هكذا أعزيكم

| الكتاب | هكذا أعزيكم |
| المؤلف | مثلث الرحمات البابا شنوده الثالث |
| دار نشر | كنيسة السيدة العذراء بالزيتون/ رقم 1021 |
| الطبعة | الثانية، نوفمبر 2018م |
| رقم الإيداع بدار الكتب | 2732 / 2018 |
طُرس البركة لقداسة البابا تواضروس الثاني
وإن مات فهو يتكلم بعد..
غزارة المعرفة وعمقها في حياة المتنيح قداسة البابا شنوده الثالث جعلته يترك لنا تُراثًا
ورغم أنه نُشر أكثر من 150 كتابