسيح انتصر على الموت وانتصر على خصومه، على الرغم من كل تدابيرهم التي عملوها..
لقد صُلب السيد المسيح يوم الجمعة؛ وكان اليهود يقدسون يوم السبت، وكان يوم السبت عندهم يبدأ من غروب يوم الجمعة، لأن اليوم يبدأ عند الغروب وينتهي في غروبِ اليومِ التالي..
هؤلاء الناس كانوا قد علموا من كلام السيد المسيح قبلًا أنه سيُصلب ويقبر ويقوم.. فذهبوا إلى بيلاطس الوالي وقالوا له: "يا يَا سَيِّدُ، قَدْ تَذَكَّرْنَا أَنَّ ذلِكَ الْمُضِلَّ قَالَ وَهُوَ حَيٌّ: إِنِّي بَعْدَ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ أَقُومُ. فَمُرْ بِضَبْطِ الْقَبْرِ إِلَى الْيَوْمِ الثَّالِثِ، لِئَلاَّ يَأْتِيَ تَلاَمِيذُهُ لَيْلاً وَيَسْرِقُوهُ، وَيَقُولُوا لِلشَّعْبِ: إِنَّهُ قَامَ مِنَ الأَمْوَاتِ، فَتَكُونَ الضَّلاَلَةُ الأَخِيرَةُ أَشَرَّ مِنَ الأُولَى! فَقَالَ لَهُمْ بِيلاَطُسُ: عِنْدَكُمْ حُرَّاسٌ. اِذْهَبُوا وَاضْبُطُوهُ كَمَا تَعْلَمُونَ، فَمَضَوْا وَضَبَطُوا الْقَبْرَ بِالْحُرَّاسِ وَخَتَمُوا الْحَجَرَ" (مت27: 63- 66).
فهؤلاء الذين يقدسون السبت ولا يعملون فيه أي عمل، أخذوا معهم مجموعة من العمال والجنود والحراس، ودحرجوا حجرًا كبيرًا على باب القبر، وضبطوه بالحراس؛ وقاموا بأعمال كثيرة في يوم السبت!
كانوا يضطهدون المسيح عندما كان يقيم الميت في يوم السبت، كما أقام أليعازر في يوم سبت (يو11: 44).. أو حينما فتح عين المولود أعمى في يوم سبت.. وقالوا لذلك المولود أعمي: ألاَّ تعلم أن الذي شفاك رجل خاطئ، لأنه كسر يوم السبت؟، "هذَا الإِنْسَانُ لَيْسَ مِنَ اللهِ، لأَنَّهُ لاَ يَحْفَظُ السَّبْتَ" (يو9: 16).. أما هم فكسروا السبت عند صلب المسيح ولم يأبهوا ولم يشعروا أنهم أخطأوا أو كسروا السبت، لأن الغرض في قلوبهم كان أقوى من المبدأ بكثير.
وهؤلاء اليهود الذين كانوا متعبين جدًا من حكم الرومان، وكانوا يطلبون مسيحًا لكي يخلصهم من حكم الرومان.. في وسط أحداث الصلب عملوا كل ما يستطيعون من أجل الزلفى والتملق نحو الرومان..
بيلاطس البنطي نظر إلى المسيح وقال لهم: "أَأَصْلِبُ مَلِكَكُمْ؟ أَجَابَ رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ: لَيْسَ لَنَا مَلِكٌ إِلاَّ قَيْصَرَ!" (يو19: 15)!
عجبًا!! بل اتهموا السيد المسيح بأنه رفض أن تُعطى الجزية لقيصر.. مع أن المسيح قال يومًا: "أَعْطُوا مَا لِقَيْصَرَ لِقَيْصَرَ وَمَا ِللهِ للهِ" (مر12: 17).
اتهم بأنه لا يعطي جزية لقيصر، بينما هم كانوا يطلبون مسيحًا يخلصهم من قيصر، ومن جزية قيصر.. ولكنهم تملقوا الحكام الرومان في ذلك الحين وذهبوا إلى بيلاطس؛ وتوددوا إليه كثيرًا وطلبوا إليه أن يضبط القبر الحراس، فضبط القبر بالحراس؛ ووضع عليه حجر عظيم..
وهذا الذي فعلوه أراد به الله بالأكثر أن يظهر قوة القيامة، وأن يظهر حقيقتها. لأنه لو أنهم لم يقوموا بهذه الاحتياطات جميعها، لكان لهم رأي يقولونه.. (أن التلاميذ أتوا وسرقوا السيد المسيح من القبر)!! أما وأنهم قد قاموا بكل هذه الاحتياطات بحرصٍ شديد، وختموا القبر بالأختام، ووضعوا عليه مجموعة كبيرة من الجنود، فلم يبق لهم عذر بعد ذلك.
لم يكتفوا بكل ما فعلوه بل كما شوهوا رسالة المسيح، أو حاولوا ذلك، أرادوا أيضًا أن يشوهوا القيامة فملأوا الدنيا كلامًا ودفعوا رشوة للجنود وقالوا لهم: "قُولُوا إِنَّ تَلاَمِيذَهُ أَتَوْا لَيْلاً وَسَرَقُوهُ وَنَحْنُ نِيَامٌ" (مت28: 13)، ونحن نخلصكم من عقوبة هذا النوم.
السيد المسيح بقيامته انتصر على دسائس اليهود؛ وانتصر على مؤامراتهم وعلى كل تدابيرهم، وقام من الموت بمجد عظيم يدل على انتصاره وعلى قوته..
ونحن حينما نذكر في عيد القيامة هذا الحدث الكبير، إنما نفرح لاِنتصار الرَّب على الموت.
الحياة الأبدية
عيد القيامة يعطينا فكرة أخرى عن أن الحياة على الأرض ليست كل شيء، والموت ليس خاتمة المطاف.. الموت ما هو إلاَّ جسر يعبر عليه الإنسان من حياة أرضية إلى حياة أفضل.
القيامة هي قصة عبور نعبر بها من العالم الأرضي إلى العالم السمائي.. ونعبر بها من حياة الجسد المادي إلى حياة الجسد الروحاني.. نعبر بها من هذا العالم الخاطئ إلى عالم القديسين والأبرار.
فنحن في عيد القيامة نذكر جمال هذا العبور، الذي يعبر به الإنسان إلى الحياة الأخرى.. يعبر به إلى حياة كلها مجد، وكلها فرح، وكلها نعيم.. إلى حياة أفضل..
لهذا كان أولاد الله باستمرار يشتهون الحياة الأخرى، ويشعرون أن حياتهم على الأرض مجرد غربة، وأنهم غرباء على هذه الأرض، كما يقول داود النبي: "غَرِيبٌ أَنَا فِي الأَرْضِ. لاَ تُخْفِ عَنِّي وَصَايَاكَ" (مز119: 19). ويقول أيضًا: "أَنَا غَرِيبٌ عِنْدَكَ. نَزِيلٌ مِثْلُ جَمِيعِ آبَائِي" (مز39: 12).
من أجل هذا كان الناس يشتهون القيامة باستمرار ويشتهون الموت الذي يوصلهم إلى القيامة.. وكان المرتل يقول في المزمور: "عَرِّفْنِي يَا رَبُّ نِهَايَتِي وَمِقْدَارَ أَيَّامِي كَمْ هِيَ، فَأَعْلَمَ كَيْفَ أَنَا زَائِلٌ" (مز39: 4).. إن عمري كالخيال قدامك.. خيال يتمثل كإنسان.
نحن في عيد القيامة نذكر رغباتنا وأشواقنا إلى العالم الآخر، الذي نذهب إليه بعد القيامة.. آمالنا كلها تتركز في السماء، وفي النعيم الأبدي، وفي ملكوت الله حيث لا يوجد هناك موت ولا خطية.. إنما توجد سعادة دائمة..
ولكننا على الأرض ينبغى أن نكون مخلصين جدًا، وأمناء لعملنا فيها.. هي فترة غربة، ولكننا نقضيها في أمانة وفي كمال وفي قداسة وفي بر لكي نستحق العالم الآخر، ولكي نسعد كل من هم حولنا على قدر طاقتنا وعلى قدر إمكانياتنا..
قوة القيامة في حياتنا
وفي عيد القيامة المجيد نطلب أن تعمل القيامة في قلوبنا.. قوة القيامة يكون لها مفعول في قلوبنا وفي حياتنا كلها.. ونطلب أن قوة القيامة تعمل في وطننا وفي بلادننا.. ونحن نشكر الله لأننا رأينا لمسات جميلة من حياة القيامة في بلادنا.. وفي مستقبلها وفي حاضرها..
نطلب أيضًا أن تعمل القيامة في قلوبنا.. في حياتنا.. في سلوكنا.. في تصرفاتنا، فلا نحيا في الخطية بعد، إنما نقوم قيامة البر والقداسة من كل سقطة نقع فيها بإغراء الشيطان.. نطلب من الرَّبِّ أن يعطينا قوَّةً، وهو القوي الذي هو مصدر كل قوة لجميع الناس.
[1] عظة عيد القبامة بالسجل التاريخي لقداسة البابا شنوده – الكتاب الثالث، 3 مايو1975م
بركات القيامة
بركات القيامة[1]
يسرني يا إخوتي أن أهنئكم بعيد القيامة المجيد بكل ما يحمل هذا العيد من معاني عميقة لها تأثير كبير في حياتنا.
لقد قام السيد المسيح من بين الأموات وصار باكورة للقائمين من الموت، وأعطانا فرحة القيامة في حياتنا، والقيامة هي عقيدة قوية عميقة تعتبر من العناصر الأساسية للدين.
قبل القيامة كان الناس يظنون أن الموت أقوى من الحياة، جميع الناس قد ماتوا مهما طالت أعمارهم! انتصر الموت على الجميع وصار متفوقًا على كل حياة.
كل حياة انتهت بالموت، ولكن بالقيامة عندما قام المسيح شعرنا جميعًا وتأكدنا أن الحياة أقوى من الموت وأبقى وأقدم منه وأرسخ. واستطاعت الحياة في المسيح يسوع أن تقضي على الموت وتدوس الموت.. لذلك فالقيامة هي فرحة عظيمة نفرح فيها بالانتصار على الموت.
لم يعد الموت يسود على العالم وإنما بعد الموت حياة، وحياة أفضل بكثير من هذه الحياة الدنيا. لم يعد للموت سلطان على البشر، لأنه كما داس المسيح الموت بقيامته سننتصر نحن أيضًا على الموت في القيامة العامة.
قبل القيامة كان الناس يخافون الموت، يرتعبون منه، شاعرين كما لو كان خاتمة للحياة. أما نحن بالقيامة فنعتقد أن الموت هو بداية لحياة أخرى، وحياة لا تنتهي، تبدأ وتستمر في الأبدية الطويلة التي لا حدود لها.
الموت مجرد عبور نعبر به إلى الشاطئ الآخر، نعبر به إلى السماء وإلى عشرة الله وملائكته وقديسيه. وبالقيامة صار للناس شجاعة كبيرة، لأن الذي لا يخاف الموت بالضرورة يكون شجاعًا. أقوى عدو هو الموت.. لكن لم نعد نخاف منه.
لذلك كنا نرى آبائنا الشهداء يتقدمون إلى الموت في فرح وفي بِشر وهم يرتلون ويسبحون كأن الواحد منهم ذاهب إلى عرسه أو إلى حفل بهيج.
القيامة رفعت من شأن الإنسان أعطت للإنسان قيمة خاصة ميّزته على جميع الكائنات الأخرى التي تعيش على الأرض. لو كانت حياة الإنسان تنتهي بالموت لأشبه الحيوانات التي تنتهي حياتها بالموت، ولكن بالقيامة فُتح باب الخلود أمام البشر، وأيقننا أن للإنسان نفسًا حية عاقلة خالدة لها الحياة الأبدية.
بالقيامة أيقن الناس من الحياة الأخرى، وإذ أيقنوا بوجود حياة أخرى استعدوا لها بالفضيلة والتقوى والحياة المقدسة والبر. هكذا كانت القيامة دافعًا قويًا يدفع الناس إلى حياة الروح، يسلكون بالروح شاعرين أن هناك حياة أخرى بعد الموت، وأن هناك دينونة وأن هناك حساب.
أما الذين لا يؤمنون بالقيامة فإنهم يفتحون أمامهم أبوابًا للاستهتار وللإباحية، ليسلك كل واحد كما يشاء!! كما كان الأبيقوريون يقولون: لنأكل ونشرب فإننا غدًا نموت.
القيامة أعطتنا فرصة أن نقوّي علاقتنا بالله، نكوِّن معه عشرة، ونحيا معه في محبة لأننا سنلتقي به بعد الموت، ولأنه هو الذي سيقيم هذا الجسد وهو الذي سيدين الإنسان ويحدد له مصيره بعد الموت في الحياة الأخرى.
القيامة هي التي جعلت الناس لهم مبادئ، ولهم أهداف، وهدفهم هو الأبدية.. يعملون لها ويشقون من أجلها ويحتملون في سبيلها.
والقيامة أيضًا علَّمتنا عدم اليأس لأنه إن كان بعد الموت حياة أخرى فلا يجوز أن ييأس إنسان.
وهكذا كان فعل القيامة يدخل في حياة كل شخص على الأرض يشعر أنه بعد الضعف توجد قوة، وبعد المرض توجد صحة، وبعد السقوط يوجد قيام، وبعد النكسة يوجد انتصار، يشعر الإنسان أن هناك قيامة، أن هناك مقاومة في داخله لكل عناصر الفناء وكل عناصر الانحلال، وكل عناصر الضياع والموت. فأصبح الإنسان بالقيامة صامدًا قويًا يقاوم كل عناصر الفناء ولا يرضخ لها.
بالقيامة فرح التلاميذ إذ كانوا حزانى عندما صُلب المسيح...
لولا هذه القيامة ما كان لموت المسيح تأثيره على الناس، ولظنوه ضعفًا. ولكن المسيح كان قويًا أسلم ذاته للموت فداءً للبشر، مات عنهم لكي يحيوا، وقدّم حياته فداءً عنهم لكي يتخلصوا من الموت.
وبقيامته عرَّفهم بقوته لأنه قام بإرادته، ولذلك ما أجمل قول السيد المسيح: "لأَنِّي أَضَعُ نَفْسِي لآخُذَهَا أَيْضًا. لَيْسَ أَحَدٌ يَأْخُذُهَا مِنِّي، بَلْ أَضَعُهَا أَنَا مِنْ ذَاتِي. لِي سُلْطَانٌ أَنْ أَضَعَهَا وَلِي سُلْطَانٌ أَنْ آخُذَهَا أَيْضًا"(يو10: 17، 18)، وقد قدَّم المسيح نفسه على الصليب كفارة وضحية وفداءً، واسترجع هذه النفس في قيامته...
فلنفرح جميعًا بقيامة المسيح من الأموات ولنمجده في قوته وفي الحياة التي فيه، التي هي أقوى من الموت.. مبارك هو في السماء ومباركة وعوده لنا.
ونطلب من الرب أن يعطينا قوة القيامة وفاعلية القيامة في حياة كل واحد منا. وليعطنا فاعلية القيامة أيضًا في حياة مجتمعنا وبلادنا وفي حياة العالم بأسره. نطلب القيام باستمرار ودوام الحياة ومقاومة الفناء والضياع والموت.
ونشعر أيضًا أن شهداءنا الذين ماتوا إنما لهم حياة أخرى أفضل. لولا هذا الموت ما استطاع الإنسان أن يلبس في القيامة جسدًا نورانيًا روحانيًا.
نحن بالموت نخلع هذا الجسد المادي الفاني المُعرَّض للضعف والمرض والألم والوجع، والمُعرَّض للجوع وللعطش وللتعب ولعوامل الانحلال. وفي القيامة نلبس جسدًا من نوع آخر.. جسدًا روحانيًا عملت فيه قوة القيامة فأصبح لا ينحل بعد، ولا يضعف، ولا يتعب، ولا يمرض، ولا يجوع، ولا يعطش، أجساد روحانية نورانية تعيش بالقيامة في السماء في عشرة الله وملائكته وقديسيه، وهكذا نفرح بالقيامة وتملأ قلوبنا بالرجاء وبالأمل.
[1] عظة عيد القيامة 24 أبريل 1976م
هدف القيامة
هدف القيامة[1]
أهنئكم يا إخوتي جميعًا بعيد القيامة المجيد، ونحن نعلم أهمية القيامة وخطورتها في حياة البشرية كلها، لولا القيامة لكانت حياة الإنسان قصيرة وتافهة..
القيامة أعطت لحياة الإنسان معنىً، والقيامة أعطت لحياة الإنسان هدفًا.. لو كنا نموت ولا نقوم لكانت حياتنا بلا معنى، ولكن نشكر الله الذي أعطانا بقيامة السيد المسيح عربونًا للقيامة في حياتنا، وأصبحنا نعرف أن حياتنا لا تنتهي بالموت.
قصيرة جدًا هي حياة الإنسان على الأرض مهما كانت بعشرات السنوات أو حتى لو زادت عن المائة، هي حياة قصيرة وضئيلة.. ولكن هذه الحياة يكون لها معنى كبير وتكون هناك قيمة للإنسانية حينما تمتد الحياة وراء الموت، ونشعر أن حياتنا لا تنتهي، وأن حياتنا على الأرض كانت مجرد مقدمة لحياة طويلة لا نعرف لها نهاية.
وهكذا صارت القيامة وسيلة وليست غاية هي وسيلة للأبدية. ونحن نفرح بالقيامة لأننا نفرح بالأبدية، ونعرف أن لنا حياة أخرى غير هذه الحياة على الأرض.
والقيامة من الموت أعطت لحياتنا معنى وهدف لأن الذين لا يؤمنون بالحياة الأخرى ولا يؤمنون بالقيامة ولا بالبعث إنما يتلهون بهذه الحياة الدنيا كما كان يقول الأبيقوريون: لنأكل ونشرب فإننا غدًا نموت! الذين لم يؤمنوا بالقيامة عاشوا في حياة اللذة على الأرض وحياة المتعة بالأرضيات، أما الذين آمنوا بالقيامة وبالحياة الأخرى فتنزهوا عن الأرض ومادياتها، وأصبحت لهم أهداف أعلى وأسمى... لذلك نحن نمجِّد القيامة ونشعر أنها تفتح أمامنا أبوابًا وآفاقًا وأهدافًا روحية نعيش من أجلها.
حياتنا على الأرض كلها مجرد إعداد لما بعد القيامة، نحن نُعِّد أنفسنا على الأرض لكي نمهِّد لأنفسنا حياة كريمة في السماء.
والقيامة أيضًا تعطينا معنىً آخر ساميًا وهو معنى التخلص من المادة، السيد المسيح لم يقم بجسد مادي كهذه الأجساد المادية، ووعدنا أيضًا بأننا سنقوم بأجساد روحانية على شبه جسد مجده، أجساد روحانية قد تخلصت من المادة، وتخلصت من التراب، وتخلصت من الارتباط بالأرض، أجساد نورانية ليست مختلطة بالمادة.
بالقيامة ننطلق الانطلاق السامي من قيود المادة، من قيود الجسد المادي، من قيود الارتباط بالأرض ونعيش الحياة الروحانية النورانية في السماء، وكما قال الكتاب: إننا نكون في الأبدية كملائكة الله في السماء.. "يَكُونُونَ كَمَلاَئِكَةِ اللهِ فِي السَّمَاءِ"(مت22: 30).
في السماء نعيش حياة سماوية سامية بأجساد لا تجوع ولا تعطش ولا تتعب ولا تمرض ولا تنحل ولا تموت.. هنا تتجلى الطبيعة البشرية في أسمى صورها. لسنا في كمالنا البشري بعد طالما نحن في هذا الجسد الترابي، لكننا سنصل إلى كمالنا البشري بعد القيامة حينما نخلع هذا التراب ونلبس النور والروحانية ونعيش كملائكة الله في السماء.
القيامة أعطت المؤمنين بها روح الشجاعة والجرأة والاستهانة بالموت.. التلاميذ الذين رأوا المسيح قائمًا من الأموات لم يعودوا يأبهون إطلاقًا بالموت، بل نرى أن بولس الرسول يتغنى ويقول: "أَيْنَ شَوْكَتُكَ يَا مَوْتُ؟ أَيْنَ غَلَبَتُكِ يَا هَاوِيَةُ؟"(1كو15: 55).
بالقيامة نشعر بضعف الموت، ونشعر بحقارة الموت، وبالقيامة ندوس الموت كما داسه المسيح وهو قائم من بين الأموات.
لذلك فإن القديسين والأبرار والمؤمنين في كل جيل لم يأبهوا بالموت إطلاقًا.. لم يخشوه.. لم يهابوه.. لم يخافوه. شعروا أن الموت إنما ينقل الإنسان إلى حياة أفضل، وهكذا نرى بولس الرسول يقول: "لِيَ اشْتِهَاءٌ أَنْ أَنْطَلِقَ وَأَكُونَ مَعَ الْمَسِيحِ، ذَاكَ أَفْضَلُ جِدًّا"(في1: 23) بل يقول: "وَالْمَوْتُ هُوَ رِبْحٌ"(في1: 21)، لأنه ربح. حقًا ربح أن تخلع الجسد الترابي وتلبس جسدًا نورانيًا روحانيًا.. هو ربح أن تتخلص من قيود المادة وتخرج الروح من هذا السجن الترابي.. هو ربح أن تعيش في عشرة الله والملائكة والقديسين.. هو ربح أن تسكن في السماء إلى الأبد.
ما دام الموت ربح بهذا الشكل فمن هو الحكيم إذًا الذي يخشى الموت؟! لهذا عاش أولاد الله في شجاعة كاملة، في جرأة، في غير خوف من الموت.
والقيامة ربطتنا بالسماء وبالعالم الآخر. هناك أشخاص يعيشون على الأرض كل أفكارهم في الأرض ومشاغلها وأخبارها وأفكارها دون أن ترتفع أفكارهم إلى فوق. أما بالقيامة والرجاء في الأبدية فأصبحت أفكارنا متعلقة بالسماء، وأصبحنا ونحن في الأرض نعيش في السماء برغباتنا وبأهدافنا، وبحبنا وبتعلقنا، وأصبحنا نعمل في الأرض للحياة في السماء.
لولا القيامة لصار الإنسان كالحيوان. القيامة هي التي جعلت للإنسان إنسانية فتميز عن باقي الكائنات، وما دامت هناك قيامة إذًا بالتالي هناك حساب، وهناك ثواب وعقاب، ولهذا فإن الذين يؤمنون بالقيامة عاشوا مدقِّقين في حياتهم، أمناء لروحياتهم، محافظين على وصايا الرب، محبين لله وللناس، لأنهم يعرفون أن كل عمل سيقدمون عنه حسابًا عندما يتركون هذا الجسد.
أصبح كل إنسان يحاسب نفسه تمامًا، ليس بعد أن يعمل أي عمل بل قبل أن يعمله، وكما يقول القديس مكاريوس: "احكم يا أخي على نفسك قبل أن يحكموا عليك". الذي لا يؤمن بالقيامة لا يهتم بأعماله ولا يدقق ولا يحاسب.
إننا بالقيامة أخذنا طبيعة أخرى. لهذا فإن عيد القيامة بالنسبة لنا عيد له أهميته في كيان الإنسان، وفي أبدية الإنسان في حاضره وفي مستقبله.
والقيامة أيضًا أعطتنا عدم اليأس. كما كان التلاميذ خائفين والمسيح في القبر وانقلب خوفهم إلى رجاء وإلى أمل وإلى فرح. فبعد الظلام هناك نور، وبعد رجوع الإنسان إلى التراب هناك رجوع إلى الحياة.
كل هذا يعطينا الأمل ويعطينا الرجاء...
أرجو لكم في عيد القيامة كل بركة من الرب، ونرجو أن يعطينا الرب فاعلية هذه القيامة في حياتنا لكي نحيا الحياة البارة المقدسة التي تشتاق باستمرار إلى فوق.
[1]عظة عيد القيامة 9 أبريل 1977م
معاني القيامة
معاني القيامة[1]
إنها لمناسبة طيبة أن نجتمع في هذه الكنيسة لكي نحتفل بقيامة السيد المسيح له المجد. وفي قيامة السيد المسيح نتذكر بعض المعاني الطيبة التي تفيدنا كلنا.
القيامة هي الانتصار على الموت، والانتصار على الموت يعطينا روح الرجاء. إن كان لنا رجاء في هذه الحياة الدنيا فقط فنحن أشقى جميع الناس، ولكن لنا رجاء في عالم آخر أفضل بكثير من هذه الدنيا، والقيامة تعطي الرجاء في العالم الآخر.
الناس قبل القيامة كانوا يخافون الموت ويرون في الموت نهاية للحياة وضياعًا للإنسان، كانوا يرون الموت خاتمة لمسيرة الحياة كلها، فلما قام المسيح ورآه التلاميذ وسمعوه ولمسوه وكلموه أيقنوا من تلك الحياة الأخرى الفاضلة، وشعروا بأن الموت ما هو إلا جسر ذهبي يوصل إلى الحياة السعيدة الأبدية الخالدة، ورأوا أن هناك رجاء حتى إن مات الشخص فله حياة...
كان الموت مخيفًا بالنسبة للناس، لكنه لم يعد كذلك!!
أعطتنا القيامة رجاء وأملاً يسود حياتنا كلها. عرفنا أنه بعد الموت توجد حياة، وعرفنا أيضًا أنه بعد كل ليل مظلم يوجد فجر منير، وعرفنا أيضًا أننا لا يمكن أن نيأس، ولا يمكن أن نفشل، ولا يمكن أن نضطرب، ولو أمام الموت. هذا الرجاء لازم لنا باستمرار في هذه الحياة.
مسكين هو الإنسان الذي يفقد رجاءه، وتظلم الدنيا أمامه ويظن أنه لا حل. الرجاء مفيد بالنسبة للأفراد وللجماعات وللدول وللعالم كله في هذا العالم المملوء بالمشاكل على مختلف أنواعها.
إذا وُجِد الرجاء وُجِدت طاقة مفتوحة من نور تضيء العالم المظلم... وفي القيامة نرى رجاءً. حتى مع الموت نرى رجاءً.
وفي القيامة أيضًا نرى معنىً آخر هو الفرح، والرجاء دائمًا يولِّد الفرح. ونحن في أفراح القيامة نشكر الله أنه أعطانا أعيادًا نفرح بها. الله عندما خلق الإنسان خلقه لكي يفرح ويسعد، لذلك خلقه في جنة فيها كل ما هو جميل وكل ما هو مُشتهى، فالقيامة تعطينا معنى الفرح.
التلاميذ كانوا حزانى عندما فارقهم السيد المسيح، ولكن لما رأوه فرحوا ولم يستطع أحد أن ينزع فرحهم منهم. لا يوجد فرح أكثر من فرح القيامة. قد يفرح الإنسان إذا شُفي له مريض، ولكن فرحه لا يُحد إذا قام له ميت. فرح التلاميذ بالقيامة قيامة المسيح.
وبالقيامة كمبدأ لجميع الناس فرحوا أن الجميع سيقومون في اليوم الأخير، وهم أيضًا سيقومون لذلك فقد الموت هيبته، وفقد الموت مخافته، ولم يعد الناس يقيمون للموت حسابًا على الإطلاق لأن هناك حياة أخرى بعد الموت حياة أفضل وحياة أسعد وحياة أبقى وحياة أكثر.
لذلك لم يعد الموت سبب حزن إنما سبب فرح.. ولهذا وجدنا الشهداء القديسين يتقدمون إلى الموت بكل فرح، بكل ارتياح. كانت أفواج الشهداء في عهد الدولة الرومانية ترتِّل في الطرقات وتغني فرِحة، لا لأنها ستستقبل الموت بل لأنها ترى أن وراء الموت حياة أفضل وعشرة مع الله وملائكته وقديسيه، فلم يعد الموت له مخافة!
وهكذا كان الشهداء في كل وقت، وفي كل زمان، يتقدمون إلى الموت في قوة وفي بهجة وفي فرح عظيم. أحد القديسين عندما كان ذاهبًا إلى الاستشهاد تزين بأجمل ملابسه وقال: "هذا هو يوم عرسي"، اليوم الذي أنحل فيه من رباطات الجسد المادي الفاسد وألتقي فيه بالرب.
القيامة تعني الفرح ... والعالم كما يحتاج إلى الرجاء، يحتاج أيضًا إلى الفرح، وماذا تعني القيامة غير الرجاء والفرح؟
تعني أيضًا القوة؛ بقوة عظيمة تمت قيامة السيد المسيح.. القبر مغلق وعليه حجر عظيم.. والقبر مختوم بأختام وجنود الرومان يحرسونه وكهنة وشيوخ اليهود يطلبونه، وقام المسيح على الرغم من كل هذا بقوة ومجد عظيم. والقيامة عمومًا تعني القوة لأن القيامة هي انتصار على الموت.
لا يوجد عدو للبشرية عدو طاغٍ جبار أكثر من الموت أمامه خضع وانحنى الملوك والأباطرة والقوات والجبابرة وأشجع الناس وأقوى الناس. لم يستطع أحد أن ينتصر على الموت، كان أقوى من الجميع، ولكن القيامة كانت أقوى من الموت داست الموت وانتصرت عليه..
وكما قام المسيح منتصرًا سننتصر جميعًا في يوم القيامة العامة حينما ندوس الموت وننتصر عليه، ونقوم أحياءً كما كنا بل وأفضل مما كنا بمراحل.
القيامة فيها هذه القوة، كما فيها الرجاء والفرح، والعالم يحتاج إلى هذه القوة إلى قوة الإيمان...
قوة الإيمان التي يشعر بها الإنسان أن الموت لا سلطان له عليه قوة الإيمان التي تشعرنا أننا ندفن البذرة في الأرض فتقوم شجرة عالية وارفة أعظم من البذرة بكثير. القوة التي ينتصر فيها الإنسان على ماديته فيقوم جسدًا روحانيًا.
وأمام القيامة نشعر أنه لا مستحيل ولا صعب، نشعر أن الحزن وراءه فرح والليل وراءه نهار، ونشعر أن كل مشكلة لها حل. ما دامت هناك قوة للقيامة، وقيامة حتى من الموت، إذًا كل المشاكل في الدنيا لها حل بالإيمان، وبتدخُّل الله وبحكمته...
وفي رأيي أن جميع المشاكل مهما صعبت لها شكل هرمي من أحد الجوانب تبدأ المشكلة وتظل ترتفع وترتفع وترتفع حتى تصل إلى قمتها الهرمية ثم تنزل على الجانب الآخر، وتظل تنزل وتنزل حتى تنتهي..
لا توجد مشكلة صاعدة إلى فوق باستمرار، كلها لها شكل هرمي تصل إلى قمتها ثم تنحني تحت إرادة الله ضابط الكل محب البشر، وتنزل إلى أسفل مرة أخرى.
وبهذا الإيمان في القيامة، وبهذا الرجاء في الانتصار على الموت وبهذا الإيمان في حل جميع المشاكل ننظر إلى عالمنا باستمرار بنظرة مضيئة، نظرة فرِحة، نظرة مستبشِرة، نشعر أن الله وراء جميع المشاكل وأنه سيحلها جميعًا...
وبهذا أيضًا ننظر إلى مشكلة الشرق الأوسط ونشعر أنها مهما تعقدت ومهما بدت صعبة لا بد أنها ستجد حلاً، وإنها وإن تصاعدت ووصلت إلى قمتها الهرمية نفرح ونُسر أنها لا بد ستنحني وتصل إلى حل، ونشعر أيضًا أن مبادرة السلام التي قام بها الرئيس السادات لا بد ستؤتي فاعليتها وسيتم الخير منها ولو بعد حين.
إن الحق لا بد أن ينتصر ولو طال الوقت، الحق لا بد أن ينتصر، ولو علَّقوا هذا الحق على الصليب وسمَّروه بالمسامير لا بد أن يقوم ويقوم في مجد وفي وقوة.
وبفرح القيامة وآمال القيامة ننظر إلى كل الوجود في استبشار ولا نعتقد أن هناك شيء صعب أمام القوة الإلهية التي لا تُحد، لا يوجد شيء صعب! يكفي أن نُسلم أمورنا لله، ويكفي أن نؤمن، ويكفي أن نعمل على قدر ما نستطيع، ولا بد أن الله سيقدم حلاً بل حلولاً
[1] عظة عيد القيامة، 29 أبريل 1978م
رسالة وقيم
رسالة وقيم[1]
يفرحني يا إخوتي الأحباء أن احتفل معكم بعيد قيامة السيد المسيح من بين الأموات.
لقد كانت قيامة المسيح هي عربونٌ للقيامةِ العامة التي فيها سيقوم كل إنسان في اليومِ الأخير.
القيامة عقيدة أساسية
والقيامةُ عقيدةٌ أساسيةٌ في جميع الأديان ولولاها ما يقوم دينٌ إطلاقًا...
فنحن نؤمنُ بقيامة الإنسان من الموت وبالحياة الأخرى وبالنعيم الأبدي للأبرار وعقوبة الأشرار. القيامة أعطت الإنسان قيمة معينة.. أعطت لحياته قيمة.. لو كان الإنسان تنتهي حياته عند القبر لأصبح مخلوقًا فانيًا زائلًا مثله مثل الحيوان تمامًا، ولكننا نشكر الله أنه بالقيامة أعطى لحياتنا امتدادًا كبيرًا إلى غير نهاية حيث يعيش الإنسان في حياة أخرى لا تنتهي إلى الأبدية.
القيامة غيرت حياة الإنسان
عندما خلق الله الإنسان خلقه حيًا ذا نفس حية، ولم يكن الموت فيه. الموت دخيل على العالم، والحياة هي الطبيعة الأصلية للإنسان، وبالقيامة يرد الله الإنسان إلى رتبته الأولى. بالقيامة تتثبت المبادئ الروحية، ويصبح الإنسان صاحب رسالة وصاحب قيم، لأنه مع القيامة توجد المسئولية وتوجد الدينونة... والإنسان يقوم من الموت لكي يقف أمام منبر الله العادل ليعطي حسابًا عن كل ما فعله بالجسد إن خيرًا وإن شرًا.. يعطي حسابًا ليس فقط عن أعماله، وإنما أيضًا عن أفكاره ونياته وحواسه، ومشاعره الباطنية. وما دام الإنسان سيقوم وسيعطي حسابًا عن كل شيء، ينبغي له إذًا أن يحيا حياة التدقيق والحرص، حياة البر والقداسة التي يقف فيها بلا خجل وبلا خزي وبلا خوف أمام الله وأمام الناس في اليوم الأخير.
لو لم تكن قيامة لساد الفساد في العالم ولانتشر الظلم وأكل الناس بعضهم بعضًا... لو لم تكن قيامة للأجساد وحياة أخرى لانتشرت المبادئ الأبيقورية التي تقول: لنأكل ونشرب فإننا غدًا نموت!! ولتهافت الإنسان على ملاذِ الدنيا، وعلى المادة!!
ولكن بالقيامة أصبحت هناك قيم، وهناك مبادئ، وهناك أهداف روحية يحيا الإنسان لها، وهناك الحياة الآخرة التي يسعى الإنسان إليها بهدفٍ واسعٍ كبير غير الأهداف القصيرة المؤقتة التي يعيش لها الناس.
وبالقيامة دخلت إلى الإنسان مشاعر الشجاعة والجرأة وعدم الخوف وأصبح الإنسان لا يخاف الموت، وهكذا على رجاء القيامة تقدَّم الشهداء إلى الموت غير هيّابين، لأنهم يعرفون أن الموت ليس نهاية حياتهم، ويرون أن بعد الموت امتدادًا واسعًا لحياتهم إلى غير نهاية.
على رجاء القيامة عاش الناس على هذا الرجاء، في فكرهم السماء، وفي فكرهم النعيم الأبدي، وفي فكرهم سعادة تفوق سعادة الدنيا، وهي ما عبر عنها الكتاب بقوله: "مَا لَمْ تَرَ عَيْنٌ، وَلَمْ تَسْمَعْ أُذُنٌ، وَلَمْ يَخْطُرْ عَلَى بَالِ إِنْسَانٍ: مَا أَعَدَّهُ اللهُ لِلَّذِينَ يُحِبُّونَهُ" (1كو2: 9).
والقيامةُ أعطت الناس عزاءً في حياتهم وتعويضًا أيضًا... فالذي لم ينل خيرًا على الأرض مثل لعازر المسكين له رجاء بالقيامة أنه ينال هذا الخير في الأبدية، والذي لم يحصل على عدلٍ على الأرض له رجاءٌ أن يحصل على هذا العدل في الأبدية، ومن هنا كانت محصلة حياة الإنسان على الأرضِ وفي السماء تشكلُ عدالة كاملة.
وهكذا رأينا أُناسًا يعيشون حياة النسك والزهد والتجرُّد من الماديات في العالم، لأنهم يعرفون تمامًا أن وراء هذا النسك والزهد توجد مكافأة أبدية تعوِّض كل شيء.
والقيامة أيضًا أعطت الناس رجاءً في شيءٍ آخر.. أنه سيجتمع جميع المحبين والأصدقاء معًا مهما فرَّقهم الموت. لو كان الموت نهاية الحياة لوقع الناس في فجيعة كلما فقدوا صديقًا أو قريبًا لهم إذ سوف لا يرونه فيما بعد، ولكن الناس كلما يودعون راحلاً عن الدنيا يودعونه على رجاء القيامة أنهم سيرونه هناك...
بل إن القيامة أعطت رجاءً أوسع من هذا ليس فقط في تلاقي الأحباء والأقرباء وإنما في تلاقي الأجيال كلها... حيث يلتقي الناس هناك في السماء مع أبينا آدم، وأبينا نوح، ومع الأنبياء ومع جميع الأبرار في جميع العصور، فتلتقي الأجيال كلها هناك في القيامة. ولولا القيامة ما كان مثل هذا اللقاء، ولعاش الناسُ في جيل محدود وزمن محدود لا يتعدونه.
القيامة تعطينا فكرة عن قوة الله
الله القوي المتناهي في قوته الذي يستطيع أن يعيد هذه الأجسام مرة أخرى بعد أن تتحلَّل، وبعد أن تتحوَّل إلى تراب، ويُعيدها في نوع من التجلي أجسادًا روحانية نورانية، لا يدركها فيما بعد لا تعب ولا مرض ولا موت.
والقيامة أيضًا تعطينا فكرة عن محبة الله للبشرية
الله الذي أحبنا حتى أنعم علينا بالخلود كما أحبنا من قبل وأنعم علينا بالوجود. الله الذي يحب الناس ويعطيهم هذا الخلود العجيب فيحيون في الأبدية في نعيم دائم.
ولكن هذه القيامة يا إخوتي هي فرحٌ للأبرار وهي خوفٌ ورهبة للمخطئين... وللأشرار الذين يخافون من القيامة لأنها تفتح بابًا لأبدية في عقاب الله. لذلك إذ نتذكَّر القيامة وإذ نتذكَّر هذا العمر الطويل غير المتناهي الذي ينتظرنا في الأبدية فلنستعد لهذه الحياة، بحياة البر وحياة الإيمان لكي نستحق هذا الخلود السعيد... لأنه لا يدخل في نعيم الله الأبدي إلا المؤمنون الذين عاشوا بالحب، وعاشوا بالسلام وعاشوا في خيرٍ ينشرون الخيرَ أينما وُجدوا وأينما حلّوا، ويبحثون عن سعادة غيرهم أكثر من سعادتهم الشخصية، هؤلاء الأنقياء الأبرياء الأبرار هم الذين يعيشون في النعيم الأبدي.
لنحيا في هذا البر ما دامت لنا أنفاس تتردَّد فينا.. ولنبذلُ كل طاقاتنا لكي نُسعِد الأجيال التي نعيشُ فيها.. ولكي نتمثل بالسيد المسيح الذي قيل عنه كان يجول يصنع خيرًا (أع10: 38)... وفي هذا العيد السعيد نرجو لبلادنا خيرًا وبركة من الله، ونرجو لجميع مواطنينا سعادة في الأرض ورضا عند الله.
[1] عظة عيد القيامة، 21 أبريل 1979م
الفصل الثاني – الثمانينات (1980- 1989م)
القيامة والأبدية[1]
إننا نحتفل في هذه الليلة بعيد القيامة المجيد.. والقيامة لها معنىً كبير في النفس وتأثيرُ في تغيير مجرى الحياة كلها.
نحن لا نحتفل فقط بقيامة السيد المسيح، إنما قيامة السيد المسيح من بين الأموات كانت باكورة، كانت عربونًا للقيامة العامة، أعطتنا فكرة أن السيد المسيح كان أقوى من الموت، وأعطتنا فكرة أننا جميعًا سنقوم في اليوم الأخير، فالموت ليس هو نهاية الحياة إنما هو بداية لحياة أفضل .. الحياة يا إخوتي أقوى من الموت بكثير.
القيامة غلبت الموت
عندما خلق الله الإنسان ترابًا من الأرض ونفخ فيه نسمة حياة فصار آدم نفسًا حية إنما كانت الحياة هي الأصل أما الموتُ فهو دخيلٌ على العالم، أتى نتيجة للخطية ولولا خطية أبوينا الأولين ما كان هناك موت على الإطلاق.
أما وقد أراد الرب أن يعيد الإنسان إلى رتبته الأولى فكان لا بد أن يرده إلى الحياة، لأن الحياة هي أصله وهكذا بالقيامة داس الرب على الموت، وانتصر على الموت، ولم يعد الموت في ظل القيامة يخيف أحدًا من الناس.
الذي يؤمن بالأبدية لا يخاف الموت، الذي يؤمن بالقيامة لا يخاف الموت ...
الموت عنده مجرد جسر ذهبي بين حياة وحياة..
والموت بمعناه المطلق لا يوجد إطلاقًا، لأنه إن كان الجسد يموت ويتحول إلى تراب، فالروح لا تموت.. الروح حيّةٌ باقيةٌ خالدة. فالإنسان لا يموت بالمعنى المطلق إنما هو ينتقل من مكان إلى مكان ومن وضع إلى وضع ومن حياة أرضية إلى حياة أفضل. القيامةُ أعطت للإنسان قيمةً كبرى، لأن حياته لا تقتصر على هذه السنوات القليلة التي يقضيها على الأرض، ويغادر الأرض!! حياةُ الإنسان ممتدة إلى الأبد، لأن الله خلق له نفسًا خالدة لا تموت.
إيماننا بالروح، إيماننا بالقيامة، إيماننا بالأبدية يجعل حياتنا لها هدف ليس هو الهدف الأرضي.
الاستعداد للأبدية
صدقوني إن كل حياتنا على الأرض ما هي إلا إعدادٌ للأبدية السعيدة التي ننتقل إليها.
والإنسان الذي يجهل هذه الحقيقة، ويجهل إعداد نفسه للأبدية هو إنسانٌ قد سهى عن نفسه وعن مستقبلها. حياتُنا على الأرض كلها مجرد فترة اختبار لإرادتنا هل نميل للخير أم لغيره؟!
وكما أن القيامة تعطي الإنسان فرحًا بحياة جديدة، فهي تعطيه أيضًا إحساسًا بالمسئولية، لأننا سنقوم من الموت، في ذلك الموضع الذي لا توجد فيه خطية. فيما بعد ينتهي الشر من العالم انتهاءً أبديًا.
نحن نفرح بالقيامة ونعمل لها أو نرجو أن نعمل لها. نعمل كل ما تستطيع فيه إرادتنا في شركة الروح القدس وبنعمة الله أن تعمله من أجل الخير، من أجل الآخرين قبل النفس، من أجل سعادة البشرية وسعادة كل أحد. الإنسان الذي يستعد لأبديته يبذل نفسه من أجل غيره كما بذل المسيح نفسه من أجل غيره.
الذي يستعد للقيامة وللأبدية يعيش بالروح وليس للجسد.
موت الروح، وموت الجسد
الذي يخاف الموت هو إنسانٌ يعيش في الجسد، أما الذي يعيش بالروح فإنه يعرف أن الروح لا تموت ولا تخاف الموت.
موت الروح؛ هو انفصال الروح عن الله ومن هذا وحده تخاف ومن غير ذلك لا خوف للروح.. لذلك فالإنسان المتصل بالله الملتصق به باستمرار لا يخاف مطلقًا، يعيش في فرح القيامة، يعيش في فرح الأبدية يعرف أن القبور هي للأجساد فقط، أما الأرواح فلا قبر لها.
الذين شاهدوا قيامة المسيح وقفوا أمام القبر الفارغ يمجدون القيامة التي انتصرت على الموت. أصبح الموت هزيلًا تافهًا في ظل القيامة.
المسيح داس على الموت.. كثيرون انتصر الموت عليهم، أما المسيح في قيامته فقد انتصر على الموت، وأعطانا روح الانتصار لكي ننتصر مثله، ونقوم مثله ونحيا في الأبدية معه.
مباركٌ هو الرب الذي سيقيم أجسادنا في اليوم الأخير، ويعطينا أن نعيش معه في الأبدية السعيدة، نسأله وهو القادر على كل شيء... أن يعطي بلادنا فرحًا ونعمة من عنده، وأن يعطي سلامًا للعالم كله.. وأن ينهي الحروب والكروب في كل موضع، وأن يعطي العالم حياة نقية مقبولة أمامه، وأن يبارك شعبه مصر ويبارك قادته وكل العاملين فيه.
[1] عظة عيد القيامة، 25 أبريل 1981م
أفراح القيامة
أفراح القيامة[1]
إن قيامة السيد المسيح تحمل الكثير من المعاني الروحية النافعة لقلوبنا وصلتنا بالله. ولهذا صارت ينبوعًا من التأملات يتجدَّد في كل عام حينما نحتفل بهذا العيد بعضها يختص بالسيد المسيح نفسه، وبقيامته. وبعضها يختص بالقيامة في معناها العام، وما توحيه من دروس...
فلقد قام المسيح. وفي قيامته كان أقوي من الموت.
لأنه ما كان ممكنًا للموت أن ينتصر عليه، إذ فيه كانت الحياة، وكان يحمل في ذاته قوة قيامته. لقد قام المسيح. وكانت قيامته هي الأولى من نوعها. لأنه الوحيد بين الذين قاموا من الأموات، الذي قام بذاته ولم يُقمه أحد. لذلك تغنّى الرسول بقيامة المسيح قائلاً "لأَعْرِفَهُ، وَقُوَّةَ قِيَامَتِهِ، وَشَرِكَةَ آلاَمِهِ.." (في3: 10).
لقد كانت قيامة المسيح دليلاً على قوته، ودليلاً أيضًا على صدقه.
لأنه سبق فبشَّر بهذه القيامة قبل موته. لذلك كان زعماء اليهود يخشون تلك القيامة، ويريدون تعطيلها بكافة الطرق، حتى لا تثبُت طريق المسيح الذي حاربوه. فذهبوا إلى بيلاطس، وطلبوا منه أن يختم القبر، ويوضع عليه حجر كبير، ويحرسه بحراس. وفعل ذلك. وقام المسيح، وخرج من القبر المغلق. وإذا بالإجراءات التي اتُّخذت ضد القيامة، أصبحت دليلاً عليها وشاهدًا وإثباتًا، إذ كيف يبررون وجود القبر الفارغ، مع وجود الحراس والأختام...؟
كان المسيح أقوى من الموت. وكان أقوى من كل قوى البشر التي تقتل وتميت. وقوته في قيامته، أثبتت أنه لم يكن ضعيفًا حينما أسلم ذاته للموت، بإرادته، من أجلنا.
وفي قيامته أعطى البشرية نعمة القيامة وعربونها.
نعم، لقد داس الموت منتصرًا، لكي يقودنا أيضًا في موكب نصرته، ولكي تصير قيامة للبشرية كلها. وبهذه القيامة وهبنا عدم الخوف من الموت، حتى يقول رسوله فيما بعد: " أَيْنَ شَوْكَتُكَ يَا مَوْتُ؟" (1 كو55:15). لقد قدَّس الطبيعة البشرية القابلة للموت، وجعلها صالحة لاستقبال القيامة. ووعد بهذه القيامة للجميع. بل أعطانا عربون القيامة بقيامته، لأنه صار باكورة للراقدين.
وبقيامته، أعطى الموت معنىً آخر لا يُخيف.
أصبح الموت مجرد جسر، يعبر به الإنسان إلى الأبدية السعيدة، إلى حياة أكثر جمالاً، وأكثر نقاوة. لم يعد الموت نهاية للحياة، بل صار بداية لأجمل حياة، أو بداية للحياة الحقيقية الفُضلى. وبهذا الإيمان وجدنا الشهداء في كل جيل يتقدمون إلى الموت فرحين، ويواجهونه بشجاعة عجيبة، كل ذلك لإيمانهم بالقيامة.
والبشر أيضًا يحتملون تعب الحياة على رجاء القيامة. وكل إنسان يحمل صليبه فرحًا في طريق الرب، لأن صليبه سيتحوَّل إلى إكليل في تلك الحياة الدائمة.
إن الإيمان بالقيامة. يرفع من قيمة الإنسان، ويعطي فكرة عن خلوده.
إذ أن حياته لها امتداد آخر، وراء هذا العالم. قصة الإنسان على هذه الأرض قصيرة جدًا أما حياته في الأبدية فهي قصة لا تنتهي، تبدأ بالقيامة...
لذلك كان المؤمنون في كل جيل يعدون أنفسهم لتلك الحياة التي لا تنتهي، ويفرحون بالإنطلاق إليها، كما فرح سمعان الشيخ وصلّى من أجل ذلك، وكما اشتهى بولس الرسول قائلاً: "لِيَ اشْتِهَاءٌ أَنْ أَنْطَلِقَ وَأَكُونَ مَعَ الْمَسِيحِ، ذَاكَ أَفْضَلُ جِدًّا" (في1: 23).
وكما أن القيامة ترفع من قيمة الإنسان في خلوده، كذلك ترفع من قيمته في نوعية الجسد الذي يقوم به.
فستكون القيامة بأجساد نورانية، أجساد روحانية، قد تخلَّصت من ثقل المادة، ولم تعد لها صلة بها. ستكون أجسادًا ممجدة، على شبه الجسد الذي قام به المسيح، أجسادًا لا تجوع ولا تعطش ولا تتعب، ولا تمرض ولا تنحل ولا تموت، ولا تشتهى ولا تتصارع مع الروح.
بل ما أجمل قول الكتاب إننا سنكون كَمَلاَئِكَةِ اللهِ فِي السمَاءِ (مت22: 30).
حقًا، ما أكثر أفراح القيامة
الفرحة الأولى، هي الانتصار على الموت، إذ لم يعد له سلطان على الإنسان.
الفرحة الثانية، هي التخلُّص من الجسد المادي، ولبس الطبيعة الجديدة الروحانية التي تتجلّى بها البشرية في القيامة، وتتكلل بها.
الفرحة الثالثة، هي الدخول إلى الملكوت في أورشليم السمائية، في كورة الأحياء، والتمتع بعشرة الملائكة والقديسين.
والفرحة الرابعة، هي التمتع بما لم تره عين، ولم تسمع به أذن، ولم يخطر على قلب بشر، ما أعده الله لمحبّي اسمه القدوس.
أما الفرحة الكبرى، التي لا يعادلها أي فرح آخر، فهي متعة اللقاء بالله، والعشرة الدائمة معه. هذا هو النعيم الأبدي الذي تقودنا إليه القيامة.
إن القيامة هي أمل البشرية، لكي تتحرَّر من هذا الجسد الفاني، ولكي تتحرَّر من هذا العالم الآثم، ولكي تحيا في عشرة الله.
وكما قال الرسول عن القيامة: " إِنْ كَانَ لَنَا فِي هذِهِ الْحَيَاةِ فَقَطْ رجاء في المسيح، فَإِنَّنَا أَشْقَى جَمِيعِ النَّاسِ"(1كو15: 19). ولكن شكرًا للرب الذي وهبنا نعمة القيامة وبهجتها.
بقي أن نأخذ فاعلية القيامة في حياتنا ونعرف بركاتها ونفرح بها. فما هي المعاني الروحية التي يمكن أن نأخذها من القيامة؟ وكيف تكون لهذه المعاني فاعلية فينا؟
البركة الأولى التي نأخذها من القيامة، هي أنه لا مستحيل.
إن الناس يبذلون جهودهم في كل مجال. ولكنهم إن وقفوا أمام الموت، يكفّون تمامًا عن العمل والجهد، إذ لا فائدة. ولكن المسيح في قيامته من الموت، وفي إقامته لآخرين مثل لعازر، وابن أرملة نايين، وابنة يايرس، إنما قد حطم هيبة الموت، وأرانا أنه لا مستحيل، وأن الله قادر على كل شيء، وأن كل شيء مستطاع للمؤمن (مر9: 23).
إن القيامة قد أعطت البشر قوة جبارة. وإذ قد تحطَّم أقوى عدو أمامهم، الذي هو الموت، تحطَّمت أمامهم أيضًا جميع العقبات. واستطاع إنسان مثل بولس أن يقول: "أَسْتَطِيعُ كُلَّ شَيْءٍ فِي الْمَسِيحِ الَّذِي يُقَوِّينِي" (في4: 13).
ولا شك أن القيامة تعطي الناس فضيلة الرجاء.
الرجاء في عمل الرب، الذي استطاع أن يقول للعازر: "هَلُمَّ خَارِجًا"، فيخرج من قبره بعد أربعة أيام من موته، وبعد أن قيل عنه: "قَدْ أَنْتَنَ" (يو11). بل إن الذي يستطيع أن يقيم الجسد، بعد تحوُّل الجسد إلى تراب، لا شك أنه قادر أن يفعل كل شيء مهما كان صعبًا. ولذلك فإن القيامة تعلِّم الناس الرجاء وعدم اليأس، في كل عمل يعملونه، وفي كل طلبة يطلبونها من الرب.
من بركات القيامة الفرح بالانتصار. لأنه ما أجملها صورة، أن نرى السيد المسيح منتصرًا على الموت.
والذي ينتصر على الموت، لا شك أنه يستطيع أن ينتصر على أي شيء آخر، بل هو أيضًا يشيع روح النصرة في الآخرين.
المسيح الذي احتمل صنوف الآلام والاِتهامات المُرَّة من أعدائه، حتى الموت، يقوم الآن منتصرًا، ويفرح به تلاميذه، ويكرِزوا ببشرى قيامته لكل أحد. وتعطيهم القيامة ثقة ما كانت لهم من قبل. وبتلك الثقة يواجهون العالم كله بالإيمان. وفي قلوبهم شهوة واحدة، أن يكونوا مع المسيح، بالقيامة..
والقيامة تعطي حياتنا على الأرض معنىً آخر، فلا تصير مقصودة لذاتها، وإنما هي مجرد ممهِّدة لحياة أخرى.
لو لم تكن قيامة، لتهافت الناس على هذه الحياة الأرضية، وغرقوا في شهواتها كالأبيقوريين الذين قالوا: لنأكل ونشرب، لأننا غدًا نموت.. ولكن القيامة علَّمت الناس الزهد والتعفف، وعدم التعلق بهذا العالم المادي الذي يفنى ويبيد. وعلَّمتهم الحِرص في التصرُّف، لكي يكونوا مستحقين لبركة الحياة الأخرى بعد القيامة.
وبهذا كانت القيامة هي الدافع الأكبر للحياة بالروح.
إذ يشعر الناس بها أن فيهم عنصرًا خالدًا غير مادي، أسمى من الجسد بما لا يقاس، وبه صارت للإنسان مكانة سامية بين باقي المخلوقات على الأرض.. وهكذا أصبح الإنسان يشتاق إلى اللانهائي، وإلى غير المحدود. ودخل الطموح إلى حياته، ولكنه طموح روحي يتفق وسمو الروح الذي فيه.
وبالقيامة أصبح للإنسان هدف، وهدف كبير.
وصارت الأبدية هي هدف الحياة. وتصاغر العالم كله أمام الهدف الروحي الذي للإنسان كقول المسيح: "لأَنَّهُ مَاذَا يَنْتَفِعُ الإِنْسَانُ لَوْ رَبحَ الْعَالَمَ كُلَّهُ وَخَسِرَ نَفْسَهُ؟ أَوْ مَاذَا يُعْطِي الإِنْسَانُ فِدَاءً عَنْ نَفْسِهِ؟"(مت16: 26). تحول هدف الإنسان إذًا إلى خلاص نفسه. وفي سبيل ذلك يكافح ذاته من الداخل، ويكافح كل الصعاب التي تأتيه من الخارج، مثبِّتًا رجاءه في الأبدية السعيدة، شاعرًا أنه يعيش غريبًا على الأرض، نزيلاً مثل جميع آبائه، مركِّزًا آماله في السماء.
إننا نفرح في قيامة السيد المسيح، أنه في قيامته اهتمّ بتلاميذه.
ظهر لهم أكثر من مرة، وثبت إيمانهم، وقوّى روحهم المعنوية. ظهر لبطرس وأفرحه بعد نكرانه وبكائه. وظهر لتوما وأزال منه الشك. وظهر لمريم المجدلية وأعطاها رسالة لتلاميذه، ومنح للمرأة في شخصها مكانة وعملاً. وقضى المسيح مع تلاميذه أربعين يومًا بعد القيامة يقوِّيهم ويشجِّعهم ويعدَّهم للرسالة العظيمة التي يحملونها إلى العالم.
وهكذا صارت قيامته إعدادًا للعمل العظيم في نشر الإيمان.
يا إخوتي: إن الموت من أجل الآخرين يقدَّم صورة للحب العجيب. والقيامة تقدِّم صورة للقوة العجيبة. وهذا ما فعله السيد المسيح: الذي أعطى مثالاً عجيبًا للبذل والحب والفداء في يوم الجمعة. كما أعطى مثالاً عجيبًا للقوة في فجر الأحد. وقدم مثالاً عجيبًا للاهتمام والرعاية في فترة الأربعين يومًا التي بعد للقيامة. مباركٌ هو في كل ما فعله لأجلنا. لهذا كله نهنئكم بهذا العيد العظيم ونرجو لكم بركته وفاعليته.
[1] مجلة مدارس الأحد، يونيو 1983م، ذُكر أنها الرسالة البابوية المرسلة بمناسبة عيد القيامة المجيد
العبور
العبور[1]
إن قيامة السيد المسيح تحمل الكثير من المعاني الروحية النافعة لقلوبنا وصلتنا بالله، ولهذا صارت ينبوعًا من التأملات يتجدد في كل عام حينما نحتفل بهذا العيد، بعضها يختصّ بالسيد المسيح نفسه وبقيامته وبعضها يختص بالقيامة في معناها العام، وما توحيه من دروس.
القيامة والحياة الأبدية..
لا شك أن الحياة مع الله التي هي الحياة الأبدية.. هي بركة من بركات القيامة المجيدة، التي كانت عند الله الآب، واُظهرت لنا بواسطة المسيح.. لذلك أبناء الله.. أبناء القيامة.. يقدروا أن يعيشوا الحياة الأبدية، ويذوقوا عربون ملكوت السموات.
فمشكلة الإنسان العادي أن إمكانياته ضعيفة.. غير قادر أن يعيش الحياة التي تليق به.. فالحياة أمامه سراب بعيد، يشتاق أن يصل إليه، لكنه لا يستطيع أن يمارسه.
والمشكلة الثانية أمام الإنسان أن الموت أمامه باستمرار.. كمصير لا مفرّ منه.. مصير حتمي لا بد منه.
فالإنسانية - أيها الأحباء - كانت محتاجة لعملية اختراق لهذا الحاجز.. كانت محتاجة لعملية عبور من الموت إلى الحياة. لكي تتذوق طعم الحياة فجسم البشرية كله مضروب، والموت يعمل فيه باستمرار.
لذلك الاِنتصار على الموت، وإمكانيات الحياة الأبدية.. كان من الموضوعات الصعبة التنفيذ قبل قيامة المسيح له المجد، ولكن بعد القيامة أصبحت الحياة الأبدية حق مكتسب لكل مسيحي، وأصبح المسيح القائم من الأموات دليل حي ملموس على إمكانية الحياة الأبدية.. لذلك قال يوحنا الحبيب: "رَأَيْنَاهُ بِعُيُونِنَا، الَّذِي شَاهَدْنَاهُ، وَلَمَسَتْهُ أَيْدِينَا" (1يو1: 1).. أي الذي شاهدناه ولمسناه وأحسسنا به حقيقة كائنة في وسطنا..
ظهور المسيح لتلاميذه..
فالقيامة كانت حضور حقيقي للحياة الأبدية في وسط الكنيسة.. لذلك لا يستطيع أحد أن يقول: "كيف أعرف أنه توجد حياة بعد الموت، أو من يضمن لي الحياة الأبدية بعد الموت؟!"..
كل هذه الأسئلة أجاب عليها المسيح عمليًا.. فقد ظهر للتلاميذ أربعين يومًا، يتكلم معهم عن الأمور المختصة بملكوت الله.
لذلك يقول سفر الأعمال: "اَلَّذِينَ (أي التلاميذ) أَرَاهُمْ أَيْضًا نَفْسَهُ حَيًّا بِبَرَاهِينَ كَثِيرَةٍ (أي أنه أكل أمامهم لكي يؤكد لهم أنه ليس خيال)، بَعْدَ مَا تَأَلَّمَ، وَهُوَ يَظْهَرُ لَهُمْ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، وَيَتَكَلَّمُ عَنِ الأُمُورِ الْمُخْتَصَّةِ بِمَلَكُوتِ اللهِ" (أع1: 3).
ففي الأحد الأول (القيامة) ظهر لتلاميذه وأرهم أثر المسامير في يديه والحربة في جنبه (يو20: 20)، والأحد الذي يليه ظهر لتوما وقال له: "هَاتِ إِصْبِعَكَ إِلَى هُنَا وَأَبْصِرْ يَدَيَّ، وَهَاتِ يَدَكَ وَضَعْهَا فِي جَنْبِي، وَلاَ تَكُنْ غَيْرَ مُؤْمِنٍ بَلْ مُؤْمِنًا، أَجَابَ تُومَا وَقَالَ لَهُ: «رَبِّي وَإِلهِي!»" (يو20: 27-28).
ومرة ثالثة ظهر على بحر الجليل، وأحضر للتلاميذ سمكًا وخبزًا وقال لهم: "قَدِّمُوا مِنَ السَّمَكِ الَّذِي أَمْسَكْتُمُ الآنَ".. قَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: «هَلُمُّوا تَغَدَّوْا!»" (يو21: 10- 12).
ثم ظهر مرة رابعة لتلميذي عمواس ومشى معهم وفسر لهم الأمور المختصة به في جميع الكتب، ثم دخل معهم المنزل وبارك الخبز وناولهما (لو24: 13- 32)..
ثم ظهر لبطرس (سمعان) (لو24: 34).. وظهر لأكثر من خمسمائة أخ الذين قال عنهم بولس الرسول: "أَكْثَرُهُمْ بَاق إِلَى الآنَ. وَلكِنَّ بَعْضَهُمْ قَدْ رَقَدُوا" (1كو15: 6). أي أنهم في زمن بولس الرسول كان بعض هؤلاء الخمسمائة شاهد على قيامة الرب ما زالوا على قيد الحياة.
وكان المسيح في كل هذه الظهورات يكلم التلاميذ عن الأمور المختصة بملكوت الله. أي بالحياة الأبدية. لأن ظهوره معهم أكد حقيقة الحياة الأبدية، وإمكانية تنفيذها.. فالرجاء أصبح حقيقة ملموسة بالقيامة.
وحسنًا قال بولس الرسول لتلميذه تيموثاوس: "وَأَمْسِكْ بِالْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ الَّتِي إِلَيْهَا دُعِيتَ أَيْضًا" (1تي6: 12).. لأن التمسك بالحياة الأبدية يستهين بالموت وبالآلام، وبزينة هذا العالم الحاضر.
وأفضل مثل لذلك صنعه المسيح أمام الجميع، فتحمل الآلام بكل أنواعها ليعطينا المثل والقدوة الحسنة.. ضُرب بالسياط، وسُمر على الصليب وأسلم الروح أمام الكل، ودُفن في القبر، وذاق الموت.. وقام من الأموات وقال لتوما: تعال وضع يدك في جنبي لتلمس الجرح بنفسك.
هل رأيتم مرة مريض يعمل عملية في صدره مثلًا.. ثم قام من على منضدة العمليات بدون خياطة الجرح، وسار في الطريق وصدره مفتوح؟! وعندما يقابله أي إنسان يقول له: "ضع يدك في صدري"!
أين شوكتك يا موت؟
كان في استطاعت المسيح أن يتفادى الآلام.. ويتفادى الصليب والموت ولكن هذا التصرف يكون في منتهى الضعف، والهروب من الآلام والموت ولكنه قَبِلَ الموت بشجاعة كاملة.. متحديًا شوكة الموت "أَيْنَ شَوْكَتُكَ يَا مَوْتُ؟ أَيْنَ غَلَبَتُكِ يَا هَاوِيَةُ؟" (1كو15: 55).
ولكي نتحرر نحن من سلطان الموت. قَبِلَ المسيح الموت.. أعطى فرصة كاملة لسلطان الموت.. فعندما جاء اليهود ليقبضوا عليه، قال لتلاميذه: "هُوَذَا السَّاعَةُ قَدِ اقْتَرَبَتْ، وَابْنُ الإِنْسَانِ يُسَلَّمُ إِلَى أَيْدِي الْخُطَاةِ" (مت26: 45).. أعطاهم فرصة كاملة ليعملوا ما يريدوا.. ولكنهم لم يستطيعوا أن يفعلوا أكثر مما هو مكتوب؛ ضرب، وجلد، واستهزاء، وإكليل شوك، ومسامير وفي اللحظة المعينة أسلم هو الروح بنفسه "يَا أَبَتَاهُ، فِي يَدَيْكَ أَسْتَوْدِعُ رُوحِي. وَلَمَّا قَالَ هذَا أَسْلَمَ الرُّوحَ" (لو23: 46).
وحتى بعدما مات المسيح ودُفن في القبر طلبوا من بيلاطس أن يضع حراسة على القبر.. "ما أنتم عملتم كل حاجة بالجسد.. لكن ماذا تريدون من إنسان ميت"؟!
"فَقَالَ لَهُمْ بِيلاَطُسُ: عِنْدَكُمْ حُرَّاسٌ. اِذْهَبُوا وَاضْبُطُوهُ كَمَا تَعْلَمُونَ، فَمَضَوْا وَضَبَطُوا الْقَبْرَ بِالْحُرَّاسِ وَخَتَمُوا الْحَجَرَ" (مت27: 65، 66).
وهذه أول مرة نسمع عن وضع حراسة على ميت. أنتم خائفين من الميت؟ ممكن الناس تخاف من شخص حي قوي.. ولكن تخاف من الميت.. ولكن المسيح كان مرهبًا لمملكة الظلم.. حتى وهو جسد بلا حراك.
وبذلك سمح المسيح للموت (الشيطان) أن يأخذ أقصى مدى ممكن له وكل الأسلحة التي يمكن استخدامها في عملية التخلص من الجسد، ولكنه لم يسمح بالروحِ أن تُمس، لأنه ليس للشيطان سلطان على الروحِ مطلقًا.
ليس لك فيَّ شيء..
جاء الشيطان للمسيح ليستلم روحه..
فسأله المسيح: ماذا تريد؟
فقال الشيطان: أريد الغنيمة التي أملكها.. كل نفس من نسل آدم ملك لي إنها أخطات.. عندي نفوس كثيرة موجودة في الجحيم.. لا توجد نفس واحدة تفلت من يدي.
ولكن المسيح أسلم نفسه وروحه لله كما ذكرنا، وليس للشيطان لأنه بلا خطية.. ولذلك قال لتلاميذه: "رَئِيسَ هذَا الْعَالَمِ (الشيطان) يَأْتِي وَلَيْسَ لَهُ فِيَّ شَيْءٌ" (يو14: 30)، أي أنه لا سلطان للشيطان على المسيح، بل بالعكس قبض المسيح على الشيطان وقيده ألف سنة بالصليب.
ونزلت روح المسيح إلى الجحيم مكان انتظار الأرواح، وأطلق المأسورين والمقبوض عليهم من الأرواح الخيرة؛ أرواح الأنبياء والصديقين والقديسين الذين رقدوا على رجاء القيامة، ونقلهم إلى الفردوس.. لذلك يقول بولس الرسول: "سَبَى سَبْيًا وَأَعْطَى النَّاسَ عَطَايَا.. نَزَلَ أَيْضًا أَوَّلاً إِلَى أَقْسَامِ الأَرْضِ السُّفْلَى... اَلَّذِي نَزَلَ هُوَ الَّذِي صَعِدَ أَيْضًا فَوْقَ جَمِيعِ السَّمَاوَاتِ" (أف4: 8- 10).
وقع الشيطان في مصيدة، لأنه اعتقد أنه يستطيع أن يقبض على روح المسيح ويودعها في الجحيم، وتكون تحت سلطانه.. ولكن هل يقوي الظلام على النور؟! إن شعاع بسيط يستطيع أن يبدد ظلمة المكان.. فما بالنا بالنور العظيم "النُّورُ يُضِيءُ فِي الظُّلْمَةِ، وَالظُّلْمَةُ لَمْ تُدْرِكْهُ" (يو1: 5)؟!
فلم يستطع الموت أن يبتلع الحياة. ولكن "ابْتُلِعَ الْمَوْتُ إِلَى غَلَبَةٍ" (1كو15: 54).
كما يقول بولس الرسول.. واستطاع المسيح بموته وقيامته أن يكسر شوكة الموت، وأن ينزعنا من قبضة الشيطان.. لذلك يقول بولس الرسول: "فَإِذْ قَدْ تَشَارَكَ الأَوْلاَدُ فِي اللَّحْمِ وَالدَّمِ اشْتَرَكَ هُوَ (أي المسيح) أَيْضًا كَذلِكَ فِيهِمَا، لِكَيْ يُبِيدَ بِالْمَوْتِ ذَاكَ الَّذِي لَهُ سُلْطَانُ الْمَوْتِ، أَيْ إِبْلِيسَ، وَيُعْتِقَ أُولئِكَ الَّذِينَ خَوْفًا مِنَ الْمَوْتِ كَانُوا جَمِيعًا كُلَّ حَيَاتِهِمْ تَحْتَ الْعُبُودِيَّةِ" (عب2: 14، 15).
الثمرة الشهية...
المسيح عمل نفسه طُعم للشيطان.. وكما استخدم الشيطان شجرة معرفة الخير والشر كطُعم لإسقاط آدم.. هكذا استخدم المسيح شجرة الصليب كطُعم للشيطان.. قدم نفسه ككرمة شهية للأكل. ألم يقل يومًا "أَنَا الْكَرْمَةُ الْحَقِيقِيَّةُ وَأَبِي الْكَرَّامُ" (يو15: 1).
وهكذا استخدم الشيطان شجرة معرفة الخير والشر لإسقاط الإنسان وكانت شهية للنظر كقول الكتاب: "فَرَأَتِ الْمَرْأَةُ أَنَّ الشَّجَرَةَ جَيِّدَةٌ لِلأَكْلِ، وَأَنَّهَا بَهِجَةٌ لِلْعُيُونِ، وَأَنَّ الشَّجَرَةَ شَهِيَّةٌ لِلنَّظَرِ.." (تك3: 6).
فالمسيح له المجد أخفى لاهوته عن الشيطان في الناسوت الذي أخذه منا كما أن الشيطان أخفى نفسه في الحية، وجعل الحية هي التي تتكلم مع حواء "وَكَانَتِ الْحَيَّةُ أَحْيَلَ جَمِيعِ حَيَوَانَاتِ الْبَرِّيَّةِ" (تك3: 1).
وأظهر المسيح في اللحظات الأخيرة ضعفًا بشريًا شديدًا، لكي تكون الثمرة شهية للشيطان لكي يبتعلها، فأظهر عطشه وقال: "أَنَا عَطْشَانُ فسقوه خلا" (مت27: 48). وتركهم يستهزئون به ويضربوه، حتى حبكت المؤامرة وتوالت الأحداث، حتى اقترب الشطيان ليلتهم هذه الثمرة الشهية للأكل (المسيح المصلوب).. فخاب ظنه، وصُعق عندما تمَّ الفداء.. وبهذا انتصر المسيح على الشيطان.. واسترد النفوس التي اغتصبها الشيطان لنفسه.
هذه النفوس كانت أصلًا ملكًا لله الذي خلقهًا.. ولكن الشيطان أسقطها بالخطية، وباع الإنسان نفسه للشيطان، وأصبح ملكًا له.. فجاء المخلص لكي يسترد هذه النفوس مرة أخرى ويضمها لمملكة الله، لذلك يقول بطرس الرسول: "عَالِمِينَ أَنَّكُمُ افْتُدِيتُمْ.. بَلْ بِدَمٍ كَرِيمٍ، كَمَا مِنْ حَمَل بِلاَ عَيْبٍ وَلاَ دَنَسٍ، دَمِ الْمَسِيحِ" (1بط1: 18، 19).
فالمسيح انتصر على الشيطان وقام والقبر مغلق، والأختام موضوعة على الحجر.. وترك الأكفان داخل القبر دليلًا على قيامته من الأموات.. واسترد نفوس المسبيين بدمه الكريم الذي سفك على الصليب.
من الذي دحرج الحجر؟
يعتقد الكثيرون أن الملاك دحرج الحجر قبل قيامة المسيح، وهناك صور كثيرة للقيامة توضح قيامة المسيح والحجر مُدحرج والحراس منزعجين من نور القيامة ولكن هذا الاعتقاد خاطئ.. فالكتاب يقول أن المسيح قام قبل مجيء الملاك، وأن الحراس ارتعدوا من منظر الملاك، فالقديس متى الرسول يقول: "وَبَعْدَ السَّبْتِ، عِنْدَ فَجْرِ أَوَّلِ الأُسْبُوعِ، جَاءَتْ مَرْيَمُ الْمَجْدَلِيَّةُ وَمَرْيَمُ الأُخْرَى لِتَنْظُرَا الْقَبْرَ، وَإِذَا زَلْزَلَةٌ عَظِيمَةٌ حَدَثَتْ، لأَنَّ مَلاَكَ الرَّبِّ نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ وَجَاءَ وَدَحْرَجَ الْحَجَرَ عَنِ الْبَابِ، وَجَلَسَ عَلَيْهِ، وَكَانَ مَنْظَرُهُ كَالْبَرْقِ، وَلِبَاسُهُ أَبْيَضَ كَالثَّلْجِ، فَمِنْ خَوْفِهِ ارْتَعَدَ الْحُرَّاسُ وَصَارُوا كَأَمْوَاتٍ.. فَأَجَابَ الْمَلاَكُ وَقَالَ لِلْمَرْأَتَيْنِ: لاَ تَخَافَا أَنْتُمَا، فَإِنِّي أَعْلَمُ أَنَّكُمَا تَطْلُبَانِ يَسُوعَ الْمَصْلُوبَ، لَيْسَ هُوَ ههُنَا، لأَنَّهُ قَامَ كَمَا قَالَ! هَلُمَّا انْظُرَا الْمَوْضِعَ الَّذِي كَانَ الرَّبُّ مُضْطَجِعًا فِيهِ" (مت28: 1- 6، لو24: 1- 6، يو20: 1- 17، مر16: 8).
فالذي حدث هو أن المريمات أتين إلى القبر ليضعوا الطيب على جسد المسيح لأنهم لم يستطيعوا وضعه يوم الجمعة.. فبعد ما انزلوا جسد المسيح من الصليب كان الوقت ضيق، فلم يغسلوه كالعادة، ولم يضعوا الطيب والمر والعود والمواد المعروفة للتكفين، فقد ضُربت الأبواق معلنة بدء السبت (اليوم التالي كان يبدأ من الغروب حسب شريعة اليهود) وعندما تضرب الأبواق لا يستطيع أحد أن يعمل شيئًا، وإلاَّ يكون مخالفًا للشريعة، ويستحق الموت.
فقد لفوا المسيح في الأكفان بسرعة، ووضعوا بجواره المولود الخاصة بالتكفين كما يقول القديس لوقا: "وَإِذَا رَجُلٌ اسْمُهُ يُوسُفُ، وَكَانَ مُشِيرًا وَرَجُلاً صَالِحًا بَارًّا.. هذَا تَقَدَّمَ إِلَى بِيلاَطُسَ وَطَلَبَ جَسَدَ يَسُوعَ، وَأَنْزَلَهُ، وَلَفَّهُ بِكَتَّانٍ، وَوَضَعَهُ فِي قَبْرٍ مَنْحُوتٍ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ وُضِعَ قَطُّ، وَكَانَ يَوْمُ الاسْتِعْدَادِ وَالسَّبْتُ يَلُوحُ وَتَبِعَتْهُ نِسَاءٌ كُنَّ قَدْ أَتَيْنَ مَعَهُ مِنَ الْجَلِيلِ، وَنَظَرْنَ الْقَبْرَ وَكَيْفَ وُضِعَ جَسَدُهُ، فَرَجَعْنَ وَأَعْدَدْنَ حَنُوطًا وَأَطْيَابًا. وَفِي السَّبْتِ اسْتَرَحْنَ حَسَبَ الْوَصِيَّةِ" (لو23: 50- 56، مر15: 45- 47، مت 27: 57- 61).
وبعد ذلك أتى اليهود وتأكدوا من وجود الجسد داخل القبر، ثم ختموا بالأختام، ووضعوا الحراس على القبر.
وطريقة الرومان في وضع الحراس هي وضع أربع أرباع من المعسكر يقسموا الليل أربع ورديات، كل وردية تأخذ ثلاث ساعات.
والمريمات أتين باكر الأحد ومعهن الأطياب لتكفين المسيح. لأنهن شعرن أن المسيح لم يُكفن كما ينبغي، لذلك يقول الكتاب: "ثُمَّ فِي أَوَّلِ الأُسْبُوعِ، أَوَّلَ الْفَجْرِ، أَتَيْنَ إِلَى الْقَبْرِ حَامِلاَتٍ الْحَنُوطَ الَّذِي أَعْدَدْنَهُ، وَمَعَهُنَّ أُنَاسٌ" (لو24: 1).
والمسيح قد تنبأ بذلك عندما قال: "اتْرُكُوهَا! لِمَاذَا تُزْعِجُونَهَا؟ قَدْ عَمِلَتْ بِي عَمَلاً حَسَنًا!... قَدْ سَبَقَتْ وَدَهَنَتْ بِالطِّيبِ جَسَدِي لِلتَّكْفِينِ" (مر14: 6- 8).
وهذه المرأة جاءت في بيت سمعان الأبرص ومعها قارورة طيب كثير الثمن (ناردين خالص).. فكسرت القاروة وسكبته على رأس المسيح وذلك قبل عيد الفصح بيومين، كما يذكر القديس مرقس الرسول (مر14: 1- 3).
فالمسيح قام والحجر كان موضوعًا، ودخل العلية والأبواب مغلقة، وولد من العذراء وبتوليتها لم تُمس.. ولكن الذي دحرج الحجر هو رئيس الملائكة ميخائيل، الذي جلس عليه علامة الانتصار.. وسَهّل مهمة المريمات لدخول القبر، والتأكد من قيامة المسيح، وكذلك بالنسبة للرسل بطرس ويوحنا (يو20: 3) اللذان أتيا إلى القبر ليشاهدا القبر الفارغ.. علامة القيامة.
القبر الفارغ..
فالقبر الفارغ شهادة للأجيال كلها عن قيامة المسيح، وانتهاء سلطان الموت إلى الأبد.. والأكفان الموضوعة شهادة أيضًا للمسيح القائم من الأموات.
والقبر كان جديدًا لم يُدفن فيه أحد قط.. لأن المسيح كان بكرًا في ولادته، والقبر أيضًا لا بد أن يكون بكرًا أي لم يدفن فيه أحد قبل ذلك.
وإذا كان المسيح قد دُفن في قبر قديم مدفون فيه أحد قبله، كان يختلط الأمر على الناس هل الذي قام هو المسيح أم غيره؟
لكن كل شيء كان بترتيب إلهي.. حتى القبر لم يكن ملكًا للمسيح بل ملك يوسف الرامي.. لأن المسيح غير مستحق للموت، لكي يكون له قبر خاص به، بل نحن المستوجبين حكم الموت.. فهو مات لأجلنا "هو أخذ ما لنا، وأعطانا الذي له".
أي أخذ الموت الذي لنا وأعطانا الحياة التي له.. أخذ جسدنا للموت، وسيعطينا جسدًا غير قابل للموت أو الفساد كما يقول الرسول: "فإنه سيبوق فيقام الأموات عديمي فساد، ونحن نتغير.. "لأَنَّ هذَا الْفَاسِدَ (الجسد الفاني) لاَ بُدَّ أَنْ يَلْبَسَ عَدَمَ فَسَادٍ، وَهذَا الْمَائِتَ يَلْبَسُ عَدَمَ مَوْتٍ" (1كو15: 53).
[1] عظة عيد القيامة بالسجل التاريخي لقداسة البابا شنوده الثالث، الكتاب الثالث، 21 ابريل 1984م
التمتع بالقيامة
التمتع بالقيامة[1]
أريد أن أهنئكم جميعًا بعيد قيامة السيد المسيح. وفي الواقع إن هذا العيد له مكانته الكبيرة في الكنيسة لدرجة أنه خلال الخمسين يومًا التحية الكنسية التي يوجهها شخص لآخر هي عبارة: "اخرستوس آنستي" أي المسيح قام، فيرد عليه "آليثوس آنستي" أي بالحقيقة قام.
ويقضي المسيحيون فترة خمسين يومًا كاملة فترة فرح بلا صوم، بلا انقطاع عن الطعام، فرحين بقيامة المسيح، وترتَّل في الكنيسة ألحان الفرح باستمرار.. لدرجة أنه إذا دخل جثمان ميت ليُصلَّى عليه يستقبلونه أيضًا بلحن القيامة، وهو لحن الفرح لأننا نحيي في الميت أنه سيقوم من الأموات أكثر مما نتذكر أنه مات.
قيامة فريدة
في الحقيقة إن قيامة السيد المسيح كانت قيامة فريدة من نوعها في أشياء كثيرة لعله هو الوحيد في العالم كله الذي قام من الموت بنفسه دون أن يقيمه أحد. ربما يسأل البعض ويقول: كثيرون قاموا من الأموات فلماذا هذا الاهتمام بقيامة المسيح؟!
فنقول: إن كل الذين قاموا من الأموات أقامهم غيرهم. السيد المسيح أقام البعض من الأموات، إيليا النبي أقام ابن أرملة صرفة صيدا، أليشع النبي أقام ابن الشونمية، ولكن المسيح قام بنفسه...
- قام بنفسه لأن قوة القيامة كانت فيه، ولأن الحياة كانت فيه.
- لأن الموت لم يكن يقدر أن يسيطر عليه، بل كان هو الذي يسيطر على الموت.
- وأيضًا لأن السيد المسيح قام قيامة لا موت بعدها قيامة دائمة.
- كل الذين قاموا من الأموات ماتوا بعد ذلك وينتظرون القيامة العامة، لعازر قام من الأموات ومات وينتظر القيامة العامة. أما المسيح فقام قيامة دائمة لا موت بعدها، وقام بجسد ممجد، ولذلك نسميه باكورة الراقدين، لأنه هو الباكورة وكل الذين يقومون، يقومون من بعده.
على أن المهم في قيامة السيد المسيح أن قيامته هي قيامة لنا جميعًا..
هو أعطى عربون القيامة للبشرية فأصبح بإمكان الطبيعة البشرية أن تقوم قيامة دائمة، وقيامة ممجدة على شبه جسد مجده.
والقيامةُ في الحقيقة لها أهميةٌ كبرى في حياة كل إنسان، ولها نتائج روحية عديدة...
لعل في مقدمة هذه النتائج سقوط هيبة الموت بالقيامة، وأصبح الناس لا يخافون الموت؛ لأنه ما دام بعد الموت قيامة إذًا فالموت لا يخيف.
الموتُ دخيلٌ على الطبيعة البشرية فعندما خلق الله الإنسان خلقه للحياة.. خلقه نفسًا حية، ولكن بالخطيئة دخل الموت إلى العالم. وسيطر الموتُ وساد بسبب الخطيئة والفساد، وزادت الخطيئة، وزاد الموت تمكُّنًا، وكان لا بد من أن يجد من يقهره، وقد قُهر الموت بالقيامة وأصبح الناس لا يخافون الموت.. لدرجة أن بولس الرسول يقول: "أَيْنَ شَوْكَتُكَ يَا مَوْتُ؟" (1كو15: 55).
لماذا يخاف الناس الموت؟
هل تعرفون لماذا يخاف الناس الموت؟ يخافونه لسببين: السبب الأول أنه شيء مجهول لا يعرفونه، والسبب الثاني وهو الأهم أن الناس يخافون ليس من الموت، إنما يخافون ما هو بعد الموت.. فلو ضمنَ الإنسان ما بعد الموت لا يخاف الموت إطلاقًا...
ولذلك فالأبرار يرحبون بالموت لأنهم عارفون مصيرهم الطيب بعد الموت، قال أحد القديسين: "إن مخافة الموت تُرعب قلب الرجل الخاطئ، أما الرجل البار فيشتاق إلى الموت، كما يشتاق إلى الحياة".
ولذلك نرى رجلاً مثل القديس بولس يقول: "لِيَ اشْتِهَاءٌ أَنْ أَنْطَلِقَ وَأَكُونَ مَعَ الْمَسِيحِ، ذَاكَ أَفْضَلُ جِدًّا" (في1: 23)، أي أنها صارت شهوة له.
وآباؤنا الشهداء ما كانوا يخافون إطلاقًا من الموت... بل كانت وفود الشهداء تذهب إلى مكان الاستشهاد وسط الترتيل والتسبيح، والأغاني الروحية، فرحين بلقاء الله.. ولهذا فإن الموت أخذ أسماءً أخرى غير مخيفة بسبب القيامة..
الموتُ هو جسرٌ ذهبي يعبر به الناس إلى الأبدية.
الموتُ لم يعد مطلقًا نهاية حياة، إنما الموت في حقيقته هو بداية لحياة لا تنتهي.
ليس نهاية حياة إنما بداية حياة لا تنتهي وحياة سعيدة أفضل بكثير من هذه الحياة الدنيا.
ولذلك الكتاب المقدس يُسمِّي الموت "انطلاق" "لي اشتهاء أن أنطلق". انطلاق من قيود الجسد، وانطلاق من قيود المادة، وانطلاق من هذه الدنيا التي تنجَّست بالخطية، والتي فيها سمحت الأرض أن تقبل دم هابيل البار من أخيه.
الموتُ إذًا ليس موتًا في نظر الأبرار إنما هو انتقال... وصلاة الموتى في الكنيسة نسميها صلاة الراقدين أو صلاة المنتقلين، ولا نحب إطلاقًا أن نقول: فلان مات، إنما نقول: فلان انتقل.. انتقل من حياةٍ إلى أخرى.
بالقيامة لم يعد الموت مرعبًا ولا مخيفًا إنما صار شيئًا مشتهىً عند الأبرار.. هذه هي أول بركة من بركات القيامة.
التعلق بالأبدية
نتيجة أخرى من نتائج القيامة أن الناس تعلَّقوا بالأبدية... تعلَّقوا بالحياة الأخرى، بعالمٍ آخر عالم نقي لا خطيئة فيه.. عالم لا صراع فيه، ولا شقاق فيه، عالم يسكنه البر، ويسكن فيه الأبرار مع الله.
ومن أجل شهوة الأبدية حسب الناس أنفسهم غرباء على الأرض، وكان داود النبي يرتل في المزمور قائلاً: "غَرِيبٌ أَنَا فِي الأَرْضِ. لاَ تُخْفِ عَنِّي وَصَايَاكَ" (مز119: 19)، وكان يستثقل حياته على الأرض فيقول: "ويل لغربتي ... طال على نفسي سكنها ..." (مز 120: 5، 6).
اعتبروا الحياة الدنيا غربة، واعتبروا أن لهم وطنًا سماويًا هو مكان السكنى مع الله والقديسين والملائكة...
ومن نتائج القيامة وارتباط الناس بالأبدية؛ زهدوا الحياة الدنيا.. كل ما تسمعونه عن الزهد والنسك والموت عن العالم إنما نتيجة لمحبة القيامة والحياة التي بعد القيامة. الناس يتلهّون بهذا العالم لأنهم ينسون مصيرهم الأبدي.
الذي يفكر في القيامة لا يفكر في هذا العالم إنما يفكر في الأبدية السعيدة، ويعدُّ نفسه لأجلها، ويرى أن كل الحياة على الأرض ما هي إلا فترة اختبار للإنسان، ما هي إلا فترة تمهيدية للأبدية.
قصيرة يا إخوتي هي قصة حياتنا على الأرض...
كم يعيش الإنسان على الأرض 100 سنة أو 120، أو 150!! يندر أن يعيش أحد مثل هذه الأعمار.. لو قيست هذه المدة من الزمن بالأبدية لأصبحت لا شيء، لأنكم تعرفون إن أي كسر مقامه ما لا نهاية يؤؤل إلى صفر.. عندما تقاس بالأبدية التي لا تنتهي تساوي لا شيء، وعارٌ على الإنسان أن يهتم بهذا اللاشيء وينسى الأبدية. لذلك كان الحكماء الذين عرفوا العالم على حقيقته يهتمون بأبديتهم، يعيشون على الأرض يمهدون أنفسهم للقاء الله، يعملون في كل يوم لكي يعدّوا لذلك اليوم الذي يقفون فيه أمام الديان العادل.
لو كانت الحياة تنتهي بالموت ما لزوم الحِرص إذًا؟! ما لزوم البِر إذًا؟ ما لزوم الفضيلة حتى لو كانت الفضيلة عند الملحدين؟! مثلاً الذين لا يؤمنون بالقيامة يعملونها من أجل المجتمع وأحكام المجتمع، أو خجلاً من الناس أو خوفًا من أحكامهم.. فماذا نقول إذًا عن الذين يحترسون من جهة الخطايا الخفية؟!
يحترسون حتى في خطايا الفكر الذي لا يقرأه أحد، ويحترسون حتى في مشاعر القلب التي لا يعرفها أحد، لا يفعل هذا إلاَّ من يؤمن بالقيامة ويرى أن هناك حياةً بعد الموت.
القيامة أعطت لحياة الإنسان قيمة، وجعلت لحياته امتدادًا آخر بعد الموت لا نهاية له. امتداد للحياة لا نهاية له في الأبدية.
وأيضًا أعطت للإنسان قيمة في أنه يقوم بجسد نوراني، جسد روحاني، قد تخلَّص من المادة، وتخلَّص من العالم، ويحيا كملائكة الله في السماء في ذلك العالم الآخر.. هذه هي الأبدية السعيدة. الذي يؤمن بالقيامة يخشى أن يخطئ على الأرض، مهما كانت الخطية مخفاة لا يعرفها أحد لأنه يؤمن.
لذلك الإنسان المسكين الذي يتعب في حياته وينتحر مثلاً، ويظن أن الموت سينقذه من متاعب الدنيا هو لا يؤمن بالقيامة، لأنه لو آمن بحياة أخرى بعد الموت يستقبلها وهو قاتل نفس ويستقبلها وهو غير مؤمن وفاقد الرجاء، ولشعر أنه بدلاً من أن يتخلَّص من تعبه يضيف إلى أتعابه تعبًا جديدًا.
نحن نحب القيامة لأنها أعطت الحياة قيمة... أعطت حياتنا قيمة، وجعلت حياتنا لها امتداد لا ينتهي.
والقيامة أيضًا تفرحنا لأن بها نعيش مع الله ونعيش مع الملائكة ونعيش مع القديسين، وبها أيضًا يلتقي الأحباء. أكبر تعزية تعطيها لشخص مات له حبيب أن تكلِّمه عن القيامة، وأنه سيلتقي بهذا الحبيب بعد حين. ولذلك فإن الكنيسة في اليوم الثالث من موت كل إنسان تذهب إلى بيته وتزوره وتقرأ له فصولاً مقدَّسة عن القيامة لكي تعزِّي الأسرة وتُشعِر الأسرة بأن ميِّتها لم يمت وإنه سيقوم كما قام المسيح في اليوم الثالث، فتعطي القيامة عزاءً للناس.
إننا نفرح بالقيامة لأنها تعطينا آمالاً لا تنتهي، وتجعلنا نعيش في حياة البر والقداسة مستعدّين لها.
فلنطلب من الله أن يمنحنا القوة التي نعيش فيها في خوفه وفي مرضاته وفي محبته لكي نتمتع بقيامة مفرحة، لأن الشخص الخاطئ يخاف القيامة أما البار فيفرح بها.
نفرح بالقيامة لأنها الطريق إلى الملكوت الأبدي؛ وصدقوني يا إخوتي إن الذي لا يذوق الملكوت على الأرض فلن يذوقه إطلاقًا في العالم الآخر.
الذي لا يملك الله على قلبه ههنا فلا يمكن أن يتمتع بالله في الأبدية، لذلك فالقيامة درسٌ جميلٌ في الروحيات...
[1] عظة عيد القيامة، 13 أبريل 1985م
أثر القيامة
أثر القيامة[1]
نشكركم جميعًا على محبتكم، ونشكر الله الذي منحنا هذا اليوم لكي نجتمع فيه معًا في وحدةٍ قلبية تمثِّل مصر في وحدتها التي دامت فيها أجيالاً طويلة.
وأود أن أكلمكم اليوم عن القيامة؛ قيامة السيد المسيح والقيامة بصفةٍ عامة.
إن الله يا إخوتي الأحباء قد خلق الإنسان للحياة، وخلقه أيضًا للسعادة، ولذلك وضعه في جنة عدن عندما خلقه. ولكن الإنسان الذي اختار له الله الحياة، اختار هو لنفسه الموت حينما سقط في الخطية وفسدت طبيعته البشرية، وأصبح مستحقًا للعقوبة! وهكذا دخل الموتُ إلى العالم وساد الموتُ على جميع الناس بحيثُ لم يفلت منه بشريٌ على الإطلاق.. مهما كانت عظمة الناس، ومهما كانت قوتهم، ومهما كانت مواهبهم كانوا جميعًا تحت سلطان الموت.. وصار نهايةً لكل حي.
الجميع يمضون في هذا الطريق أيًّا كانوا رؤساء، وفلاسفة، وعلماء ورجال فكر، وأنبياء لم يفلت من الموتِ أحد.
وهنا أتذكرُ بعض أبياتٍ شعرية كنت قد كتبتها في هذا المجال منذ حوالي خمسة وعشرين عامًا قلت فيها:
لستُ أدري كيف نمضي أو متى | كل ما أدريه أنّا سوف نمضي |
هكذا كان الموتُ شديدًا على الكل، ولم يكن هناك من علاجٍ للموت الذي ساد العالم سوى القيامة من الأموات.
ويحكي لنا التاريخ معجزاتٍ عن قيامة الأموات قبل قيامة المسيح:
إيليا النبي أقام من الموت ابن أرملة صرفة صيدا، وأليشع النبي أقام من الموت ابن المرأة الشونمية، والسيد المسيح له المجد أقام من الموت ابنة يايرس، وابن أرملة نايين، ولعازر بعد أربعة أيام من موته. ولكن المشكلة الكبرى أن كل هؤلاء الذين قاموا من الموت عادوا فماتوا ثانية، ولا يزالون ينتظرون قيامة الأموات في اليوم الأخير، وبقي الموت مُسيطرًا إلى أن قام المسيح...
وكانت قيامة المسيح من نوعٍ آخر لأنه قام قيامة لا موت بعدها، قيامة ممجَّدةً لم يسبق لها مثيل من قبل، ونحن كلنا ننتظر مثل هذه القيامة... ننتظر القيامة التي لا موت بعدها، وفي قانون الإيمان الذي نتلوه في كل يومٍ في صلواتنا نقول: "وننتظر قيامة الأموات وحياة الدهر الآتي آمين".
بالقيامةِ استطاع المسيحُ أن يدوس الموت، وأن يكسر شوكته، وبقيامة المسيح أصبح للموتِ مفهومًا آخر، مفهوم روحي له عمقه وله قوته.. قد تسأل البعض: ما هو الموت؟
فتسمع الإجابة: إنه نهاية الحياة..
ولكن هناك إجابة أفصح وأقوى وأعمق وأكثر روحانية من هذه وأكثر واقعية: الموت ليس مجرد نهاية حياة إنما هو مرحلةٌ متوسطةٌ ما بين حياة وحياة، مرحلة متوسطة بين حياة أرضية نقضيها على هذه الأرض، وبين حياة سمائية نذهب فيها إلى السماء. ولذلك قال البعض: "إن الموت هو جسرٌ ذهبي يصل الإنسان بالأبدية السعيدة".
ونحن في صلواتنا نقول للرب مبتهلين: "لأنه ليس موت لعبيدك بل هو انتقال"، بل أستطيع أن أقول وفي دقةٍ بالغة بالنسبة للصالحين: إن الموتُ هو عملية ارتقاء، عملية ترقية يرتقي فيها الإنسان من الحياة المادية إلى الحياة الروحية السمائية..!
من أجل هذا كله وبالإيمان بالقيامة لم يعد أحدٌ يخاف من الموت.. أقصد لم يعد أحد من المؤمنين يخاف من الموت ولذلك قال بولس الرسول: "أَيْنَ شَوْكَتُكَ يَا مَوْتُ؟ أَيْنَ غَلَبَتُكِ يَا هَاوِيَةُ؟" (1كو15: 55). ما عاد الموت يخيف أحدًا، لا هو ولا مسبباته، لأن الإنسان المؤمن لا يرى في الموت نهاية لحياته إطلاقًا.. ولذلك نرى أصحاب الرسالات وأصحاب المبادئ يموتون في سبيل رسالاتهم، وفي سبيل مبادئهم وهم سعداء لا يخافون من الموت، ونرى الشهداء كذلك يموتون من أجل إيمانهم وهم سعداء لا يقابلون الموت بخوف بل بفرح، ونرى الجنود الذين يحاربون عن بلادهم وعن سلامتها لا يقابلون الموت بخوف بل بشجاعة وبسالة.
الموت زالت شوكته وضاعت هيبته بالإيمان بالقيامة. لو كان الناس لا يؤمنون بالقيامة لكانوا يخافون من الموت ويرتعبون لأنه طريق الفناء بعدم إيمانهم. الموت صار له مفهوم روحي عميق في ضوء الإيمان بالقيامة.
والقيامة تحتاج إلى إيمان لأن الملحدين لا يؤمنون بالقيامة، ولأن الملحدين أيضًا لا يؤمنون بالروح ولا بالعالم الآخر ولا بالله الذي يقيم الموتى.
إن الله الذي خلق الإنسان من تراب قادر أن يرجعه حيًا من التراب.
أيضًا بنفس القدرة التي كانت له تبارك اسمه في خلق البشرية. فالقيامة تحتاج إلى إيمان في القلب وبهذا الإيمان تعطي القيامة قوة داخلية للإنسان، قوة روحية يستطيع بها أن يواجه كل الصعاب بغير خوف.
غير أن القيامة ليست سعادة لجميع الناس إنها سعادة للمؤمنين الصالحين وليست سعادة بالنسبة للخطاة، أو غير المؤمنين الذين ينتظرون بالقيامة دينونة مخيفة، ولهذا قال أحد الآباء: "إن هناك موتين وقيامتين".
بالنسبة للمسيح كان هناك موت واحد وقيامة واحدة، فما هما الموتان وما القيامتان؟
الموت الأول
هو الموت الروحي لأن الخطيئة هي انفصال عن الله والخطيئة تعتبر موتًا. وفي مثل الابن الضال قال الأب عن ابنه الضال حينما رجع: "ابْنِي هذَا كَانَ مَيِّتًا فَعَاشَ، وَكَانَ ضَالًا فَوُجِدَ" (لو15: 24)، فالخطية هي موت. قال القديس أغسطينوس: "موت الجسد هو انفصال الروح عن الجسد، أما موت الروح فهو انفصال الروح عن الله، فالخطاة موتى بالخطايا"، هذا هو الموت الأول الذي لا يتوب عنه يقع في الموت الثاني.
الموت الثاني
الذي هو الموت الأبدي أي العذاب الأبدي الذي للأشرار. أما الذي يقوم القيامة الأولى؛ أقصد يقوم من موت الخطية فهذا يستطيع أن يواجه القيامة الثانية من الأموات بفرح كبير فالتوبة تعتبر نوعًا من القيامة.. القيامة من السقطات والقيامة من الموت الروحي والقيامة من الضياع.
وأثر القيامة في الناس هو شيء هام، أهم من القيامة هو ما بعد القيامة فالقيامة ستكون لجميع الناس لكن المهم هو ما بعد القيامة، هو المصير الذي يواجهه الإنسان بعد قيامته من الأموات؟!
من أجل الإيمان بالقيامة صار الناس يستعدون لها، يستعدون لها بالإيمان السليم وبالعمل الصالح وبالالتصاق بالله طول الحياة، ويستعدون لها بالحرص والتدقيق في كل عمل، وفي كل كلمة، وفي كل فكر، وفي كل حس، وفي كل شعور، ولهذا كان الإيمان بالقيامة مدرسة روحية تقوّي الناس وتقودهم إلى الحياة الفُضلى...
وصارت القيامة حافزًا للإنسان أن يكون مستعدًا باستمرار لملاقاة الله مستعدًا باستمرار لمقابلة الله.
إن قيامة المسيح يا إخوتي هي عربون لقيامة جميع الناس، ولذلك قيل عنه إنه "باكورة الراقدين".
كلنا سنموت هذه نصف الحقيقة وكلنا سنقوم هذا هو النصف الآخر المكمِّل لها، وكلنا بعد القيامة سنقف أمام الله لكي يعطي كل واحد منا حسابًا عن كل ما عمل بالجسد حينما كان حيًا على الأرض جسدًا وروحًا وفكرًا ونفسًا. فالقيامة تذكِّرنا بالدينونة، وتذكِّرنا بالحياة الأخرى وتذكِّرنا بأن الإنسان لحياته امتداد آخر لا ينتهي، وبهذا ارتفعت قيمة الإنسان في عينيه وصارت له حياتان؛ حياة على الأرض، وحياة في السماء.
نرجو أن يعطينا الله أن نكون مستعدين باستمرار للوقوف أمامه بعد القيامة للوقوف أمام الله بغير خجل وبغير خوف وبغير لوم من ضمائرنا...
[1] عظة عيد القيامة، 3 مايو 1986م
عربون القيامة
عربون القيامة[1]
نهنئكم يا إخوتي جميعًا بقيامة السيد المسيح، وفي قيام المسيح من الأموات عربونٌ لقيامتنا جميعًا، فنحن نحتفلُ في هذا اليوم بالقيامةِ بصفةٍ عامة.
والقيامةُ أمرٌ جوهري جدًا وهي ثمرةٌ للإيمان في قلب الإنسان...
الذي يؤمن بالقيامة هو بلا شك يؤمن بالله، ويؤمن بالحياةِ الأخرى، ويؤمن بالثوابِ والعقاب والدينونة، ويؤمن بالسماء وسُكناها.. لذلك كانت القيامة دليلٌ على الإيمان. وهي أيضًا دليل على الإيمان بالروح وأن الروح عنصر حي لا يموت بموت الإنسان..
لى أن القيامة قد أنكرها كثيرون من الملحدين الذين لا يؤمنون بالله، ولا باليوم الأخير، ولا بالروح ولا بالملائكة، وكان من أمثلة هؤلاء في زمن تجسد السيد المسيح "الصدوقيون"؛ الذين كانوا لا يؤمنون بروح ولا بملاك ولا بقيامة، وقد وبخهم السيد المسيح وأظهر لهم أخطاءهم.
وأيضًا الأبيقوريون الذين كانوا لا يؤمنون بالحياة الأخرى وكانوا يقولون: "لنأكل ونشرب فإننا غدًا نموت"، وفلاسفة كثيرون أنكروا الحياة الأخرى.
ولعل أول من دفع إلى هذا الإنكار الشيطان نفسه الذي يوحي لهؤلاء بأنه لا قيامة ولا حياة بعد الموت، لكي ينهمك الناس وينغمسوا في الحياة الدنيا وملاذها ومشاغلها وينسوا في سبيل ذلك أبديتهم وحياتهم في العالم الآخر!!
على أن القيامة أمرٌ واقع وهي نابعة من قوة الله تبارك اسمه، فالله الذي خلق الإنسان من تراب قادر أن يعيده إلى الحياة بعد أن يتحول إلى التراب مرة أخرى.
والله الذي خلق البشرية كلها من العدم قادر أن يقيم من الأموات، فهو الذي بيده الحياة والموت وهو الذي يحيي ويميت. ولذلك فإن الذين ينكرون القيامة إنما ينكرون وجود الله نفسه، وينكرون السماء، وينكرون الروح.
القيامة يا إخوتي الأحباء هي دليل على قوة الله غير المحدودة، وهي دليل أيضًا على محبة الله ووجوده. الله كان موجودًا وحده منذ الأزل وليس هناك أحد آخر إلى جواره، ولكن الله الجوّاد الكريم لم يشأ أن يوجد وحده وإنما شاء فخلق كائنات أخرى فوُجِدت في العالم، ولما مات الناس شاء الله بكرمه ألا يتركهم ضحية الموت، وإنما يقيمهم في اليوم الذي أعده ليتمتعوا بالوجود ليس فقط إلى حين وإنما إلى الأبد.
حفلة تعارف كبرى
القيامة تعزية كبيرة لجميع الناس لأن فيها يلتقي الأحباء معًا... تصوَّروا لو كان الموت نهاية الإنسان ما كان الناس يلتقون بعد الموت بعضهم بالبعض الآخر. الذين يحبون بعضهم بعضًا ويفترقون بالموت، إن لم تكن قيامة كيف يلتقون بعد ذلك؟
ولكن القيامة تعزية لنا أننا إن فقدنا حبيبًا من الأحباء أو صديقًا من الأصدقاء نؤمن تمامًا أننا سنلتقي به بعد حين.. نلتقي به بالروح بعد الموت مباشرة، ونلتقي به بالروح والجسد بعد القيامة العامة. وصدقوني إن هذا الالتقاء ليس فقط التقاء مع الأحباء والمعارف والأصدقاء بل هو التقاء مع الأجيال كلها، ومع التاريخ كله بكل من عاش في التاريخ.
تصوَّروا حفلة التعارف الكبرى التي يقيمها لنا الله تبارك اسمه في القيامة حينما يوفد ملاكًا من الملائكة لكي يعرِّفنا بجميع الأنبياء الذين عاشوا على الأرض وانتقلوا.
تصوَّروا حينما يرسل ملاكًا آخر ليعرِّفنا بجميع الشهداء الذين بذلوا حياتهم من أجل الدين أو من أجل الحق أو من أجل الوطن.
حينما يرسل ملاكًا فيعرِّفنا أيضًا بجميع القديسين واحدًا فواحدًا ونتأمل كل هؤلاء الذين عاشوا!
بل يعرِّفنا بالملائكة ورؤساء الملائكة وكل الجمع غير المحصى الذي للقوات السمائية!
تصوَّروا حينما نقف ونرى دواد النبي ليعزف لنا على قيثارته مزمورًا جديدًا وضعه ولحَّنه في العالم الآخر!
إن حفلة التعارف هذه آلاف السنين لا تكفيها بل ما أجمل أن نرى واحدًا من الأنبياء، أو واحدًا من القديسين، أو واحدًا من الشهداء وقد التف حوله ملايين من المعجبين به وقد رأوه في العالم الآخر وما كانوا يعرفون عنه من قبل إلا اسمه!
ما أجمل أن نرى هؤلاء الذين سمعنا عنهم أو قرأنا تاريخهم!
أفراح القيامة
القيامة فيها أفراح القيامة العديدة...
فرح الانتصار على الموت، فرح الالتقاء بالقديسين والملائكة، فرح العشرة مع الله نفسه، وقد لخَّص القديس بولس أفراح القيامة بقوله: "مَا لَمْ تَرَ عَيْنٌ، وَلَمْ تَسْمَعْ أُذُنٌ، وَلَمْ يَخْطُرْ عَلَى بَالِ إِنْسَانٍ: مَا أَعَدَّهُ اللهُ لِلَّذِينَ يُحِبُّونَهُ" (1كو2: 9).
حقًا إن اللغة تعجز تمامًا عن شرح أمجاد القيامة وأفراحها.. كيف تستطيع اللغة أن تعبِّر عن أشياء لم تخطر على بال إنسان؟ عن أفراح لم ترها عين ولم تسمع بها أذن؟! تلك الأفراح التي قال عنها الرسول: "وَسَمِعَ كَلِمَاتٍ لاَ يُنْطَقُ بِهَا، وَلاَ يَسُوغُ لإِنْسَانٍ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهَا" (2كو12: 4)، مفردات اللغة محدودة والحياة في الأبدية فيها مسميات أخرى لم تصل اللغة بعد إلى أن تجد لها مفردات جديدة تعبِّر عنها..
تعويضات القيامة
في القيامة أيها الإخوة الأحباء يوجد توازن وتعويض. الذين لم ينالوا حقوقهم على الأرض ينالون هذه الحقوق بعد القيامة في السماء.
الذين عاشوا على الأرض مجهولين لا يعتني بهم أحد ولا يوجد أحد يذكرهم وقد أهملهم الكل، يجدون من يعتني بهم في العالم الآخر بعد القيامة، يوجد توازن بين الحياتين كما سمعتم في قصة الغني ولعازر.
بل يوجد تعويض من نوع آخر لأولئك الأبرار الذين شاءوا من فرط بِرِّهم أن يعملوا الخير في الخفاء دون أن يعرف أحد بما يعملونه من خير، ولم ينالوا مديحًا من أحد لأنهم شاءوا أن يخفوا فضائلهم.. هؤلاء ينالون أجرهم في السماء أمام الكل. والذين لم ينالوا تقديرًا ينالون التقدير هناك.
القيامة فيها تعزية للكادحين والمتعبين والذين يشقون على الأرض من أجل سعادة غيرهم.
والذين لا ينالوا خيرًا ههنا ينالون الخير كله هناك. حياة توازن وتعويض...
القيامة ترُد الإنسان إلى مرتبته الأولى
والقيامة هي حالة يُرَد فيها الإنسان إلى رتبته الأولى، يُرَد إلى حالة النقاوة والبِر التي خلقه الله بها.
حينما خلق الإنسان لأول مرة كان آدم بسيطًا ونقيًا وبارًا براءة الأطفال، وكان لا يعرف شيئًا عن الخطيئة، وكان هو وحواء عريانيْن ولا يعرفان ولا يخجلان في الجنة.
هذه البساطة، هذه البراءة، هذه القداسة ستعود للإنسان مرة أخرى في القيامة، حينما يخلع هذا الجسد المادي ويلبس جسدًا روحانيًا مؤهلاً لسُكنى السماء.
الروح تفرح حينما تنطلق من ثِقل المادة، ومن ثِقل العالم الحاضر ومن الارتباط بجسد مادي مائت قابل للفساد.
والجسد أيضًا يفرح لأنه يتخلَّص من كل الشرور التي كانت محيطة بالجسد، حينما كان في العالم الحاضر يتجلَّى الجسد في قدسيته ويصبح أهلاً للحياة مع الروح في انسجام وفي تعاون لا صراع بين الجسد والروح فيما بعد.
الأصيل ينتصر على الدخيل
في القيامة نرى أن الأصيل ينتصر على الدخيل في نواحي متعددة، الحياة هي الوضع الأصيل لأن الله خلق البشر أحياء، والموت دخيل على العالم وستنتصر الحياة على الموت في القيامة.
الحق هو الأصيل في العالم، والباطل دخيل لأن الشر لم يكن موجودًا من قبل وسينتصر الحق على الباطل في القيامة.
الهدوء والسكون هو طابع السماء فينتصر الهدوء أخيرًا، ولا يوجد في السماء شغب ولا ضوضاء ولا انقسام ولا حروب ولا عداوة ولا كراهية بين الناس، يرجع كل شيء إلى بِره، وإلى قدسيته كما خلق الله العالم وكما أراد له أن يكون.
في القيامة تعود السعادة إلى قلوب الناس مرة أخرى، يعود النقاء إلى قلوب الناس مرة أخرى، تتمكَّن المحبة بين الناس إذ أنه بعد القيامة لا يوجد ما يتخاصم الناس عليه، أو يتنافس الناس بسببه، يعيش الجميع كأخوة في هذه القيامة العامة... لذلك يفرح الناس جميعًا بالقيامة من الأموات ويشعر الإنسان أنه لن ينتهي بالموت وإنما يوجد امتداد لحياته بعد الموت.
فلنستعد...
إنما الشيء العجيب الذي أريد أن أقوله أن هناك كثيرين يؤمنون بالقيامة، ولا يستعدون لهذه القيامة، ولا يعملون ما يكفل لهم حياة سعيدة بعد القيامة!
القيامة ليست هي الهدف إطلاقًا، إنما القيامة هي وسيلة نصل بها إلى الحياة الأخرى، وبعد القيامة توجد الدينونة ويقف كل إنسان أمام الله ليعطي حسابًا عن أعماله التي عملها على الأرض، بل يعطي حسابًا عن أفكاره، وعن نياته، وعن مشاعره وعن كل ما يحيط به سواءً في علاقته مع الله، أو علاقته مع الناس، أو واجباته حيال نفسه..
فلنستعد جميعًا ليوم القيامة العظيم الذي يُكشف فيه عمل كل إنسان، ويُكشف فيه فكر كل إنسان ومشاعر كل إنسان أمام الكل. تُرى لو أرسل الله ملاكًا الآن وكشف نيات البشر أمام الجميع، أين يخفي البعض وجوههم؟
ولكن الأنقياء هم الذين يستحقون أمجاد القيامة وأفراح القيامة، فلنسعَ جميعًا إلى نقاوة القلب، ولنطلب جميعًا أن نعمل الخير مع كل أحد، نجول نصنع خيرًا في كل مكان، في كل وقت، مع كل إنسان، أينما كان.
[1] عظة عيد القيامة، 19 أبريل 1987م
لقاءات القيامة
لقاءات القيامة[1]
نحتفل اليوم بعيد القيامة.. وقد حدثتكم في السنوات الماضية عن القيامة، وهناك أيضًا بعض معاني روحية ينبغي أن نتحدث عنها في أمجاد القيامة وأعماقها.
أولاً: لقاءات عجيبة
أول ما نذكره في القيامة هي سلسلةٌ من اللقاءات العجيبة تحدث في يوم القيامة...
لقاء صديقين حميمين
أول لقاء هو لقاء بين صديقين حميمين، عاشا طول العمر معًا متلازمين ومتزاملين ومتحدين، ولم يفرق بينهما إلا الموت! نقصد بهذين الصديقين الروح والجسد. الروح اتَّحدت بالجسد وعاشت معه العمر كله، ليس فقط منذ الولادة إنما حتى أثناء الحبل أيضًا. وكان الجسد يُعبِّر عن مشاعر الروح في كل شيء، إن فرحت الروح يبتسم الجسد، وإن حزنت الروح يبكي الجسد، يشاركها في كل شيء... ثم افترق الاثنان بالموت، وطالت مدة الفراق جدًا. وفي يوم القيامة تلتقي كل روحٍ بجسدها ربما بعد آلاف السنوات من الغربة.. تصوَّروا مثلاً روح أبينا آدم أو روح أبينا نوح أو روح أبينا إبراهيم بعد غربة أكثر من 7000 سنة أو 8000 سنة أو 6000 أو 5000 تلتقي بجسدها وتتَّحد به! أي شعور يكون للروح عند التقاءها بهذا الجسد والاتحاد به؟!
والروح ستتَّحد بالجسد وقد تمجد هذا الجسد وأصبح خاليًا من كل العيوب.
القيامة لا يكون فيها عيوب ولا نقائص جسدية، وإلا لا يكون هناك نعيم مع هذه العيوب! الأعمى لا يصير أعمى في القيامة، والأصم لا يصير أصم في القيامة، والأعرج والأكتع وهكذا...
الجسد يقوم صحيحًا سليمًا يستطيع أن يتمتع بالأبدية وهو سعيد، ولا يكون معوقًا في شيء. تتَّحد به الروح وتتعرَّف عليه في جماله، ثم أيضًا تتَّحد به وهو صديق. على الأرض أحيانًا كان الجسد يقاوم الروح، والروح تقاومه أو الجسد يشتهي ضد الروح أو الروح تشتهي ضد الجسد، ولكن في القيامة يقومان معًا صديقين محبين في مودة أعمق وأكمل.
في القيامةِ أيضًا يحدث لقاء عجيب، لم يحدث اطلاقًا منذ بدء البشرية ولن يحدث إلا في يوم القيامة!!
لقاء الشعوب والألسنة
في يوم القيامة تجتمع جميع الشعوب، وجميع الألسنة منذ آدم عبر الدهور الطويلة إلى يوم القيامة.
أجناس متعددة عجيبة، وشعوب متعددة كانت لها لغات متعددة يجتمعون معًا في هذا اليوم الرهيب ليقفوا أمام منبر الله العادل. كل ما كان في العالم من قادة، ومن رجال فكر، ومن رجال علم، ومن كل نوع.. والعجيب عندما يدخل كل هؤلاء إلى الأبدية، يدخلون بلغةٍ واحدة يتفاهمون معًا. بلبلة الألسنة تقف ويرجع البشر شعبًا واحدًا لله، يتكلم لغة واحدة، ويفهمون بعضهم بعضًا، لهم لغة الروح أو لهم لغة الملائكة.وهذا هو اللقاء الثاني العجيب في الأبدية.
اللقاء مع الملائكة
اللقاء الثالث العجيب لقاءنا مع الملائكة، وهم طبيعةٌ أسمى منَّا وسيكون اللقاء معهم إحدى مُتع الأبدية..
اللقاء مع الله
واللقاء الرابع العجيب والسامي الذي هو أسمى من كل هذه الأنواع هو لقاءنا مع الله تبارك اسمه. سيلتقي البشر بالله! وهنا أصمت خاشعًا لأني لا أجد ألفاظًا تعبِّر عن هذا اللقاء العجيب... إنه أمرٌ فوق مستوى اللغة في التعبير، وفوق مستوى العقل في التفكير.
القيامة فيها هذه اللقاءات العجيبة...
ثانيًا: انتقالات عجيبة
والقيامة أيضًا فيها انتقالات عجيبة..
انتقال فوق الزمن
هناك في الأبدية يحدث انتقالٌ من المحدود إلى غير المحدود، على الأقل في الزمن! نحنُ نعيشُ الآن في زمن محدود تحده ساعات وأيام وسنون، أما حينما تحدث القيامة العامة ونقف في الأبدية فسوف نقف فوق الزمن، سوف لا تكون هناك أرض تدور حول نفسها وتدور حول الشمس وتعبر عن دورانها بأيام وسنين.
إنما سنكون في السماء حيث لا دوران للأرض هذه، وحيثُ نور الله هو الذي يشرق علينا فلا نحتاج إلى شمس لكي تنيره.
نعيش فوق الزمن، ندخل في اللامحدود الذي هو الأبدية.. والأبدية تعني: ما لا نهاية.
انتقال إلى غير المرئيات
أيضًا في القيامة ننتقل من حدود المرئيات إلى غير المرئيات. ندخل في عالم الروح التي لا تُرى.. ونلتقي بالملائكة الذين لا يرون، ونتمتع كما يقول الكتاب: "مَا لَمْ تَرَ عَيْنٌ، وَلَمْ تَسْمَعْ أُذُنٌ، وَلَمْ يَخْطُرْ عَلَى بَالِ إِنْسَانٍ: مَا أَعَدَّهُ اللهُ لِلَّذِينَ يُحِبُّونَهُ" (1كو2: 9).
تنتقل البشرية إلى عالم غير العالم الذي كنا نراه من قبل. ما كان يُرى ويُدرك بالحواس أصبحت الحواس الجسدية عاجزة عن أن تدركه، فتدركه الروح وهكذا ننتقل من عالم الحس إلى عالم الروح.
أو أن حواسنا تأخذ خواصًا روحية تصبح لنا الرؤية الروحية، التي تَرى ما لا يُرى، ولكن هل نستطيع أن نرى كل ما لا يُرى؟
لا أظن هذا.. سنرى بعضًا مما لا يُرى ثم نتدرج في الرؤية شيئًا فشيئًا، من شبع روحي إلى شبع أسمى منه، إلى أسمى وأسمى إلى ما لا نهاية.
في الأبدية يحدث أن الإنسان يعيش في عالم آخر غير مُدرَك حاليًا، وينال نوعًا من الإدراك، نوعًا من المعرفة يتغذى بها لم تكن له من قبل.
ثالثًا: باب الأبدية
القيامة أيضًا هي باب للأبدية.. تصوروا أمامنا جسر كبير يفصل بين حياة وحياة، بين الحياة الأولى التي نهايتها الموت، وبين الحياة الأخرى التي بدايتها القيامة.. والجسر الذي بين الاثنين الذي بين الموت والقيامة هو حالة انتظار تنتظرها الأرواح إلى أن يكمل باقي البشر جهادهم، أو يكمل باقي البشر اختبارهم، لأن هذه الأرض هي أرض اختبار.
في الأبدية يحدث انتصار على الموت، لو كانت الحياة تنتهي بالموت لكان الإنسان مصيره الفناء.. والله لم يرد للإنسان أن يفنى، أراد له البقاء وأراد له السعادة، ولذلك عندما تعرض الإنسان للموت نتيجة لخطيئته دبر له الله طريق الخلاص وأنقذه من الموت بالقيامة.
ولأن الله يريد للإنسان الحياة خلق فيه روحًا حية، روحًا خالدة لا تموت بموت الجسد، يموت الجسد وتبقى الروح حية. ولكن الروح وحدها لا تمثل إنسانًا كاملاً، هي جزء من إنسان. فلا بد أن الروح تتحد بالجسد لكي يكون الإنسان الكامل هو الذي يتمتع بالأبدية.
وهذا هو الجميل في القيامة أنها تفتح الطريق إلى الأبدية.
رابعًا: القيامة معجزة
القيامةُ هي معجزة كبيرة.. أن يقوم كل البشر بعد أن تحوَّل جسدهم إلى تراب! وهي معجزة، ليس لأنها صعبة أو مستحيلة، إنما سُميت معجزة لأن عقولنا تعجز عن أن تفهمها أو تدركها، ولكن ما لا يدركه العقل يستطيع الإيمان أن يدركه.
سهولة القيامة هي أن الله قد خلق الإنسان من تراب، فكما خلقه من تراب يستطيع أن يعيد التراب إنسانًا كما كان، بل إن الله خلق الإنسان من عدم.. لأنه إن كان خلقه من تراب فمرّ وقت لم يكن فيه التراب ترابًا، كان التراب عدمًا قبل أن يخلقه الله ثم يخلق منه الإنسان.
فالله الذي خلق الإنسان من عدم، أو من تراب لاحق للعدم، يستطيع أن يقيمه مرة أخرى.
إن القيامة معجزة تدل على قدرة الله تبارك اسمه الله القادر على كل شيء وحده.
الذين يؤمنون بالله وبقدرة الله يؤمنون بالقيامة، أما الملحدون فلا يؤمنون بالقيامة لأنهم لا يؤمنون بالله، ولا بالروح وخلودها. لهذا كانت القيامة مكافأة للمؤمنين الذين يؤمنون بها.
القيامة ُمعجزةٌ ممكنة، وهي أيضًا معجزةٌ لازمة...
لازمة من أجل العدل؛ لأن لا بد أن يقف الإنسان أمام الله ليُحاسَب عن أعماله، فلو كان الإنسان ينتهي بالموت، ولا حساب بعد الموت ولا قيامة، لكان كل إنسان يفعل ما يشاء، ويتهافت الناس على المادة، وعلى الفساد ولكن القيامة لازمة للعدل.
ولكي يُحاسَب الإنسان لا يمكن إن الله يحاسب الروح وحدها بدون الجسد، بينما الجسد فعل كثيرًا... ولذلك يقتضي العدل ما دام الروح والجسد قد اشتركا معًا في كل فعل، يقتضي العدل أن الروح والجسد يقفان معًا أمام الله في يوم الحساب. ولهذا كانت القيامة لازمة لوفاء العدل الإلهي لكي يُحاسَب الجسد مع الروح كليهما معًا.
والقيامة أيضًا معجزة لازمة من أجل التوازن...
لأنه لا يوجد توازن على الأرض، يوجد غني وفقير، ويوجد سعيد وتعيس، ويوجد عظيم وحقير، يوجد أناس نالوا فوق ما يحتاجون، وأناس لا يجدون الكفاف! ويقتضي التوازن أنه في القيامة ينال الإنسان ما حُرم منه على الأرض، كما نعرف من قصة الغني ولعازر في الإنجيل، الذي لم ينل حقه على الأرض ينال حقه في السماء، فيشعر بالعدل الإلهي.
والقيامة أيضًا معجزة لأنها لازمة للمثالية...
نحنُ لا نجد المثالية على الأرض الآن.. الأرضُ مملوءةٌ شرًا، وكم كُسرت وصايا الله فيها.
الإنسان المثالي يبحث عنه الجميع فلا يجدونه! يتكلم عنه الفلاسفة كلامًا نظريًا والعالم المثالي غير موجود. وتعرفون قصة ديوجين الذي سار بمصباحه في النهار وقيل له: عما تبحث؟ قال: أبحث عن إنسان.
في الأبدية نجد هذه المثالية.. تتنقّى الأرض من الخطيئة تمامًا ويعيش الأبرار مع الله والملائكة في حياةٍ بارةٍ مقدسة، ليس فيها خطأ ولا فيها نقص ولا فيها عيب، هذه هي الحياة الجميلة التي يبحث عنها الكل.
نشكر الله الذي أعطانا القيامة لكي تمتد بها حياتنا فيما بعد الموت.
ونحن ننتهز فرصة هذا العيد السعيد لكي نصلِّي إلى الله أن ينعم على العالم بالسلام والهدوء، ليس في القيامة فقط بل هنا على الأرض.
نصلِّي إلى الله أن يمنع من العالم الحروب والغلاء والوباء والأمراض والأوبئة وأن يعطي العالم طمأنينة.
نصلي من أجل بلادنا العزيزة مصر أن ينعم الله عليها بحياة سالمة.
[1] عظة عيد القيامة، 9 أبريل 1988م
ضرورة القيامة وإمكانيتها
ضرورة القيامة وإمكانيتها[1]
ضرورة القيامة..
وأنا - يا أخوتي الأحباء - كلمتكم عن القيامة المجيدة مرات كثيرة في السنوات الماضية.. وكنت أتناول زاوية معينة في كل مرة.
وفي هذا العام أود أن أتحدث عن: "ضرورة القيامة وإمكانياتها". وحينما نتكلم عن القيامة إنما نقصد قيامة الجسد، لأن الروحَ حيّةٌ بطبيعتها لا تموت ولا تحتاج إلى قيامة.. إذًا فالقيامة التي نحتفل بها هي قيامة الجسد من الأموات..
قيامةُ الجسد من الأموات ورجوع الروح إليه واتحادها به، ثم وقوف الاثنان معًا أمام الله في الدينونة العامة، لإعطاء حساب في كل ما فُعل بالجسد على الأرض.
وقد يبدو أمام البعض أن قيامة الجسد صعبة بعد أن يتحول إلى تراب ولكن القيامة دائمًا ترتبط بقدرة الله عز وجل، الله تبارك اسمه، الذي هو قادر على كل شيء.. وقدرته غير محدودة تفوق العقل، وتفوق الوصف وتفوق التعبير..
وإقامة الجسد بالنسبة إليه أمر سهل، فالذي خلق هذا الجسد من تراب، يستطيع أن يعيد التراب مرة أخرى، ليكون جسدًا، بل أقول لكم ما هو أعمق من هذا.. إن الله لم يخلق الإنسان من ترابٍ فقط، بل خلقه بالأكثر من العدم!! لأن الله من العدم خلق الأرض بترابها.. ثم من تراب الأرض خلق الإنسان.. فالتراب أصلًا كان عدمًا، والخليقة كلها تكونت من العدم!
أتذكر في إحدى المرات - وأنا أفتكر في هذا التراب الذي خُلقنا منه - أنني كتبت قصيدة صغيرة قلتُ في أولها:
يا تراب الأرضِ |
| يا جدّي وجدّ الناسِ طُرّا |
عملية الخلق هي بلا شك أصعب بكثير من عملية الإقامة.. يعني كون أن الله يخلق الإنسان من العدم، أصعب من أن يحول التراب إلى إنسان مرة أخرى.
والذي يقدر على الأصعب وهو الخلق، طبيعي يقدر على الأسهل وهو إقامة الأموات.
لذا فإن عملية إقامة الموتى هو أمرٌ سهلٌ بالنسبة لله. هنا أتذكر العراقيل التي يقدمها الملحدون وأنصاف المتعلمين.. وحينما أقول أنصاف المتعلمين، إنما أبرئ العلماء من هذه التهم.. لأن نصف المتعلم يذكر العراقيل فقط.. أما العالم بالحقيقة فيذكر النصف الآخر للحقيقة وهي قدرة الله الفائقة للوصف.
ربما يقولون كيف يقوم الإنسان وقد تحول إلى تراب؟ أو كيف يقوم الإنسان وعناصره قد امتصتها التربة؟ أو دخل في تكوين أجسام أخرى كلها تتحل، وترجع إلى التراب.. فلنفرض أن جسدًا أكله الدود، ثم تحول الدود إلى التراب.. المسألة لا تفرق كثيرًا.. والله يستطيع أن يرجع الإنسان من التراب إلى حالته الأولى.
الله في إقامة الموتى تتوقف القيامة على أمور خاصة به تبارك اسمه على إرادته، وعلى معرفته، وعلى قدرته..
فمن جهة إرادته.. فالله يريد للإنسان أن يقوم من الأموات، وقد وعده بذلك في الكتب المقدسة بأن تمتد حياته إلى الأبد.
ومن جهة المعرفة.. فالله يعرف أين توجد العناصر التي تحلل إليها الجسد، وأين توجد عظامه، ويعرف الكيفية التي يقيم بها هذا الجسد.. ومن جهة القدرة.. هو قادر على كل شيء..
أهمية قيامة الجسد
إذًا ما أهمية وضرورة قيامة الجسد؟
أولًا.. الله وعد، ولا بد أن ينفذ وعده.
ثانيًا.. الإنسان يتكون من جسدٍ، ومن روح.. فلو بقيت الروح وحدها وتمتعت بالأبدية.. فهي لا تكون إنسانًا كاملًا.. لأنها جزء من الإنسان المكون من الروح والجسد.. ولكن إذًا كان لا بد أن يخلد الإنسان كله، فلا بد أن يقوم الجسد مع الروح متحدًا بها، ويصبح الاثنان إنسانًا كاملًا، ليحيا في الأبدية.
ثالثًا.. لا بد أن يقوم الجسد، لأن بقيامة الجسد، يتميز الإنسان عن الحيوان. فالحيوانات تفنى بعد موتها، ولا تكون لها قيامة وكذلك الحشرات والهوام.
ولكن الإنسان ميزه الله عن الحيوان، باتحاد المادة بالعقل والإرادة والروح.. هذا المخلوق العجيب الذي أعطاه الله مواهب عجيبة استطاعت أن تصنع مراكب فضاء تصل إلى القمر، وتجوب في الفضاء الخارجي الجوي.. وترجع بمعلومات.. هل معقول أن ينتهي جسده كجسد الحيوانات والحشرات والهوام؟ إنه أمر غير معقول..
رابعًا.. لا بد من قيامة الجسد.. لأن كل عمل من الأعمال اشترك فيه الجسد مع الروح.. فإذا كان لا بد من حساب للإنسان فإنه لا بد من حساب لكليهما معًا.
الجسد هو الجهاز التنفيذي للروح.. الروح تشاء، والجسد ينفذ.. وهما يشتركان في عمل واحد.. لذلك ففي الدينونة يقف الاثنان معًا.
انظروا مثلًا عضو بسيط من أعضاء الجسد هو العين.. إذا الروح أحبت تظهر في العين نظرة حب، وإذا الروح كرهت تظهر في العين نظرة كراهية، وإذا الروح غضبت تظهر في العين نظرة غضب، وإذا حسدت تظهر في العين نظرة حسد، إذا الروح اشتهت تبدو في العين نظرة شهوة، إذا الروح أرادت أن تنتقم تبدو في العين نظرة انتقام..، إذًا كل ما في الروح يظهر ولو في عضو واحد من أعضاء الجسد وهو العين.. وأيضًا الملامح، وأيضًا الجسم كله...! الشيء الذي ترغب فيه الروح وينفذه الجسد، يظهر ذلك في خفقات القلب، وفي مراكز المخ، وفي حركات الأعضاء.. الجسد والروح معًا في كل عمل. من غير المعقول أن الروح وحدها تُحاسب والجسد لا يُحاسب.
الجسد يتعب ويشقى.. يجري ويكافح.. يسهر ويناضل.. فلا يمكن أن يضيع هذا التعب كله هباءً.. لذلك يجب أن يجازى مع الروح.. ولا يمكن أن تنعم الروح بمفردها في الحياة الأبدية بدون الجسد، هذا لا يتفق مع العدالة الإلهية.
خذوا مثالًا لذلك.. الجندي في ساحة القتال.. روحه تحب الوطن وتحب أن تبذل ذاتها من أجل الوطن والمواطنين.. ولكن من الذي يدفع الثمن؟ الجسد بالطبع.. الذي يقاتل ويقاوم ويحتمل ويتعب ويُجرح ويتألم فليس من العدل أن يهمل الجسد في المكافأة.. لذلك فالإنسان الذي عاش على الأرض في حياة تعب وألم.. في أمراض مزمنة أو في عاهات متنوعة لا بد له من تعويض في الحياة الأبدية.. لذلك إذا كان الإنسان شريرًا.. تشترك الروح مع الجسد في الشر.. هل الذي يقع في خطايا اللهو والعبث والسُكر والمخدرات.. هل جسده لا يحاسب وتبقى الروح وحدها؟! أم لا بد أن يقوم الجسد لكي ما يعطِ حسابًا عن كل ما اقترفه.
ونحن على الأرض نحاسب الاثنين معًا.. المجرم الذي يحكم عليه بالسجن أو بالإعدام.. جسده يتعب، وروحه تتألم وتحتمل سوء السمعة وكل ما يلحقها من إهانة ومن ذنب..
ونحن أيضًا نكرم الجسد والروح معًا، وأجساد الموتى نقابلها بكل إكرام كما نكرم أجساد الشهداء والقديسين والأبرار، ونحيي أرواحهم في نفس الوقت.
إذًا لا بد من قيامة الجسد كي يشترك مع الروح في كل شيء.. كذلك في قيامة الجسد يوجد تعويض للإنسان الذي عاش على الأرض حياة تعب وألم في أمراض أو عاهات، أو أجساد بعض المعوقين، أو المتخلفين، أو أصحاب الأمراض المزمنة - هل ليست لهم تعويض؟ أم يقدم الجسد وهو في حالة سليمة خالية من العيوب، فيشعر الإنسان بتعويض له في القيامة.
وهكذا في القيامة العامة لا نجد إنسانًا أعمى، ولا أعرج، ولا أجدع، ولا أكتع، ولا فيه أي عاهة من العاهات.. هناك تعويض..
الملحدون الذين ينكرون القيامة - ربما أسباب إنكارهم أنهم يحتقرون الجسد - يظنون أن الروح هي فقط التي ينبغي أن تتمتع لأن لها طبيعة سامية أما الجسد فله طبيعة مادية لا تستحق الإكرام، ونحن نقول إن الجسد وإن كان طبيعته مادية، أي أنه يتحد بالروح التي لها الطبيعة الروحية، ويصير الاثنان طبيعة واحدة، هي الطبيعة البشرية، ولا ينفصل الجسد عن الروح في أحكامنا، ولا ننسى أن الجسد ليس شرًا في ذاته، وإنما له خيريته أيضًا.
الجسد هو الذي يقف ويسجد ويركع في الصلاة، ويرفع يديه إلى فوق ويتجه بنظره إلى السماء، ويسهر عابدًا مرتلًا قلبه لله.. هذا الجسد أيضًا يتعب في كل كفاح ويبذل كل جهد.. يكفي أصابعه مثلًا.. تتحرك على آلة موسيقية فإذا بلحن عجيب يدهش القلوب، ويمكن أن يقربها إلى الله، أو تتحرك في رسم أو تحت أو تصوير أو أي عمل فني، فيغذي القلوب بفنه.
الجسد يمكن أن يستخدم للخير، وإن سقط، فالروح أيضًا يمكن أن تسقط في الكبرياء والحسد..
صلاة..
نشكر الله الذي أعطانا القيامة، ومنحنا – بالقيامة - قدرة أن نحيا بها إلى الأبد في ملكوته.. المهم أن نعمل ما نستحق به المصير الأبدي السعيد.. ونطلب أن يعيش الناس جميعًا في بر وطهارة، ولكي يستحقوا الأمجاد التي بعد القيامة..
[1] السجل التاريخي لقداسة البابا شنوده الثالث، 30 أبريل 1989م
الفصل الثالث - التسعينات (1990- 1999)
أنواع القيامة[1]
إن عيد القيامة يا إخوتي الأحباء له فرحته الكبيرة، وله معانيه...
تعزية التلاميذ
فهو أولاً كان تعزيةً لتلاميذ المسيح الذين تعبوا كثيرًا واختفوا في العُلِّية، وظنوا أن مهمة المسيح قد انتهت وضاع كل شيء...
فلما ظهر لهم بعد قيامته امتلأت قلوبهم فرحًا.. فكانت القيامة تعزية لهؤلاء الذين تعبوا وخافوا.
وأتذكر أنني منذ أكثر من أربعين سنة كنت قد كتبت قصيدة في هذا المعنى أولها:
قم حطِّم الشيطان لا |
| تُبقِ لدولتهِ بقية |
الإنسان التائب يُشبَّه بالقيامة، لماذا؟!
لأن الخطية تعتبر موتًا وأقصد بها الموت الروحي، كما قال القديس أغسطينوس: "إن موت الجسد هو انفصال الجسد عن الروح، أما موت الروح فهو انفصال الروح عن الله".
الله هو مصدر الحياة، وهو ينبوعُ الحياة..
وقد قال عن نفسه: "أَنَا هُوَ الطَّرِيقُ وَالْحَقُّ وَالْحَيَاةُ" (يو14: 6)، "فِيهِ كَانَتِ الْحَيَاةُ، وَالْحَيَاةُ كَانَتْ نُورَ النَّاسِ"(يو1: 4). والخطية هي انفصال عن الله، والذي ينفصل عن الحياة يعتبر ميتًا.
الخاطئ إذًا هو إنسان ميت من الناحية الروحية، مهما كانت له أنفاس تتردَّد، ومهما كان له قلب يخفق، ولذلك فإن القديس بولس الرسول يقول لأهل أفسس: "وَنَحْنُ أَمْوَاتٌ بِالْخَطَايَا أَحْيَانَا مَعَ الْمَسِيحِ" (أف 2: 5). والأب قال عن ابنه الذي ضلَّ ورجع إليه: "ابْنِي هذَا كَانَ مَيِّتًا فَعَاشَ، وَكَانَ ضَالًا فَوُجِدَ " (لو15: 24)، وقيل عن الأرملة المتنعِّمة أنها ماتت وهي حية (1تي5: 6)، وقال السيد المسيح لراعي كنيسة ساردس: "أَنَّ لَكَ اسْمًا أَنَّكَ حَيٌّ وَأَنْتَ مَيْتٌ" (رؤ3: 1).
فالإنسان الخاطئ يعتبر إنسانًا ميتًا...
أنواع الموت
والموت على أنواع يوجد موت أدبي، وموت مادي جسدي، وموت روحي وموت أبدي.
فالخاطئ ميت من الناحية الأدبية ومن الناحية الروحية، ولكنه بالتوبة يمكن أن يقوم وتعتبر التوبة بالنسبة إليه قيامة من الأموات، ولذلك قال القديس بولس الرسول عن الخاطئ الغافل عن نفسه: "اسْتَيْقِظْ أَيُّهَا النَّائِمُ وَقُمْ مِنَ الأَمْوَاتِ فَيُضِيءَ لَكَ الْمَسِيحُ" (أف5: 14)، إذًا التوبة تعتبر قيامة..
والكتاب المقدس ذكر لنا ثلاثة من الأحداث الهامة أقام فيها السيد المسيح أمواتًا؛ أقام من الموت ابنة يايرس وهي موجودة في البيت، وأقام ابن أرملة نايين وهو في النعش في الطريق، وأقام لعازر من الموت وقد دُفن وله في القبر أربعة أيام..!
وكل معجزة من هذه المعجزات رمز في الحياة الروحية في حياة التوبة... فابنة يايرس التي أقامها وهي في البيت ترمز إلى الشخص الذي يخطئ وهو ما يزال في بيت الله، ما يزال له ارتباط ببيت الله ومع ذلك يعتبر ميت، ولكن عن مثل هذا قال السيد المسيح عن هذه النفس إنها لم تمت ولكنها نائمة، وأقامها من الموت، وقال أعطوها لتأكل رمزًا إلى إن هذه النفس تحتاج إلى غذاء روحي يقويها.
ابن أرملة نايين مات وخرج من بيت أمه ووجده المسيح في الطريق، يرمز إلى الإنسان الذي أخطأ وفقد علاقته ببيت الله وفقد علاقته بجماعة المؤمنين ويبكي عليه الناس، هذا قيل عنه إن المسيح أقامه ودفعه إلى أمه أي أرجعه إلى جماعة المؤمنين مرة أخرى.
والنوع الثالث الذي يمثله لعازر الذي مات ودفن في القبر ومرت عليه أربعة أيام، هذا يرمز إلى الذين يئس الجميع منهم، ماتوا روحيًا وطالت المدة في موتهم ويئس منهم الكل. هذا أيضًا أقامه المسيح، لكي يعطينا فكر أننا لا نيأس إطلاقًا من خاطئ يخطئ، ولا نيأس إطلاقًا من إنسان يضل الطريق، حتى لو قيل عنه كما قيل عن لعازر إنه "قَدْ أَنْتَنَ" (يو11: 39).
القيامة من الأموات تعطي أملاً وأنه لا يأس.. وأنه توجد توبة للجميع، مهما سقطوا ومهما ضلوا. ونحن نقف إلى جوار كل خاطئ ونقول له:
قام المسيح الحي، هل |
| مثل المسيح تُراك قمت؟ |
أيام الخطية أيام لا تُحسب، ولهذا عندما نسأل كل إنسان كم هي سني حياتك على الأرض؟! لا أظن أنه يجيب بميلاده الجسدي إنما يجيب بعدد الأيام التي قضاها مع الله، والأيام الأخرى مفقودة ضائعة.
القيامة أنواع فكما أنه توجد القيامة من الخطية، توجد أيضًا القيامة من أي سقطة، من أي ضياع، إنسان ضائع في الحياة لا يعرف أين هي وجهته.. مثل بكرة تتدحرج من فوق جبل، تهوي وتهوي إلى أسفل وإلى أسفل لا تملك لها إرادة ولا وعيًا ولا تستطيع أن توقف نفسها، دحرجة تقودها إلى دحرجة، وضياع يقودها إلى ضياع، وهي تهوي وتهوي ولا تدري إلى أين ينتهي بها المصير!! إلى أن يوقفها حجر في الطريق وهي تتدحرج... يوقفها حجر في الطريق ويقول لها: إلى أين أنتِ ذاهبة؟ ما نهاية هذا الطريق؟ ما نهاية هذه الدحرجة التي تهوي فيها إلى حيث لا ندري؟
وهكذا تكون القيامة بالنسبة لأمثال هؤلاء، هي دافع من الخارج، شيء يوقف الإنسان عن تياره. كإنسان يسرح بأفكاره، وأفكاره تذهب به في مجالات: أحيانًا أفكار غضب، أحيانًا أفكار انتقام، أحيانًا أفكار شهوة، أحيانًا أحلام يقظة إلى أن يوجد من يوقظه ويقول له: اصحَ لنفسك، أين أنت الآن؟ فيستيقظ... هذه أيضًا قيامة.
توجد قيامات أخرى مثل قيامة من ضيقة، أو قيامة من بلية، أو من ورطة، كإنسان يعيش في مشاكل اجتماعية أو اقتصادية لا يستطيع أن يخرج منها، أو يعيش في متاعب عائلية لا يستطيع أن يخرج منها، أو تدفعه ضغوط خارجية إلى حيث لا يدري، ولا يملك إرادة.. ثم أخيرًا يرجع إلى نفسه.. وينقذه الله من تلك الضيقة ويفرج عنه، وحينئذ يقول: كُتب لي عمر جديد.
فالقيامة هي حياة جديدة... حياة جديدة يعيشها الإنسان غير الحياة القديمة التي عاشها من قبل. ممكن هذه الحياة الجديدة تُسمى بالإنجليزية مثلاً re-vival، المقطع "re" يعني مرة أخرى، "vival" من vivre يعني يعيش. يعني عيشة مرة أخرى، حياة مرة أخرى، نهضة، صحوة، يقظة، حياة مرة أخرى تُكتب للناس.
هذه الصحوة توجد في حياة الأفراد، وتوجد في حياة الأمم أيضًا، حياة جديدة يعيشها فرد أو يعيشها شعب أو تعيشها أمة من الأمم. مثال ذلك: أوروبا في عصر النهضة أو بعد الانقلاب الصناعي عاشت حياة جديدة. مثال ذلك أيضًا فرنسا بعد الثورة الفرنسية، أو الهند في حياة غاندي، أو أية دولة تخلَّصت من الاحتلال أو الانتداب أو الاستعمار. هذه تبدأ حياة جديدة، فتعتبر قيامة في حياتها. ومصر عاشت أمثلة من هذه القيامة، مرة بعد التخلُّص من عصر المماليك، ومرة بعد ثورة 19، ومرة بعد ثورة 52، كلها عبارة عن قيامة.. حياة جديدة عاشتها البلد، تغيَّر فيها الأسلوب القديم بأسلوب جديد.
ونحن نرجو لبلادنا باستمرار أن تعيش في روح القيامة، في جدة الحياة، في الحياة الجديدة المملوءة قوة، والمملوءة فرحًا، والمملوءة سعادة، وننتهز فرصة عيد القيامة، لنطلب أن تعمل روح القيامة في كل بلد، وفي كل إقليم، يحتاج إلى قوة وإلى معونة من الله، وإلى حياة جديدة.
[1] عظة عيد القيامة، 14 أبريل 1990م
عطية القيامة
عطية القيامة[1]
إننا نحتفل اليوم يا إخوتي بعيد القيامة المجيد.
وكلمة القيامة كلمةٌ مفرحة تدل على محبة الله لنا، وعلى عطائه الكبير. فالقيامة هي عطية من الله للبشرية... شاء أننا لا نحيا على هذه الأرض فقط، فأعطانا حياة أخرى في العالم الآخر.
والله تبارك اسمه من طبيعته العطاء باستمرار، هو دائمًا يعطي، ويعطي لكل أحد، ويعطي بسخاء، يشرق بشمسه على الأبرار والأشرار، ويمطر على الصالحين والطالحين (مت5: 45).
والله في عطائه يعطينا دون أن نطلب، ويعطينا فوق ما نطلب.
وقد نصلي أحيانًا وربما نظن أنه لم يعطنا ما نطلبه في صلواتنا، ويكون قد أعد لنا خيرًا أكبر، أو خيرًا آخر، أو يريد أن يعطينا طول الأناة أو الصبر حتى تتحقق طلباتنا. حتى التجارب التي تحل علينا، الله يعطينا فيها الصبر والمنفذ والاحتمال، ويعطينا التجارب على قدر ما نستطيع أن نحتمل.
عطية الخلق والوجود
ولعل أول عطية أعطاها لنا الله، وأكبر عطية، هي الخلق...
فمنحنا الوجود إذ لم نكن.. وقبل أن يعطينا هذه النعمة: نعمة الوجود، أعدَّ كل شيء لنا، لراحتنا أولاً. أعدَّ لنا هذه الأرض كي نمشي عليها، وأعدَّ لنا الشمس والقمر والكواكب والنجوم لتضيء لنا، وأعدَّ لنا الماء لنشرب، وأعدَّ لنا الشجر والثمر لنأكل، أعدَّ لنا كل شيء، ثم خلق التراب أولاً وخلقنا نحن من هذا التراب.
عطية العقل
والله عندما أنعم علينا بالوجود أعطانا أيضًا عطية العقل.
هذا العقل العجيب الذي استطاع أن يُسيِّر سفنًا في الفضاء وأقمارًا صناعية تدور حول الكون، والذي اخترع اختراعات مذهلة، ولكن كل هذا هو عطية من الله، لأن العقل الذي فعل كل هذا هو من الله أيضًا.
عطية الجسد
وأعطانا الله هذا الجسد بكل أجهزته العجيبة، التي لا يستطيع العالم كله أن يأتي بواحدةٍ منها، لا يستطيع أن يأتي بهذا النطق، ولا بهذا المخ في كل مراكزه ولا بالجهاز العصبي ولا بأي أجهزة... تعمل كلها بطريقة دقيقةٍ عجيبة، إن اختل واحدٌ منها لا يمكن أن يرجع إلى حالته الطبيعية مهما أُصلِح.
عطية الحياة
الله أعطانا الوجود، وأعطانا العقل والجسد، وأعطانا الحياة.
ولأن هناك موجودات غير حية أعطانا الحياة، وأعطانا الروح لكي نحيا... وما هي الروح؟
نقف أمامها في سر عجيب...!
الإنسان روح وجسد والله منح لروحه الخلود، فهي تحيا إلى الأبد.. حتى عندما يموت الإنسان تظل روحه حيّة، الموت الكامل للإنسان غير موجود.
الموتُ هو انفصال الروح عن الجسد، ويموت الجسد وتبقى الروح حية! ومع ذلك فخروج الروح من الجسد سرٌ لا ندريه، ورجوع الروح إلى الجسد بالقيامة سرٌ أعظم.
ما الذي نعرفه عن خروج الروح من الجسد؟!! لا شيء إلاَّ المظاهر الخارجية التي تتركز في كلمةٍ واحدة هي توقُّف الحياة. يتوقف المخ، يتوقف القلب، يتوقف النبض، يتوقف التنفس، تتوقف الحرارة، تتوقف الحركة.. لكن ما الذي يحدث حينما يموت الإنسان؟ كيف تخرج الروح ومتى؟ وما الذي يحدث عند خروج الروح؟ وما يتبع ذلك من المشاعر والأحاسيس؟ أو ما يتبع ذلك من المناظر أحيانًا؟! وكيف تعود في القيامة؟ وما الذي يحدث بعد أن تخرج الروح؟ إلى أين تسير.. وإلى أين المصير؟
لا ندري عن ذلك شيئًا.. وكيف ترجع بالقيامة لا ندري أيضًا...!
للأسف الشديد كل الذين اُقيموا من الأموات، سواء الذين أقامهم أنبياء العهد القديم أو الذين أقامهم المسيح له المجد، لم يحدِّثونا عن شيءٍ لا عن خروج الروح ولا عن رجوعها، وبقي هذا الأمر سرًا مختومًا بسبعة ختوم.
كل ما نعلمه أننا نشكر الله أنه أعطانا القيامة، نشكر الله أن حياة الإنسان لا تنتهي بالموت، وقد أعدَّ له الله حياة أخرى. وأعدَّ له الله أبدية لا نهاية لأيامها ولا مقياس لطولها. سيأتي وقت ترجع فيه الأرواح إلى الأجساد، ويقومُ جميع الناس وحينما يقومون يقفون أمام كرسيّ الله العادل للدينونة ليعطي كلُ إنسانٍ حسابًا عما فعله بالجسد خيرًا كان أم شرًا.
نشكر الله على هذه القيامة...
عطية القيامة
القيامة عطية عجيبة من الله أعطاها لنا لنحيا حياة أخرى، لكي لا تنتهي حياة الإنسان بالموت، لكي تمتد حياته في عالمٍ آخر، وبطريقة أفضل ويسمو فوق مستوى المادة.
والقيامة هذه أمرٌ ممكن، ربما يقف الناس في عجز عن كيف تحدث؟! ولكنها بالنسبة إلى الله ممكنة... الله الذي خلق هذا الجسد من تراب يستطيع أن يعيده من التراب أيضًا.
الله الذي أعطى الإنسان نعمة الوجود يستطيع أن يعيد وجوده مرة أخرى. الأمر يتوقف على الإيمان بقدرة الله غير المحدودة، الله القادر على كل شيء، صانع المعجزات والعجائب وحده.
الذين لا يستطيعون أن يدركوا القيامة بالتالي لا يستطيعون أن يدركوا المعجزة، وبالتالي لا يستطيعون أن يدركوا قدرة الله غير المحدودة، ولا الله نفسه يدركونه...
القيامة ممكنة بقدرة الله.. لأن عملية الخلق أصعب من عملية القيامة. كون أن الله يخلق كائنات من العدم هذا هو الصعب، أما أن يعيد هذه الكائنات إلى الحياة فهذا أمرٌ أسهل.. والذي يقدر على الصعب يستطيع أن يقدر على السهل أيضًا.
والقيامةُ لازمةٌ لأن الإنسان روح وجسد...
فإذا بقيت الروح حية والجسد انتهى لا يكون بعد إنسانًا كاملاً، فلكي يستمر الإنسان إنسانًا لا بد أن يعود الجسد وتتحد به الروح. والله الذي منح الخلود لم يمنح الخلود للروحِ فقط، إنما منح الخلود للإنسان كله روحًا وجسدًا.
والقيامة لازمة؛ لأنه لولا القيامة لشابهنا الحيوانات!! الحيوانات تحيا فترة وتموت وتنتهي، ولكن الإنسان العجيب في عقله وفي تكوينه وفي سمو طبيعته لا يمكن أن يشبه الحيوانات.
إن القيامة عطيةٌ من الله، وشهادة بكرامة الإنسان، وتفوُّقه على سائر المخلوقات.
والقيامة لازمة أيضًا من جهة العدالة؛ لأن كل عمل يعمله الإنسان في حياته يشترك فيه الجسد مع الروح.. حتى في الصلاة وهي عملُ الروحِ، الجسد يركع ويسجد ويقف ويبتهل ويرفع يديه إلى فوق، والجسد يصوم، والجسد يتعب في عمل الخير.. فمن المحال أن تُكافأ الروح، والجسد الذي تعب هذا التعب كله لا يُكافأ!!
لا يكون هذا عدلاً... ففي المكافأة في الحياة الأخرى لا بد أن تُكافأ الروح ويُكافأ الجسد معًا.
وهكذا أيضًا في الخطية.. الجسد الذي اشتهى ملاذ العالم وعاش في العبث وخضع للمادة لا يمكن أن يبقى بلا عقاب، وتُعاقب الروح وحدها! إنما ينبغي أن تكون هناك قيامة ويقف الاثنان معًا أمام الله.
والقيامةُ أيضًا لازمة من جهة التعويض؛ تعويض الناس الذين عاشوا على الأرض ولم يستفيدوا خيرًا، تعويض للأشخاص الذين عاشوا على الأرض مثلاً في عاهات في الجسد، أو فقدوا البصر، أو فقدوا السمع والكلام، أو عاشوا مشوهين.. هؤلاء في القيامة تقوم أجسادهم سليمة تمامًا... يعوضها الله عما فقدته في هذه الحياة.
وبهذا المناسبة أحب أن أشكر ابننا الشماس المتخصص في الترجمة للصم والبكم، هو يشرح لهم الآن العظة بالإشارة وهم يفهمونه كما لو كانت لهم حاسة السمع والكلام. الله يعوِّض الجميع في الحياة الأخرى.
والقيامة حلمٌ نحلم به لنعيش في الأبدية السعيدة التي يتمناها كل إنسان، والتي هي محصِّلة حياة الإنسان وتعبه على الأرض.
[1] عظة عيد القيامة، 8 أبريل 1991م
القيامة العامة
القيامة العامة[1]
أود يا إخوتي جميعًا أن أهنئكم بعيد القيامة المجيد راجيًا لكم فيه حياةٍ مباركة سعيدة، وراجيًا لبلادنا كل خير وأنتهز الفرصة لكي نأخذ بعض تأملات روحية عن القيامة.
القيامةُ أولاً هي انتصارٌ على الموت
هذا العدو الذي لم يستطع أحدٌ من البشر أن ينتصر عليه. كل القيامات السابقة كانت مؤقتة، وبعد أن قام أصحابها ماتوا مرة أخرى منتظرين القيامة العامة. أما القيامة العامة؛ فينتهي فيها الموت تمامًا ولا تقوم له قائمة بعد ذلك. نستطيعُ في القيامة العامة أن نقول: قد مات الموت ولم تعد له قائمة.
قد يرى البعض أن القيامة هي عودة الحياة إلى الإنسان، ولكن في الحقيقة هذا التعبير غير دقيق، لماذا؟
لأن الإنسان يتكون من عنصرين؛ عنصر حي باستمرار هو الروح، وعنصر قابل للموت هو الجسد. والروحُ لم تمت حتى تقوم، إذًا فالقيامة هي قيامة للجسد وحده.
الروح تظل حية بعد موت الإنسان من أجل هذا نحن لنا علاقة بالأرواح في العالم الآخر، ونطلب صلوات أولئك الذين انتقلوا من عالمنا الحاضر، وقد يرسل الله بعضًا منهم إلينا لكي يبلغوا رسالة معينة، أو لكي يُجروا معجزة من المعجزات. إذًا فالأرواح حية.. جزء من الإنسان حي لا يموت هو الروح.
أما الجسد فقد خُلق من تراب وإلى التراب يعود، ويظل في التراب إلى أن تأتي إليه الروح في القيامة العامة وتتحد به مرة أخرى فيحيا بحياتها.
إنهما صديقان عاشا معًا طول هذا العمر على الأرض، أعني الروح والجسد، كزوجين ارتبطا معًا برباط مقدس ثم سافر أحدهما في مسيرة بعيدة وأخيرًا رجع مرة أخرى... أعني الروح للاتحاد بالجسد والارتباط به في وحدة لا يصيران معها بعد اثنين بل واحدًا.
أقول أيضًا إن في القيامة نوعًا من التجلي..
يتجلّى الجسد في القيامة وتتجلّى الروح. أما عن تجلِّي الجسد: فهو إننا سنقوم بأجساد نورانية روحانية سماوية، هذه الأجساد لا تمرض ولا تنحل ولا تتألم ولا تتوجع ولا تتعب ولا تعطش ولا تجوع. أرواحنا لها الطابع الروحي ولكن الأجساد أيضًا ستكونُ خفيفةً في كل شيء، في تحركاتها وفي تنقلاتها، وستقوم أجسادًا نقية لا تتعبُها شهوة، ولا غريزة..
هذه الأجساد ستقوم بلا عيب ولا نقص، أي أن الأعمى لا يقومُ أعمى بل يُعطَى البصر بعد القيامة، والمشوَّه لا يقوم مشوهًا وإنما يُضفي الله عليه جمالاً في القيامة، وكل من فيه نقص لا يقوم إطلاقًا بنقصه لأن الأبدية لن يكون فيها نقص ولا عيب.
الأرواح أيضًا ستتجلّى، بعد القيامة ستكون أرواحًا تتصف بالنقاء والصفاء والبراءة والطهارة والقدسية، أكثر مما كان آدم وحواء قبل الخطية. كانا آدم وحواء في الجنة عريانين وهما لا يخجلان، كانا في براءةٍ كاملة، ومع ذلك كانت لهما حالة قابلة للسقوط وقد سقطا فعلاً.
أما في الأبدية فكما قلنا إن الموت قد مات، نقول أيضًا إن الخطية قد ماتت وانتهت - أنا اتكلم عن الأبرار - في الأبدية تكون حالتهم غير قابلة للخطية يكون الناس أبرارًا وأطهارًا وغير معرَّضين للسقوط إطلاقًا.. فترة السقوط على الأرض قد انتهت.
أتذكَّر هنا ما قاله القديس بولس الرسول: "وَأَخِيرًا قَدْ وُضِعَ لِي إِكْلِيلُ الْبِرِّ، الَّذِي يَهَبُهُ لِي فِي ذلِكَ الْيَوْمِ، الرَّبُّ الدَّيَّانُ الْعَادِلُ، وَلَيْسَ لِي فَقَطْ، بَلْ لِجَمِيعِ الَّذِينَ يُحِبُّونَ ظُهُورَهُ أَيْضًا" (2تي4: 8).
هذا هو إكليل البر الذي تتجلّى به الروح في الأبدية... بمعنى أن الروح لا يمكن أن تخطئ، بل كما يقول السيد المسيح عن الناس في الأبدية: "يَكُونُونَ كَمَلاَئِكَةِ اللهِ فِي السَّمَاءِ" (مت22: 30)، ترجع إلى الروح براءتها الأولى، وطهارتها الأولى، وبساطتها الأولى، وينزع الله منها كل تذكار الخطية السابق، بمعنى أن الخطايا التي رآها الناس على الأرض حينما يصعدون في الأبدية ينزع الله من ذاكرتهم كل فكر الخطية، بل حتى معرفة الخطية لا يعرفونها، وقصص وتذكارات الأشرار لا يتذكرونها، يعيشون في برٍ دائم لا يتحول إطلاقًا.. هذا هو جمال الأبدية!
هنا على الأرض يوجد صراعٌ جبار بين الجسد والروح. الروح تشتهي ضد الجسد والجسد يشتهي ضد الروح (غلا5: 17)، أما في الأبدية بعد القيامة فلا يوجد صراع على الإطلاق.
تنتهي أيضًا الثنائية..
العالم حاليًا يعيشُ في الثنائية؛ ثنائية الخير والشر، والصواب والخطأ والحق والباطل، أما في الأبدية فلا يوجد سوى الحق، وسوى الخير، لا يوجد باطل، ولا يوجد شر. تختفي هذه الثنائية تمامًا، ولا يوجد صراع بين الحلال والحرام. لا يوجد سوى الحلال فقط.. هذا هو جمال الأبدية التي يعيشها الأبرار بعد القيامة!
الروح ليس فقط لا تخطئ، وإنما تتحلى بثمار الروح التي قال عنها الكتاب: "وَأَمَّا ثَمَرُ الرُّوحِ فَهُوَ مَحَبَّةٌ فَرَحٌ سَلاَمٌ، طُولُ أَنَاةٍ لُطْفٌ صَلاَحٌ، إِيمَانٌ وَدَاعَةٌ تَعَفُّفٌ" (غلا5: 22، 23)، تتحلّى بكل هذا.
وأيضًا يعيشُ الناس في الأبدية في فرحٍ دائم..
أول فرح يفرحون به هو فرح الانتصار، فرح دخول الملكوت، فرح التخلُّص من هذا العالم المادي الزائل، فرح الناس الغالبين المنتصرين.
لأن ملكوت الله لا يدخله إلا الغالبون المنتصرون، الذين تعرَّضوا للحروب الروحية وانتصروا فيها جميعًا..
انتصروا على الجسد والمادة والشيطان وعلى كل إغراء في العالم، يفرحون بهذا الانتصار وبدخول الملكوت.
وفي الأبدية أيضًا يفرحون بعشرة الملائكة والقديسين. تصوَّروا أننا بعد القيامة حينما ندخل الأبدية نلتقي بجميع الأنبياء والرسل من أول العصور على مرِّ الأجيال، نلتقي بجميع الشهداء الذين سفكوا دماءهم من أجل الله، ومن أجل مبدأ روحي.
نلتقي أيضًا يجميع الرعاة القديسين وجميع الفضلاء، بل نلتقي بالأكثر بكل صفوف الملائكة بكل طغماتهم ورتبهم وعظمتهم، كم من العمر نقضيه حتى نتعرف إلى كل هؤلاء!
بل أيضًا من أفضل ما يوجد في الأبدية معرفتُنا بالله ذاته تبارك اسمه...
ضئيلة وقليلة هي معرفتنا عن الله غير المدرك، غير المحدود! ولكننا في الأبدية سنعرف أكثر وأكثر، سيوسع الله عقولنا ويوسع قلوبنا لنعرف شيئًا أكثر عن الله.. ومع ذلك يبقى الله غير محدود ونبقى نحن محدودين ولا يمكن أن ندرك كل ما يتعلق بالله.
لذلك قال السيد المسيح لله الآب: "وَهذِهِ هِيَ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ: أَنْ يَعْرِفُوكَ أَنْتَ الإِلهَ الْحَقِيقِيَّ وَحْدَكَ"(يو17: 3).
يعطينا الرب شيئًا من معرفته فنُذهل ونُبهر ونقول له: كفانا يا رب كفانا، بشريتنا الضعيفة لا تحتمل معرفة أكثر.. ثم يوسع الله عقولنا وقلوبنا لننال معرفة أخرى وهكذا الأبدية كلها لا تكفي.
الفرح الذي في الأبدية لا يُعبَّر عنه.. أنا إنما أقدِّم لكم مجرد إطار خارجي لصورةٍ جميلة هي صورة الأبدية. أما فرح الأبدية فاعذروني لا أستطيع أن أدركه، ولا أن أعبِّر عنه ولا أجد في اللغة ألفاظًا تصف أفراح الأبدية والنعيم الأبدي.
أجمل ما قيل في ذلك هو "مشتاقين إلى الوطن السمائي حيث الله مع الناس، مع الملائكة" هذه هي الأسرة التي نعيش فيها.
لا بد أن نستعد للأبدية بالإيمان بالقلب الطاهر النقي بالحب من نحو الله ومن نحو الناس، وما أجمل قول الكتاب: "لأَنَّ مَنْ لاَ يُحِبُّ أَخَاهُ الَّذِي أَبْصَرَهُ، كَيْفَ يَقْدِرُ أَنْ يُحِبَّ اللهَ الَّذِي لَمْ يُبْصِرْهُ؟" (1يو4: 20).
ليتنا نعمل من أجل أبديتنا لأن أيام هذه الأرض قليلة وضئيلة، بل لا شيء إذا قيست باللامحدود، أعني الأبدية...
[1] عظة عيد القيامة، 26 أبريل 1992م
الاستعداد للقيامة العامة
الاستعداد للقيامة العامة[1]
أحدِّثكم يا إخوتي الأحباء عن القيامة العامة كما حدَّثتكم عن نواحٍ منها في سنواتنا الماضية.
وأقول في هذه السنة إن القيامة العامة يعقبها الدينونة والحساب والثواب والعقاب، لماذا؟
لأن الأعمال التي يعملها الإنسان خيرًا كانت أم شرًا يشتركُ فيها الروح والجسد معًا، فلا يمكن أن تكون المحاسبة بعد الموت مباشرة لأن الجسد يكون في القبر، وبالوقت يتحول إلى تراب.
لهذا رأت حكمة الله أنه عندما تأتي ساعة القيامة وترجع الروح وتتحد بالجسد ويقوم حيًا، حينئذ يُحاسب الإنسان كله كشخصية متكاملة لأن كل الأعمال اشترك فيها الجسد مع الروح. فمثلاً الروح تريد أن تصلِّي، والجسد هو الذي يركع ويسجد ويقف أمام الله ويبسط يديه ونظره نحو السماء.
الروح تريد أن يكون لها حياة روحية، والجسد هو الذي يصوم ويتعب. الروح تريد أن تخدم الآخرين، والجسد هو الذي يجري ويمشي هنا وهناك ويبذل كل جهده... فلا يمكن أن تُحاسَب الروح وحدها، إنما الروح مع الجسد، حين تتم القيامة.
وعندما يموت الإنسان يفارق وطنه وبلده، ويفارق أهله وأقاربه وأصحابه، ويفارق أملاكه وأمواله ومقتنياته، ولكن شيئًا واحدًا لا يمكن أن يفارقه وهو أعماله، كما يقول الكتاب: "وَأَعْمَالُهُمْ تَتْبَعُهُمْ" (رؤ14: 13).
يموت الإنسان وأعماله تتبعه كل ما عمل في الحياة الدنيا..
الخفيات والظاهرات، تتبعه خطايا العمل، وخطايا الفكر، وخطايا الحواس، وخطايا القلب والمشاعر والنيات كلها تقف أمامه حيث لا مهرب! قد يهرب الإنسان من أعماله بإخفائها وهو على الأرض ولكنها لا تختفي عندما يموت تجري ورائه وتطارده.
وحينما تتحد الروح بالجسد ويقفان أمام الله تقف مع الإنسان جميع أعماله ويجد نفسه مُدانًا من أعماله قبل أن ينطق حكم الإدانة من الله تبارك اسمه... ولا يوجد مهرب من كل هذا إلا شيء واحد لا غير وهو التوبة.
التوبة التي بها تُمحى الخطايا بواسطة رحمة الله ومغفرته وحنانه على البشرية، وعندما نقول التوبة نقصد التوبة الحقيقية.
فما هي التوبة الحقيقية؟
ليست التوبة هي مجرد ترك الخطية وعدم عملها، لأن الإنسان قد يترك الخطية بالفعل ويستمر يشتهيها في القلب، وتستمر تدور في فكره وفي أمنياته وربما في أحلامه. إذًا ما هو كمال التوبة؟!
كمال التوبة؛ ليس هو ترك الخطية إنما هو كراهية الخطية بحيث إن الإنسان يكره الخطية ولا يشتهيها ولو عُرضت عليه لا يرتكبها، فهل هذا يكفي؟!
أعتقد أن هناك أمرًا آخر لازمًا جدًا، يعني لا يكفي إن الإنسان يترك الخطية بالقلب وبالفعل وبالفكر، ولا يكفي إنه يكره الخطية.. إذًا ماذا أزيد؟ لا بد أن يعالج نتائج الخطية على قدر ما يستطيع...
بمعنى لنفرض أن إنسانًا ظلم غيره، أيقول أنا يا رب قد تبت فما عدت أظلم ويترك المظلوم يقاسي نتائج هذا الظلم، ويرزح تحته!! كلا، إنما يتوب ويترك الظلم ويعالج النتائج.
لنفرض أن إنسانًا أساء سمعة شخص آخر.. أيقول لله أنا يا رب قد تبت عن إساءة سمعة الناس وأنت غفورٌ رحيم!! لا بد له أن يرد لهذا الإنسان اعتباره ولا يتركه تحت السمعة السيئة، ويقول أنا قد تبت.. معالجة نتائج الخطية.
أذًا إن فعل هذا هل يكفي لمحو خطاياه؟! أقول إن هناك شيئًا آخر يلزم. إن التوبة ليست هي الاتجاه السلبي فقط إنما لها الاتجاه الإيجابي في محبة الله وفعل الخير، بحيث إن الإنسان لا يصنع الشر وفي نفس الوقت يفعل الخير.
ما دام الأمر هكذا والحساب لازم على كل شيء ولا منجاة من الحساب إلا بالتوبة، فعلى الإنسان من الآن أن يحاسب نفسه... حاسب نفسك قبل أن يحاسبك الله، وصدق ذلك القديس الذي قال: "احكُم يا أخي على نفسك قبل أن يُحكم عليك".
إذا حاسبت نفسك، أمامك فرصة للتوبة، وأمامك فرصة لإصلاح ذاتك وإصلاح نتائج خطاياك، أما إن لم تفعل، فستتبعك هذه الخطايا في يوم الدينونة الرهيب حينما تُفتح الأسفار، وتُكشف الأعمال، وتُكشف الأفكار وتُكشف النيات، وتُكشف الخفيات أمام الكل.
في إحدى المرات سأل إنسانٌ سؤالاً، وقال: لنفرض إن الله أرسل ملاكًا ليكشف أفكار وأعمال الناس المجتمعين ولو لمدة أسبوع واحد فقط أمام الكل، أيستطيع أحد أن يجرؤ في أن يجلس أم يهرب الجميع؟!!
فكم بالأولى لو أن الله كشف كل أعمال الناس وأفكارهم ونياتهم وتدابيرهم الخفية أمام الخلق كله، وأمام الملائكة؟!
صدق ذلك الأديب الروحي الذي قال: "فكر.. كما لو كانت أفكارك مكتوبة على سحاب السماء بأحرفٍ من نور يقرأها الكل وإنها لكذلك، واعمل كما لو كانت أعمالك مكشوفة أمام الناس، واضحةً على سحاب السماء يراها الكل وإنها لكذلك"...
إذًا على الإنسان أن يحاسب نفسه قبل أن يحاسبه الله. على أن الله لا يحاسب فقط على السيئات إنما يحاسب أيضًا على الأعمال البارة لكي يكافئ عليها.. وليست فقط الأعمال العظيمة التي تعملها.. إنما الله يكافئك في اليوم الأخير على كل عمل، يكافئك على كلمة تشجيع تعطيها للبعض، يكافئك على بسمة حنان، يكافئك على نظرة عطف، يكافئك على نصيحة طيبة، يكافئك على دفاعٍ عن مظلوم، يكافئك على كل شيء.
إذًا اعمل على قدر ما تستطيع يكافئك الله...
يكافئك أيضًا على كل الأعمال الخّيرة التي لم تنل عنها مكافأةٍ على الأرض، إما نتيجة تجاهل أو إهمال من الناس، أو نتيجة أنك أخفيت فضائلك لكي تأخذ أجرها كاملاً في السماء ولا تأخذ عنها أجرًا على الإطلاق على الأرض. بل إن الله يكافئك على النية الطيبة التي تريد أن تعمل بها خيرًا حتى لو لم تعمله، يكافئك على عمل الخير الذي تريد أن تعمله وتقف أمامك عوائق تمنعك من التنفيذ على الرغم من إرادتك.
ينبغي أن لا يمر علينا يوم دون أن نعمل فيه خيرًا، واليوم الذي يمر بدون خير لا تحسبه من حياتك هو يوم ساقط ميت ضائع لا يُحسب من أيام حياتك.
كلمة لطيفة قيلت عن السيد المسيح في الإنجيل المقدس قيل عنه إنه كان يجول يصنع خيرًا ويشفي كل مرض وكل ضعف في الشعب (أع10: 38).
ليتك أنت أيضًا تجول وتصنع خيرًا! وإن لم تستطع أن تصنع خيرًا فعلى الأقل لا تصنع شر... قف حيث أنت إلى أن تدركك نعمة الله وتدفعك إلى الخير دفعًا. أيضًا كل عمل تعمله وهو خالي من الحب لا تُكافأ عليه. الأعمال التي تُكافأ عليها تُكافأ على الحب الذي فيها، الحب نحو الله، والحب نحو الخير، والحب نحو الغير. وملكوت الله لا يدخله إلاّ القلوب المملوءة بالحب... القلوب التي توجد فيها كراهية أو عداوة أو حقد لا تدخل ملكوت الله لأنه ملكوت الحب.
نرجو أن يعطينا الرب أن نقف أمامه بلا لوم في اليوم الأخير. ونطلب من الله أن يجعلنا باستمرار أن نقف بلا لوم أمام ضمائرنا، وبهذا عندما تأتي القيامة وعندما يأتي يوم الحساب يقول لنا الرب عبارته الجميلة: "نِعِمَّا أَيُّهَا الْعَبْدُ الصَّالِحُ وَالأَمِينُ! كُنْتَ أَمِينًا فِي الْقَلِيلِ فَأُقِيمُكَ عَلَى الْكَثِيرِ. اُدْخُلْ إِلَى فَرَحِ سَيِّدِكَ" (مت25: 21).
نطلب ببركة هذا اليوم أن يعطينا الرب أن نفعل مرضاته، ونطلب منه أن يعطي بلادنا المحبوبة سلامًا وأمنًا ورخاءً وهدوءًا.
[1] عظة عيد القيامة، 18 أبريل 1993م
السماء
السماء[1]
أود أن أهنئكم يا إخوتي جميعًا بعيد القيامة المجيد.. والقيامة يعقبها أمران هامان: الأمر الالأمررمر الأول هو الدينونة العامة أو الحساب العام أمام الله، والأمر الثاني هو الذهاب إلى السماء بالنسبة إلى الأبرار والعقوبة بالنسبة للأشرار. وقد حدثتكم العام الماضي عن الدينونة والحساب العام، وأود أن أحدثكم في هذا العام عن السماء.
جميلٌ أن نضع آمالنا في السماء، وتنقضي فترة غربتنا على الأرض لنلتقي بالله في السماء.
والسماء وردت في أول آية في الكتاب المقدس حيث قيل: "فِي الْبَدْءِ خَلَقَ اللهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ" (تك1: 1) أي في بدء قصة الخليقة، وعبارة "السموات" تعني وجود أكثر من سماء، فلا شك أن السماء الأولى التي نراها هي سماء الطيور والطائرات، هي هذا الغلاف الجوي المحيط بالأرض، ولذلك الكتاب المقدس حينما يتحدث عن الطيور يقول: "طُيُورُ السَّمَاءِ" (لو8: 5).
والسماء الثانية هي سماء الفلّك حيث توجد الشمس والنجوم والمجموعة الشمسية كلها والكواكب البعيدة التي لا يمكن أن يصل إليها إنسان، فأي مركبة فضاء إذا اقتربت من الشمس تحترق بنارها وتذوب، وهذا الفلّك سُميَّ سماء أيضًا. كما يقول الكتاب المقدس: "اَلسَّمَاوَاتُ تُحَدِّثُ بِمَجْدِ اللهِ، وَالْفَلَكُ يُخْبِرُ بِعَمَلِ يَدَيْهِ" (مز19: 1).
أما السماء الثالثة فهي سماء الأرواح وبعض الملائكة، وتُسمَّى أيضًا بالفردوس لأن الأرواح تصعد إلى السماء ولكن ليست هي سماء المجد.
نسمع أيضًا عن سماء أعلى من كل هذا وأرفع وأسمى يسمونها سماء السموات، حيث يوجد عرش الله وحيث قال السيد المسيح: "السَّمَاءُ كُرْسِيٌّ لِي، وَالأَرْضُ مَوْطِئٌ لِقَدَمَيَّ" (أع7: 49).
إذا كانت السماء هي عرش الله، فما معنى هذه العبارة؟
المعروف أن الله موجود في كل مكان وليس فقط في السماء، ولكننا حينما نتكلم عن السماء بهذا المعنى كعرش الله إنما نقصد مجد الله المكان الذي يوجد فيه الله ممجدًا. هنا على الأرض يوجد من ينكر وجود الله ومن يجدف عليه ومن يعصى أوامره ومن لا يبالي..!
أما في السماء فالله ممجد تمامًا من ملائكته القديسين، هؤلاء الملائكة الذين قال عنهم المزمور: "الْفَاعِلِينَ أَمْرَهُ عِنْدَ سَمَاعِ صَوْتِ كَلاَمِهِ" (مز103: 20) الفاعلين أمره؛ الله يأمر الملاك فيطيع في نفس اللحظة سواء كان الأمر أن يذهب ليبارك أم يذهب ليعاقب، يذهب ليمنح أم يذهب ليوقع عقوبة من الله، لذلك تسمى السماء بعرش الله، بمجد الله.
سماء السموات: وهذه لم يصعد إليها أحد من الناس. إذا كانت السماء هي عرش الله بمعنى وجوده ممجدًا ومسبحًا، إذًا هنا نرى معنىً آخر جميلاً.. أتذكر أنني في تأملي لهذا الأمر قلت مرة في بعض قصائدي أخاطب الله تبارك اسمه:
ما بعيدٌ أنتَ عن روحي التي | في سكون الصمتِ تستوحي نداك |
القلب المملوء بالحب الإلهي هو سماءٌ ثانية..
يحسُ ويشعر بوجود الله في حياته وفي داخله...
هو عرشٌ ثانٍ لله تبارك اسمه...
ولذلك في إحدى المرات تقابل رجلٌ ملحد مع إنسان مؤمن، وسأل الملحد قائلاً: أين يوجد الله؟! فوضع المؤمن يده على قلبه وقال له: هنا يوجد الله!
الإنسان المؤمن لا يبحث عن الله خارجًا منه، وإنما يبحث عن الله في داخل نفسه...
ولكن مع ذلك الله يأمرنا بأننا نتجه إلى السماء وننشغل بها، وقد علَّمنا أن نصلي قائلين: "أبانا الذي في السموات".. وحدثنا الكتاب عن ملكوت السموات. ونحن حينما نصلي إنما نرفع أنظارنا إلى السماء، فما معنى هذا؟
هل حينما نصلي ننظر إلى السماء حيث يوجد الله فقط؟ الله موجود على الأرض أيضًا، إنما حينما نرفع أعيننا إلى السماء، إنما نتذكر أمريْن...
الأمر الأول؛ أننا نرتفع عن مستوى المادة فلا ننظر إلى الأرض ولا إلى التراب ولا إلى المادة، إنما ننظر إلى فوق، ونرتفع بأفكارنا إلى فوق.
والأمر الثاني؛ أننا نتذكر السماء حيث الله ممجدًا ومُسبحًا من ملائكته.
هذه السماء يا إخوتي لا يدخلها إلاَّ الطاهرون... أما النجسون فيكفيهم أنهم نجسوا الأرض.. لا يستحقون أن يذهبوا إلى السماء!
السماء طاهرة يسكنها الملائكة وأرواح الأبرار...
وكل بار سينتقل إليها حيث يعيش هناك، ولأن السماء مقدسة لا يمكن أن توجد فيها خطية.. فالذين يذهبون إلى السماء من الأبرار ينتهي عهدهم بالخطية تمامًا، يكلَّلون بإكليل البر كما قال الكتاب.
ما معنى إكليل البر؟
معناه إن الإنسان لا يعرف سوى البر فقط، كل أمور الخطية تُنتزع تمامًا من ذاكرته من فكره، كل ما يختص بالخطية وأفكارها ومشاعرها وذكرياتها وأحداثها تُنسى تمامًا من الإنسان، ولا يبقى في عقله سوى البر وسوى الله وسمائه وملائكته وقديسيه. هنا يتنقى العقل ويتقدس بالسماء ولا نعود نذكر خطيةً فيما بعد.
شيء جميل أن يكون الإنسان بهذا الوضع، ولكن مع ذلك هناك شيءٌ آخر وهو متعة الروح.. وما معنى متعة الروح؟
أنا أريد أن أسألكم سؤالاً حاليًا: الإنسان يجد كثيرًا من متعته في أمور خاصة بالجسد وما إلى ذلك... وأحيانًا يجد متعته في أمور روحية!! ولكن حينما تنفصل الروح عن الجسد تمامًا بالموت وتبقى الروح وحدها كيف ستجد الروحُ متعتها؟! وهي منفصلة تمامًا عن الجسد كيف ستجد متعتها؟
لا بد أنها ستجد متعتها في محبة الله، وفي محبة الخير، وفي المتعة برؤية القديسين والملائكة، ولذلك ينبغي أن يدرِّب الإنسان نفسه من الآن على محبة الله، لئلا بعد ما تخرج روحه وتذهب إلى السماء لا يجد شيئًا ممتعًا لأنه لم يتدرب على شيء.
هذا التدريب على الأرض يسميه القديسون "مذاقة الملكوت"، أي أنه يذوق ملكوت الله حاليًا وهو على الأرض، يذوق متعة الروح. متعة الروح في كيف تتغذى بمحبة الله، وكيف تتغذى بكلام الله، وكيف تتغذى بالتأمل، وكيف تتغذى بمحبة الخير.. كيف تجد متعتها في هذه الأمور؟ إنه تدريب روحي ليتنا نتدرب عليه ولو يومًا واحدًا. يا ليت الإنسان يتدرب ولو يومًا واحدًا أن يعيش في أفكار سماوية بعيدة عن المادة وعن الجسد وعن الخطية، ولو يوم.
إن كنت لا تستطيع أن تتدرب على يوم واحد تعيشه روحك بعيدًا عن المادة والجسد فماذا تفعل حينما تترك الروح هذا الجسد وهي غير مدربة؟ ماذا تفعل؟!
التدريب الثاني هو ما قاله الرب في الإنجيل: "اكْنِزُوا لَكُمْ كُنُوزًا فِي السَّمَاءِ، لاَ تَكْنِزُوا لَكُمْ كُنُوزًا عَلَى الأَرْضِ" (مت6: 19، 20)، لو أن الإنسان كنز له شيئًا في السماء حينما يغادر الجسد يجده هناك، يعوضه الله عن الفانيات بالباقيات وعن الأرضيات بالسماويات، ويجد كل خير يستقبله في السماء.
على أن الأرواح في السماء بينها لونٌ من التفاوت، ليست كلها على درجة واحدة، لأن الله سيجازي كل واحدٍ حسب أعماله على الأرض خيرًا كانت أم شرًا، وأعمال الناس تختلف. فمن غير المعقول أن تكون لهم درجة واحدة في السماء... إنما هم درجات.
ولذلك أذكر في إحدى القصص أن راهبًا سأل شيخًا روحانيًا كان على حافة الوفاة قال له: "أريد أن أقابلك يا أبي قبل أن ننتقل من عالمنا وتدخل في نورٍ لا أستطيع أنا أن أصل إليه".
على الأرض هنا كلنا نتقابل معًا القديس مع الشرير الكل يتقابلون... ولكن في السماء هناك أشخاصٌ يكونون في درجة عالية من الصعب أن يصل إليها أصحاب النفوس الصغيرة، درجات كبيرة.. حسب تعب الإنسان على الأرض هناك تكون درجته في السماء.
الذين يدركون هذه الحقيقة يبذلون كل جهدهم في إرضاء الله على الأرض لأنها فترة اختبار أو فترة غربة نقضيها على الأرض إلى أن نلتقي مرة أخرى بالله في السماء.
كل عمل خير تعمله تجده هناك في استقبالك... من أجل هذا القديسون يتأملون كثيرًا في السماء، ويرتفعون عن مستوى الأرض ومستوى الماديات، ويعملون لهذه السماء بكل ما عندهم من جهد.
كثيرون يبذلون كل الجهد من أجل تلقِّي العلم، أو من أجل الحصول على المال أو من أجل الوصول إلى المراكز، ولكن مَن منّا يجاهد لكي يكون له مكانٌ وتكون له مكانة في السماء. إنها هي التي نضعُها باستمرار أمام عيوننا لأنها مصيرنا حينما نخرج من هذا الجسد، وهي أملنُا وهي هدفنُا.
وكل واحد منا أيها الإخوة هو أيضًا عبارة عن أرض وسماء، فينا جزءٌ من الأرض وهو هذا الجسد، وفينا جزءٌ سماوي وهو الروح. هذا الجسد يشتهي التراب الذي أُخذ منه ويشتهي هذه الأرض الذي سيرجع إليها حينما يتحول إلى تراب مرةٍ أخرى، أما الروح فتشتهي السماء لأن طبيعتها سماوية.
[1] عظة عيد القيامة، 1 مايو 1994م
قدرة الله
قدرة الله[1]
إننا نحتفل يا إخوتي في هذا اليوم بعيد القيامة المجيد.. وعيد القيامة يعطينا فكرةً قوية عن قدرة الله...
إذا أمكن إقامة ميت واحد من الأموات تكون هذه معجزة خارقة، فإذا أمكن إقامة مجموعة من الموتى كما أقام السيد المسيح لعازر من الموت، وابن أرملة نايين، وابنة يايرس.. تكون هذه معجزة أكبر.
أما أن يستطيع الله أن يقيم جميع الموتى الذين ماتوا منذ آدم إلى آخر الدهور.. فهذا أمر عجيب يدل على قدرة الله غير المحدودة!!
وليس فقط هذا العدد الكبير من الموتى يُقامون، وإنما أيضًا حالة هؤلاء الموتى! كثيرون منهم تحول جسدهم إلى تراب وامتصت الأرض عناصرها، والبعض منهم غرقوا في البحار وأكلتهم الأسماك، والبعض أكلت أجسادهم الوحوش، والبعض احترقوا بالنار في اضطهاد أو تعذيب والبعض حرقوا أجسادهم عن عقيدة، كما يحدث في الهند والصين والشرق الأقصى، ولا يبقى من هذا الجسد إلا حفنة من رماد توضع في أنبوبة أو قارورة، والبعض من هؤلاء تفتتت أجسادهم وتشتتت في حوادث طائرات احترقت، والبعض لا يُعرف أجسادهم أين هي، فُقدت في حروب... فكيف يمكن أن الله يستطيع أن يجمع كل هذه الأجساد ويعيدها مرة أخرى؟!
معجزة تفوق الوصف ليس فقط من جهة العدد، ولا من جهة حالتها، وإنما تجميع كل هذه الأجساد من كل قارات العالم ومن البحار والمحيطات ومن باطن الأرض، لتقف كلها في مكانٍ واحد ليوم الدينونة الرهيب.. شيء عجيب يدل على قدرة غير محدودة.
والقيامة أيضًا لا تختص بالأجساد فقط، وإنما الأرواح أيضًا كيف يجمع الله جميع أرواح الموتى الذين ماتوا منذ بدء البشرية إلى آخر الزمان، يجمعهم كلهم في موكب واحد لكي يأتوا، وتتعرف كل روح على جسدها الذي عاشت فيه على الأرض، وتدخل فيه وتتحد به، ويرجع إلى الحياة؟!!
أمرٌ يدل على قدرة عجيبة، من الصعب على العقل إدراكها قد يقول البعض: إنها معجزة، وهي فعلًا معجزة.
أعظم المعجزات في نظري: معجزة الخلق، كيف خلق الله الكون كله من العدم؟ والمعجزة الثانية في عظمتها وجبروتها، إقامة الأموات في العالم كله.. وتبقى بعد هذا المعجزات الأخرى.
والمعجزةُ سميت معجزة لأن العقل قد عجز عن إدراكها وفهمها وتعليلها بالطرق العلمية... عَجِز فسميت معجزة. على أن المعجزة ليست شيئًا ضد العقل، وإنما هي شيء فوق مستوى العقل، ليست ضده لا يوجد تناقض بين المعجزة والعقل، ولكنها شيء فوق مستوى العقل.. وكثيرًا ما نقبل أمورًا فوق مستوى عقولنا نقبلها وإن كنا لا نفهمها...
أضربُ لكم مثلًا بسيطًا؛ إنسان في سيارته يتصل تليفونيًا بصديقٍ له في أستراليا، مسافة من هنا إلى هناك حوالي 26 ساعة بالطائرة تسير بسرعة 850 كيلو في الساعة، ومع ذلك يصل صوته إليه ويتبادل الاثنان الكلام.. كيف أمكن هذا؟!!
طبعًا العلماء يستطيعون أن يبرروا ويشرحوا ولكن الشخص العادي لا يفهم كيف يتم هذا؟ ولكنه يقبله مع عدم قدرته على الفهم. وكذلك في كثيرٍ من المخترعات يقف الشخص العادي عاجزًا عن الفهم ولكنه يقبل الذي أمامه... هذه هي المعجزة التي فوق عقولنا وليست ضد عقولنا.
مثال آخر الأرواح مثلاً كلنا نؤمن بوجود الأرواح وتسأل أي شخص ما هي الروح؟ فلا يعرف لكنه يقبل فكرة الروح وإن كان لا يفهم، ولا يشرح مدلولها بأسلوب سليم.
الله كلي القدرة ليس فقط في قدرته الذاتية... وإنما أفاض من قدرته على بعض خليقته فأعطاها قدرة... أعطى البخار مثلاً قدرة أن يُسيِّر القطارات وبعض الماكينات، أعطى بعض النباتات قدرة على العلاج والشفاء من بعض الأمراض، أعطى الأشعة مثل الليزر مثلاً القدرة على عمليات جراحية... بل أعطى الرب الذرة قدرة أن تقوم بعمليات خطيرةٍ جدًا في الحروب، مجرد ذرة تنقسم!!
الله أعطى النحلة قدرة أن تصنع لنا شهدًا وأن تدبر أمورها، وأعطى النملة قدرة على نشاطٍ عجيب لا يهدأ. هو يعطي خليقته قدرات...
أما قدرة الله في الخلق فهي فوق الوصف..
انظروا إلى الفلك مثلاً كيف توجد فيه ملايين النجوم أو ملايين الملايين، والمجرات والكواكب والشموس، وكلها تُحكَم بنظامٍ دقيق، وبقوانين لا تخل، قدرة عجيبة!! لدرجة أن بعض كليات اللاهوت كانت تدرِّس الفلك لأنه يعطي دليلًا على قدرة الله ووجوده.
بل خذوا قدرة الله في صنع جسم الإنسان أجهزة دقيقة عجيبة إلى أبعد الحدود. خذوا المخ وما فيه من مراكز: مركز للحركة، مركز للذاكرة، مركز للنطق، مراكز كثيرة.. إن تلف مركز منها لا يمكن لكل قدرة الطب البشري أن تصلحه، لا تستطيع كل أمخاخ العالم أن تصنع مخًا واحدًا أو أن تصلح مخًا قد تلفت بعض مراكزه.
الله عجيب في كل ما يعمله... صدقوني حتى السِنّة البسيطة لا يمكن لإنسان أن يصنع مثلها، ممكن إن إنسان يركب طقم أسنان ولكن لا حياة فيه ولا أعصاب ولا صلة بينه وبين اللثة مجرد قطعة جامدة توضع في مكان ما.. لكن قدرة الله تظهر في كل شيء.
من أعجب الأمور التي أراها في قدرة الله تبارك اسمه البصمات، بصمات الأصابع التي تميز كل إنسان عن الآخر. في مصر مثلاً عندنا ستين مليون... توجد ستين مليون بصمة تختلف كل منها عن الأخرى وعن باقي بصمات العالم ومئات الملايين وآلآف الملايين.
أي رسام في الدنيا كلها يستطيع أن يشكل أشكالاً من البصمات بالملايين، وتختلف كل واحدةٍ عن الأخرى، قدرة عجيبة فوق الوصف!
بل أيضًا حتى الصوت كما تتمايز البصمات، تتمايز الأصوات إنسان يكلمك في التليفون تقول له: أهلاً يا فلان، وأنتَ لا تراه، عرفته من صوته! كيف يجعل الله ملايين الملايين من الأصوات تتميز عن بعضها البعض، وملايين الملايين من البصمات تتميز عن بعضها البعض.. قدرة عجيبة فوق الوصف.
هل بعد كل هذه القدرة نستطيع أن ننكر قدرة الله على إقامة الأموات... بل خذوا مثلاً آخر معرفة الله تبارك اسمه. أكثر الناس معرفة يعرف بعض الأشياء عن بعض الأشياء أما الله فيتميز بأنه يعرف كل شيء عن كل شيء...
إن دبة نملة في قُطرٍ من الأقطار يعرفها الله. الإنسان يعرف بوسائط معينة بأجهزة ومقاييس، أما الله فيعرف معرفة مباشرة دون واسطة. الإنسان يعرف الظاهرات فقط، أما الله فيعرف الخفيات أيضًا. يعرف مشاعر القلب، ويعرف أفكار العقل، ويعرف إحساسات الإنسان حتى الصامت، بالنسبة لكل البشر في كل العالم.
الإنسان يعرف بعض الأمور عن طريق الاكتشافات والتجارب. بعض التجارب والاكتشافات يصل بها إلى حقيقة أما الله فيعرف بلا تجارب.
يعني مثلاً بعض الناس ببعض الاكتشافات يقولون هذا المكان فيه بترول، أما الله فيعرف إن هذا المكان فيه بترول بدون اكتشافات وأصلاً لأنه هو الذي وضع هذا البترول في هذا المكان.
إنسان بعد جهدٍ جهيد يكتشف أن هذه المادة ممكن أن تشفي مرضًا، أما الله فيعرف هذا لأنه هو الذي وضع في المادة خاصية شفاء المرضى.
الله عجيب في معرفته!!
نحن نعرف بعض الماضي ونعرف الحاضر، ولكن الله يعرف المستقبل أيضًا، ويعرف الغيب. معرفة الله عن الماضي والحاضر والمستقبل عجيبة، كأن صورة موضوعة أمامه فيها الماضي والحاضر والمستقبل في نفس الوقت.
نحن نُميز هذا بعد ذاك أما الله فليس عنده هذا التدريج في التمييز.
الله عجيب في قدرته، كل الخليقة تنادي بأن هناك إلهًا قد خلقها وصنعها. الإنسان أقصى ما يصل إليه أن يكون صانعًا أو مكتشفًا، أما الله فهو خالق بقدرةٍ عجيبة.
حينما يقوم الأموات جميعًا ويتعارفون حينئذٍ ليس فقط يعطيهم الله نعمة القيامة، إنما يعطي لكل روح ذاكرةٍ تتذكر بها كل ما فعلته في حياتها على الأرض إن خيرًا كان أو شرًا، لكي تقف أمام المنبر المخوف العادل.
ما دامت القيامة هكذا فلنستعد جميعًا لها، ولنطلب من الله أن يجعل القيامة بالنسبة لنا حياة سعيدة ننتقل بها إلى ما هو أفضل.. وبهذه المناسبة نطلب من الله القادر على كل شيء الذي لا حدود لقدرته نطلب منه سلامًا للعالم وخيرًا ورفاهية لبلادنا.
[1] عظة عيد القيامة، 23 أبريل 1995م
أهمية الروح
أهمية الروح[1]
أحب أن أهنئكم يا أبنائي وإخوتي الأحباء بعيد القيامة المجيد وأرجو فيه لبلادنا كل خير، وأرجو سلامًا لمنطقتنا وأمنًا واستقرارًا.
وحينما نتكلم عن القيامة ينبغي أن نذكر حقيقة هامة وهي أن القيامة هي قيامة الجسد فقط.
في طبيعتنا البشرية توجد طبيعتان؛ الجسد والروح.
الجسد طبيعةٌ مادية، والروح طبيعةٌ غير مادية، الجسد مرئي والروح غير مرئية، الجسد قابل للموت والروح حيّة غير قابلة للموت، الذي يموت هو الجسد أما الروح فهي حيّة دائمة الحياة... لذلك حينما نتكلم عن القيامة نتكلم عن قيامة الجسد وليس عن قيامة الروح لأن الروح لم تمت حتى تقوم.
إنما يمكن أن نتكلم عن عودة الروح، أقصد عودة الروح إلى الجسد لكي يقوم باتحادها به. المهم في الإنسان هو الروح... أسمى وأعلى وأنقى ما في الإنسان.
الجسد مجرد غلاف للروح أما الروح فهي الجوهر.
الجسد هو الصَدَفَة التي تحوي اللؤلؤة أما اللؤلؤة فهي الروح...
ولذلك فإن الروح إذا فارقت الجسد يصبح لا شيء! يفقد حياته، ويفقد الحرارة، ويفقد الحركة، ويفقد التنفس، ويفقد النبض، ويصبح جثةً هامدةً يوارونها التراب كما قال الرب لأبينا آدم: "لأَنَّكَ تُرَابٌ، وَإِلَى تُرَابٍ تَعُودُ" (تك3: 19).
أما الروح فتبقى حيةً بعد موت الجسد، أو بعد انفصالها عن الجسد. نحن نشكر الله الذي أعطانا هذه الميزة، أنه يوجد فينا عنصرٌ حي غير قابل للموت، ولذلك لا يمكن أن يوجد بالنسبة للإنسان موتٌ كلي، يعني الإنسان لا يموت كله جسده فقط هو الذي يموت، وتبقى روحه حيةً إلى أن تتصل بالجسد مرة أخرى وتتحد به.
هذه الروح؛ هي روحٌ حية خالدة عاقلة ناطقة، حرة مريدة.
والأرواح على أنواع
أسمى نوع منها هم الملائكة. الملائكة أرواح في منتهى القوة، ويمكن أن روح الملاك تنزل من السماء إلى الأرض أو تصعد من الأرض إلى السماء في لمح البصر، وبقوةٍ كبيرة وبسرعة هائلة وبطاعة كاملة تؤدي أية رسالة يعهد بها الله إليهم، لذلك في المزمور يقول: "مَلاَئِكَتَهُ الْمُقْتَدِرِينَ قُوَّةً، الْفَاعِلِينَ أَمْرَهُ عِنْدَ سَمَاعِ صَوْتِ كَلاَمِهِ" (مز103: 20).
ثاني طبقة من الأرواح هي الشياطين.
والشيطان له قوته، روح لها قوتها.. لأنه عندما خلقه الله كان ملاكًا، وعندما سقط وصار شيطانًا فقد نقاوته وطهارته، ولكنه لم يفقد طبيعته فلا زالت له الطبيعة القوية التي للملائكة ولكن في طريق الشر.
الروح الإنسانية روح قوية، ولكننا للأسف لم نستخدم طاقة الروح بكل قوتها كما استخدمنا مثلاً طاقة العقل. عندما استخدمنا طاقة العقل استطاع العقل أن يصل إلى الكواكب وأن يصنع الأقمار الصناعية وأن ينبغ في الكمبيوتر والفاكس والتليفونات عبر المحيطات وعبر القارات، والليزر وكل المخترعات العجيبة التي اشتغل بها العقل، وقد يُنتج أكثر وأكثر... لكن الروح نحن لا نستخدمها كثيرًا... وكأي طاقة إذا قل استخدامها يمكن أن تضعف.
ومع ذلك نرى أن جماعات من النساك عاشوا في تدابير روحية قوية فوصلوا إلى درجات عُليا في حياة الروح، بل نجد أن جماعات مثل اليوجا أيضًا بالتدريب الروحي وصلوا إلى مستويات مذهلة، فكم بالأولى لو كانوا من أهل الإيمان.
إذا كانت الروح بطبيعتها لها القوة الجبارة، فكم بالأولى لو كانت تحت قيادة روح الله تكون أكثر جبروت!!
الروح الكبيرة هي روحٌ كبيرةٌ في شفافيتها، كبيرةٌ في قدراتها، كبيرةٌ في فهمها، في حكمتها في صلتها بالله، في معاملاتها للناس. هذه الأرواح الكبيرة ممكن أن يكون لها وضع قيادي تؤثرُ في غيرها، ولا تكونُ تحت تأثير الغير... تستطيع أن تقود.
هذه الأرواح الكبيرة ممكن أن تجذب إليها أرواحًا أخرى، كل من يقف في طريقها ينجذب إليها وإلى القوة الصادرة منها.
هذه الأرواح الكبيرة ممكن أنها حتى بعد الموت يأتمنها الله على مهمات معينة يرسلها فيها، كبعض القديسين الذين يظهرون لكي يؤدوا خدمةٍ معينة أو لكي يبلِّغوا رسالة من الله للناس، أو لكي ينقذوا إنسانًا أو جماعة من الناس.
بعكس هذا توجد أرواح صغيرة تضطرب بسرعة، تخاف، تنهار ولا تقوى، أرواح ضعيفة... ليست من أرواح أصحاب الرسالات، أو أصحاب المهام الصعبة أو أصحاب المسؤليات الكبيرة. يمكن كل إنسان أن يدرب روحه لكي تصبح من الأرواح الكبيرة...
لكن حاليًا الروح تعيش مغلَّفة بضباب الجسد..!
ضباب الجسد يمنع عنها الرؤية السليمة، ويمنع عنها المعرفة، وقد يُسقطها في خطايا، إلا لو قويت الروح وانتصرت على الجسد وهي حرة.. الإنسان الضعيف هو الذي يقع في خطية، أما القوي فهو الذي ينتصر على الخطية.. الإنسان الضعيف إذا أُسيء إليه يثور ويضج ويتعب ويحب أن ينتقم، أما الإنسان القوي فهو الذي يستطيع أن يحتمل، لذلك قال الكتاب: "فَيَجِبُ عَلَيْنَا نَحْنُ الأَقْوِيَاءَ أَنْ نَحْتَمِلَ أَضْعَافَ الضُّعَفَاءِ" (رو15: 1).
الروح القوية هي التي تحتمل معاكسات الناس، ومعاكسات الشياطين بل تستطيع أن تحمل الجسد معها وترتفع به إلى فوق.
هناك مبدأٌ هام بالنسبة للروح القوية..
الروح القوية تقود الجسد وهي تكون تحت قيادة الله.
الله يقود الروح، والروح تقود الجسد.. هذه الروح القوية. مساكين الناس الضعفاء الذين أرواحهم لا تحتمل إغراء الخطية، ولا تحتمل إغراء المادة ولا الجسد، فتسقط .. هذه الأرواح حينما تقترب إلى الموت تخاف لأنها لم تستعد لهذا الموت، تخاف لأنها لا تدري ما مصيرها بعد الموت؟!
أصعب من هؤلاء أرواح الملحدين هؤلاء الذين لا يؤمنون بوجود الله ولا بالحياة الأبدية - الحياة بعد الموت - لا يؤمنون بهذا.. فإذا اقتربوا من الموت يرتعبون، يشعرون أن الموت هو الفناء بالنسبة إليهم وهو النهاية، وإنهم سيدخلون في فراغ فيرتعبون، ولكنهم عندما يموتون ويجدون أن روحهم لا تزال باقية يدركهم الخوف من أجل مصيرهم وعدم إيمانهم.
هؤلاء الخطاة وهؤلاء الملحدون تجذبهم الشياطينُ إليها، وتُسقطهم معها في الهاوية. الشياطين يقولون لهم: "أنتم أصدقاؤنا، أنتم ملك لنا، أنتم تعملون لدينا.." هذه أرواح ضعيفة.
الشيطان بالنسبة للروح يجس نبضها، يشوفها قوية ولا ضعيفة، يأتي إليها بفكر معين، بشهوة معينة، بإغراء معين، بفكرة خاطئة، فإذا وجدها تستقبل الفكر أو تستقبل الإغراء يوقعها تحت سلطانه...
أما الروح القوية الذي يتعب معها الشيطان، فيأتي وقتٌ عليه يهابها ويخافها. وربما تستطيع هذه الروح القوية أن تُخرج الشياطين لأنها كان لها سيطرة على نفسها ولها قوة أمام الشيطان.
روح قوية مثل يوسف الصديق؛ هجمت عليها الخطية في منتهى العنف ولم تقدر لأنها روح قوية، روح كبيرة.
الروح القوية لا تخاف... لا تخاف من الأخطار، ولا تخاف من الأحداث، ولا تخاف من الموت، لأنها مستعدة للموت وعندها رجاء وإيمان في الله بحياة سعيدة بعد الموت، بل الروح القوية لا تسمي الموت موتًا تسميه انطلاقًا؛ تنطلق فيه من روابط الجسد ومن روابط المادة.
ولذلك لا تعتبر أن هناك موتٌ يتعبها، هذه روحٌ قوية. كل ما يسمونه موت ينقلها من مكان إلى مكان أفضل.
هذه الأرواح القوية تسلكُ بسلوكٍ روحي، مثلاً عندما تجلس مع شخص روحي من هذا النوع تجد أسلوبه روحيًا، كلماته روحية، أهدافه روحية، وسائله روحية، ألفاظه روحية منتقاة نافعة للتعليم وللتعزية... هذه هي الأرواح القوية.
ونحن إذا كنا في القيامةِ نذكر الأبدية فيجب أن نستعد لها... يجب أن نقوِّي أرواحنا، نقوِّيها بالصلاة، بالتأمل، بالأفكار الروحانية، بالعشرة الروحانية، بالقدوة الروحانية، نقويها بالفضائل، بالقرب إلى الله، بمحبة الله.. بهذا تصبح لنا أرواحٌ قوية تستطيع أن تستعد للأبدية، وتستطيع أن تخدم المجتمع الذي تعيش فيه، لأن الروح القوية فيها حرارة يسمونها حرارة الروح كما يقول الكتاب: "حَارِّينَ فِي الرُّوحِ" (رو12: 11).
الإنسان الحار بالروح تجده في ملء النشاط، في ملء القوة، لا كسل لا تهاون في كل مسئولية تُوكَل إليه يقوم بها بكل نجاح، وبكل همة... وكما قال المزمور: "وَكُلُّ مَا يَصْنَعُهُ يَنْجَحُ فيه" (مز1: 3).
فلتكن لنا هذه الأرواح القوية، ولنهتم بأرواحنا كما نهتم بأجسادنا وأكثر.. ولنعطي روحنا غذاءها.
[1] عظة عيد القيامة 13 أبريل 1996م
أهمية الجسد؟
أهمية الجسد؟[1]
أحدثكم عن بعض تأملات في عيد القيامة.
بالنسبة إلى القيامة من المعروفِ كما قلنا سابقًا أن القيامة هي قيامةُ الجسد لأن الروح لا تموت وبالتالي لا تقوم، وهنا يقف أمامنا سؤالٌ هام: هل الجسد على هذه الدرجة الكبيرة من الأهمية بحيث أن الله يقيمه من الموت؟
والمعروف طبعًا إن عملية القيامة العامة ليست عملية سهلة بل هي في منتهى الصعوبة والتعقيد. الجسد الذي مات تحللت أعضائه وامتصها تراب الأرض، وبعضها تحول إلى تراب، وبعضها أكلته الحيوانات أو الديدان، والبعض دخل في تركيبات أجسام أخرى.. فكيف يمكن جمع الجسد من كل تلك الجهات والأوضاع التي وصل إليها؟ وكيف يمكن أيضًا أن تأتي الأرواح من حيث هي موجودة، لكي تتعرف على أجسادها وتتحد بها وتعود الحياة إلى الأجساد؟!
إنها عمليةٌ صعبة ليس لها تفسير إلا القدرة الإلهية غير المحدودة، الله الذي يستطيع كل شيء.
ولكن لماذا اهتم الله بالجسد ليقيمه كل هذا الاهتمام؟ أما كان ممكنًا أن تبقى الأرواح وحدها في عالم الخلود وتفنى الأجساد.
كان هذا من غير الممكن لأن الروح وحدها لا تمثل إنسانًا كاملاً، فما دام الله قد وعد الإنسان بالحياة الأبدية فلا بد أن يقوم الجسد وتتحد به الروح.
ثم أيضًا لماذا يسمح الله بقيامة الأجساد مع ما هو معروفٌ عن الجسد من اتهامات كثيرةٍ تُنسب إليه؟ حتى أن كل عمل بار ينسبه الناس إلى الروح، وكلُ عملٍ خاطئ ينسبونه إلى الجسد، والإنسان الشرير يقولون عنه إنه إنسان جسداني، والإنسان البار يقولون عنه إنه إنسانٌ روحاني، فلماذا يقيم الله الجسد على الرغم من كل هذا؟
ولكني أحب أن أقول إن كل الأعمال الخاطئة غالبًا ما تشتركُ فيها الروح مع الجسد، ولا يعملها الجسد وحده. لأنه لولا إن الروح متحدة بالجسد ما كانت له الحياة التي يخطئ بها، كما أن الروح أيضًا يمكن أن تخطئ كما يخطئ الجسد.. الروح أيضًا يمكن أن تخطئ.
ومن أمثلة أخطاء الروح الكبرياء؛ كما سقط الشيطان بالكبرياء وهو روح.. ويقول الكتاب المقدس: "قَبْلَ الْكَسْرِ الْكِبْرِيَاءُ، وَقَبْلَ السُّقُوطِ تَشَامُخُ الرُّوحِ" (أم16: 18). إذًا الروح ممكن أن تخطئ وأن تتشامخ وأن تتكبر.
والروح أيضًا من غير الجسد يمكن أن تقع في الحسد كما حدث للشيطان، والشيطان أيضًا وهو روح أضلّ غيره من غير جسد... إذًا الروح ممكن أن تخطئ كما يخطئ الجسد وقد تخطئ الروح بدون الجسد. والجسد أيضًا ليس شرًا في ذاته ولو كان الجسد شرًا ما خلقه الله لأن الله لا يخلق شرًا، وأيضًا الجسد مر عليه وقت قبل الخطيئة كان بارًا مثل الروح تمامًا، والجسد لو كان شرًا ما كنا نكرم أجساد القديسين ونلتمس بركة عظامهم ورفاتهم.
الجسد ليس شرًا بل هو يمكن أن يخدم الله، وتعجبني الآية التي تقول: "فَمَجِّدُوا اللهَ فِي أَجْسَادِكُمْ وَفِي أَرْوَاحِكُمُ الَّتِي هِيَ للهِ" (1كو6: 20)، فالله قد خلق الجسد لكي نمجده به يكون واسطةً لتمجيد الله... وهنا نذكرُ الجسد العابد، الجسد الذي يركع ويسجد في خشوعٍ أمام الله، ويرفع يديه إلى فوق ناظرًا نحو السماء في الصلاة.
والجسد الذي ينطق لسانه بالتسبيح والترتيل والتمجيد، والصلاة والتأمل في الإلهيات، والكلمة الطيبة.. هذا جسد خيِّر، وأيضًا الجسد الناسك الزاهد الذي لا يتهافت على أمور الدنيا، يعيش في العالم ولا يعيش العالم فيه ويمتلك الكثير من المال دون أن يملكه المال.. إنه جسدٌ زاهد في الدنيا.. هذا أيضًا جسد خيِّر يمجد الله بنسكه.
أيضًا الجسد الطاهر الذي يتسامى عن الخطية حتى إن طلبته الخطية لا يقبلها، مثلما فعل يوسف الصديق حينما ألحَّت عليه الخطية وارتفع عن مستواها قائلاً: "فَكَيْفَ أَصْنَعُ هذَا الشَّرَّ الْعَظِيمَ وَأُخْطِئُ إِلَى اللهِ؟" (تك39: 9). الجسد الطاهر النقي، وليس كل جسد فيه خطية، فهناك أجسادٌ طاهرةٌ نقية.
أيضًا الجسد الخدوم الذي يخدم غيره ويتعب من أجل الناس الجسد الذي يبذل ويجعل تعبه وسيلة لإراحة غيره.. هذا أيضًا جسد خيِّر.
هناك أجسادٌ أخرى تبذل ذاتها تمامًا... مثل الجنود الذين يضحون بأرواحهم في ميدان القتال دفاعًا عن بلادهم، وأيضًا هناك أشخاص يبذلون من أجسادهم، يتبرعون بالدم أو يتبرعون بعضوٍ من أعضائهم لإحياء إنسان آخر.. هذه أيضًا أجساد خِّيرة.
هناك أيضًا الجسد الوديع المتواضع الذي لا يتشامخ ولا يمشي في الأرض مرحًا، ولا يزاحم الناس في طريق الحياة، ويأخذ باستمرار المتكأ الأخير ويقدم غيره على نفسه في طريق الحياة.
الجسد يمكن أن يفعل الخير باستمرار، خلقه الله ليفعل خيرًا.
نلاحظُ أيضًا أن الجسد يعبِّرُ عن الروح؛ هو الإنسان المرئي.
الروحُ تفكر وتدبر وتخطط ولكن الذي يعمل هو الجسد، ولو كان الجسد غير موجود لكانت الفضائل كلها فضائل نظرية لا وجود لها في المجال العملي... إن كانت الروح تمثلُ السلطة التشريعية في الإنسان، فإن الجسد يمثلُ السلطة التنفيذية للإنسان، والضمير يمثل السلطة القضائية.
فالجسدُ هو العنصر العامل باستمرار، لولا الجسد ما عُمرت الأرض، لولا الجسد ما كانت مزارع ولا مصانع ولا مباني ولا تجارة، الجسد هو الذي يقوم بكل شيء هو العنصر العامل، هو الذي عمَّر الأرض.
والجسدُ أيضًا هو سبب التكاثر في الأرض، لو كان آدم مجرد روح وحواء مجرد روح ما امتلأت الأرض بشرًا، فالجسدُ هو سبب التكاثر.
ما أكثر المنافع التي تأتي من الجسد، وبخاصةٍ الجسد الذي يخضع للروح ولا يتمرد عليها. والجسد الحر الذي لا تستعبده شهوة من الشهوات ولا عادة من العادات، هو جسدٌ منضبِط حر غير مستعبَد لأية خطيئة.
لا نستطيع أن نركز فقط على بعض أخطاء للجسد فله فوائد متعددة.
وأيضًا الجسد هو شريكٌ للروح في كل حياة الإنسان على الأرض، هو صديق العمر، وهو أيضًا صديقُ ما بعد العمر في الأبدية، والروح تفرح بأن تلتقي بالجسد في الأبدية، الذي كان غطائها وكان وسيلتها في التعبير، وكان الناطق بكل أفكارها.
لهذا أقول مرة أخرى: "فَمَجِّدُوا اللهَ فِي أَجْسَادِكُمْ وَفِي أَرْوَاحِكُمُ الَّتِي هِيَ للهِ" (1كو6: 20).
الإنسان الذي يستخدم جسده في تمجيد الله، وفي عمل الخير هذا يستحق الأبدية ويمجد الله جسده في العالم الآخر.
فليعطنا الله أن نمجده على الأرض، نمجده بالفكر والجسد والروح، وبكل ما عندنا، وبكل عناصر إنسانيتنا، ونطلب منه أن يبارك بلادنا ويبارككم جميعًا.
[1] عظة عيد القيامة، 26 أبريل 1997م
حياة الدهر الآتي
حياة الدهر الآتي[1]
أحب أن أقول لكم أننا بالقيامة ننتقل من هذا العالم الفاني إلى العالم الباقي، ومن هذا الدهر المحدود الذي ينتهي إلى حياة الدهر الآخر...
هذا الدهر الثاني نقول عنه في قانون الإيمان: "وننتظر قيامة الأموات وحياة الدهر الآتي، آمين".
نحن في عالمٍ على الأرض وسنكون في عالم في السماء والله هو رب العالمين.
ولكن لا شك أن الدهر الآتي الذي سنذهب إليه يختلف تمامًا عن هذا الدهر الذي نعيشُ فيه.
لو كان الدهر الآتي مثل دهرنا الحالي.. إذًا ما لزوم القيامة؟ وما معنى النعيم الأبدي؟ وما هو نيل المكافأة إن كان ههنا وهناك لا فرق؟
حياة الدهر الآتي لخَّصها السيد المسيح في عبارة واحدةٍ جميلةٍ دقيقةٍ موجزة.. قال فيها عن الأبرار في الدهر الآتي: "يَكُونُونَ كَمَلاَئِكَةِ اللهِ فِي السَّمَاءِ"(مت22: 30).
فما هو إذًا هذا الدهر الآتي وكيف تكون الحياة فيه؟
أولاً سيجتمع جميع الأبرار في وحدة كاملة شاملة تجتمع فيها جميع الشعوب والأجناس والقبائل والأمم، ولا تفريقَ بين أحد منهم. الكل في وحدة كاملة متجانسة بلا تميُّز، بل إنه تكون للكل لغة واحدة يتفاهمون بها.
يقينًا أن الألسنة واللغات ستبطل. لا يمكن أن مئات اللغات التي يستعملها الناس حاليًا تكون في الأبدية في الدهر الآتي، وإلا كيف سيتفاهم الناس؟ سوف يتفاهمون بلغة واحدة يعرفونها جميعًا ويفهمونها... هل هي لغة الروح؟! هل هي لغة الملائكة؟! لستُ أدري... ولكن بلبلة الألسنة ستنتهي، ويكون للكل لسانٌ واحد في الدهر الآتي.
سوف لا تكون هناك حروب ولا مشاكل ولا انشقاقات ولا انقسامات ولا صراعات ولا تنافس، فهذه الألفاظ جميعها لا وجود لها في قاموس الحياةِ في الدهر الآتي.
هناك تمايزٌ واحد سوف يكون هو تمايز في الدرجة الروحية، لأن كل إنسان سينال جزاءه في الدهر الآتي، سيكون هذا الجزاء بحسب أعماله على الأرض. وطبعًا أعمال الناس على الأرض تتفاوت في النوع، وفي الدرجة، وفي العمق، فكل واحد سينال حسب أعماله. هذا هو التفاوت والتمايز الذي يكون موجودًا.
ومع ذلك سيكون الكل سعداء ولا يحس أحد بنقص على الإطلاق... مثال لذلك إذا أتينا بمجموعة متعددة من الأواني مختلفة الأحجام ومختلفة السعة وكانت كلها ممتلئة.. سيكون الكل مملوءًا ولكن القدر الموجود في كل آنيةٍ غير الآخرين لأن منها الكبير والكبير جدًا، والصغير والصغير جدًا، ولكن أصغر ما فيها لا يشعر بنقص...
هكذا الناسُ في الأبدية يكونون جميعًا سعداء، ولكن درجة كل واحد تختلف عن الأخرى، ولا يشعر أحد بنقص.
مثالٌ آخر إذا حدث أن جماعة من الأصدقاء أو الرفاق ذهبوا لاستقبال عزيز عليهم قد حضر من السفر بعد غيابٍ طويل، الكل يكونون في فرح بلقائه ولكن درجة الفرح عند كل واحد منهم تختلف بقدر محبته له واشتياقه إليه الكل في فرح ولكن الدرجة تختلف.
الحياة في الدهر الآتي أيها الإخوة ستكون لمجمع واحد في السماء يضم الملائكة وأرواح البشر - طبعًا البشر الأطهار - لأن الأشرار سيلقون في جهنم.
هؤلاء كلهم سيكونون في فرحٍ دائم نسميه: النعيم الأبدي، وكلمة أبدي تعني لا نهاية له. على الأرض هذا الدهر له نهاية، وكل عمر مهما طال له نهاية، أما في الأبدية فلا توجد كلمة نهاية .. الدهر الآتي دهر ممتد بغير حد.
الناسُ على الأرض إن طالت سنو عمرهم تدركهم الشيخوخة بما في الشيخوخة من ضعف ومن تعب، كما قال الشاعر:
المَرءُ يَأملُ أَن يَعيشَ |
| وَطولُ عَيشٍ قد يَضُرُّه |
أما في الأبدية ستكون الأيام بغير شيخوخة، تكون الأيام في نضرة الحياة وفي سعادتها. الناس سيكونون في فرح وهذا الفرح له أسباب...
أسباب الفرح في الأبدية
- يفرحون أنهم انتصروا على المادةِ والجسد والشيطان، واستحقوا أن يدخلوا في حياة الدهر الآتي. هذا الانتصار له لذته ومتعته لأن الدهر الآتي لا يدخله إلا الغالبون المنتصرون الذين جربوا الحياة الروحية على الأرض وانتصروا في كلٍ منها.
- يفرحون بالبيئة السماوية التي يعيشون فيها؛ إذ يعيشون في الدهر الآتي مع مجمع الملائكة والرسل والأنبياء والقديسين، والصديقين والأبرار، وكل من أرضى الله بأعماله الصالحة، مجرد معرفة هؤلاء متعة، أن يتعرف الإنسان على جميع الأنبياء الذين عاشوا على الأرض، وعلى جميع الشهداء وعلى جميع الأبطال (أبطال الإيمان وأبطال الأوطان) بأن يحيا مع كل هؤلاء.. هذه متعة.
- يفرحون أيضًا بالخلود الذي وصلوا إليه، ولكن متعة الحياة الأخرى تكون مختلفة تمامًا عن متعة الحياة الدنيا.
المتعةُ في الدهر الآتي هي متعةٌ روحية سماوية... لو كانت مباهج الدهر الآتي مثل مباهج الأرض، وملاذ الدهر الآتي مثل ملاذ الأرض، ماذا يكون إذًا الفرق بين السماء والأرض؟! وماذا عن الناس الذين تمتعوا بكل ملاذ الأرض ومباهجها وملّوها وسئموها، فيجدونها هي تمامًا في الأبدية!! كلا بلا شك.
في الأبدية في الدهر الآتي سنجدُ نوعًا من التجلي للجسدِ والروح معًا، لكليهما.
الجسد يعيشُ غير مرتبط بثقل المادة، ولا تكون له صلة بالجاذبية الأرضية كما كان على الأرض لأنه لو ظل مرتبطًا بالجاذبية الأرضية وهو في السماء لسقط من السماء إلى الأرض.
هو سوف لا يعيشُ في ثقل المادة، ولا في شهوات المادة، ولا في ملاذ المادة مرة أخرى.
والجسد أيضًا يتجلَّى بأنه يتخلص من كل العيوب التي كانت له على الأرض، فالأعمى لا يقوم في العالم الآخر وهو أعمى بل يعود إليه البصر، والمعوَّق لا يظل في الدهر الآتي معوقًا بل يسترد سلامته، والذي فقد ذاكرته على الأرض لا يبقى فاقدًا للذاكرة بل يستردها مرة أخرى، والذي كان مشوهًا أو غير جميل في وجهه أو جسمه لا يكون هكذا في الأبدية وإنما يكتسي بلون من الجمال والبهاء يليقُ بالدهر الآتي.
الجسد أيضًا يتخلَّص من شهوات جميع الغرائز الضاغطة عليه التي تجذبه إلى التراب مرة أخرى وإلى المادة. ولا يكون بين الجسدِ وبين الروح صراع كما كان على الأرض... الجسد يشتهي ضد الروح والروح تشتهي ضد الجسد هذا الأمر ينتهي تمامًا ويصبح الجسد في صداقة مع الروح كلاهما يعيشان في مسيرة واحدة.
الروحُ أيضًا تتجلَّى بالبر والبساطة والبراءة العجيبة. آدم وحواء كانا بريئيْن جدًا وطاهريْن جدًا وبسيطيْن جدًا وكانا عريانيْن ولا يعرفان أنهما عريانان ولا يخجلان، ولكن هذه البساطة والبراءة التي كانت في آدم وحواء لم تمنع إطلاقًا أن طبيعتهما كانت تحتمل الميل والخطأ وفعلاً أخطأ الاثنان.
أما في الدهر الآتي فلا تكون الروح قابلةً للخطأ إطلاقًا.. بل يكون الناس كملائكة الله في السماء.
الروحُ كما قال الكتاب: تلبسُ إكليل البر.. ما معنى إكليل البر؟
تتكلَّل بالبر أي لا تعود تخطئ مرة أخرى.
سينعم الله على الروح بأنها تنسى الخطية وكل ما يتعلق بها، وتنسى صور الخطية التي كانت في العالم منها أو من غيرها..
ويتنقَّى العقل الباطن من كل ما تركِّز فيه من صور الخطية، ومن أفكارها ومن شهواتها، ومن حواسها إلى آخر هذا كله. عبارة الخطية تُمحَى تمامًا في حياة الدهر الآتي.
والشيطانُ أيضًا ينتهي عمله في الدهر الآتي، يُقبَض عليه، ويُلقَى في بحيرة النار، وينتهي عمله تمامًا، وتنتهي الحرية التي كانت له على الأرض ولا تعود له محاربات مع الإنسان، ولا يصبح الإنسان في حالة مقاومة للخطية لأنه لا توجد خطية ولا جهاد ضد المحاربات، لأنه لا توجد محاربات...
ينسى الناسُ الخطيئة والمخطئين.. يعني اِفرض أن إنسان كان له أحد أقاربه وكان يحبه جدًا على الأرض وهذا القريب لم يدخل ملكوت الله، فإنه ينساه لأنه لو بقي في ذاكرته ربما يحزن لأجله..
وفي الدهر الآتي لا يوجد فيها حزن ولا كآبة، ولا دموع ولا قلق، ولا اضطراب ولا حيرة، ولا أية محاربات للنفس أو للروح، كل هذه غير موجودة في قاموس الحياة في الدهر الآتي.
ولا توجد في الدهر الآتي تلك الثنائية التي عرفها العالم بعد الخطية ...
ثنائية الحلال والحرام، والخطأ والصواب، والخير والشر، والصدق والباطل، لأنه لا يوجد شيءٌ سوى شيء واحد هو الحق والبر. ولا يوجد الطرف المناقض له، لا يوجد طريقان يختار الإنسان أيًّا منهما إنما يكون هناك طريق واحد هو طريق البر.
هنا وأقول كلمتين أخيرتين...
الكلمة الكبرى هي أن أكبر متعة في الأبدية ستكون معرفة الله.
نحن الآن نعرف بعض المعرفة، القليل الذي يحفظنا في حياة الإيمان. ولكن عقولنا المحدودة لا يمكن أن تعرف الله غير المحدود، إنما في الدهر الآتي يبدأ الله يكشف لنا شيئًا عن ذاته فنُبهَر ونُذهَل، ولا نكاد نحتمل كل هذا.. ونقول: كفانا كفانا.. نحتاج إلى زمنٍ طويل حتى نستوعب ما كشفه الله لنا عن ذاته، ثم يوسِّع الله قلوبنا، ويوسِّع الله أفكارنا، ويوسِّع طاقاتنا البشرية لكي تحتمل معرفة شيئًا آخر عنه...
وهكذا شيئًا فشيئًا نبدأ أن نتحوَّل إلى جماعة من العارفين بالله..
على قدر ما تحتمل طبيعتُنا الضعيفة المحدودة. أما أن نعرف كل شيء عن الله فهذا مستحيل، لأن الطبيعة البشرية المحدودة لا يمكن أن تعرف كل شيء عن الله غير المحدود.
هو يعطيها لونًا من الاستضاءة والاستنارة، والشفافية والروحانية لتعرف أكثر...
إذًا متى سنعرف الله؟
هكذا قال السيد المسيح: "وَهذِهِ هِيَ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ: أَنْ يَعْرِفُوكَ أَنْتَ الإِلهَ الْحَقِيقِيَّ وَحْدَكَ" (يو17: 3).
الكلمة الثانية هي أن المتعة التي تكون لنا في الأبدية ستكون في نموٍ وتعدد لأنها لو بقيت كما هي، سنُصاب بالجمود وبالروتين والملل، إنما كل شيء يُعطَى لنا بمقدار وفي حينه الحسن، وننال متعةً روحية بالتدريج في نمو وفي تعدد. فماذا يكون جوهر تلك المتعة في الدهر الآتي؟
هذا ما قاله الكتاب المقدس في آيةٍ واضحة قال: "مَا لَمْ تَرَ عَيْنٌ، وَلَمْ تَسْمَعْ أُذُنٌ، وَلَمْ يَخْطُرْ عَلَى بَالِ إِنْسَانٍ: مَا أَعَدَّهُ اللهُ لِلَّذِينَ يُحِبُّونَهُ" (1كو2: 9).
إن كان أحد يفكر في لون المتعة في الأبدية أي في شكلها أو في تفاصيلها ويذكر شيئًا أو يقترح شيئًا، فهذا سيكون من الأشياء التي خطرت على بال إنسان، إذًا فليست بها.
يكفي أننا سنكون سعداء، في ملء السعادة، في جوٍ كله فرح...
وفي ظل هذه الوعود الإلهية نطلب من الله مصلّين من أجل بلادنا المحبوبة مصر.
[1] عظة عيد القيامة، 18 أبريل 1998م
الروح غير المرئي
الروح غير المرئي[1]
الإنسانُ يتكون من روح وجسد. الجسدُ مرئي والروح غير مرئية، ولكن الظاهر للناس هو الجسد. يرون الجسد يتحرك ويتكلم ويصحو وينام ويعمل ويشتغل أما الروح فلا يراها أحد وإن كانت هي الأساس بالنسبة للجسد.
يذكرُني هذا بالذي ينظر إلى بناء كبير ويُعجب به وبفخامة مبناه، ولكنه لا ينظر الأساس الذي يحمل هذا البناء كله. وعندما يموت الإنسان يقولون إنه مات لأن المخ قد توقف عن العمل أو مات المخ وكذلك توقف القلب وتوقف التنفس وتوقفت الحرارة... وإن كانت الحقيقة أن الإنسان قد مات لأن الروح قد خرجت منه، وما توقُف القلب والمخ والحرارة إلا مظاهر لخروج الروح.
نحن لا نرى الروح وهي تخرج لأنها غير مرئية، وإن كنا لا نتحدث عنها كثيرًا ولكن الروح حينما تخرج من الجسد إنما تتمتع بأمورٍ عديدة جدًا...
الأمر الأول تتمتع بالانطلاق من هذا القفص المادي الذي تعيش فيه، وأيضًا تتمتع بالتجلي الذي تحصل عليه نتيجة الانطلاق من الجسد.
الروحُ عندما تنطلق من الجسد إنما تشعر بحريتها وبمكانتها وكفاءتها. نحن لا نعرف كثيرًا عن الإنسان ومقدار العظمة العجيبة التي خلقه الله بها، ربما حاليًا بدأنا نشعر بعظمة شيءٍ في الإنسان هو العقل...
العقل الذي اخترع اختراعات عديدة جدًا ما كنا نفكر فيها من قبل بل نحسبها كمعجزات ولكن الروح أيضًا لها قوة عجيبة ليس بإمكان الكل أن يعرفوها.
الروحُ عندما تخرج من الجسد يكون لها قوة عجيبة في الحركة فهي تستطيع أن تنتقل من السماء إلى الأرض في لحظة كما يحدث بالنسبة للملائكة. لو أوفد الله أحد القديسين إلى الأرض لإنقاذ مجموعةٍ من الناس، أو لصُنع معجزة فسينتقل من السماء إلى الأرض في لحظة بقوة الروح أو القوة التي وضعها الله في الروح، وحينما تنتقل الروحُ من مكان إلى مكان بهذه السرعة وبهذه القوة هي لا تعبرُ وسطًا في الطريق...
ما معنى لا تعبر وسطًا في الطريق؟
كما نقول عن الملائكة في المزمور: "بَارِكُوا الرَّبَّ يَا مَلاَئِكَتَهُ الْمُقْتَدِرِينَ قُوَّةً، الْفَاعِلِينَ أَمْرَهُ عِنْدَ سَمَاعِ صَوْتِ كَلاَمِهِ" (مز103: 20). فما أن يصدر أمر من الله لملاك إلا وينزل مباشرةً لتنفيذه في نفس اللحظة دون أن يعبر وسطًا، أي لا يمر في طريقه على بلاد كثيرة ومحيطات لكي يصل، لكنه يصل في لحظة إلى المكان المحدد.
يذكرني هذا بالفكر فكر الإنسان يستطيع أن ينتقل إلى قارةٍ من القارات دون أن يعبر الطريق بينه وبين هذه القارة، في لحظة يجد فكره في تلك القارة.
الروحُ حينما تخرج من الجسد تشعر بالانطلاق ليس فقط التجلي في طبيعتها وإنما أيضًا الحركة والمعرفة.
الحركة السريعة جدًا في قوة؛ يعني مثلاً حينما تخرج الروح وتصل إلى السماء في نفس اللحظة كيف أمكن أن تعبر المسافة بين الأرض والسماء في لحظة؟ السيد المسيح قال للص التائب: "الْيَوْمَ تَكُونُ مَعِي فِي الْفِرْدَوْسِ" (لو23: 43) إذًا فكأنه انتقل من الأرض إلى الفردوس في نفس الساعة التي مات فيها.
يكون عندها قوة عجيبة، هي محصورة في الجسد وفاقدة اعتبارها في هذا الجسد.
أيضًا المعرفة التي تحصل عليها؛ الجسد حاليًا يمثل ضبابًا يمنع الروح من كثير من وسائل المعرفة وكما قال بولس الرسول: "الآنَ أَعْرِفُ بَعْضَ الْمَعْرِفَةِ" (1كو13: 12) لكن الروح عندما تنطلق من الجسد تستطيع أن تعرف أشياء كثيرة جدًا.
يُنزع القناع من فوق طبيعتها لكي تعرف أمورًا عديدة، وهي قد تعرف ما يحدث لنا هنا على الأرض، أو ما يحدث لأقربائها أو أحبائها وتصلي من أجلهم، لكن كما قال القديس أغسطينوس: "إن الروح تعرف أشياء كثيرة جدًا لكنها لا تعرف كل شيء"، المعرفة الكلية خاصة بالله وحده. وأيضًا لا تعرف كل شيء لأن ربما أقربائه على الأرض يكونون في حالة محزنة والله لا يريد أن ينقل إليها هذا الحزن في موضع الراحة التي هي فيه، الموضع الذي هرب منه الحزن والكآبة والتنهد.
ولكن الروح التي ينتدبها الله لصنع معجزات على الأرض هي من الأرواح الكبيرة، وليست مجرد روح عادية، هناك أرواح كبيرة، كانت كبيرة على الأرض ولها مركزٌ كبير أيضًا في السماء... فليست كل مراكز الأرواح واحدة فوق... مثل أرواح القديسين، والأنبياء، والرسل، والشهداء الذين يأتمنهم الله على رسالة يؤدونها على الأرض بعد فترة خروجهم من الجسد.
والروحُ لها معرفة كبيرة حتى في وسط الأرواح.. فالروح غير مرئية وتستطيعُ أن ترى غير المرئيات.
فعندما تكون الروح في مكان الأرواح غير المرئية كيف ترى الأرواح الأخرى غير المرئية؟ وكيف ترى أرواح الملائكة؟ وهي أرواح أخرى غير مرئية... لا بد أن الروح لها رؤيةٌ خاصة.. رؤية روحية.
هنا على الأرض الروح تعتمد في معرفتها على حواس الجسد، فهي ترى بعين الجسد، وتسمع بأذن الجسد، وهكذا في باقي الحواس ولكنها عندما تنطلق من الجسد تكون لها معرفتها الخاصة، ورؤيتها الخاصة، وسمعها الخاص، وكفاءتها الخاصة ككائن له كل الإمكانات... ومن هنا تكون الرؤية الروحية والسمع الروحي والحس الروحي وتعارف الأرواح معًا.
والروحُ بعد خروجها من الجسد تحتفظ بقوتها ولا تشيخ، الجسد يشيخ ويضعف أما الروح فلا تشيخ ولا تضعف..
مثال موسى النبي الذي عاش قبل الميلاد بـ1400 سنة، أي عمره الآن3400 سنة، هل تُرى شاخ موسى؟! أبدًا هو موجود بنفس قوته لم تشخ روحه وهي خارج الجسد. ومثل أيضًا أبينا نوح مر عليه الآن يمكن 6000 سنة أو أكثر من 5000 سنة لم تشخ روحه وهي في العالم الآخر وستتحد بالجسد في القيامة.
الروح تحتفظ بقوتها وتزداد قوةً يومًا عن يوم، وتعرف أشياء كثيرة.
الأشياء الكثيرة التي تعرفها الروح تأتي عن طريقين..
الطريق الأول هو حالة التجلي التي تعيش فيها الروح بعد خروجها من الجسد.
والطريق الثاني هو الكشف الإلهي حيث يكشف الله للروح أمورًا عديدة، وأسرارًا من أسرار العالم الآخر، وأسرارًا تتعلق بالملائكة وبالأرواح وبالأنبياء... حينما تخرج الروح من الجسد قد يحزن الناس، ويقولون: فلانٌ قد مات، وفي نفس الوقت تكون الروح في فرح كبير، وفي سعادة لا يُعبَّر عنها وقد تخلصت من سجن الجسد.
وفرح الروح هو فرحٌ غير أنواع أفراح العالم...
فرح روحي غير منقطع، وفرح دائم، وفرح بالرب، وفرح بالغلبة والانتصار على أمور العالم، وفرح بحالة التحرر الذي تعيش فيه الروح.
الروح بعد ما تخرج من الجسد تتحرر...
- كانت حبيسة في الجسد فتحررت من حبس المادة.
- تتحرر أيضًا من غرائز الجسد التي كانت ترتبط الروح بها.
- تتحرر أيضًا من الخطايا المتكررة التي لا وجود لها في العالم الآخر.
- تتحرر أيضًا من الخطر ومن الخوف ومن الرعب.
- وتتحرر من مؤامرات الناس الأشرار.
- وتتحرر من إغراءات الخطية بل تتحرر من الخطية عمومًا لأنه لا يوجد خطية في العالم الآخر فدائمًا الروح تكون في هذه السعادة وفي هذا الفرح.
إنما ليست كل الأرواح، كل ما نقوله هو عن أرواح الغالبين الذين عاشوا في العالم، وجاهدوا وغلبوا وانتصروا واُعطيت لهم كل تلك المتع في الحياة الأخرى.
ولذلك على كل إنسان أن يستعد بالغلبةِ والانتصار لأن وعود الله هي للغالبين فقط الذين غلبوا الجسد وغلبوا شهوات النفس وغلبوا العالم وغلبوا الشيطان.
[1] عظة عيد القيامة، 10 أبريل 1999م
الفصل الرابع – الألفينات (2000- 2011م)
بعض دروس من القيامة[1]
أهنئكم يا إخوتي جميعًا بعيد القيامة المجيد راجيًا من الله أن يكون هذا العيد بركةً وسلامًا وخيرًا وطمأنينة لبلادنا ولبلاد الشرق جملة وللعالم كله. وأود أن أحدثكم قليلاً عن بعض دروسٍ من القيامة.
السيد المسيح أقام من الأموات عددًا ذُكر من بينهم ابنة يايرس، وابن أرملة نايين، ولعازر، وأعطى تلاميذه السلطان على إقامة الأموات أيضًا، لكن هناك نقطة بارزة نود أن نتحدث عنها في هذه الليلة وهي قيامة الأحياء المُعتبرين موتى... وعلى رأي الشاعر الذي قال:
ليس من مات فاستراح بميتٍ | .:. | إنما الميتُ ميتُ الأحياءِ |
إذًا هناك أحياء يعتبرون موتى..!
وقال شاعرٌ آخر:
كم مات قومٌ وما ماتت مكارمهم | وعاش قومٌ وهم في الناسِ أمواتُ |
هؤلاء المُعتبرون موتى يحتاجون أيضًا إلى قيامة، وأذكرُ من بينهم ثلاث حالات:
- الموتى بالخطية، والخطاةُ يعتبرون موتى.
- الموتى من الخاملين الكسالى الذين لا وجود فعلي لهم في المجتمع.
- الموتى من الأمم الوثنية والبلاد الملحدة.
أولًا: الموتى بالخطية
إن الموتى من الخطاة كما قال السيد المسيح عن راعي مدينة ساردس في رسالة بعثها إليه: "أَنَّ لَكَ اسْمًا أَنَّكَ حَيٌّ وَأَنْتَ مَيْتٌ" (رؤ3: 1)، وقال بولس الرسول عن الأرملة المتنعمة إنها ميتة وهي حية (1تي5: 6)، فما هو هذا الموت؟
يقول القديس أغسطينوس: "موت الجسد هو انفصال الروح عن الجسد، أما موت الروح فهو انفصال الروح عن الله"، ولهذا يسمّى الموت الروحي.
الميت روحيًا أمام الناس هو حي وأمام الله هو ميت؛ له أنفاسٌ تتردد وقلبٌ ينبض ولكنه من الناحية الروحية يعتبرُ ميتًا. هؤلاء الموتى محتاجون إلى قيامةٍ معينة وقد قال الكتاب عن هؤلاء الموتى الخطاة: "كُنْتُمْ أَمْوَاتًا بِالذُّنُوبِ وَالْخَطَايَا" (أف2: 1)، لماذا؟
لأن الخاطئ هو إنسانٌ منفصل عن الله، والله هو مصدر الحياة كلها وفيه كانت الحياة وقيل عنه في الإنجيل: إنه هو "الْحَقُّ وَالْحَيَاةُ" (يو14: 6)، فالذي ينفصل عن الحياة يعتبر ميتًا.
والله نورٌ والخطية ظلمة ولا شركة للنور مع الظلمة (2 كو6: 14)، ولذلك فالخاطئ هو ميت يعيش في الظلمة.
إن كانت الخطية تعتبر موتًا فالتوبة تعتبرُ قيامة...
لأن الإنسان بالتوبة يقومُ من الخطية التي هي موت. ولهذا أيضًا فإن الذين يبذلون كل الجهد لإنقاذ الخطاة من خطيتهم يقول عنهم الكتاب المقدس: "مَنْ رَدَّ خَاطِئًا عَنْ ضَلاَلِ طَرِيقِهِ، يُخَلِّصُ نَفْسًا مِنَ الْمَوْتِ، وَيَسْتُرُ كَثْرَةً مِنَ الْخَطَايَا" (يع 5: 20). يخلِّص النفس من الموت الذي تعيش فيه، الموت الروحي، ويخلِّصها أيضًا من الموت الأبدي الذي ينتظرها في العالم الآخر.
عملٌ كبير أن يقوم أشخاص برد الخطاة عن الموت الذي يعيشون فيه.
هم لا ينقذونهم فقط من موت الروح ومن الموت الأبدي، وإنما ينقذونهم أيضًا من أسباب الموت، الأسباب التي تؤدي إلى الموت الروحي، هذه الأسباب التي يصوِّرها لهم الشيطان أنها لذة الحياة الدنيا!!
الشيطان وأعوانه يحبون أن الموتى بالخطية يبقون في موتهم لكي يهلكوا، ويزينون لهم أسباب الموت، وأعوانه يفعلون كذلك. ولذلك وبَّخ السيد المسيح هؤلاء الناس، وقال لهم: "لكِنْ وَيْلٌ لَكُمْ أَيُّهَا الْكَتَبَةُ وَالْفَرِّيسِيُّونَ الْمُرَاؤُونَ! أَنَّكُمْ تُغْلِقُونَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ قُدَّامَ النَّاسِ، فَلاَ تَدْخُلُونَ أَنْتُمْ وَلاَ تَدَعُونَ الدَّاخِلِينَ يَدْخُلُونَ" (مت 23: 13)، وقال لهم: "تَطُوفُونَ الْبَحْرَ وَالْبَرَّ لِتَكْسَبُوا دَخِيلًا وَاحِدًا، وَمَتَى حَصَلَ تَصْنَعُونَهُ ابْنًا لِجَهَنَّمَ أَكْثَرَ مِنْكُمْ مُضَاعَفًا" (مت 23: 15).
هؤلاء هم الذين يقودون الناس إلى الموت الروحي، ولكن الله لا يشاء موت الخاطئ مثلما يرجع ويحيا. هو يريد للناس أن يحيوا، ولكن بإرادتهم. لا يرغمهم على فعل الخير وإنما تعمل نعمته فيهم، وإن أرادوا لأنفسهم الموت بالخطية يعمل الله على إنقاذهم من هذا الموت بنعمته، إن استجابوا هم لعمل النعمة ورضوا الحياة لأنفسهم. هذا هو النوع الأول من الموتى الأحياء.
ثانيًا: الموتى من الخاملين الكسالى
الخاملون الكسالى الذين لا يحس أحد بوجودهم، نقول إن الله خلق الإنسان وفيه حركة، قلبه يتحرك باستمرار، مخه يعمل باستمرار، أجهزته تعمل حتى وهو نائم، أما الميت فلا حركة له. كذلك الذين يعيشون في المجتمع ولا حركة لهم، لا إنتاج ولا إنجاز ولا يشعر الناس بأنهم يؤدون واجبًا أو مسئولية، يتساوى أمام المجتمع حضورهم وغيابهم، ويتساوى أيضًا موتهم وحياتهم، هؤلاء يعتبرون موتى!! ولذلك فإن السيد المسيح أراد أن يُشعِل الناس بالحركة الدائبة الدائمة، قال: "جِئْتُ لأُلْقِيَ نَارًا عَلَى الأَرْضِ، فَمَاذَا أُرِيدُ لَوِ اضْطَرَمَتْ؟" (لو12: 49). وفي يوم الخمسين أرسل إلى تلاميذه الروح الناري، فاشتعلوا بقوةٍ عجيبة وبنشاطٍ غير عادي. وهؤلاء الذين قال عنهم المزمور: "لاَ قَوْلَ وَلاَ كَلاَمَ الذين لا تسمع أصواتهم وإلى أقطار المسكونة بلغت أقوالهم" (مز19).
هذا هو النشاط الذي يريده الرب، لأن الكتاب المقدس يقول: "مَلْعُونٌ مَنْ يَعْمَلُ عَمَلَ الرَّبِّ بِرِخَاءٍ" (إر 48: 10)، أي بارتخاء بغير نشاط.
هؤلاء يحتاجون إلى قيامة، إلى من يوقظهم من هذا الموت ويقيمهم، لكي يقوموا ويعملوا وينشطوا وتظهر ثمار عملهم. ولذلك قال الكتاب: "اسْتَيْقِظْ أَيُّهَا النَّائِمُ وَقُمْ مِنَ الأَمْوَاتِ فَيُضِيءَ لَكَ الْمَسِيحُ" (أف 5: 14)، فاعتبر أن هذا النائم هو من الأموات يحتاج أن يقوم. نطلب من الرب حياة ونشاطًا لكل الذين لا يعملون ولا ينتجون في مجتمعهم.
ثالثًا: الموتى من الأمم الوثنية
الأمم الوثنية الذين كانوا يسميهم اليهود الأمم gentiles يعني الأجناس الأخرى، هؤلاء الذين عاشوا في الوثنية كانوا غرباء عن الله، أي أيضًا غرباء عن الحياة الحقيقية، وكانوا بالنسبة للمؤمنين معزولين لا يمكن التزاوج منهم ولا يمكن التحالف معهم، ولا يمكن الاختلاط بهم، ثم جاء المسيح ليقيم هؤلاء الموتى الذين اعتبرهم اليهود موتى.. وبدأ ينشر الإيمان في العالم كله وقال لتلاميذه: "اذْهَبُوا إِلَى الْعَالَمِ أَجْمَعَ وَاكْرِزُوا بِالإِنْجِيلِ لِلْخَلِيقَةِ كُلِّهَا.. فَاذْهَبُوا وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ الأُمَمِ وَعَمِّدُوهُمْ .. وَعَلِّمُوهُمْ أَنْ يَحْفَظُوا جَمِيعَ مَا أَوْصَيْتُكُمْ بِهِ. وَهَا أَنَا مَعَكُمْ كُلَّ الأَيَّامِ إِلَى انْقِضَاءِ الدَّهْرِ" (مر 16: 15)، (مت 28: 19، 20).
وفعلاً قام هؤلاء من الموت بالإيمان مثلما يقوم أي ملحد من موت الكُفر أو من موت الجهل لكي يعبد الله، فتعتبر هذه قيامة.
قيامة من الوثنية، قيامة من الإلحاد، قيامة من الجهل بالله، قيامة من الجهل بالأبدية.. هي قيامة.
ونحن ننتهز فرصة هذا العيد لنطلب حياة في الله لكل إنسان، لنطلب حياةً مشرقةً منتجةً هانئةً سعيدة لكل الناس، ونطلب من الله عن العالم الذي ضلّ عن الله وصار بعيدًا عنه في طرقٍ تُقرِّبه من الموت الروحي... ونطلب أيضًا لبلادنا كل خير وكل بركة. ونرجو لكم جميعًا عيدًا سعيدًا وكل عام وكلكم بخير.
[1] عظة عيد القيامة، 30 أبريل 2000م
أنواع الحياة
أنواع الحياة[1]
لكل إنسان ثلاث حيوات مختلفات في الزمن وفي النوع
وبمناسبة عيد القيامة المجيد أود أن أقول لكم أن لكل إنسانٍ في الدنيا ثلاث حيوات - ثلاث أنواع من الحياة - هذه الحيوات الثلاث تختلف في الطول وتختلف في النوع، وفي الزمان، وفي المكان.
الحياة الأولى
أول حياة للإنسان هي حياته الأرضية التي يحياها هنا على الأرض وتبدأ بميلاده وتنتهي بموته. وهذه الحياة هي أقصر حياة يحياها، الإنسان يحياها في الجسد المادي بكل ما لهذا الجسد من مشاعر، وغرائز، وحواس، وآمال.. وبكل ما تصادف هذا الجسد من حروبٍ روحية من الشيطان ومن المادة ومن الذات.
هذه الحياةُ الأرضية يحياها الإنسان بحرية إرادة وهبه الله إياها، وبحرية الإرادة يمكنه أن يحيا حياة البر، ويمكنه أن يخطئ ويمكن أن يتوب وممكن أن يرجع في توبته، حياته كلها اختبار له.. واختبار لمحبته لله وللناس. هذه الحياة الأرضية تنتهي كما قلت بموت الإنسان وهي حياة قصيرة إذا قيست بالأبدية التي لا نهاية لها. والإنسانُ حينما يموت.. لا يموتُ موتًا كليًا.. الجسد يموت والروح تظل حية كما قال الكتاب: "فَيَرْجعُ التُّرَابُ إِلَى الأَرْضِ كَمَا كَانَ، وَتَرْجعُ الرُّوحُ إِلَى اللهِ الَّذِي أَعْطَاهَا" (جا 12: 7). وحينما ترجع الروح إلى الله تبدأ الحياةُ الثانية للإنسان، الحياة الأولى تبدأ من الميلاد إلى الموت، والحياة الثانية تبدأ من الموت إلى القيامة العامة.
الحياة الثانية
نحن لا نعرف كيف تخرج الروح من الإنسان؟ ولا نعرف مسارها بعد خروجها.. ولكننا نعرفُ أمرًا واحدًا وهو أن الإنسان حينما يترك الجسد تنطبق عليه آية من الكتاب المقدس عن الموتى "يَسْتَرِيحُوا مِنْ أَتْعَابِهِمْ، وَأَعْمَالُهُمْ تَتْبَعُهُمْ" (رؤ 14: 13).
تخرج روح الإنسان وأعماله تتبعه، إن خيرًا وإن شرًا.. فإن كان قد مات في الخطية بدون توبة تقف أمامه جميع خطاياه التي فعلها بالفكر أو بالقول أو بالحس أو بالعمل أو بأي نوع.. تقف ضده وتتعبه ولا تفارقه. يحاول أن ينساها فلا يستطيع ولا يعطيه الله نعمة النسيان هذه، وأتذكر أنني قلتُ بعض أبياتٍ من الشعر عن شهوة النسيان وعدم تحقُّقها في مثل هذه الحالة قلت:
سوف أنسى الأمسَ واليومَ وقد أنسى غدا |
كيف أنسى فترةَ الطيشِ وآثامَ الصبا |
الإنسان بعد موته تقف أمامه أعماله ولا يستطيع أن ينساها، تقف أمامه خطاياه التي فعلها، وتقف أمامه تقصيراته فيما كان يمكن أن يعملهُ من الخيرِ ولم يعمله.. لأن الكتاب يقول: "مَنْ يَعْرِفُ أَنْ يَعْمَلَ حَسَنًا وَلاَ يَعْمَلُ، فَذلِكَ خَطِيَّةٌ لَهُ" (يع 4: 17)، والإنسان في هذه الفترة يشتهي لو منحه الله ساعةً من العمر أو بعض ساعة، أو دقائق يرجع فيها إلى الأرض لكي يعمل خيرًا لم يعمله أو لكي يصحح أخطاءً قد ارتكبها ولكن الفرصة انتهت!!
الفترة الأولى في الحياة الأرضية التي عاشها الإنسان هي فترة اختبار.. والحياة الثانية التي عاشها بعد الموت هي فترة انتظار ليوم القيامة... وعندما يأتي يوم القيامة.. تتحد الروحُ مع جسدها ولكن في جسد القيامة بنوعيته الجديدة.
الحياة الثالثة
تتحدُ الروحُ بالجسد وتبدأ حياتها الثالثة التي لا تنتهي.. ولماذا؟
هذه الحياة الثالثة فيها الدينونة والحساب أمام الله، لأن كل ما فعله الإنسان من خيرٍ أو من شر اشتركت فيه الروح مع الجسد، فلا يتم الحساب إلا بعد أن ترجع الروح إلى الجسد مرةً أخرى.
الخير فعلته الروح مع الجسد معًا، والشر فعلاه معًا.. ويقف الاثنان أمام الله في الدينونة وبناءً على هذه الدينونة يتقرر مصير الإنسان الأبدي.
إذًا هناك ثلاث حيوات يحياها الإنسان... الحياة الأولى وهي الأقصر حياته المادية على الأرض يحياها الجسد متحدًا بالروح معًا. والحياة الثانية للروح فقط. والحياة الثالثة للروح والجسد متحدين بالقيامة في حياة سمائية..
وبناءً على هذا يتوقف مصير الإنسان، لذلك ليتنا نكون أمناء في علاقتنا مع الله، وعلاقتنا مع الناس، وعلاقتنا مع أنفسنا. وإن كان الإنسان أمينًا في حياته الأرضية فسوف يسمع من الله تلك العبارة الهامة: "كُنْتَ أَمِينًا فِي الْقَلِيلِ فَأُقِيمُكَ عَلَى الْكَثِيرِ. اُدْخُلْ إِلَى فَرَحِ سَيِّدِكَ" (مت 25: 21 و23).
كنت أمينًا في تلك الحياة القصيرة فأقيمك على الحياة الأبدية التي لا تنتهي.
كنت أمينًا في حياتك على الأرض فأقيمك على الحياة في السماء.
كنت أمينًا على عالم المرئيات فأقيمك على ما لم تره عين ولم تسمع به أذن ولم يخطر على قلب بشر ما أعده الله لمحبيه.
كنت أمينًا في العالم الذي توجد فيه حروب روحية، ومعاكسات من الشيطان، ومن الجسد ومن المادة، فأقيمك على حياة النصرة والغلبة التي لا حروب روحية فيها على الإطلاق.. بهذه الأمانة "اُدْخُلْ إِلَى فَرَحِ سَيِّدِكَ". نطلب من الله أن يعطينا أن نكون أمناء له ونطلب البركة والسلام والرخاء لبلادنا ولكل العالم أيضًا ولجميعكم أمين.
[1] عظة عيد القيامة، 15 أبريل 2001م
القيامة تمنح الرجاء في أنه لا مستحيل
القيامة تمنح الرجاء في أنه لا مستحيل[1]
إن كان الموتُ يعتبر نهاية لحياةٍ قد بدأت.. فإن القيامة تعتبر بداية لحياة أخرى لا تنتهي.
وإن كان الموت رعبًا لجميع الناس فإن القيامة فرح للجميع.
وإن كان الموت قد غلب الكل ولم ينجو منه أحد فإن القيامة هي التي غلبت الموت وتغلبه باستمرار.
والقيامةُ معجزة؛ كيف يمكن أن يقوم جميع الأموات في اليوم الأخير؟! إنها معجزة. وكلمة معجزة معناها: أن العقل البشري يعجز عن تفسيرها، ولكنها أمرٌ طبيعي في قدرة الله. والمعجزةُ هي الأمر السائد منذ البدء، ولقد بدأ الله هذا العالم الحاضر بمعجزةٍ هي معجزة الخلق.
والخلق معناه الإيجاد من العدم، وقد يبدو أمام العقل البشري أنه لا يفهم هذا تمامًا، ولكن مع ذلك هذا هو التفسير الوحيد لوجود الكون.. وكما بدأ الله الحياة الدنيا بمعجزة الخلق.. كذلك يبدأ الحياة الأخرى بمعجزة القيامة؛ حيثُ يقوم جميع الأموات، ويقفون أمام كرسي الله العادل.
ونحن لا نستوضح الله كيف يقيم الناس في اليوم الأخير، وكيف يفعل هذه المعجزة؟! ولكننا نتقبل كل هذا ونشكره على معجزاته، وعجائبه.
وليس كل شيء لا يفهمه العقل يرفضه.. فهناك أمورٌ لا نفهمها، ولكننا نقبلها. وفي المخترعات الحديثة التي قدَّمتها لنا التكنولوجيا الحديثة أمورٌ كثيرة لا يستطيع أن يفهمها غالبيةُ الناس، ولكنهم مع ذلك يقبلوها حتى إن لم يفهموها.
ومن جهة السيد المسيح حياته الأرضية تمثلها معجزتان معجزة في البدء هي ميلاده من عذراء، ثم معجزة القيامة حين قام من الأموات... وبالإضافة إلى هذا معجزة ارتفاعه إلى السماء، وأيضًا مجيئه الثاني في مجد، إلى جوار معجزات كثيرة قد قام بها، والمعجزات هي دليل على قدرة الله.
ونحن بمناسبة القيامة نتذكر أن الله قادر على كل شيء وأنه لا يوجد شيء غير ممكن أمام الله، ولا يوجد شيء مستحيل كما قال له أيوب الصديق: "عَلِمْتُ أَنَّكَ تَسْتَطِيعُ كُلَّ شَيْءٍ، وَلاَ يَعْسُرُ عَلَيْكَ أَمْرٌ" (أي 42: 2).
والقيامةُ يا إخوتي يقبلها الناس جميعًا حتى لو لم يفهموها... فلولا القيامة ما كان الشهداء يتقدمون إلى الموت، ويقدمون حياتهم وهم فرحون شاعرين أنهم ينالون إكليلاً، ولولا القيامة لكان الناس يحزنون على فقد موتاهم حزنًا في يأس، إن كانوا لا يرونهم فيما بعد. ولكن بروح القيامة التي يؤمن بها الجميع لا يحزنون كالباقين الذين لا رجاء لهم في القيامة (1 تس 4: 13)، شاعرين أنهم سيرون أحباءهم في يوم ما.
ولولا القيامة لاستغرق الناس في ملاذ هذه الحياة الدنيا كما كان يقول الفلاسفة الأبيقوريون: "لنأكل ونشرب فإننا غدًا نموت!". ولكن بالقيامة يعيش البعض في ضبط النفس، ويعيش البعض في النسك، وفي الزهد متمسِّكين بحياة أفضل في السماء.
القيامةُ تعلِّمنا أنه لا شيء مستحيل، كل شيء ممكن.. وبهذا تعطي النفس رجاءً مهما ضاقت الأمور. ففي كل مشكلة تحل حول الإنسان وفي كل ضيقة، بروح القيامة يشعر أن هناك حل، وإن كانت بعض الأبواب مغلقة أمام الشخص فإنه يقول مع القديس يوحنا الرائي: "نَظَرْتُ وَإِذَا بَابٌ مَفْتُوحٌ فِي السَّمَاءِ" (رؤ 4: 1)، ويرى الله الَّذِي يَفْتَحُ وَلاَ أَحَدٌ يُغْلِقُ (رؤ 3: 7)، كما وعدنا بهذا. هو يفتح ولا يستطيع أحد أن يغلق، وهو يفتح أيضًا كل الأبواب التي أغلقها الناس أو أغلقتها الظروف المحيطة.
نشعر بروح القيامة أن هناك حلاً لكل مشكلة، وأن كل باب مغلق له مفتاحٌ عند الله أو عدة مفاتيح .. وكل أمور معقَّدة لها حل عند الله أو عدة حلول.. إذا كان الله يقيم الموتى فكيف لا يحل مشكلة عادية هي أبسط من القيامة بكثير؟!! ونتذكر قول الشاعر حينما يتكلم عن المشكلات فيقول:
ضاقت ولما استحكمت حلقاتها | فُرجت، وكنت أظنها لا تفرجُ |
بروح القيامة نرى أن كل شيء ممكن، ونرى أن كل ليل دامس يأتي بعده فجرٌ مضيء.. لذلك فالذين يؤمنون بالقيامة وبأنه لا مستحيل لا يتضايقون، ولا يحزنون.. حتى إن تعب إنسان من خطية أو من عادة مسيطرة وطال عليه الوقت وهو مغلوب من الخطية، يلتفت إلى الله ويقول: "تَوِّبْنِي يا رب فَأَتُوبَ" (إر 31: 18).
ويرى في التاريخ مثالاً طيبًا هو أغسطينوس الشاب الذي عاش في حياة الفساد زمنًا، وكتب ذلك في اعترافاته. ولكن الله أرسلَ إليه نعمته وقاده إلى حياة التوبة ولم يصر فقط تائبًا، وإنما صار قديسًا عظيمًا صاحب تأملات انتفعت بها الأجيال.
وهكذا أيضًا ليس في الخطيةِ فقط إنما حتى في الإلحاد مرَّت على روسيا سبعون سنةٍ بعيدةٍ عن الله بحيث أن كل النشء الجديد نشأ في هذا الجو الملحد!! وكان يبدو أنه لا حلّ، لأن السُلطة المسيطرة هي ملحدة.. ولكن عند الله توجد حلولٌ كثيرة، ففي الوقت الذي أراده الله رجعت روسيا إلى الإيمان.. عشرات الملايين رجعوا بل أكثر من مائة مليون رجعوا إلى الإيمان بعد حياة في الإلحاد.
كل شيء ممكن.. عند الله لا يوجد شيء غير ممكن على الإطلاق ..
حتى الوثنية التي دوَّخت العالم زمنًا بقسوةٍ من ملوكٍ وثنيين، وكان المؤمنون يلاقون المر في الجو الوثني الذي يريد أن يرغمهم على الوثنية، ومع ذلك الله القادر على كل شيء استطاع أن يُفني هذه الوثنية، وأن ينتشر الإيمان وتندحر عبادة الأصنام، وينادي الكل بالله الذي لا يعبدون سواه.
كذلك إن كان الله كان عنده حل للتخلُّص من الوثنية ومن الإلحاد .. فما أسهل على أي شخص تسيطر عليه عادة متعبة، أو يقع في الإدمان ويقول: لا حل، لا فائدة! روح القيامة يقول له: هناك حلولٌ كثيرةٌ عند الله ... وكم من المدمنين استطاعوا أن يتخلَّصوا من إدمانهم وعاشوا في صحةٍ طيبة. لا يقل أحد أن هناك شيئًا غير ممكن.
ربما يتضايق البعض إن وُجد فسادٌ في كثيرٍ من الأمكنة، وفي كثيرٍ من البلاد والدول.. ويظن أن هذا الفساد هو علامة على نهاية العالم، كلا .. هناك رحمة الله التي هي علامة على نهاية الفساد.
قد يرى البعض أن الحقَ مضطهد والباطل هو المسيطِر، ولكن هذا الأمر لا يستمر.. إرميا النبي في عتابه مرة مع الله قال له: " أَبَرُّ أَنْتَ يَا رَبُّ مِنْ أَنْ أُخَاصِمَكَ. لكِنْ أُكَلِّمُكَ مِنْ جِهَةِ أَحْكَامِكَ: لِمَاذَا تَنْجَحُ طَرِيقُ الأَشْرَارِ؟ اِطْمَأَنَّ كُلُّ الْغَادِرِينَ غَدْرًا!" (إر 12: 1).
ويجيب القديس أغسطينوس على هذا الأمر فيقول: "إن النار قد تبقى إلى أسفل بينما الدخان يصعد إلى العلو، ويتمادى في علوه وتتسع رقعته وينتشر ولكن فيما تتسع رقعته يتبدد وتبقى النار وهي أسفل قوية في حرارتها، وفي لهيبها، وفي كرامتها".
أما من جهة الحق والباطل فالمعروف أن الباطل قد ينتصرُ أولاً ولكنه ينهزم أخيرًا، والحق قد ينهزم في بادئ الأمر أو يبدو منهزمًا ولكنه لابد أن ينتصر في الآخر. بروح القيامة يشعر الناس أنه لا مستحيل وأن الله قادر على كل شيء، وممكن أن الشيء الذي لا نستطيعه نقول له: "أنت يا رب الذي تستطيعه فتدخَّل واعمل عملاً"...
وفي ختام كلمتي أهنئكم جميعًا، وأرجو لبلادنا كل خير وأرجو أن يسود السلام في الشرق الأوسط، وفي كل مكان.
[1] عظة عيد القيامة، 5 مايو 2002م
القيامة باب الخلود
القيامة باب الخلود[1]
أحدثكم اليوم عن عيد القيامة المجيد، وكيف أنه بابٌ للخلود وللتجلِّي في هذا الخلود.
الله عندما خلق الإنسان خلقه للحياة وليس للموت، ووضع فيه كل مخصَّصات الحياة: منحه العقل، والضمير، والإرادة.. ومنحه أيضًا وصية لكي تحفظه من السقوط. ومع ذلك سقط الإنسان!!
وبالسقوط حُكم عليه بالموت و"اجْتَازَ الْمَوْتُ إِلَى جَمِيعِ النَّاسِ، إِذْ أَخْطَأَ الْجَمِيعُ" (رو5: 12). وساد الفسادُ في الأرض، وأصبحت للخطية أسماءٌ كثيرة وفروع عديدة.
وكان الله يريد الصلاح لهذا الإنسان الساقط، فأرسل له الأنبياء لكي يقوده إلى التوبة، وأيضًا كما سمح الله أن يدخل الموت إلى طبيعتنا كذلك سمح أيضًا أن تدخل القيامة إلى طبيعتنا.
وكما انتصر الموتُ على الحياة وأضاعها.. كذلك أراد الله بالقيامة أن تنتصر الحياة على الموت وتبيده.
وكما تحولت الحياةُ في جسم الإنسانِ إلى تراب كذلك أراد الله أن هذا التراب يرجعُ مرة أخرى إلى الحياة، وليس فقط أن يرجع الإنسان إلى الحياة إنما أن يُمنح الحياة الأبدية، يُمنح الخلود ويحيا إلى الأبد.
ولكن بين الخلودِ والقيامة كانت هناك فترة أخرى، وهي فترة الدينونة أو الحساب أمام الله... حيثُ يقف الناس جميعًا أمام الرب لكي يعطون حسابًا عن كل ما فعلوه بالجسد خيرًا كان أو شرًا. وكان لا بد في هذا الحساب أن يحاسب فيه الإنسان كله وليس فقط الروح.. فكان لا بد من قيامة الجسد وأن تتحد الروح بالجسد، ويقف الإنسان كله أمام الله في ساعة الحساب روحًا وجسدًا أمام عدل الله ورحمته.
ونحنُ لا نفصل إطلاقًا بين عدل الله ورحمته؛ فعدلُ الله مملوء رحمة ورحمةُ الله مملوءةٌ عدلاً.. عدل الله عدلٌ رحيم، ورحمة الله رحمةً عادلة.
وبالقيامة أصبح الناس لا يخافون من الموت. فالموتُ هو مجرد جسر بين حياتين؛ بين حياةٍ أرضيةٍ قصيرةٍ مؤقتة.. وحياةٍ في العالم الآخر دائمة إلى الأبد. ولذلك في صلواتنا نقول لله عن الموت: "لأنه ليس موت لعبيدك بل هو انتقال"، مجرد انتقال من حياة إلى حياة أخرى.
والمؤمن لا يخاف الموت. لأنه يؤمن بالقيامة، وأيضًا لا يخاف الموت من يستعد للموت، غيرُ المستعدين للموت يخافونه تمامًا... لكن المستعد للموت لا يخاف.
غير أن هناك نقطة ربما تدعو الناس للخوفِ من الموت وهي عدم معرفتهم ما هو الموت وكيف يكون؟! إن كان الموت هو خروجُ الروح من الجسد.. فكيف يحدث هذا الخروج؟ وكيف تنفصل الروح عن الجسد؟ وهل يكون هذا الانفصال أمرًا مؤلمًا جدًا للإنسان أم يعبرُ في هدوء؟ ثم أيضًا ماذا يكون بعد خروج الروح من الجسد، ماذا يحدث؟ لقد قام كثيرون ولم يحدثونا بشيء .. قام من الموتِ أشخاصٌ على يد إيليا النبي وأليشع النبي، وقام آخرون على يد السيد المسيح نفسه، ولكن لم يحدث أن واحدًا من هؤلاء حكى لنا عن الموت وكيف كان؟ وكيف خرجت روحه من جسده وماذا حدث بعد هذا؟ ظل الأمرُ في صمتٍ كامل مختومًا عليه بسبعة ختوم.
الخلود البهيج
على أن المهم ليس في القيامةِ فقط إنما المهم بالأكثر هو ما بعد القيامة، ونقصد ببعد القيامة الحياة الخالدة التي يهبها الله للإنسان..
هذا الخلود البهيج في عشرة الله وملائكته وقديسيه في حياةٍ دائمةٍ لا تنتهي حيثُ لا يوجد تعب، ولا ضيق، ولا مرض، ولا أي نقص حتى أصحاب العاهات يقومون سليمين بلا نقص من أي ناحية.
وفي هذا الخلود يتجلَّى الجسد كما تتجلَّى الروح...
تتجلَّى الروح في المعرفة، وفي القدسية، وفي الطهارة، وفي عدم معرفة الخطية على الإطلاق، وفي الشفافية التي توهب للروح.
ويتجلَّى الجسد في أنه يقوم جسدًا روحيًا بلا أي نقص، جسد لا يتعب، ولا يمرض، ولا يصيبه أي ضرر، ولا يموت فيما بعد.
هذه الأبدية الجميلة المتجلِّية من كل نوع نشكر الله عليها من قلوبنا إذ يتيح لنا أن نتمتع بها في العالم الآخر.
وننتهزُ هذه الفرصة لكي نصلِّي من أجل بلادنا مصر أن ينعم الله عليها بالبركة وبالرخاء.
[1] عظة عيد القيامة، 27 أبريل 2003م
ماذا لو لم تكن قيامة؟!
ماذا لو لم تكن قيامة؟![1]
ونحن نحتفل بعيد القيامة المجيد أود لكي نشعر بأهمية هذا العيد أن نسأل أنفسنا تمامًا ماذا كان يحدث لو لم تكن هناك قيامة؟
لو لم تكن هناك قيامة لكان مصير الإنسان إلى الفناء، أو إلى حفنةٍ من التراب وكومةٍ من العظام.. ولأصبح مصيره مثل مصير الحيوان تمامًا في موته!! وهذا أمرٌ عجيب كيف يمكن أن هذا الإنسان البشري الناطق العاقل، الذي وهبه الله العلم والفكر، ومنحه القدرة على الاختراعات فصنع مركبات الفضاء التي تطوفُ حول الأرض وترجعُ إليها سالمةً بأخبار وأنباء، والذي أمكنه أن يخترع اختراعات عظيمة جدًا كالكمبيوتر والفاكس والموبايل فون، وكذلك يستطيع أن يتصرف في الجينات بجدارةٍ عجيبة..!
كيف يمكن لهذا الإنسان إذا لم تكن قيامة أن يموت مثل أية بهيمة أو حشرة أو بعض الهوام؟! أمرٌ غير معقول.. وخصوصًا أن هذا الإنسان هو الذي ائتمنه الله على الوحي الإلهي، وأرسل إليه الأنبياء وصنع معه المعجزات فمن غير المعقول أن يموت وينتهي أمره بغير قيامة.
وإذا لم تكن هناك قيامة تكون النتيجة أن يضعُف تأثير الضمير من جهة اهتمامه بالحساب الأخير.
نحن نعلم أن الإنسان عندما يموت وحينما يقوم جسده في القيامة العامة إنما يقف أمام منبر الله العادل ليعطي حسابًا عن جميع أعماله، وجميع أفكاره ونياته ومشاعره.. لذلك يسلك الإنسان بتدقيق لئلا يقع في خوف من الله بسبب خطاياه، ويقع أيضًا في خجلٍ أمام الناس.
أما إذا لم تكن هناك قيامة ولم يكن هناك حساب، ولا عقاب، ولا خجل ولا خوف .. حينئذ ينطبق على الإنسان عبارة "إذا لم تستح فافعل ما تشاء".
ولو لم تكن قيامة لساد الفساد في الأرض، وتهالك الناس على الشهوات والرغبات.
وأيضًا إن لم تكن هناك قيامة لسادت شريعة الغاب في الأرض، وأمكن للأقوياء أن يفترسوا الضعفاء، وتسود القسوة والظلم!! لكن القيامة تمنع الناس من كل هذا.
ولو لم تكن قيامة لكان الضمير يفتُر؛ لأنه لا يهتم بالحساب الأخير، وفي ذلك الوقت تضيع القيامة وتضيع المبادئ.
ولم لم تكن هناك قيامة لأصبح الموت رعُبًا للجميع، بينما نحن نرى الشجعان يتقدمون إلى الموت بغير خوف، ونرى الشهداء يتقدمون إلى الموت غير هيّابين، وكل هؤلاء يشعرون أن لهم حياةً أخرى بعد الموت، فلذلك لا يهمهم أن يموتوا ما دام باب الأبدية مفتوحًا أمامهم.
أما إن لم تكن هناك قيامة حينئذ يصبح الموت مخيفًا جدًا... المريض الذي يموتُ وهو مؤمن بالقيامة يموتُ بغير جزع.. لكن إن لم تكن هناك قيامة يكون الخوف والجزع، لأن معناها أن الحياة انتهت بغير رجعة. ولذلك كان الملحدون يخافون كثيرًا حينما تأتي ساعة الموت، شاعرين أن الموضوع انتهى.. وانتهى بمأساة!
وإن لم تكن هناك قيامة لكنّا نحزن كثيرًا جدًا من أجل أخوتنا، وأحبائنا وأصدقائنا الذين يموتون. بالقيامة نشعر أننا سنلاقيهم في الأبدية ونجتمع معهم مرة أخرى، أما إن لم تكن هناك قيامة فمعناها أن الموت قد أصبح فاصلاً نهائيًا بيننا وبينهم..
بينما بالإيمان بالقيامة لا نؤمن فقط أننا سنلاقي أحباءنا وأصدقاءنا ومشاهير الرجال الذين نحبهم ونقدرهم، وإنما بالإيمان بالقيامة نرى تواصل الأجيال... نشعر أننا في السماء سنلتقي بأبينا آدم وأبينا نوح وأبينا إبراهيم وبسائر الأنبياء وبكل الشخصيات التي انتقلت إلى العالم الآخر، وبغير القيامة لا يوجد شيءٌ من هذا.
لو لم تكن قيامة لكنا نُحرم تمامًا من السماء، وكل ما في السماءِ من الملائكة ومن القوات السمائية، نُحرم من السماء التي فيها عرش الله والتي فيها البهاء والمجد والنعيم، وتصبح كلمات النعيم الأبدي مجرد كلمات نظرية لا تدخل في النطاق العملي.
ولو لم تكن هناك قيامة لحُرمنا من الحياة المثالية التي نرجوها ونتوقعها في العالم الآخر في القيامة.. أعني الحياة في السماء حيث لا حزن، ولا تعب، ولا ضيق، ولا مرض، ولا حروب، ولا خصومات، ولا مشاحنات وإنما سلام يعيش فيه الكل.
ولو لم تكن قيامة لحُرمنا من كل هذا.. وحُرمنا أيضًا من التجانس العجيب الذي يوجد في العالم الآخر، حيثُ يوجد جميع الشعوب وجميع الأجناس في سلامٍ معًا يتفاهمون في محبة بلغةٍ واحدة.. إذ تزول اللغات العادية الحالية التي تفصل بين جنسٍ وجنس، ويصبح الجميع يتفاهمون معًا.. بأية لغة لست أدري؟! ربما بلغة الروح...
ولو لم تكن هناك قيامة لما كان هناك تعويض للذين عاشوا على الأرض حياةً متعبة مؤلمة بائسة من المكدوحين من الناس.
مثالُ ذلك: المعوقون، والمشوهون، ينتظرون وقتًا يرجعون فيه إلى الحالة الطبيعية وذلك بالقيامة.. فإن لم تكن هناك قيامة معناها أن هؤلاء يبقون كما هم! ويبقى الأعمى كما هو أعمى لا يبصر لا في هذه الدنيا ولا في عالم آخر، لأن العالم الآخر يكون بعد القيامة.
وأيضًا الذين عاشوا في فقر، وفي عوز، وفي ذل، أو عاشوا كخدام أو عبيد أو تحت رئاسةٍ قاسيةٍ عنيفة، أو تحت ضغوطٍ من المجتمع هؤلاء يحلمون أنهم في القيامة يتخلَّصون من متاعبهم... أما لو لم تكن هناك قيامة فمعنى أن هؤلاء البؤساء يظلون بؤساء إلى نهاية حياتهم!! وهذا أمرٌ لا يوافق الله عليه.
ولو لم تكن قيامة لما كان هناك مجال يتنعم به الأبرار الذين يفعلون الخير في صمت وفي خفاء لا يطلبون مديحًا من الناس.
وأيضًا الأبرار الذين قهروا أنفسهم، وقاوموا شهوات العالم ورغباته، وقاوموا كل إغراء وعاشوا في الصوم وفي النسك وفي الزهد إن لم تكن قيامة فهل كل هؤلاء يضيعُ تعبهم؟!
وأيضًا في الإيمان بالقيامة نذكر وعود الله بالحياة الأبدية..
فإن لم تكن قيامة فهذا ضد الإيمان بالحياة الأخرى، وضد الإيمان بالنعيم الأبدي، وضد الإيمان بوعود الله، وكأن الناس يقولون في أنفسهم: هل خدعنا رجال الدين بأن هناك قيامة؟! وبأن هناك جنة ونار؟ وبأن هناك ثواب وعقاب؟!
ما دامت القيامةُ إذًا لازمةً بهذا الوضع وضرورة لكل هذه الأسباب، إذًا علينا جميعًا أن نستعد لها بالإيمان القويم، وبالحياة الصالحة، وبفعل الخير.. لأن الله لا ينسى عملاً خيِّرًا يعمله الإنسان. وأخيرًا أهنئكم مرة أخرى بهذا العيد ونرجو لبلادنا كل خير.
[1] عظة عيد القيامة، 11 أبريل 2004م
تجلي الطبيعة البشرية
تجلي الطبيعة البشرية[1]
القيامة كما أرادها الله - تبارك اسمه - هي لونٌ من تجلِّي الطبيعة البشرية. والتجلِّي معناه أن تصير الطبيعة البشرية في أجمل صورة، وفي أسمى وأنقى وأرقى وضع ممكن.. فلماذا هذا التجلِّي؟
لقد خلق الله الإنسان حيًا وأراد له الحياة، ولكن الإنسان بخطيئته جلبَ على نفسه الموت، ثم تملكَ الموتُ من آدم عبر جميع الدهور، وشاءت إرادة إلهنا الصالح أن ينقذ الإنسان من الموت بالقيامة والحياة الأخرى والخلود.. وتخلُّص الإنسان من الموت هو تجلٍّ للطبيعة البشرية.
كذلك خلق الله الإنسان نقيًا طاهرًا لا ميل فيه للخطيئة أو للشر، ولكن الإنسان إذ سقط، بدأ الفسادُ يدخل إلى العالم ثم سيطر الفساد أيضًا، وسيطرت الخطيئة، وكثرت الأخطاء.. وأراد الله مرةً أخرى أن يعيد الإنسان إلى حالته السامية الأولى، ولم يكن ذلك ممكنًا إلا بتجديد طبيعته بالقيامة بعد الموت.
كذلك خلق الله الإنسان متصلاً بالمادة ومسيطرًا عليها، ولكنه بخطيئته صارت المادة هي المسيطرة عليه، وصار الإنسانُ في الغالب ماديًا، وأراد الله أن ينقذه من هذه المادية بالقيامة بعد الموت.
وإذ نتكلَّم عن تجلِّي الطبيعة البشرية إنما نقول إن هذا التجلِّي شمل الجسد، والنفس، والعقل، والروح جميعًا.
من جهة الجسد
نحن نؤمن أننا سنقوم بأجسادٍ روحانية منيرة، لا تأثير للمادةِ عليها ولا تخضع إطلاقًا للجاذبية الأرضية. هذه الأجساد التي نقوم بها في القيامة لا يدركها الألم، ولا المرض، ولا الجوع، ولا الضعف، ولا الانحلال إنما ستكون سليمة تمامًا. كما أن غرائزها التي انحرفت على الأرض ستستقيمُ في هدفها الروحي في العالم الآخر.
هذه الأجساد أيضًا سوف لا تكونُ فيها أية عاهات، أو أي نوعٌ من النقص.. فالعميان يقومون مبصرين، والصُم يسمعون، والبُكم يتكلَّمون وكل ضعفٍ في الجسد يزول في القيامة بتجلِّي الجسد. فهل نقول إن الجسد قد عاد إلى طبيعته الأولى؟ أقولُ بل أفضل. أفضل من طبيعته الأولى فالإنسان الأول مع أنه كان حيًا إلا أنه كان قابلاً للموت، وقد مات فعلاً. وفي القيامة سوف لا يكون هناك موتٌ على الإطلاق.
كذلك الإنسان وإن كان قد خُلِق طاهرًا إلا أنه كانت له حرية الإرادة التي يمكن بها أن يخطئ .. وفعلاً قد أخطأ، أما في القيامة فسوف لا تكون هناك خطية، لذلك تكون الحياة أفضل. هذا عن الجسد، وماذا عن النفس؟
من جهة النفس
ستتجلَّى النفس بالقيامة فتكون نفسًا سوية ليست فيها أخطاء النفس البشرية على الأرض. ستكون نفسًا لا تعرف القلق، ولا الخوف، ولا الشك، ولا الغضب، ولا الحقد ولا كل الأمراض النفسية الأخرى. وستتجلَّى النفوس في القيامة بأنه لا يوجد فيها أي نقص، كل النفوس في القيامة تشعر بالملء، بملء السعادة .. سيزول الحزن تمامًا في القيامة. لأننا نقول عن الموضع الذي تذهب إليه الأرواح نقول في صلواتنا: "الموضع الذي هرب منه الحزن والكآبة والتنهد في نور القديسين". لا تشعرُ نفسٌ بالنقص إطلاقًا مع اختلاف درجة السعادة في الأبدية، مثالُ ذلك: عدة قوارير تكونُ ممتلئة، والقوارير مختلفة في الحجم وفي السعة، ومع ذلك لا يوجد في إحداها أي شعورٍ بالنقص.
كذلك تتجلَّى النفوسُ في الأبدية بأن يزول التمايز العنصري، ولا يوجدُ في القيامة جنسٌ أفضل من جنس، بل الكل متساوون أمام الله. وفي القيامةِ أيضًا تتجلَّى النفوس بشيءٍ آخر هو وحدة اللغة، ستكون هناك لغة واحدة يفهمها الجميع ويتفاهم بها الجميع وفي هذا التفاهم يشعرون بالسعادةِ والفرح.
من جهة العقل
أيضًا يتجلَّى العقل في فهمه وفي إدراكه، وفي ذاكرته وفي سرعة بديهيته.
من جهة الروح
وتتجلَّى الروح في القيامة إذ لا يكون فيها أي خطأ أو خطيئة، تكونُ في القيامة أرواحًا طاهرة لا تعرف الخطية ولا تذكار الخطية ولا أية صور ولا أخبار للخطيئة على الإطلاق، يزولُ كل هذا من ذاكرتها بلونٍ من النسيان المقدس الذي ينسى الإثم والخطيئة والشر بكل نوع.
وتتجلَّى الروح في أنها في طُهرها تقترب من طُهر الملائكة أيضًا حينًا بعد حين، وكما قال السيد المسيح له المجد: "يَكُونُونَ كَمَلاَئِكَةِ اللهِ فِي السَّمَاءِ" (مت 22: 30)، وكما قال الكتاب المقدس: إن الأرواح في الأبدية تتكلَّل بإكليل البر ولا يفارقها هذا البر أبدًا.
وأكثر من هذا تتمتع بمتعٍ روحية لا بمتعٍ مادية.
وفي تجلِّيها تبدأ أن تنمو في معرفة الله، وتتغذَّى بجماله وجلاله وتنكشف أمامها كثيرٌ من أسرار السماء، من تلك الأسرار التي لا يُنطق بها، ولا تستطيع لغاتنا الحالية أن تعبِّر عنها، لأن ما يوجد في السماء لم تدركه بعد مفردات اللغة الحالية.
أرانا مضطرين قليلاً أن ننزل من تفكيرنا في هذا الجو إلى أن نهنئكم على الأرض بهذا العيد ونرجو لبلادنا كل رقيٍ وازدهار.
[1] عظة عيد القيامة، 1 مايو 2005م
القيامة معجزة التلاقي
القيامة معجزة التلاقي[1]
بمناسبة عيد القيامة المجيد أحب أن أحدثكم عن معجزة التلاقي العجيب الذي لم يحدث له مثيل إطلاقًا في تاريخ البشرية منذ نشأتها.
هذا التلاقي في القيامة هو تلاقي الأبرار معًا في نور لا يُنطق به... وتلاقي الأشرار معًا في الظلمة الخارجية أي خارج مجمع الأبرار... ونود أن نتكلم في هذه الليلة عن تلاقي الأبرار.
لقاء الأرواح مع الأجساد
اللقاء الأول في القيامة هو لقاء الأرواح مع الأجساد، وكانت قد افترقت عن بعضها البعض بالموت، ومرت أجيال على هذه الفُرقة.. ثم عادت الأرواح تلتقي بأجسادها وتتعرف عليها، مع أن الأجساد صارت أجسادًا روحية غير مادية لا تخضع للجاذبيةِ الأرضية، ولو كانت مادية وتخضع للجاذبيةِ الأرضية لسقطت من السماءِ إلى الأرض.
وهذه الأجساد الروحانية التي اتحدت بها الأرواح أصبحت أجسادًا نقيةً لا تخضع للغرائز ولا للشهوات، ولا تقاوم الأرواح. تتعرف عليها الأرواحُ في الأبدية وتتحد بها، وتعيش الأرواح والأجساد مرة أخرى حياةً طاهرةً نقيةً مقدسةً سعيدة.
لقاء الأحباء
اللقاء الثاني في القيامة هو لقاء الأقارب والأحباء والأصدقاء..
لقاء الأزواج الذين افترقوا عن بعضهم البعض بالموت، ومرت أجيال وظنوا أنه لا لقاء.
لقاء الأبناء والآباء، لقاء الأحفاد والأجداد، لقاء الأسرة الكبيرة وقد يبدو هذا الأمر غريبًا لأنه ربما أحد الأجداد توفي وحفيده يحبو على الأرض أو في سن الرضاعة ثم كبر هذا الحفيد وصار رجلًا، وصار شيخًا وتوفي في الشيخوخة وجده يتعرف عليه في منظره الجديد. العائلة الكبرى تجتمع معًا في محبة. كذلك يلتقي الأصدقاء ويلتقي الأحباء الذين ظنوا أنه لا تلاقي بعد الموت.
لقاء العصور
اللقاء الثالث الذي يحدث في الأبدية هو لقاء عصور متباعدة. يلتقي عصر أبينا آدم أب البشرية الأول وابنه هابيل البار، مع عصر أبينا نوح وأبنائه الذين نجوا في الفلك، مع عصر آبائنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب، مع عصر موسى النبي وأخيه هارون وأخته مريم، مع عصر داود النبي وابنه سليمان الحكيم، مع عصورٍ طويلةٍ مرت عليها آلاف السنين كل هؤلاء يلتقون معًا... وهؤلاء الآباء يقابلون بعضهم بعضًا في محبة وكلٍ منهم له هيبته، وله وقاره، وله شخصيته، ويتبادلون الذكريات معًا.
لقاء الشعوب
لقاء آخر في الأبدية هو لقاء شعوب وأجناس وقبائل.
تلتقي الأجناس البيضاء والأجناس الصفراء، والأجناس السمراء والسوداء، كلهم يلتقون معًا. يلتقي الجنس الآري مع الجنس الزنجي، يلتقي جنس الأمريكان مع الهنود الحمر، يلتقي جنس الأُستراليين مع Aboriginal أي الشعب الأصلي للبلد. يلتقي كثير من الذين كانوا سادة مع آخرين كانوا عبيدًا، ولكنهم تحرروا في القيامة. الكل يلتقوا، ولكن في أوضاع تختلف عن أوضاعهم حينما كانوا على الأرض.
لقاء موكب الشهداء
لقاءٌ آخر في الأبدية.. هو لقاء موكب الشهداء في كافة العصور، وخصوصًا في عصر نيرون وعصر دقلديانوس وغيرهما... يلتقي شهداء الدين، وشهداء الحق، وشهداء الواجب، وشهداء الفضيلة، وكل من هؤلاء له قصته وله جهاده، مع أبطال الإيمان الذين تعبوا من أجل الإيمان وبذلوا كثيرًا ولهم تاريخٌ مجيد، مع كافة الأبرار الذين كل منهم يمثل فضيلة معينة بلغ فيها حد المثالية. ولكن كل هؤلاء الذين يلتقون لا يكونون في درجة واحدة لأنه كما يقول الكتاب: "لأَنَّ نَجْمًا يَمْتَازُ عَنْ نَجْمٍ فِي الْمَجْدِ" (1 كو15: 41)، يكون لكل واحد كرامته، ودرجته في المجد، ولكن الكل يكونون سعداء.. مثلهم مثل مجموعة كبيرة من الأواني أو القوارير تختلف حجمًا وطولاً وكلها ممتلئة لكن ما يوجد في بعضها غير الذي يوجد في البعض الآخر.
اللقاء مع الملائكة
لقاء أعجب من كل هذا: لقاء كل هؤلاء مع الملائكة.. لأن ملكوت الله يتكون من الملائكة والبشر... تصوروا هؤلاء البشر عندما يلتقون برؤساء الملائكة ميخائيل، وجبرائيل، وسوريـال، ورافائيل، وحينما يلتقون بالكاروبيم والساروفيم، وكل الجمع غير المحصى الذي للقوات السمائية.. ما أعجب هذا اللقاء وكيف يكون؟!
لغة اللقاء
أريد أن أقول عن هذا اللقاء بأي لغةٍ سوف يتكلمون في الأبدية؟ كل هؤلاء الذين جاءوا من شعوب، ومن قبائل، ومن بلاد، من عشرات ومئات اللغات في العالم، والتقوا في الأبدية مع الملائكة.. بأي لغةٍ سيتكلمون؟! وبأي لغةٍ سيتفاهمون؟ هل بلغة الروح؟ هل بلغة السماء؟ هل بلغة الملائكة إن كان للملائكة لغة؟ وحينما يسبحون معًا في السماء التسبحة التي يسبحها هذا الجمع الكبير الذي التقى في الأبدية بأي لغة تكون هذه التسبحة؟ ومن يضع لها لحنًا؟ ومن يضبط إيقاعها ومن يقود النغم فيها؟ هذا من ناحية اللغة أما عن طريقة التعارف...
طريقة التعارف
وكيف سيتعرفون على بعضهم البعض؟ هل ستأتي مجموعة من الملائكة وتعرف الوافدين الجدد القائمين من الأموات، بالأجيال القديمة كلها؟ أم سيكشف الله لهم عن بعضهم البعض بطريقةٍ ما؟ أم يكون لكل واحد في شكله ومظهره ما يدل على شخصيته؟ كيف سيتعرفون؟!
إنها حفلة تعارف كبرى ستقوم في السماء يتعرف بها الكل على الكل، وهي حفلة تعارف سعيدة بلا شك..
أنا آسف يا إخوتي مضطر أن أنزل من هذا المستوى السمائي لكي أتكلم على الأرض.. أرجو لكم عيدًا سعيدًا مباركًا لكم، ولبلادنا مصر العزيزة وكل العاملين فيها.. وكل عام وأنتم بخير.
[1] عظة عيد القيامة، 22 أبريل 2006م
الأمور التي لا تُرى
الأمور التي لا تُرى[1]
أولاً أهنئكم بالعيد راجيًا لكم حياةً مقدسةً ثابتةً في الله، وراجيًا لبلادنا العزيزة كل سلام وأمن وطمأنينة.
من جهة القيامة وماذا سنرى فيها.. فيعلمنا الكتاب المقدس أنه "مَا لَمْ تَرَ عَيْنٌ، وَلَمْ تَسْمَعْ أُذُنٌ، وَلَمْ يَخْطُرْ عَلَى بَالِ إِنْسَانٍ: مَا أَعَدَّهُ اللهُ لِلَّذِينَ يُحِبُّونَهُ" (1 كو2: 9)، ولذلك يقول لنا الكتاب المقدس: "وَنَحْنُ غَيْرُ نَاظِرِينَ إِلَى الأَشْيَاءِ الَّتِي تُرَى، بَلْ إِلَى الَّتِي لاَ تُرَى. لأَنَّ الَّتِي تُرَى وَقْتِيَّةٌ، وَأَمَّا الَّتِي لاَ تُرَى فَأَبَدِيَّةٌ" (2 كو4: 18).
فما هو إذًا ما لم تره عين ولم تسمع به أذن ولم يخطر على بال إنسان؟!
أول شيء في "ما لم تره عين" هو.. الأبدية
نحن نقرأ عن الأبدية ونعرف عنها من وعود الله لنا في كتابه المقدس، ولكننا لم نر الأبدية ما هي، وكل ما نعلمه أن هذا العالم إلى زوال، أما الأبدية فلا نعرف عنها شيء!
هذه الأبدية أي ما لا نهاية من الزمان هي ما سوف نتمتع به في القيامة العامة، والذي تهمه الأبدية إنما يستعدُ لها بالعمل الصالح، وبنشر الخير في كل مكان ومع كل أحد، وأيضًا بالبعد عن مشهيات العالم الحاضر، وعن المادة. فالعالم كما يقول الكتاب: يبيد وشهوته معه.. "وَالْعَالَمُ يَمْضِي وَشَهْوَتُهُ" (1 يو2: 17)، وليس في العالم شيءٌ باقي.. هو من الأشياء التي تُرى! وكذلك المادة من الأشياء التي تُرى... والإنسان الروحي الذي يهدف إلى حياةٍ أبدية سعيدة لا يهتم بأمور العالم، لا يجعلها تشغل ذهنه، ولا تشغل قلبه، ولا تستحوذ على عواطفه، والسيد المسيح له المجد يقول: "لأَنَّهُ مَاذَا يَنْتَفِعُ الإِنْسَانُ لَوْ رَبحَ الْعَالَمَ كُلَّهُ وَخَسِرَ نَفْسَهُ؟" (مت 16: 26).
وهذا العالم سيأتي وقت نتركه بكل ما فيه، ولا يصحبنا شيءٌ منه ولا من المادة التي فيه في حياتنا الأبدية.
الشيء الثاني في الأمور التي لا تُرى.. الملائكة
نحن نعلم أن الملائكة يحيطون بنا وأنهم ينقذونا من ضيقات كثيرة، وأنهم يأتون برسائل من السماء للبشر، ولكننا لم نرَ الملائكة ولعلنا سوف نراهم في الأبدية.. ويقينًا سنراهم هناك. إنها متعة من متع الأبدية أن نرى الملائكة، ورؤساء الملائكة، وكل الجمع غير المحصى الذي للقوات السمائية، وكذلك نرى أرواح الأبرار الذين سبقونا إلى السماء.
أيضًا من الأشياء التي لا تُرى.. الروح
الجسد ظاهر ونراه ولكن الروح لا نراها، حتى عندما تفارق الروح الجسد لا نراها إلى أين هي ذاهبة؟! والإنسان الروحي يهتم بما يخص الروح، يهتم بغذاء الروح.. إن كان الجسد غذاؤه الطعام، فإن الروحَ غذاؤها محبة الله وغذاؤها الفضيلة، وغذاؤها التسبيح والصلاة... هذه هي الروح التي ينبغي أن نعمل لها، ولا ينبغي أن نضع كل آمالنا في هذا الجسد الذي سيأتي وقت نتركه ويتحول إلى تراب ولا يذهب معنا إلى السماء.
أيضًا من الأشياء التي لا تُرى.. متع العالم الآخر
هذه المتع التي في العالم الآخر نشتاقُ إليها، ونرجوها، فهل نراها؟ لا. لا نراها، وإنما وُعِدنا بها. هذه المتع التي في العالم الآخر نشتاق إليها ونرجوها بالإيمان، ومن أجلها النُساك زهدوا العالم كله ولم تعد لهم رغبة فيه، لأنهم تعلقوا بمتع الأبدية التي لا تُرى.
ومن أجل هذا أيضًا نرى القديس أغسطينوس الذي ذاق العالم، زَهَدَه وتاب وصار أسقفًا ومصدرًا من مصادر الروحيات، ونراه يقول: "جلست على قمة العالم حينما أحسست في نفسي أني لا أشتهي شيئًا ولا أخاف شيئًا". العالم يا إخوتي نعيش فيه ولكن لا يصح أن يعيش هو فينا.
والمادة من حقنا أن نملكها ونستخدمها للخير، ولكن لا يحق للمادة أن تملكنا وتُصرِف أمورنا وأفكارنا.
من الأمور التي لا تُرى أيضًا... المعنويات؛ الحق والقيم والمُثل، نتبعها ونحن لا نراها.
ومما لا يًرى أيضًا السماء... ولا أقصد هذه السماء التي أمامنا، الغلاف الجوي الذي يحيط بنا الذي تسبح فيه الطيور وتحلق فيه الطائرات، ولا أقصد ما هو أبعد من ذلك الفلَك الذي توجد فيه الشمس والقمر وسائر الكواكب والنجوم البعيدة، إنما أقصد سماء السموات التي يوجد فيها عرش الله.. هذه السماء لم نرها ولكننا نحلم بها ونشتاقُ إليها.
أيضًا الذين يتوجهون بأفكارهم وقلوبهم إلى ما لا يرى، يتجهون إلى الله نفسه - تبارك اسمه - لأن الله لم يره أحد قط بلاهوته.
في الأبدية سوف نتمتع بعشرة الله، لأن السماء والأبدية بدون الله ليست شيئًا.. ولكن كيف سنتمتع بعشرة الله؟
عن هذا الأمر من الخير لي أن أصمت.. ستعلنه لنا الأبدية: كيف نتمتع بعشرة الله! لأن اللغة التي نستخدمها في العالم لا تستطيع أن تُلِّم بما يختص بالله، لا تستطيع أن تعبِّر، ولا تستطيع أن تشرح.
ما دام الأمرُ هكذا ونحن وُعدنا بما لم تره عين ولم تسمع به أذن ولم يخطر على بال إنسان ... فليتنا نستعد لهذه الأبدية بأن ننقي قلوبنا لله، وأن ننشر المحبة بين الناس، وأن ون نعيش في قدسيةٍ تليق بالسماء، ولا تكون في قلوبنا شهوات العالم الحاضر، تُصرفنا كما تشاء!!
لأن الذي يتعلَّق بالمرئيات وبالماديات.. مثل هذا الشخص المسكين عندما يصعد إلى السماء ولا يجد أمامه هذه المرئيات ولا هذه الماديات ماذا تراه يحدث له؟ هل يصاب بإحباط، أم يقول الأرض أفضل؟!
عليه إذًا أن يتعلق بما لا يرى...
أخيرًا يا إخوتي نصلي من أجل بلادنا العزيزة أن يحفظها الرب في خيرٍ وفي سلام.
[1] عظة عيد القيامة، 8 أبريل 2007م
القيامة مجرد مقدمة للحياة في السماء
القيامة مجرد مقدمة للحياة في السماء[1]
أحب أن أهنئكم بعيد القيامة المجيد، وأرجو فيه لبلادنا كل خير وبركة، كما أرجو للعالم سلامًا واطمئنانًا.. وإذ نحتفل بعيد القيامة لا بد أن نسأل ما هي القيامة؟
القيامةُ من عنصرين العنصر الأول هو قيامة الجسد من الموت، والعنصر الثاني هو مجيء الروح من مستقرها لكي تتحد بهذا الجسد ويصير الإنسان إنسانًا كاملاً. وبهذه القيامة تحدث الدينونة أي الحساب، فيقف الإنسان أمام منبر الله العادل ليعطي حسابًا عن كل ما فعله سواء بالعمل أو الفكر أو الحواس أو القلب أو أي شيء، وبعد هذا الحساب الأبرار يذهبون إلى السماء، والأشرار يذهبون إلى العقاب.
وأنا أريد أن أكلِّمكم في هذه الليلة عن السماء التي يذهب إليها الأبرار.
السموات على أنواع...
- أول سماء فوقنا مباشرةً نسميها سماء الطيور التي تطيرُ فيها الطيور وأيضًا الطائرات على ارتفاعات متعددة.
- بعد ذلك سماءٌ أخرى هي الفلّك وهي التي يوجد فيها الشمس، والكواكب، والنجوم، والمجرات، وكل الأجرام السمائية، وقد وصل البشر إلى جزءٍ بسيط من هذه المنطقة هو القمر.. ولكنهم لا يستطيعون إطلاقًا أن يصلوا إلى الشمس! لو طائرة ذهبت إلى هناك تحترق من وهج الحرارة الشديدة التي تصدر من الشمس قبل أن تصل إليها بمسافات.
- توجد سماء أخرى هي التي تذهب إليها الأرواح وتستقرُ فيها إلى يوم الحساب، إلى يوم القيامة.
- فوق هذه السموات توجد سماءٌ أخرى فيها عرش الله نسميها سماء السموات، أي هي سماء لكل هذه السموات، وحينما نقول عرش الله لا بد أن ننتبه إلى شيءٍ هام وهو أن الله غير محدود، فلا يوجد له عرش محدود يجلس عليه.. إنما عرش الله هو السماء كلها، أو عرش الله هو مكان مجد الله نفسه.
معنى القيامة
وبهذه المناسبة أقول إن القيامة لها معنيان... المعنى الحرفي كالذي ذكرناه ومعنى آخر معنوي أو رمزي. وأتذكر أنني قلتُ مرةً عن هذا الأمر بعضًا من الشعر في مناجاتي لله قلت فيها:
قد نسيت الكلَّ في حبك يا | متعةَ القلبِ فلا تنسى فتاك |
نرجعُ إلى السماء التي نذهب إليها بعد يوم الحساب... السماء يا إخوتي كل ما فيها خفيف، لا تحتمل الجسد الثقيل الذي لنا. فالملائكة لهم جسد خفيف جدًا أو أرواح يصعدون ويهبطون بكل خفة، بل إن الملاك حينما يرسله الله لكي يُبَلغ رسالة أو لكي ينقذ إنسانًا ينتقل من علو السماء إلى الأرض في لمح البصر. فماذا نكون نحن إلى جوار الملائكة؟!
إن كنا في القيامة نعيشُ في جوار الله والملائكة فهل نبقى مع الملائكة بجسدنا هذا المادي الثقيل ونكون وضعًا شاذًا وسط الملائكة؟!
طبعًا لا نقول إننا سنكون أرواحًا لأننا سنكون أرواح اتحدت بأجساد... إنما سنتحدُ بأجساد خفيفة، أجساد روحانية تستطيع أن تتجول في السماء كما تريد، وتستطيع أن تعيش مع الملائكة وكما قال السيد المسيح عن الذين يقومون من الموت: "يَكُونُونَ كَمَلاَئِكَةِ اللهِ فِي السَّمَاءِ" (مت 22: 30).
الجسد المادي من الصعب أن نوجد به لأن الجسد ممكن أن يضعف، وممكن أن يمرض، وممكن أن يتعب، وممكن أن ينحل، وهذا كله لا يليق بالسماء! والجسد المادي له طعامٌ مادي، والطعام له تفاعلاته داخل الجسد وله نتائجه.
والجسدُ المادي أيضًا قد يشتهي جسدًا آخر وهذه الشهوات الجسدانية لا يمكن أن تكون في السماء في حِضرة الله وملائكته.
في حِضرة الله لا تكون لنا شهوة إلا الشهوات المتعلقة بالله وبسمائه، وعلى رأي المثل الذي يقول: في طلعة الشمس من ذا يبصرُ الشهبَ..! ففي وجود الله من ذا الذي يستطيع أن يشتهي شيئًا إلى جوار الله.
في السماء تكون شهواتنا روحية: شهوة الوجود مع الله، وشهوة التمتع بالله، وشهوة التعرُّف على سماء الله وعلى ملائكته، وشهوة التسبيح، وشهوة الصلاة، وشهوة المعرفة لأنه كلما نوجد في السماء نزدادُ معرفة بالله، ونزداد معرفة بسمائه، ونزداد معرفة بسكان السماء.. ويكون فرحنا كفرح الملائكة هناك.
فليعطنا الله أن نوجد في السماء وأن نفرح به، وأن نفرح بذلك العالم، لأن متع الأرض لا تكفي في السماء إطلاقًا!! مثال ذلك: الناس الأغنياء الأتقياء تمتَّعوا بكل مُتَع الأرض الحلال، فإن صعدوا إلى السماء هل يجدون نفس المتع الأرضية، ولا شيء جديد.. إذًا ما الفرق بين السماء والأرض؟! لا بد إن السماء فيها شيءٌ جديد، وفيها متعٌ جديدة لم نرها إطلاقًا على الأرض، ولذلك قال لنا الكتاب المقدس عن هذه السماء: "مَا لَمْ تَرَ عَيْنٌ، وَلَمْ تَسْمَعْ أُذُنٌ، وَلَمْ يَخْطُرْ عَلَى بَالِ إِنْسَانٍ: مَا أَعَدَّهُ اللهُ لِلَّذِينَ يُحِبُّونَهُ" (1 كو2: 9).
هذه المتع الروحية نتعلق بها طالبين في الحياة الأخرى أن يكون لنا ذلك الحب الإلهي وتلك المتع الإلهية.
[1] عظة عيد القيامة، 26 أبريل 2008م
لقاءات عجيبة في القيامة
لقاءات عجيبة في القيامة[1]
أهنئكم يا إخوتي وأبنائي بعيد القيامة المجيد، وفي كل سنة نحتفل بهذا العيد ونتكلم عن القيامة العامة في جوهرها ومعانيها ودلالاتها.
والقيامة لها أهميةٌ كبيرة جدًا لأنه لولا القيامة لأصبح البشر كالحيوانات والحشرات والهوام التي تنتهي حياتها بالموت وتفنى بعد ذلك. أما البشر فيمتازون بأن حياتهم ممتدة، وبعد الموت بالقيامة تكون لهم حياةٌ أخرى لا تنتهي.
في القيامة أشياء كثيرة ولكني أود أن أتحدث عن نقطة واحدة وهي أن في القيامة لقاءات عديدة جدًا، كل لقاء منها له معنى..
أول لقاء هو لقاء صديقين متلازمين ومتزاملين في وحدةٍ عجيبة لا يفترقان طول العمر لحظةٍ واحدة.. هذان الاثنان هما الروح والجسد عاشا معًا في وحدةٍ كاملة، إن فرحت الروح يبتسم الجسد أو يتهلل، إن حزنت الروح يكتئب الجسد أو يبكي، إن ذهبت الروح للصلاة يركع الجسد أو يسجد أو يقف في خشوع. عاشا معًا في هذه الوحدة ثم يحدث في الموت أنهما يفترفان وتمرُ مئات السنين أو آلاف السنين على هذه الفرقة، ثم يأتي يوم القيامة فيسمح الله بقيام الجسد ويسمح بأن تأتي الروح وتتحدُ به.
وفيما تتحد به ربما يكون الجسد قد تغيَّر كثيرًا لأن الله لا يسمح أن الجسد يقوم بعيوبٍ كانت له.. فالأعمى لا يقوم من الموت أعمى بل يكون له بصرٌ قوي في القيامة، والأعرج والكسيح لا يقوم أحدٌ منهما هكذا! إنما يقوم كلٌ منهما بأرجلٍ سليمة، وهكذا كل المعوقين بأجسادهم والذين حدث أن بُترت بعض أعضائهم في حوادث، أو في جراحات ووُضعت لهم أعضاء تعويضية يقومون من الموت بأعضاء طبيعية سليمة.
المهم إن الروح تتحد بالجسد وتتعرَّف عليه بعد سنوات الغربة الطويلة، كيف تتعرف الروح على الجسد بعد آلاف السنين؟ هل ذلك يرجع إلى ذاكرةٍ قويةٍ للروح أم أن الله يهبها في ذلك الوقت معرفة خاصة؟
اللقاء الثاني هو لقاء الأقارب والأصحاب، لقاء الأسرة التي مات حبيبٌ لها وبكت عليه زمانًا ثم تراه في الأبدية بعد القيامة.
لقاء الأرامل بالأزواج، ولقاء اليتامى بالآباء والأمهات، كل هؤلاء يلتقون معًا... بل إن هناك لقاءٌ أكبر وهو اللقاء بأصول الإنسان؛ لقاء كل إنسان بجده أو أبي جده، أو جد جده، إلى آخر هذه السلسلة من الأنساب... بل إن هناك شيئًا غريبًا وهو أنه يحدث أحيانًا أن شخصًا يموت وقد ترك زوجته حُبلى، ثم ولدت ابنًا لم ير أباه على الأرض ففي الأبدية يرى هذا الأب فكيف يتعرف عليه؟!
النوع الثالث من اللقاءات لقاء باقي الأصحاب والمعارف والأصدقاء: لقاء الناس ببعضهم البعض، لنفرض مثلاً أن أمًا بارة ماتت وذهبت إلى السماء وكان لها ابن لم تره في السماء.. كان خاطئًا مثلاً ماذا يكون شعورها نحو هذا الابن؟
قطعًا لا تحزن عليه لأن السماء تسمى بالنعيم الأبدي حيث لا حزن ولا تنهد ولا بكاء .. ربما الله ينسيها تمامًا هذا الابن فلا يعود في ذاكرتها على الإطلاق.
هناك لقاء آخر وهو اللقاء بالقديسين، والأبرار، والرسل، والأنبياء والشهداء وكل أولئك الذين كان لهم فضل..
على أنني في مرةٍ من المرات قرأت قصة عن أبٍ شيخٍ متوحد قديس كان في أيامه الأخيرة، فأحد تلاميذه أرسل إليه وقال له: أريدُ يا أبي أن أراك الآن وأنت على الأرض حيث هذا الأمر سهل، قبل أن تنطلق إلى مصيرك الأبدي وتكون في مستوٍ عالٍ لا أستطيع أنا أن أصل إليه!!". فهل هناك في السماء مستويات معينة يعلو بعضها بعضًا؟
قطعًا هناك مستويات "لأَنَّ نَجْمًا يَمْتَازُ عَنْ نَجْمٍ فِي الْمَجْدِ" (1 كو15: 41)، لأن بر كل واحد يختلف عن بر الآخر، والله سيجازي كل واحد حسب أعماله، والأعمال تختلف في سموها وعلوها.. فكيف تكون الدرجات في السماء؟ وهل يصبح أصحاب الدرجات الدنيا لا يستطيعون أن يتمتعوا بالشخصيات العالية جدًا في مقامها؟ قطعًا سيرونهم، ولكن هل يندمجون معهم؟!
إن كان الأمرُ هكذا فماذا عن لقاء آخر هو لقاء الملائكة؟! هل ستكون لنا عشرة معهم، وإن كانت عشرة فهل سيكون ذلك نوعًا من الاندماج فيهم أم هم مستويات أعلى؟!
يُخيل إليَّ أنني بدأت أتكلم عن موضوعات أكبر من فهمي البشري. كل ما نعلمه أننا سنلتقي بكل هؤلاء، لكن ما هو صُلب هذا اللقاء؟ ما طبيعته؟ ما مداه؟ ما عمقه؟ هذا ما لم يُعلّن لنا..!
نشكر الله الذي منحنا هذا العيد ومنحنا أن نفرح فيه.
[1] عظة عيد القيامة، 18 أبريل 2009م
طبيعة جديدة
طبيعة جديدة[1]
في حديثي معكم عن عيد القيامة المجيد أود أن أقول لكم أنه في القيامة قد حدث أمرٌ هامٌ جدًا وهو تجلِّي الطبيعة البشرية. الطبيعة البشرية تجلَّت بالقيامة جسدًا وروحًا وفكرًا وعقلًا.. فكيف كان ذلك؟
حدث تجلّي للجسد عندما قام الجسدُ من الموت ليس جسدًا ماديًا وإنما جسدًا روحيًا نورانيًا - كما سمعتم في قراءة الرسائل - والجسد النوراني الروحاني من خواصه أنه لا يتعب، لا يجوع، لا يعطش، لا يمرض، لا تدركه أي ناحية من نواحي فساد الجسد.
وهذا الجسد الروحاني أيضًا لا يتعب من شغب الحواس ومن سقطاتها، بل على العكس نرى أن الحواس الجسدية قد تجلَّت وأصبحت ترى ما لم تره عين وتسمع ما لم تسمع به أذن... أصبحت هذه الحواس في الأبدية وهي في حالة تجلِّيها تبصر الملائكة الذين هم أرواح، وتبصر أرواح الذين سبقوها إلى المجد.
وأيضًا تسمع أناشيد الملائكة والقديسين في ذلك المكان.
أما عن تجلِّي العقل ...
أصبح العقل لا توجد فيه أية فكرة خاطئة على الإطلاق، بل أصبح كل تفكيره روحاني.
والروحُ أيضًا في تجلِّيها تُذكِّرنا بقول السيد المسيح له المجد: "يَكُونُونَ كَمَلاَئِكَةِ اللهِ فِي السَّمَاءِ" (مت 22: 30). والملائكة معروفٌ عنهم ملء الطهارة، ومعروفٌ عنهم خفة أجسادهم التي تتحرك من السماء إلى الأرض في لمح البصر دون أن تعبر وسطًا.
التجلِّي شمل أيضًا في العقل نوع المعرفة.. كانت معرفةُ الإنسان قديمًا تتأرجح بين الخير والشر، والحلال والحرام، واللائق وغير اللائق، أما في الأبدية فلا يوجد شرٌ على الإطلاق... الروح تخلصت من هذا الجسد المادي الذي كان يجرَّها أحيانًا معه إلى الخطيئة، وأصبحت الروح في وضعٍ سليم تتغذَّى بمحبة الله، وتتغذَّى بعشرته وعشرة الملائكة والقديسين. وأصبحت هناك تجليات أكثر بالنسبة للمعرفة...
معرفة الإنسان في الحياة الأرضية التي نحيا فيها الآن هي معرفة تشمل الخير والشر، أما في الأبدية فلا يوجد إطلاقًا سوى معرفة الخير، معرفة الشر تزول وتنتهي تمامًا في الأبدية.
كل قاموس الألفاظ التي تدلُ على الخطية أو الفساد أو الانحراف أو الدعارة أو الزنا أو القتل أو السرقة أو الخطية، كل الألفاظ الشريرة مُحيَت تمامًا، فلم يعد في الأبدية معرفة لأي كلمة خاطئة.
وأيضًا العقل الباطن للإنسان في الأبدية سوف يتجدَّد، ولا تكون في ذاكرته أية أشياء شريرة لا من جهة الفكر، ولا القصص، ولا الأخبار، ولا الصور، ولا أي شيء.. عقلٌ نقي وفكرٌ نقي من الناحية الباطنية. ويصير للإنسان قاموسٌ جديد للألفاظ كله خير، لا يوجد فيه أية كلمة شريرة... بل ينسى الإنسان الأشرار أيضًا الذين عاشرهم أو أخطأوا في زمانه، لأن الأشرار سوف يذهبون إلى جهنم، ولا يمكن هو أن يذكر أشخاص أحباء له قد ذهبوا إلى ذلك المصير، بل ينسى كل هذا وتسعد الروح أيضًا بعشرة الملائكة وعشرة القديسين...
هذا هو التجلِّي الذي سيحدث في الأبدية للطبيعة البشرية، غير صورتها في الحياة الأرضية وهي متحدةٌ بالمادة.
فليجعله الرب عيدًا سعيدًا لنا جميعًا على بلادنا وعلى كل البلاد وعلى العالم كله.
[1] عظة عيد القيامة، 3 أبريل 2010م
قيامة الأموات
قيامة الأموات[1]
قيامة الأموات في منتهى الأهمية لأنه لو كان الإنسان لا يقوم من الموت إذًا فقد شابه الحيوانات التي تموت وتبيد ولا تقومُ مرة أخرى!
من غير المعقول أن هذا الإنسان الذي هو المخلوق الأرضي الوحيد الناطق العاقل الذي وهبه الله مواهب كثيرة، حتى أنه استطاع أن يخترع سفن فضاء تصعد إلى القمر، وتدور حول الأرض وترجع... واستطاع أيضًا أن يخترع الكمبيوتر، والفيسبوك، والموبايل فون، بحيث يستطيع الإنسان وهو سائر بعربته أن يتكلَّم مع بلد على بُعد عشرين ساعة بالطائرة، وأن يحتفظ معه بالكتب التي يريدها داخل هذا الموبايل فون... هل معقول أن هذا الإنسان العجيب ينتهي به الأمر أنه لا يقوم من الموت مثله مثل الحشرات والهوام؟!
ولكن القيامة أصبحت ضرورة.. وهذه القيامة أيضًا ضرورة لأن بها يصل الإنسان إلى الحياة الأخرى، فلا تكون حياته على الأرض فقط وإنما له حياةٌ أخرى في السماء، وهذه الحياة هي باب الأبدية التي لا تنتهي.
والله قد وعد هذا الإنسان بالخلود فلا بد أن يقوم من الأموات. والقيامةُ سهلة وممكنة لأنه إذا كان الله قد خلق الإنسان من تراب فالجسد بعد أن يموت ويتحول إلى تراب ممكن أن يعيده الله، يعيد نفس التراب إلى الحياة.. بل التراب قبل أن يكون ترابًا كان عدمًا والله من العدم خلق التراب، ومن التراب خلق الإنسان، فهذه القوة العجيبة التي لله جل جلاله ممكن بها من التراب أن يعيده مرة أخرى إلى الحياة.
والله يعرف مكونات الجسد أين ذهبت، ويستطيع أن يجمعها مرة أخرى ويعيد تشكيلها لتعود إلى الحياة.
إن القيامة لازمة من أجل عدل الله تبارك اسمه..
أول نقطة في العدل أن الله خلق الإنسان من روح وجسد. والروح صعدت إلى خالقها، فهل يبقى الجسد مدفونًا في التراب بينما الروح والجسد كانا شريكين معًا في كل شيء؟.. إذا الروح تخشعت ينحني الجسد ويركع ويسجد، إذا الروح حزنت يظهر بكاء الجسد في عينيه وفي ملامح وجهه، وإذا الروح فرحت يظهر هذا في ملامح وجه الإنسان وفي ابتساماته.
إذًا الجسد والروح اشتركا معًا في الحياة فلا يصح أن الروح وحدها تتمتع بالسماء والجسد لا يتمتع ...
لهذا رأى الله في عدله أن يقوم الجسد ويتحد بالروح ويقف الاثنان امام عدل الله لإعطاء حسابًا عن كل ما فعلوه بالجسد.
أيضًا لا بد من القيامة لعمل توازن.. فما هو هذا التوازن؟
في الأرض كان يوجد الفقير والغني، والمُنعَّم والتعيس، والجميل وفاقد الجمال.. فهل يظلون هكذا؟ عدل الله يقتضي أن يعوضهم في السماء فلا يحيوا على الأرض في بؤس ويستمر الأمر هكذا. كذلك في الأرض عميان، ومعوقون، ومشوهون، ومن لا جمال لهم.. هؤلاء أيضًا بالقيامة يعوضهم الله في السماء.
ومن هنا نرى أن الحال في السماء يتغير تمامًا...
فمثلاً الإنسان المثالي الذي كان العلماء يبحثون عنه والذي بحث عنه ديوجين الفيلسوف بمصباحه ولم يجده!! Superman... من أفراح القيامة أن يوجد هذا الـ superman، أقصد إن الإنسان في القيامة لا يجوع، ولا يعطش، ولا يمرض، ولا يحزن، ولا يمرض، ولا يكون فيه أي عيب أو أي نقص يصبح مثاليًا في كل شيء ونحن ننتظر هذه الصورة.
القيامة شرف للإنسان.. أن يكون له الخلود بعد القيامة.. وكلنا نحب هذا الخلود ونتمناه ونحب النعيم الأبدي ونتمناه ونرجوه لكم جميعًا.
[1] عظة عيد القيامة، 24 أبريل 2011م
الفصل الخامس رسائل البابا شنوده لأبنائه في المهجر في عيد القيامة (1998- 2011)
قام المسيح بإرادته وسُلطانه[1]
أبنائي وإخوتي في المهجر: كهنةً وشعبًا
سلامي ومحبتي لكم، راجيًا لكم حياة سعيدة ثابتة في الرب، ومُهنئًا جميعكم بعيد القيامة المجيد. ويسرنا أن نتأمَّل معًا في بعض أمور خاصة بالقيامة:
لقد قام المسيح بإرادته وسُلطانه، كما سبق له أن سلَّم نفسه للموت بإرادته وسلطانه.
وسبق أن أعلن ذلك لتلاميذه من قبل. فقال في (يو 10: 17، 18): "أَضَعُ نَفْسِي لآخُذَهَا أَيْضًا. لَيْسَ أَحَدٌ يَأْخُذُهَا مِنِّي، بَلْ أَضَعُهَا أَنَا مِنْ ذَاتِي. لِي سُلْطَانٌ أَنْ أَضَعَهَا وَلِي سُلْطَانٌ أَنْ آخُذَهَا أَيْضًا".
كذلك قام السيد المسيح حسب وعده، وحسب الموعد الذي أخبر تلاميذه به. إذ قال لهم: "أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَذْهَبَ إِلَى أُورُشَلِيمَ وَيَتَأَلَّمَ كَثِيرًا مِنَ الشُّيُوخِ وَرُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ وَالْكَتَبَةِ، وَيُقْتَلَ، وَفِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ يَقُومَ" (مت 16: 21)، وكرَّر ذلك في (مت 17: 22، 23)، وفي (مت 20: 18، 19). لذلك فإن ملاك القيامة قال للمريمتيْن: "فَإِنِّي أَعْلَمُ أَنَّكُمَا تَطْلُبَانِ يَسُوعَ الْمَصْلُوبَ. لَيْسَ هُوَ ههُنَا، لأَنَّهُ قَامَ كَمَا قَالَ!" (مت 28: 5، 6).
وأشار الرب إلى ذلك أيضًا في التشابه بينه وبين آية يونان في بطن الحوت (مت 12: 39، 40).
وقد قام السيد المسيح، ليُبرهن على أن الموت ليس له سلطان عليه، لأنه لو مات ولم يقم، لاعتبروه إنسانًا عاديًا. أمَّا قيامته وخروجه من القبر المُغلّق فكانا إثباتيْن على لاهوته. وبهذا أخزى اليهود الذين حاولوا بكُل الطُرق إخفاء حقيقة قيامته.
إن المسيح بموته نيابة عنَّا، دفع ثمن الخطية الذي هو الموت (رو 6: 23). ثم بقي عليه أن يريحنا من الموت أيضًا بقيامته باكورة لقيامتنا (1 كو 15: 20).
هكذا حينما قال السيد المسيح على الصليب "قَدْ أُكْمِلَ" (يو 19: 30) إنما كان يقصد أن عمل الفداء والكفارة هو الذي أُكمل. ولكن كانت هناك أمور كثيرة عليه أن يعملها بعد الصليب والموت والقيامة.
كان لا بد أن يقوم لكي يُثبِّت إيمان التلاميذ الذين تشتَّتوا وقت صلبه وهزَّهم موته جدًا وصاروا خائفين، وقد أغلقوا على أنفسهم في العلِّيَّة. أمّا قيامته فكانت الوسيلة التي تُثبِّت إيمانهم، وتغرس فيهم الجرأة والقوة حتى يكرزوا بهذا الايمان لغيرهم. وهذا هو الذي حدث فيما بعد عندما خرجوا من مخبأهم، إذ يقول سفر أعمال الرسل: "وَبِقُوَّةٍ عَظِيمَةٍ كَانَ الرُّسُلُ يُؤَدُّونَ الشَّهَادَةَ بِقِيَامَةِ الرَّبِّ يَسُوعَ، وَنِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ كَانَتْ عَلَى جَمِيعِهِمْ" (أع 4: 33).
وقيامة الرب كانت أيضًا وسيلة لإزالة شكوكهم. ليس فقط شكوك توما الذي كان قد قال: "إِنْ لَمْ أُبْصِرْ فِي يَدَيْهِ أَثَرَ الْمَسَامِيرِ، وَأَضَعْ إِصْبِعِي فِي أَثَرِ الْمَسَامِيرِ، وَأَضَعْ يَدِي فِي جَنْبِهِ، لاَ أُومِنْ" (يو 20: 25).
بل أيضًا شكوك التلاميذ جميعًا، الذين لما أخبرتهم المجدلية أنها رأت الرب، لم يصدِّقوها وكذلك لم يُصدِّقوا تلميذيّ عمواس (مر 16: 9-13). بل حتى لَمَّا ظهر لهم الرب ظنوه روحًا أو خيالاً!! فأثبت لهم قيامته، وقال لهم: المسوني وانظروا.. (لو 24: 36- 41).
كم كان الرب طويل الروح في معاملة تلاميذه، لم يغضب أو يحزن من شكوكهم، بل أزال شكوكهم بوداعة وإقناع. كان لا بد للرب أن يقوم ليمنح التلاميذ الروح القدس وسُلطان الكهنوت، وفعل ذلك بعد قيامته، لَمَّا نفخ في وجوههم وقال لهم: "اقْبَلُوا الرُّوحَ الْقُدُسَ. مَنْ غَفَرْتُمْ خَطَايَاهُ تُغْفَرُ لَهُ، وَمَنْ أَمْسَكْتُمْ خَطَايَاهُ أُمْسِكَتْ" (يو 20: 22، 23).
وكان أيضًا لا بد أن يقوم ليُسلِّم تلاميذه كل قواعد الإيمان وكل أسرار الكنيسة وطقوسها ويُحدِّثهم عن الأمور المختصة بملكوت الله (أع 1: 3) ويرسلهم إلى جميع الأمم للكرازة والتعليم والتعميد (مت 28: 19، 20)، (مر 16: 15، 16).
وكان لا بد أن يقوم، لكي يُريهم بالإضافة إلى القيامة معجزة أخرى تُقوِّيهم جدًا، وهي صعوده أمامهم حيًا إلى السماء (أع 1: 9- 11)، (مر 16: 19)، (يو 24: 51).
وكل هذه الأمور التي عملها بعد القيامة، كانت لازمة لتقوية إيمان الرُّسل، وإيمان الرسل كان لازمًا لكي يسلموه لنا.. لذلك نشكره لأنه معنا كل الأيام، ونطلب بركته ونعمته لكم جميعًا.
وكل عام وجميعكم بخير، كونوا مُعافين في الرب.
[1] الرسالة البابوية في عيد القيامة المجيد لعام 1998م
الفرح بالرب
الفرح بالرب[1]
أبنائي وإخوتي الأحباء في المهجر: إكليروسًا وشعبًا
سلام لكم من الرب ونعمة، راجيًا من الله أن يُبارك حياتكم، وأن يُقدِّسها، ويُنجِح كل عمل تمتد إليه أيديكم، وبعد:
نشكر الله الذي منحنا أن نُكمل هذه البصخة المقدسة بسلام، وأتى بنا إلى أفراح قيامته... وليس فرحنا هو مُجرد الفرح بالعيد بعد انتهاء الصوم. إنما هو فرح روحي، كما قال الرسول: "اِفْرَحُوا فِي الرَّبِّ كُلَّ حِينٍ، وَأَقُولُ أَيْضًا: افْرَحُوا" (في 4:4).
ليتكم تتأملون في هذه العبارة جيدًا، وتتدرَّبون على الفرح بالرب وكيف يكون...
نفرح بوجود الرب معنا في هذه الفترة: يُقوِّي إيماننا، ويُحدِّثنا عن الأمور المختصة بملكوت الله (أع 1: 3) ويُشعِرنا بأنه معنا كل الأيام وإلى انقضاء الدهر (مت 28: 20).
هذه هي مشاعر الخَمْسين يومًا المقدسة بعد القيامة... فهل نحن نقتني هذا الفرح، ونتأمَّل أسبابه كمنهج لهذه الخَمْسين يومًا، مُركِّزين كل أفكارنا في الأمور المختصة بملكوت الله، فاحصين ما هي هذه الأمور، وكيف نحيا بها؟
على أنني كثيرًا ما أسمع البعض يسألونني، وهم يقولون في حيرة:
كيف نحتفظ بروحياتنا في هذه الخمسين يومًا، وقد حُرمنا فيها من الصوم، والمطانيات، والقداسات التي كانت تبدأ من العصر إلى الغروب؟!
بل البعض يقول بالأكثر: كيف نقاوِم الفتور في هذه الأيام؟!
هنا وأقول لكم إن كل فترة لها طابعها الروحي. وقد كان الصوم وكانت المطانيات هما طابع الصوم الكبير... ومع ذلك هناك وسائل روحية أخرى لفترة الخمسين. فما هي؟
في فترة الخمسين: يكون التركيز على الصلاة، والقراءة الروحية، والتأمل، وعلى الترتيل، والألحان، والاجتماعات الروحية العميقة، وتداريب التوبة والنمو الروحي.
هذا هو ما يجب أن يهتم به الأفراد، وكذلك القائمون على الخدمة أيضًا.. لا بد من تقديم غذاء روحي يعوِّض الصوم، بل إن الغذاء الروحي كان هو هدف الصوم ووسيلته: "كُلِّ كَلِمَةٍ تَخْرُجُ مِنْ فَمِ اللهِ" (مت 4: 4).
وإن كان الصوم يشمل "ضبط النَّفس، وقوة الإرادة"، فيجب الاستمرار في هاتين الفضيلتين بتداريب متنوّعة ومُتعدّدة...
وحتى من جهة الطعام، لا يصح أن يتحوَّل الفطار إلى تسيُّب!
نأكل الطعام الفطاري في شيء من ضبط النفس، بعفة الأكل، لا بنَهم ولا تسيُّب. ولا نكون كالذين في بدء الفطار يشعرون بارتباك في عمل المعدة وفي عمل الأمعاء!! أو كمَن يحطمون ويفقدون كل ما استفادوه من فضائل الصوم، بغير حكمة، أو بغير إفراز في أسلوب الطعام الفطاري.
إنَّ من تداريب النفس أثناء الخمسين، عدم الأكل بين الوجبات.
وهو تدريب مفيد روحيًا، كما أنه في نفس الوقت مفيد للجسد من الناحية الصحية. وإن كان صعبًا على البعض من جهة كثرة الزيارات والضيافات، فيمكن تخفيفه بأن يكون: الإقلال على قدر الإمكان من الأكل بين الوجبات، إلا للضرورة.
إننا لا نصوم أيام الخمسين، حسب قول الرب عنه لا يستطيع بنو العرس أن يصوموا ما دام العريس معهم (مر 2: 19). إذًا السبب هو الإحساس بوجود الرب معنا، أو إحساسنا بوجودنا معه. وهذا يأتي عن طريق المداومة علي الصلاة، أو المداومة على تذكار الرب.
من هنا كانت فترة الخمسين، هي فترة صلاة وتأمُّل، والإحساس بوجودنا في حضرة الرب، كما كان التلاميذ بعد القيامة.
وعن هذا الأمر نصحنا القديس بولس الرسول بقوله: "مُكَلِّمِينَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا بِمَزَامِيرَ وَتَسَابِيحَ وَأَغَانِيَّ رُوحِيَّةٍ، مُتَرَنِّمِينَ وَمُرَتِّلِينَ فِي قُلُوبِكُمْ لِلرَّبِّ" (أف 5: 19)، (كو 3: 16).
إذًا هي فترة يكثُر فيها التسبيح والترتيل. ولا شك أن هذا يُناسب أيضًا قول القديس يعقوب الرسول: "أَمَسْرُورٌ أَحَدٌ؟ فَلْيُرَتِّلْ" (يع 5: 13).
من التداريب الروحية النافعة إذًا: حفظ المزامير وقِطَع من التسبحة، واتخاذها مجالًا للتأمُّل. على أن تصدر من القلب كصلاة. وهكذا يُكرَّر الرسول عبارة: "مُتَرَنِّمِينَ فِي قُلُوبِكُمْ لِلرَّبِّ" (كو3: 16)، "وَمُرَتِّلِينَ فِي قُلُوبِكُمْ لِلرَّبِّ" (أف5: 19).
فليجعلها الرب لكم يا أحبائي فترة فرح روحي. تفرحون فيها بالرب، وتُفرِحون الرب بحياتكم الطاهرة المملوءة بمحبة الله.
ومن هنا كانت فترة الخمسين أيضًا هى فترة توبة، لأنه بالتوبة تفرح السماء والأرض، حسب القول: "يَكُونُ فَرَحٌ فِي السَّمَاءِ بِخَاطِئٍ وَاحِدٍ يَتُوبُ" (لو 15: 7). فكم بالأكثر إن كان ينمو أيضًا في النعمة.
كونوا إذًا مصدر فرح لنا أيضًا حينما نسمع عن حياتكم البارة وعن نموكم في النعمة وفي الخدمة وفي كل عمل صالح. الرب معكم، وكل عام وجميعكم بخير.
[1] الرسالة البابوية في عيد القيامة المجيد لسنة 1999م، تطابقت الرسالة البابوية لعام 2010م مع هذه الرسالة، فلعدم التكرار اكتفينا بنشرِ رسالة هذا العام 1999م
عيد القيامة وما يحمله من معانٍ سامية
عيد القيامة وما يحمله من معانٍ سامية[1]
أبنائي وإخوتي في المهجر: كهنةً وشعبًا، سلامٌ لكم من الرب ونعمة، وبعد:
يسرني أن أهنئكم بعيد القيامة المجيد، وما يحمله هذا العيد من معانٍ سامية..
1) القيامة هي فرح. كما قال السيد الرب لتلاميذه عن قيامته: "حُزْنَكُمْ يَتَحَوَّلُ إِلَى فَرَحٍ" (يو 16: 20). "سَأَرَاكُمْ أَيْضًا فَتَفْرَحُ قُلُوبُكُمْ، وَلاَ يَنْزِعُ أَحَدٌ فَرَحَكُمْ مِنْكُمْ" (يو 16: 22).
الحزن الذي عصر قلوبهم في وقت المؤامرة والمحاكمة والصلب، تحوَّل بالقيامة إلى فرح، بانتصار الرب على الموت.
بل كان هناك فرح أعمق وأعظم، إذ أن عبارة: "مَوْتًا تَمُوتُ" التي قيلت للإنسان الأول (تك 2: 17)، قد قضى عليها السيد المسيح بموته وقيامته. وكذلك عبارة: "أُجْرَةَ الْخَطِيَّةِ هِيَ مَوْتٌ" (رو 6: 23).
إذًا هو بقيامته "أَبْطَلَ الْمَوْتَ وَأَنَارَ الْحَيَاةَ وَالْخُلُودَ" (2 تي 1: 10). وأصبحنا لا نخاف الموت، بل نقول للرب في صلاتنا: "لأنه ليس موت لعبيدك، بل هو انتقال". حقًا إنه فرح: التخلُّص من الموت، إذا قد قام المسيح، وصار باكورة للراقدين (1 كو 15: 20)، بوعد أننا سنقوم أيضًا "كَمَا فِي آدَمَ يَمُوتُ الْجَمِيعُ، هكَذَا فِي الْمَسِيحِ سَيُحْيَا الْجَمِيعُ" (1 كو 15: 22).
وكما قام المسيح في مجد، سنقوم نحن أيضًا في مجد (1 كو 15: 43). لأنه "سَيُغَيِّرُ شَكْلَ جَسَدِ تَوَاضُعِنَا لِيَكُونَ عَلَى صُورَةِ جَسَدِ مَجْدِهِ" (في 3: 21).
2) هناك معنى آخر توحي به القيامة، وهو أن كل صعبٍ ممكن. وإننا نعبد إلهًا قويًا، يقدر على كل شيء.
الموت لم يقدر عليه أحد، إلاَّ يسوع المصلوب، الذي قام وخرج من القبر وهو مغلق، وعليه حجر كبير، ويحرسه الحراس.
أمام هذه المعجزة المذهلة نقول للرب مع أيوب الصديق: "قَدْ عَلِمْتُ أَنَّكَ تَسْتَطِيعُ كُلَّ شَيْءٍ، وَلاَ يَعْسُرُ عَلَيْكَ أَمْرٌ" (أي 42: 2). ونُردّد عبارة الإنجيل: "كُلَّ شَيْءٍ مُسْتَطَاعٌ عِنْدَ اللهِ" (مر 10: 27).
وهكذا نثق في قدرة الله غير المحدودة.
نثق أنه قادر على حل أيَّة مشكلة لنا، مهما كانت مُعقَّدة! وأنه قادر على استجابة أيَّة طِلبة لنا مهما كانت صعبة! وهكذا نحيا حياة الرجاء واثقين بالرب وقدرته.
3) أيضًا في حياتنا الروحية نثق أن الله قادر على أن يقودنا إلى التوبة.
لأن التوبة هي أيضًا قيامة من موت. فالخطية هي حالة من الموت. كما قال الآب عن ابنه الضال: "ابْنِي هذَا كَانَ مَيِّتًا فَعَاشَ، وَكَانَ ضَالاًّ فَوُجِدَ" (لو 15: 24)، ولذلك فإن توبة الخاطئ تُعتبر عودة إلى الحياة. ولهذا ما أعظم عمل الخُدَّام الذين يقودون غيرهم إلى التوبة. فينطبق عليهم قول الكتاب: "مَنْ رَدَّ خَاطِئًا عَنْ ضَلاَلِ طَرِيقِهِ، يُخَلِّصُ نَفْسًا مِنَ الْمَوْتِ، وَيَسْتُرُ كَثْرَةً مِنَ الْخَطَايَا" (يع 5: 20).
وكل خاطئ وجد التوبة صعبة، عليه أن يتجه إلى الرب قائلًا: "تَوِّبْنِي فَأَتُوبَ" كما وَرَدَ في سفر إرميا النبي (إر31: 18). بل إن الكنيسة تُرتِّل لمثل هذا الخاطئ قائلة: "قُمْ مِنَ الأَمْوَاتِ فَيُضِيءَ لَكَ الْمَسِيحُ" (أف 5: 14).
وعبارة: "قُم" نقولها أيضًا لكل خامل ليعمل، ولكل متراخٍ ليتنشَّط.
إنها وحي من دروس القيامة، لكي يقوم كل إنسان ويعمل عمل الرب. فالقيامة توحي بالنشاط. ليتنا نعيش جميعًا بروح القيامة. وإن لم نستطع، نطلب من الرب أن يقيمنا ويسندنا ويقوينا.
4) معنى آخر للقيامة: وهو أن الرب لم يكتفِ بقيامته، بل قال: "وَهَا أَنَا مَعَكُمْ كُلَّ الأَيَّامِ إِلَى انْقِضَاءِ الدَّهْرِ" (مت 28: 20).
وهكذا ظلّ يعمل في كنيسته بعد قيامته. مكث مع التلاميذ أربعين يومًا، يقوّيهم في الإيمان، ويزيل عنهم الشكوك، ويشرح لهم العقيدة، ويوصيهم بالكرازة والتعليم والتعميد (مت 28: 19، 20). وبهذا نشعر أنَّ الربَّ معنا بعد قيامته. لم يتركنا في موته، ولا في قيامته، ولا في صعوده إلى السماء. هو ما زال معنا، يعمل فينا وبنا، لنتمِّم بناء ملكوته.
إنها رسالة القيامة لنا جميعًا: "اكْرِزُوا بِالإِنْجِيلِ لِلْخَلِيقَةِ كُلِّهَا" (مر 16: 15). "اذْهَبُوا وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ الأُمَمِ... وَعَلِّمُوهُمْ... جَمِيعَ مَا أَوْصَيْتُكُمْ بِهِ" (مت 28: 19، 20).
نعم، هذا هو واجبنا الذي أمرنا به الرب، والرسالة التي اِئتمنَّا عليها، له المجد من الآن وإلى الأبد.
[1] الرسالة البابوية في عيد القيامة المجيد لسنة 2000م
قوة السيد المسيح
قوة السيد المسيح[1]
أبنائي الأحباء في المهجر: كهنةً وشعبًا
أهنئكم بعيد القيامة المجيد، راجيًا لكم حياة سعيدة مُباركة، وبعد:
أود أن أُحدِّثكم في هذا العيد عن قوة السيد المسيح.
كانت القوة ميزة ثابتة واضحة في كل قصة التجسد: في ميلاده المُعجزي، وفي قيامته المُعجزية، وفي صعوده المُعجزي وجلوسه عن يمين الآب، بالإضافة إلى كل معجزاته وقوة كلامه وتأثيره.
فمن جهة قيامته، كانت للقيامة قوة حاربها رؤساء اليهود بكل الطُّرُق.
حاربوها بوضع حجر كبير على باب القبر، وختمه بأختام. وبوضع حُراس على القبر مُدجَّجين بالسلاح. وبعد أن تَمَّت القيامة، حاربوها بالأكاذيب والشائعات والرِّشوة.
وحاربوها بالقبض على تلاميذ المسيح وجلدهم وسجنهم وتهديدهم بسبب مناداتهم بقيامته.
إن قيامة المسيح – بعد قتلهم إياه – كانت تُرعبهم.
وكانت إثباتًا لبِرّه، فلو كان مُدانًا، ما كان مُمكنًا أن يقوم بعد موته. وبالتالي تدل قيامته على ظلمهم إيَّاه، وعلى تضليلهم الشعب في المناداة بصلبه. ولهذا قالوا لتلاميذه المنادين بقيامته: "تُرِيدُونَ أَنْ تَجْلِبُوا عَلَيْنَا دَمَ هذَا الإِنْسَانِ" (أع 5: 28).
وكانت قيامة السيد تحطيمًا لعقيدة الصدوقيين الذين لا يعتقدون بالقيامة. وكانت قيامته دليلاً على لاهوته، إذ أنه قام بذاته دون أن يُقيمه أحد. الأمر الذي لم يحدث لأي ميت من قبل.
لقد تحدّوه أثناء صلبه أن ينزل من على الصليب لكي يؤمنوا به (مت 27: 40- 44).
ولكن قيامته من الموت، كانت أقوى بكثير من النزول عن الصليب. كما أن قيامته كانت دليلاً على أنه مات بإرادته وليس قهرًا. وأن صمته كان تدبيرًا منه، وليس ضعفًا.
وكلنا نؤمن بقيامة المسيح في قوة. كما قال القديس بولس الرسول: "لأَعْرِفَهُ، وَقُوَّةَ قِيَامَتِهِ" (في 3: 10). ولكن السيد المسيح لم يكن قويًا في قيامته فقط. بل أيضًا كان قويًا في قبره، وفي صلبه، وأثناء القبض عليه... ونحن نعترف بقوته كل يوم في صلاة الثالثة تقديسات، إذ نقول له: قدوس الله، قدوس القوي، قدوس الحي الذي لا يموت. ونعترف بقوته في تسبحة البصخة إذ نقول له: "لك القوة والمجد والبركة...". لقد ظنَّ رؤساء اليهود أنهم انتصروا عليه، حينما أغلقوا عليه في القبر!
ولكن قوته – وهو في قبره – كانت أعظم من كل قوة...
كان في القبر أقوى من الحُراس الذي يحرسون القبر بكل أسلحتهم. وكان أقوى من الحقد الذي في قلوب رؤساء الكهنة، وما ادَّعوه من انتصار كاذب عليه! بل كان أقوى من القبر ذاته، ومن الحجر العظيم الذي وضعوه على باب القبر. وكان وهو في القبر أقوى من الموت. بل كان أقوى أيضًا من الشيطان، إذ بموته هزم الشيطان وفدى العالم.
كان - وهو في قبره - مصدر خوف لقادة اليهود...
ولم يكن حبيسًا داخل القبر. بل استطاعت روحه أن تنزل إلى أقسام الأرض السُّفلى (أف4: 9). وتكرز للراقدين على رجاء، وتنقل أرواحهم إلى الفردوس. وتستقبل معهم روح اللص الذي اعترف بربوبيته وملكوته وهو معه على الصليب (لو 23: 43).
وكان المسيح قويًا في عدم الدفاع عن نفسه، أثناء محاكمته وصلبه...
قليلون لهم هذه القوة، بل تغلبهم الكرامة فيُدافعون عن أنفسهم، ويثبتون أنهم أبرياء، أو أنهم على حقّ، أو أنهم يغلبون إذا تكلَّموا! ولكن السيد المسيح كانت له القوة التي تحتمل الظُلم في صمت، وتحتمل الإدعاء الكاذب وكافة الاِتهامات والتَّحدّي. وفي كل ذلك "لَمْ يَفْتَحْ فَاهُ" (إش 53: 7).
لو أنه كان قد تكلَّم، لاستطاع أن يقنع ظالميه ومتهميه. وكم أقنعهم من قبل: لقد أبكم الصدوقيين (مت22: 34)، والناموسيين. وأفحم رؤساء الكهنة في قضية السبت (مت12: 2-8)، وفي موضوع دفع الجزية لقيصر(مت22: 15- 22). "فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَحَدٌ أَنْ يُجِيبَهُ بِكَلِمَةٍ" (مت22: 46).
ولكنه في تنفيذ قضية الفداء، كان صمته أقوى من الكلام: وهكذا كان قويًا في عدم الدفاع عن نفسه. إذ أن هدفه لم يكن إنقاذ نفسه، بل خلاص الناس. لذلك لم يشأ أن يُبرِّر نفسه من أي اتهام، إنما أن يُخلِّص البشرية من خطاياها.
كذلك كان قويًا أثناء القبض عليه...
ذهب بنفسه إلى المكان الذي يُقبَض عليه فيه، وفي نفس الوقت الذي يأتي فيه الجنود مع يهوذا الخائن:
وبكل قوة وقف أمامهم وقال لهم: "أَنَا هُوَ" (يو18: 5، 6). "فَلَمَّا قَالَ لَهُمْ: «إِنِّي أَنَا هُوَ»، رَجَعُوا إِلَى الْوَرَاءِ وَسَقَطُوا عَلَى الأَرْضِ". ولَمَّا أراد تلاميذه الدفاع عنه، منعهم من ذلك.
ولَمَّا استخدم بطرس السيف الذي معه، قال له: "اجْعَلْ سَيْفَكَ فِي الْغِمْدِ!" (يو18 :11)، (مت26: 52).
وهذا كان كمَن سلَّم نفسه إلى أيدي أعدائه
لأنه – بقوة - أراد أن يُسلِّم نفسه للموت، كما سبق أن قال: "إنِّي أَضَعُ نَفْسِي لآخُذَهَا أَيْضًا.. لَيْسَ أَحَدٌ يَأْخُذُهَا مِنِّي، بَلْ أَضَعُهَا أَنَا مِنْ ذَاتِي" (يو10: 17، 18).
حقًا هذه هي القوة الذاتية الداخلية. وعلينا أن نأخذ منها درسًا:
فلا نهتم بمظهر خارجي للقوة، بل نهتم بالقوة التي تُعطي، والقوة التي تبذل ذاتها عن الآخرين. لأنه كما قال الرب: "لَيْسَ لأَحَدٍ حُبٌّ أَعْظَمُ مِنْ هذَا: أَنْ يَضَعَ أَحَدٌ نَفْسَهُ لأَجْلِ أَحِبَّائِهِ" (يو15: 13). ابذلوا إذًا ذاتكم، من أجل إخوتكم لتساعدوهم على دخول الملكوت "فَلْيَعْلَمْ أَنَّ مَنْ رَدَّ خَاطِئًا عَنْ ضَلاَلِ طَرِيقِهِ، يُخَلِّصُ نَفْسًا مِنَ الْمَوْتِ، وَيَسْتُرُ كَثْرَةً مِنَ الْخَطَايَا" (يع5: 20).
لقد شاء الرب أن توجَدوا في المهجر، ليكون لكم ثمر فيه، ونحن نسعد بأن نرى ثماركم. كونوا بخير، وليكن الرب معكم.
[1] الرسالة البابوية في عيد القيامة المجيد لسنة 2002م
الحديث عن القيامة متعة للآذان
الحديث عن القيامة متعة للآذان[1]
أبنائي وإخوتي الأحباء في المهجر: كهنة وشعبًا
يسرني أن أهنئكم بعيد القيامة المجيد، راجيًا لكم حياة مقدسة مباركة وسعيدة.
إن الحديث عن القيامة هو مُتعة الآذان، لأنه يملأ القلب فرحًا ورجاءً، فلماذا؟!
لأن القيامة تعني عودة الإنسان إلى رتبته الأولى، بل وأفضل. لقد خلق الله الإنسان للحياه "وَنَفَخَ فِي أَنْفِهِ نَسَمَةَ حَيَاةٍ. فَصَارَ آدَمُ نَفْسًا حَيَّةً" (تك2: 7). ثم دخل الموت إلى العالم نتيجة للخطية. ومَلَك الموت على الجميع (رو5: 12). ولكن الموت كان دخيلاً على الطبيعة البشرية التي خلقها الله للحياة. لذلك أراد الله بمحبته أن يُرجعنا إلى الحياة مرةً أخرى.
لذلك كما سمح للموت أن يدخل إلى طبيعتنا، سمح أيضًا أن تدخل القيامة إلى طبيعتنا...
فنعود إلى الحياة...
ولقد أعطانا الرب أمثلة للقيامة من الموت في العهد القديم بواسطة إيليا النبي (1مل17: 14- 23) وأليشع النبي (2مل 32- 35)، وفي العهد الجديد أقام الرب ابنة يايرُس (مت 9: 25) وابن أرملة نايين (لو7: 14- 15). وقبل صلبه بأقل من أسبوع، أقام لعازر من الموت، حتى يؤمن تلاميذه إنه إن كان قد أقام شخصًا بعد موته بأربعة أيام، فإنه يمكنه هو أيضًا أن يقوم...
وقد قام السيد المسيح. وقيل إنه صار "بَاكُورَةَ الرَّاقِدِينَ" (1 كو 15: 20). فما معنى إنه باكورة الراقدين، مع أنه كثيرين قد قاموا قبله؟ إن عبارة "باكورة الراقدين" التي قيلت عن المسيح تعني أمريْن:
أولًا: أنه قام قيامة لا موت بعدها؛ لأن الذين قاموا من الموت من قبل، عادوا وماتوا مرة أخرى، وينتظرون القيامة العامة.
ثانيًا: أنه قام بجسد مُمَجّد، أمكنه أن يدخل العلّيّة والأبواب مُغلَّقة، ولقد أعطانا أيضًا أن نقوم على شبه قيامته المُمَجَّدة. وفي ذلك قال عنه القديس بولس الرسول: ".. الرَّبُّ يَسُوعُ الْمَسِيحُ، الَّذِي سَيُغَيِّرُ شَكْلَ جَسَدِ تَوَاضُعِنَا لِيَكُونَ عَلَى صُورَةِ جَسَدِ مَجْدِهِ" (في3: 20-21).
بهذه القيامة المُمَجَّدة التي سنقوم بها، سنصبح في حالة أفضل من الإنسان الأول قبل السقوط. فكيف ذلك؟!
- كان آدم وحواء بجسد مادي، يحيا حياة مادية، أمَّا نحن فسوف نقوم - كما قال بولس الرسول – في جسد روحاني. سنقوم في مجدٍ وفي قوةٍ (1 كو15: 42- 44).
2- كان آدم وحواء في جسد قابل للموت، وفعلاً مات كلاهما وكل نسلهما. لكننا سنقوم في جسد لن يموت بعد ذلك، لأن الله قد أعدَّه للحياة الأبدية.
3- كان آدم وحواء عند خلقهما، في جسد طاهر بسيط لا يعرف الخطية، لكن كان من الممكن أن يسقطا في الخطية، وقد سقطا فعلاً وجلبا لنفسيهما العقوبة. أمَّا نحن فسوف نقوم في أجسادٍ لا تعرف الخطية فيما بعد، تحيا في نقاوة دائمة.
4- كان آدم وحواء يعيشان في جنه مادية، يأكلان ويشربان بطريقة مادية، ويتمتعان بأشجار الجنة المادية. أمَّا نحن في القيامة فسوف نتمتَّع بما "مَا لَمْ تَرَ عَيْنٌ، وَلَمْ تَسْمَعْ أُذُنٌ، وَلَمْ يَخْطُرْ عَلَى بَالِ إِنْسَانٍ: مَا أَعَدَّهُ اللهُ لِلَّذِينَ يُحِبُّونَهُ" (1 كو2: 9).
5- كان آدم وحواء يعيشان على الأرض، في جنة تحيط بها أربعه أنهار (تك 2). أمَّا نحن - بعد القيامة - فسوف نعيش في السماء، في ملكوت السماء، في أورشليم السمائية (رؤ21).
6- بعد القيامة فسوف نرتقي إلى الحالة التي قال عنها الرب "يَكُونُونَ كَمَلاَئِكَةِ اللهِ فِي السَّمَاءِ" (مت 22: 30)، الأمر الذي لم يكن لآدم وحواء...
7- بعد القيامة سوف نحيا مع الله وملائكته ومجمع القديسين حسب عبارة سفر الرؤيا "مَسْكَنُ اللهِ مَعَ النَّاسِ" (رؤ21: 3). أمَّا آدم وحواء، فلم يكن معهما سوى حيوانات البرية، التي كانوا يأتنسون بها. ولم نسمع أن أحدًا منهما رأى ملائكة.
8- في القيامة، سوف يعطينا الله أن نأكل من شجرة الحياة (رؤ2: 7)، الأمر الذي لم يكن متاحًا لآدم وحواء.
لهذه الأسباب ولغيرها كان الآباء يفرحون بالقيامة وبالحياة التي بعدها، ويشتهون تلك الحياة، ويتطلّعون إلى "الْمَدِينَةَ الَّتِي لَهَا الأَسَاسَاتُ، الَّتِي صَانِعُهَا وَبَارِئُهَا اللهُ" (عب 11: 10) وكانوا "يَبْتَغُونَ وَطَنًا أَفْضَلَ، أَيْ سَمَاوِيًّا" (عب 11: 16). وكان قديس عظيم مثل بولس الرسول يقول: "لِيَ اشْتِهَاءٌ أَنْ أَنْطَلِقَ وَأَكُونَ مَعَ الْمَسِيحِ، ذَاكَ أَفْضَلُ جِدًّا" (في 1: 23).
إنني أذكر كل هذا، فيما أهنئكم بعيد القيامة المجيد، العيد الذي يُمثِّل الرجاء الحقّ، والمستقبل الأبدي. أعاده الله عليكم جميعًا، وأنتم في مِلء السعادة والبركة. كونوا مُعافين من الرب، مُحالَلين من الروح القدس، وصلُّوا عنَّا.
[1] الرسالة البابوية في عيد القيامة المجيد لسنة 2003م
فرح القيامة
فرح القيامة[1]
أبنائي الأحباء في المهجر: كهنةً وشعبًا
يسرني جدًا أن أهنئكم بعيد قيامة المسيح له المجد، وأن أفرح معكم بقيامته كما فرح بها تلاميذه القديسون، ولم يستطع أحد أن ينزع فرحهم منهم (يو16: 22).
لقد كان يوم الصلب محزنًا ومؤلمًا من الناحية النفسية، وإن كان من الناحية اللاهوتية يوم خلاص. ولكن الناس لم يروا فيه سوى الآلام والشتائم والإهانات والجَلد والمسامير!! ولم يروا الخلاص العجيب، ولا رأوا فتح باب الفردوس ونقل الراقدين على رجاء إلى هناك، وكان التلاميذ في رُعب. ولكنهم لَمَّا رأوا الرب في قيامته فرحوا لأنهم رأوه حيًا خارج القبر، وفرحوا للقائهم به، ولأنه قد انتصر في معركته ضد الباطل، وأنه سيقودهم في مَوْكِبِ نُصْرَتِهِ (2 كو2: 14). وفرحوا لأنهم تَخلَّصوا من شماتة الأعداء بهم، كما تَخلَّصوا من قلقهم واضطرابهم واختفائهم، وأصبح بإمكانهم أن يخرجوا ويواجهوا الموقف، ويتكلَّموا بكل قوة ومجاهرة عن قيامة الرب. وأن الصليب لم يكن نهاية القصة، بل النهاية هي فرح القيامة.
كانت قيامة الرب هي نقطة تحوُّل في التاريخ وفي تاريخ المسيحية.
فرحوا بأن القيامة مُمكنة. وتحوَّل خوفهم إلى جرأة وشجاعة، وعدم مبالاة بكل القوى التي تُحارب كلمة الله. وهكذا استطاع القديس بطرس بعد القيامة أن يقول: "يَنْبَغِي أَنْ يُطَاعَ اللهُ أَكْثَرَ مِنَ النَّاسِ" (أع 5: 29).
في روح القيامة ما عادوا يخافون. أقصى ما يستطيعه أعدائهم أن يهددوهم بالموت. وما قيمة التهديد بالموت لِمَن يؤمن بالقيامة، وقد رآها!!
بهذا آمنت المسيحية أن الموت هو مُجرَّد انتقال، وأنه ربح. كما قال القديس بولس: "لِيَ اشْتِهَاءٌ أَنْ أَنْطَلِقَ وَأَكُونَ مَعَ الْمَسِيحِ، ذَاكَ أَفْضَلُ جِدًّا" (في 1: 23). "لِيَ الْحَيَاةَ هِيَ الْمَسِيحُ وَالْمَوْتُ هُوَ رِبْحٌ" (في 1: 21).
وبالقيامة شعروا أنهم في ظل إله قوي، هو رب القيامة والحياة. مَنْ آمن به ولو مات فسيحيا (يو11: 25). وفرحوا بأن الرب قد وفَّى بوعده لهم أن يقوم ويرونه. ووثقوا أيضًا بتحقيق كل وعوده الأخرى.
وفي فرح التلاميذ بالقيامة، فرحوا أيضًا بكل ألم يلاقونه في سبيل الشهادة للقيامة، وأصبح للألم مفهوم جديد في فكرهم وفي شعورهم. أصبح الألم في اقتناعهم هو الطريق إلى المجد، كما حدث للمسيح في صلبه. قائلين: "إِنْ كُنَّا نَتَأَلَّمُ مَعَهُ لِكَيْ نَتَمَجَّدَ أَيْضًا مَعَهُ" (رو8: 17).
وبالقيامة أصبح الصليب إكليلاً ومجدًا، بل وشعارًا أيضًا.
والقيامة أعطت المسيحيين رجاء في العالم الآخَر، فركَّزوا كل رغباتهم فيه، وفي الفرح بالقيامة. فرحوا بالملكوت الذي بعدها، وبالنعيم الأبدي وكل ما فيه. كما شرح الرب في سفر الرؤيا أمجادًا للغالبين سينالونها بعد القيامة.
والقيامة أعطتنا رجاءً في العشْرَة الدائمة مع المسيح. فليست فرحة القيامة هي مُجرد أن نقوم. بل المُهم أن نقوم مع المسيح، ونحيا معه حيث يكون هو (يو17: 24).
كما وعد هو قائلًا: "آتِي أَيْضًا وَآخُذُكُمْ إِلَيَّ، حَتَّى حَيْثُ أَكُونُ أَنَا تَكُونُونَ أَنْتُمْ أَيْضًا" (يو14: 3).
وفي فرح التلاميذ بالقيامة، فرحوا بأنهم تلاميذه خاصته، وفرحوا بانتسابهم إليه.
وفرحوا بأنه افتقدهم بعد القيامة، ونفخ فيهم قائلاً: "اقْبَلُوا الرُّوحَ الْقُدُسَ..." (يو20: 22).
وائتمنهم على رسالة، وقضى معهم أربعين يومًا يُحدِّثهم عن الأمور المُختصَّة بملكوت الله (أع1: 3)، ووعدهم بأنه سيكون معهم كل الأيام وإلى انقضاء الدهر (مت 28: 20).
وفرحوا بالجسد المُمجَّد الذي للقيامة، وأنَّ الرب "سَيُغَيِّرُ شَكْلَ جَسَدِ تَوَاضُعِنَا لِيَكُونَ عَلَى صُورَةِ جَسَدِ مَجْدِهِ" (في 3: 21).
لذلك كله، افرحوا يا أبنائي الأحباء بقيامة السيد المسيح، وبكل أمجادها، كما فَرِحَ بها آباؤنا الرُّسُل تلاميذ المسيح.
وليكن هذا العيد مصدر فرح دائم لكم. ويكون فرحًا روحيًا بالرب. وكل عام وجميعكم بخير.
كونوا معافين في الرب، مُحالَلين من روحه القدوس.
[1] الرسالة البابوية في عيد القيامة المجيد لسنة 2004م
تواضع المسيح في قيامته
تواضع المسيح في قيامته[1]
أبنائي الأحباء في المهجر: كهنةً وشعبًا
يسرُني جدًا أن أهنئكم جميعًا بعيد القيامة المجيد، وأقول لكم مع كل الكنيسة: المسيح قام، بالحقيقة قام. اخرستوس آنستي...
وبهذه المناسبة أُحدّثكم عن تواضع المسيح في قيامته...
مما يلفت النظر أن الرب سمح أن يكون صلبه أمام الكل، بما يحمل الصلب من إهانات وآلام، بينما جعل قيامته في الخفاء، بكل ما فيها من قوة ومجد!!
لم يَقُمْ في مجد أمام الناس لكي يعوِّض التعييرات والإهانات التي لحقته في وقت الصلب. إنما قام سرًا، وفي وقت الفجر حين كان الناس نائمين...!
لقد كان بعيدًا عن المظاهر المُبهِرة في قيامته، كما كان بعيدًا عن هذه المظاهر في ميلاده، حينما وُلِدَ في مذود بقر!!
وعندما ظهر بعد قيامته ظهر لعدد قليل من الخاصة، منهم مريم المجدلية ومريم الأخرى، ولبطرس وللأحد عشر، ولتلميذيّ عمواس. ثم لشاول الطرسوسي وبعض الإخوة... ولم يظهر للناس الذين شمتوا به قبلاً والذين طالبوا بصلبه...
وفي تواضعه، لَمَّا ظهر في قيامته للبعض، لم يظهر بالجسد المُمجَّد.
لأنهم ما كانوا يحتملون! بل حتى في جسد عادي، لم يحتمل البعض رؤيته. المجدلية ظنَّته البُستاني (يو20: 15). كذلك تلميذا عمواس لم يعرفاه في بدء لقائهما به (لو24: 18). وحتى الأحد عشر ظنوه خيالاً أو روحًا (لو24: 37). فقال لهم: "مَا بَالُكُمْ مُضْطَرِبِينَ، وَلِمَاذَا تَخْطُرُ أَفْكَارٌ فِي قُلُوبِكُمْ؟ اُنْظُرُوا يَدَيَّ وَرِجْلَيَّ: إِنِّي أَنَا هُوَ! جُسُّونِي وَانْظُرُوا... وأَرَاهُمْ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ... وأكل معهم" (لو 24: 38-42).
وطبعًا هذا كله تنازل منه إلى مستواهم، لكي يفهموا ويقبلوا حقيقة القيامة... ولو كان قد ظهر لهم بالجسد الممجد، ما كانوا يستطيعون القبول... أما الجسد المُمَجَّد، فظهر لهم في صعوده إلى السماء، "ارْتَفَعَ ... وَأَخَذَتْهُ سَحَابَةٌ عَنْ أَعْيُنِهِمْ" (أع 1: 9).
وبصعود المسيح انتهت عبارة: "أَخْلَى نَفْسَهُ" (في 2: 7). لقد أخلَى ذاته في ميلاده، حينما "أخذ شكل العبد، وصار في الهيئة كإنسان". وأخلَى ذاته جُزئيًا في قيامته، حينما لم يظهر في جسده المُمَجَّد. وهكذا حينما سيأتي في مجيئه الثاني للدينونة، سوف يأتي "في مجده... ويجلس على كُرْسِيّ مجده" (مت 25: 31). بل إنه قيل عنه إنه: "سَوْفَ يَأْتِي فِي مَجْدِ أَبِيهِ مَعَ مَلاَئِكَتِهِ، وَحِينَئِذٍ يُجَازِي كُلَّ وَاحِدٍ حَسَبَ عَمَلِهِ" (مت 16: 27).
يا أبنائي، عيشوا جميعًا في هذا التواضع، الذي جاء به السيد المسيح في ميلاده، وظهر به في قيامته. بل كان صفة ثابتة فيه طوال فترة تجسُّده على الأرض، إذا كان "وَدِيعًا وَمُتَوَاضِع الْقَلْبِ" (مت 11: 29).
أخيرًا، أرجو لكم كل خير وبركة في هذا العيد المجيد. وأحب أن أسمع عنكم في كل حين كل خبر طيِّب.
كونوا مُحالَلين من الروح القدس، ومُعافين في الرب.
[1] الرسالة البابوية في عيد القيامة المجيد لسنة 2005م
عيشوا في أفراح القيامة
عيشوا في أفراح القيامة[1]
أبنائي الأحباء في المهجر: كهنةً وشعبًا
أهنئكم جميعًا بعيد القيامة المجيد، راجيًا لكم فيه سلامًا وبُنيانًا، وكل خير وبركة.
وأحب أن أسمع عنكم كل حين أخبارًا سارة عن نموكم الروحي، ونشاطًا في خدمة الكنيسة وبناء ملكوت الله على الأرض.
عيشوا في أفراح القيامة، لأنَّ القيامة فرح من كافة النواحي.
نحن نفرح أولاً لقيامة المسيح. لأنه بقيامته داس الموت، وصار"باكورة للراقدين"، أي طليعة لموكب القائمين من الموت في كل الأجيال. وكما قام هو، سنقوم نحن أيضًا وننتصر على الموت في القيامة.
ونحن نفرح بالقيامة، لأنه ستكون لنا فيها أجساد روحانية سماوية، حسب قول القديس بولس الرسول في (1 كو15: 44، 49). وهذه الأجساد سوف لا يكون للغرائز والشهوات سُلطان عليها، ولا للمرض أو الضعف. ولا يكون سلطان عليها من المادة ولا من الجاذبية الأرضية. لأنه لو كان للجاذبية الأرضية سُلطان عليها، لسقطت من السماء إلى الأرض!
ونحن نفرح بالقيامة، لأننا سنلتقي فيها بجميع أقاربنا وأحبائنا وأصدقائنا الذين افترقوا عنا وسبقونا إلى السماء.
بل نفرح فيها بالأكثر بعشرة الملائكة والقديسين في الدهر الآتي. إنها مُتعة عظيمة بلا شك، أن يتمتَّع الإنسان هناك بالتَّعرُّف على كل الأنبياء والرسُل الذين وردت أسماؤهم في الكتاب المقدس، وأن يتعَّرف شخصيًا على كل الشهداء في كافة العصور، وكل الآباء القديسين، وكل الرُّعاة الصالحين، وكل الذين اتَّصفوا بفضائل عميقة ميَّزت حياتهم عن غيرهم. كما يتعرَّف أيضًا على كل أبطال الإيمان، وكل أبطال التاريخ الذين عاشوا حياة صالحة، وكل آباء البرية، وكل أمثلة الفضيلة على مدى العصور.
ونحن نفرح بالقيامة، لأنها بداية للدخول في النعيم الأبدي وفي الخلود، ذلك الذي لا يتمتع به إلا الغالبون، حسب وعد الرب لهم في سفر الرؤيا. وحينما نتحدَّث عن هذا النعيم، نجد اللغة قاصرة عن التعبير، والفهم أيضًا قاصر، والخبرة غير موجودة لأن ساعتها لم تأتِ بعد. ويكفينا قول الكتاب عن هذا النعيم الأبدي: "مَا لَمْ تَرَ عَيْنٌ، وَلَمْ تَسْمَعْ أُذُنٌ، وَلَمْ يَخْطُرْ عَلَى بَالِ إِنْسَانٍ: مَا أَعَدَّهُ اللهُ لِلَّذِينَ يُحِبُّونَهُ" (1كو2: 9). فمهما يخطر على فكرك من أوصاف، لا يمكن أن يُعبِّر عن الحقيقة. لأنّ ما أعدَّه الله للأبرار لم يخطُر على بال إنسان...
ونحن نفرح بالقيامة، لأننا سنحيا فيها مع الله نفسه، حسب وعده الصادق: "حَيْثُ أَكُونُ أَنَا تَكُونُونَ أَنْتُمْ أَيْضًا" (يو14: 3). لأننا سنعيش معه الأبدية، في أورشليم السمائية، التي قيل عنها في سفر الرؤيا إنها: "مَسْكَنُ اللهِ مَعَ النَّاسِ، وَهُوَ سَيَسْكُنُ مَعَهُمْ" (رؤ21: 3). ما أعظمها مُتعة، هذه التي قال عنها القديس بولس الرسول: "نَكُونُ كُلَّ حِينٍ مَعَ الرَّبِّ" (1 تس 4: 17).
حينئذ تتعمَّق معرفتنا بالله الآب، كما قال له ربنا يسوع المسيح: "وَهذِهِ هِيَ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ: أَنْ يَعْرِفُوكَ أَنْتَ الإِلهَ الْحَقِيقِيَّ وَحْدَكَ" (يو17: 3). وكما قال بولس الرسول عن معرفته: "وَجْهًا لِوَجْهٍ" (1 كو13: 12).
أخيرًا يا أبنائي الأحبّاء أترككم بخير، مُعافين في الرب، ومُحالَلين من روحه القدوس.
[1] الرسالة البابوية في عيد القيامة المجيد لسنة 2006م
أنواع الأرواح
أنواع الأرواح[1]
أبنائي الأحباء في المهجر: إكليروسًا وشعبًا
نعمة لكم وسلام من إلهنا القوي القدوس، وخالص التهنئة لكم بعيد القيامة المجيد، أعاده الله عليكم كل عام وأنتم بملء الخير والبركة ... وبعد:
لقد قام المسيح له المجد، على الرغم من الحراسة المُشدَّدة على قبره. وظهر لتلاميذه القديسين، وقوَّى إيمانهم، وحدَّثهم عن الأمور المُختصَّة بملكوت الله، ومنحهم سُلطان الكهنوت، وعَهدَ إليهم برعاية كنيسته وشعبه. وبعد أربعين يومًا من افتقاده لهم صعد إلى السماء وجلس عن يمين الله (مر16: 19).
وبقيامته صار باكورة للقيامة، وسوف يقيمنا نحن أيضًا: "سَيُغَيِّرُ شَكْلَ جَسَدِ تَوَاضُعِنَا لِيَكُونَ عَلَى صُورَةِ جَسَدِ مَجْدِهِ" (في3: 21)، أي سنقوم بجسد مُمَجَّد، وكما قال القديس بولس الرسول: "وَيُقَامُ فِي مَجْدٍ" (1 كو15: 43).
ولكننا في القيامة سوف لا نكون في درجة واحدة، وإنما "كُلَّ وَاحِدٍ فِي رُتْبَتِهِ" (1 كو 15: 23)، "لأَنَّ نَجْمًا يَمْتَازُ عَنْ نَجْمٍ فِي الْمَجْدِ. هكَذَا أَيْضًا قِيَامَةُ الأَمْوَاتِ.." (1 كو15: 41، 42).
وهذا التَّميُّز في القيامة، يكون بحسب نوعية الروح، وحسب عملها الذي كان لها على الأرض. لأنَّ الرب سوف يُجازي كل واحد حسب عمله (مت 16: 27).
ومن المعروف أنَّ الأرواح تختلف في نوعياتها. فهناك روح صِدّيق تسقط سبعَ مرَّاتٍ وتقوم (أم 24: 16).
وهناك أرواح خلقها الله قوية، ولكنها لم تستخدم كل طاقتها، بعكس العقل الذي استخدم طاقاته بدرجة فائقة، وأثبت امتيازه بما قدَّمه من إنتاج عجيب.
وهناك أيضًا أرواح فائقة القوة، في قدراتها وفي صلتها بروح الله، وفي قصص انتصاراتها على الجسد والعالم والشيطان، وفي مدى قيادتها للغير وتأثيرها عليهم. حتى أن الله اختار هذه الأرواح ليعهد إليها بمسئوليات روحية كبيرة. وحتى بعد مفارقة هذه الأرواح لأجسادها، يُرسل الله بعضًا منها إلى الأرض لإنقاذ مَن يطلب معونة، كما تفعل روح مارجرجس مثلاً دون أن يراها أحد، وكما ظهرت روح القديسة العذراء مريم في تجلِّيها في بعض الكنائس، وتمَّت على يديها معجزات.
وهناك أيضًا أرواح كبيرة، يُلقَّب أصحابها - في مثالياتهم - بالملائكة الأرضيين.
توجد أيضًا أرواح لها شفافية خاصة، يكشف لها الله أمورًا تراها ولا يراها الغير.
مثلما قيل عن أليشع النبي إنه رأى مرة قوات ملائكية قال عنها: "لأَنَّ الَّذِينَ مَعَنَا أَكْثَرُ مِنَ الَّذِينَ مَعَهُمْ" (2 مل 6: 16). بينما تلميذه جيحزي لم يكن يرى ما رآه مُعلمه.
ولعلّ من أعظم الأمثلة للأرواح الشفافة ما رآه القديس يوحنا الرائي وسجَّله في سفر الرؤيا. لذلك حسنًا ما قاله الرب لتلاميذه القديسين: أمَّا أنتم طُوبَى لِعُيُونِكُمْ لأَنَّهَا تُبْصِرُ أي تبصر ما لا يراه الغير (مت 13: 16)
كل هذه الأنواع العظيمة من الأرواح، هي عكس الأرواح الضعيفة التي تعيش مغلَّفة بضباب الجسد والمادة، لا ترى حلاوة الحياة الروحية ولا تتذوقها. ومرات سقوطها أكثر من مرات قيامها...!
لذلك يا أبنائي الأحباء، كونوا من الأرواح القوية، الأرواح الكبيرة والطاهرة، التي تحيا مع الله ويحيا الله معها. وتكون لها في يوم القيامة مكانة مميزة، كما كُتِبَ: "نَجْمًا يَمْتَازُ عَنْ نَجْمٍ فِي الْمَجْدِ"(1 كو15: 41).
وإلهنا الصالح الطيّب، الغني في مواهبه، هو يقوِّي أرواحكم على الدوام. وهكذا تُمجِّدون الله في أجسادكم وفي أرواحكم التي هي لله (1 كو6: 20).
كونوا مُعافين في الرب، مُحالَلين من روحه القدوس.
[1] الرسالة البابوية في عيد القيامة المجيد لسنة 2007م
قيامة المسيح؛ مجيدة ومُفرحة
قيامة المسيح؛ مجيدة ومُفرحة[1]
أبنائي وإخوتي في المهجر: كهنة وشعبًا
خالص تهنئتي لكم بعيد القيامة المجيد، جعله الله خيرًا وبركة لكم جميعًا ومصدر أفراح روحية دائمة.
إنَّ قيامة السيد المسيح كانت قيامة مجيدة ومُفرحة. كانت بجسد مُمَجد استطاع أن يخرج من القبر وهو مُغلَق، واستطاع أن يخرج من الأكفان وتركها مُرتَّبة. وبهذا الجسد المُمَجَّد صعد إلى السماء لا تقوى عليه الجاذبية الأرضية.
نحن نفرح بقيامة السيد المسيح لأنه قهر الموت، وأعطانا الوعد أن نكون مثله، لنا حياة بعد الموت، حياة أبدية تكون أيضًا بجسد مُمجَّد على شبه قيامته، كما قال القديس بولس الرسول عن الرب: "الَّذِي سَيُغَيِّرُ شَكْلَ جَسَدِ تَوَاضُعِنَا لِيَكُونَ عَلَى صُورَةِ جَسَدِ مَجْدِهِ" (في 3: 21).
وقال أيضًا إننا سنُقام في مجد، وفي قوة، بجسد روحاني (1 كو15: 43، 44).
حقًا، إنَّ قيامة السيد المسيح كانت عربون قيامتنا وباكورة لها (1 كو15: 20).
وإذ نفرح بمجد قيامته، إنما نفرح أيضًا لأنه سيكون لنا ما يُشبه هذا المجد، ولكن كل واحد حسب درجته.
فليتنا نحيا جميعًا الحياة التي تؤهِّلنا لهذا المجد، عالمين أنه كُلمَّا تعمَّقنا في الحياة الروحية، كُلَّما ازداد مجدنا في الحياة الأبدية. لأن جميع الناس في الأبدية سوف لا يكونون بدرجة واحدة. بل كما قال الرسول: "أن نَجْمًا يَمْتَازُ عَنْ نَجْمٍ فِي الْمَجْدِ" (1 كو15: 41).
لذلك علينا أن نحيا - كما يليق بنا - في حياة البِرّ، وننمو فيها يومًا بعد يوم، جاعلين هدفنا هو الكمال الذي يمكننا الوصول إليه حسب وصية الرب: "فَكُونُوا أَنْتُمْ كَامِلِينَ كَمَا أَنَّ أَبَاكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ هُوَ كَامِلٌ" (مت 5: 48).
فليعطِكم الرب نعمة لكي تسيروا في حياة البِرّ، والقداسة، والكمال، وتكونوا قدوة لكثيرين. كونوا مُعافين في الرب، مُحالَلين بروحه القدوس. واذكروني في صلواتكم.
[1] الرسالة البابوية في عيد القيامة المجيد لسنة 2008م
دروس نافعة من القيامة
دروس نافعة من القيامة[1]
أبنائي الأحباء في المهجر: كهنةً وشعبًا
سلامًا ونعمة لكم من الرب، وتهنئة لجميعكم بعيد القيامة المجيد.
وقيامة الرب تُقدّم لنا دروسًا نافعة لن ننساها.
الدرس الأول: هو أنه لا مستحيل، وأن كل شيء مُستطاع عند الله.
والدرس الثاني: أن السيد المسيح كان في قيامته يعمل باستمرار من أجلنا: فأول شيء أنه أزال مشاعر الخوف والشكّ التي كانت تُتعِب التلاميذ، وطمأنهم وغرس فيهم قوة الإيمان. ثم منحهم نعمة الكهنوت. وقال لهؤلاء التلاميذ: كما أرسلني الآب أرسلهم أيضًا (يو17: 18).
ونفخ في وجوههم وقال لهم: اقبلوا الروح القدس، مَن غفرتم لهم خطاياهم غُفرت لهم، ومَن أمسكتموها عليهم أُمسِكت (يو20: 23). كذلك عَهدَ للتلاميذ بالكرازة فقال لهم: "اكْرِزُوا بِالإِنْجِيلِ لِلْخَلِيقَةِ كُلِّهَا" (مر16: 15). وقال لهم أيضًا: "اذْهَبُوا وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ الأُمَمِ وَعَمِّدُوهُمْ... وَعَلِّمُوهُمْ أَنْ يَحْفَظُوا جَمِيعَ مَا أَوْصَيْتُكُمْ بِهِ" (مت 28: 19، 20). كذلك قضى معهم أربعين يومًا يُحدِّثهم عن الأمور المُختصّة بملكوت الله. وفي تلك الفترة سلَّمهم كل ما وصل إلينا بالتقليد الرسولي، ومن أهم ذلك ما يختص بالأسرار ونظام الكنيسة.
وفي قيامته وظهوره لهم غيَّرهم من الخوف إلى الجرأة واستطاعوا أن يقولوا لرؤساء اليهود في ذلك الوقت: "يَنْبَغِي أَنْ يُطَاعَ اللهُ أَكْثَرَ مِنَ النَّاسِ" (أع 5: 29). وشرح لهم كل ما يتعلَّق به في ناموس موسى والأنبياء والمزامير.
وبعد ما فارقهم وصعد إلى السماء، أرسل لهم الروح القدس كألسنة من النار حلَّت عليهم، فنطقوا بألسنة واستطاعوا أن يُبشّروا بِاسمه في جميع الأمم، كما منحهم بعد ذلك مواهب كثيرة من الروح القدس ساعدتهم في عمل الكرازة والرعاية، ولم يكتفِ بهذا بل قال لهم: "وَهَا أَنَا مَعَكُمْ كُلَّ الأَيَّامِ إِلَى انْقِضَاءِ الدَّهْرِ" (مت 28: 20).
وبعد فترة من صعوده عاد فظهر لشاول الطرسوسي الذي كان يضطهد الكنيسة. واستطاع أن يحوّله إلى رسول من أعظم الرُّسل، تَعِبَ في نشر الإيمان أكثر من جميعهم.
والسيد المسيح الذي عمل مع رسله بعد القيامة ما زال يعمل حتى الآن في كنيسته، وذلك بنعمته وفعل روحه القدوس. أليس هو الذي قال: "أَبِي يَعْمَلُ حَتَّى الآنَ وَأَنَا أَعْمَلُ" (يو5: 17).
فلنشكره على كل عمله معنا، فهو الذي شجَّعنا بقوله: "حَيْثُمَا اجْتَمَعَ اثْنَانِ أَوْ ثَلاَثَةٌ بِاسْمِي فَهُنَاكَ أَكُونُ فِي وَسْطِهِمْ" (مت 18: 20).
من كل هذا نرى في قيامة الرب وعمله تشجيعًا لنا لكي نعمل وهو معنا. وما أجمل ما قيل عن تلاميذ المسيح في آخر إنجيل مارمرقس: "فَخَرَجُوا وَكَرَزُوا فِي كُلِّ مَكَانٍ، وَالرَّبُّ يَعْمَلُ مَعَهُمْ وَيُثَبِّتُ الْكَلاَمَ بِالآيَاتِ التَّابِعَةِ" (مر16: 20).
ختامًا، لكم كل بركة من الرب، وكونوا مُحالَلين من روحه القدوس.
[1] الرسالة البابوية في عيد القيامة المجيد لسنة 2009م
القيامة قوة عجيبة
القيامة قوة عجيبة[1]
أبنائي الأحباء في المهجر: إكليروسًا وشعبًا، أهنئكم بعيد القيامة المجيد، راجيًا من الرب أن يعيده عليكم كل عام بالخير والبركة، وبعد:
تميَّزت قيامة السيد المسيح بقوة عجيبة: فهو الوحيد الذي انتصر على الموت بذاته.
وفي قيامته داس الموت، وقام بقوة لاهوته. وأيضًا بقوته خرج من القبر المُغلَق الذي عليه حجر عظيم، ودون أن يراه أحد. وبنفس القوة دخل العلّيَّة على تلاميذه وأبوابها مُغلَّقة.
وبعد أن قضى معهم أربعين يومًا يحدِّثهم عن ملكوت الله، صعد إلى السموات بقوة عظيمة، ضد كل قوانين الجاذبية الأرضية، هي قوة لاهوته طبعًا.
لذلك قال عنه القديس بولس الرسول في رسالته إلى فيلبي (3: 10) "لأَعْرِفَهُ، وَقُوَّةَ قِيَامَتِهِ، وَشَرِكَةَ آلاَمِهِ، مُتَشَبِّهًا بِمَوْتِهِ". ولهذا أيضًا كنا نُسبحه طول أسبوع الآلام، معترفين بقوته، وقائلين له: "لك القوة" ] ثوك تي تي جوم[ .
وربنا يسوع المسيح الذي قام في قوة، وصعد في قوة، منحنا أيضًا قوة. فبدأت الكنيسة تاريخها في قوة، حينما حلَّ الروح القدس على التلاميذ الأطهار. ويقول الكتاب: "وَبِقُوَّةٍ عَظِيمَةٍ كَانَ الرُّسُلُ يُؤَدُّونَ الشَّهَادَةَ بِقِيَامَةِ الرَّبِّ يَسُوعَ، وَنِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ كَانَتْ عَلَى جَمِيعِهِمْ" (أع 4: 33).
واستمرت القوة في حياة الكنسية. فبقوة عظيمة استطاع مارجرجس أن يُمزِّق منشور الإمبراطور. بل أن الشهداء جميعًا استقبلوا الموت بقوة. وما كانوا يخافونه. بل كانوا يرددون عبارة "لِيَ اشْتِهَاءٌ أَنْ أَنْطَلِقَ وَأَكُونَ مَعَ الْمَسِيحِ، ذَاكَ أَفْضَلُ جِدًّا" (في 1: 23).
لذلك يا أبنائي وإخوتي الأحباء، كونوا دائمًا أقوياء. وأعني أن تكون لكم القوة الروحية التي تهزمون بها الشيطان وكل قوة العدو، وكل مُحارَبات الذَّات، وكل الرغبات الشريرة. وفي انتصاركم، لا تنسبوا ذلك إلى قوتكم الشخصية، إنَّما إلى قوة الله العاملة فيكم، الآن وكل آوان.
أخيرًا كونوا بخير، مُحالَلين من الروح القدس. وصلُّوا عنّي.
[1] الرسالة البابوية في عيد القيامة المجيد لسنة 2011م



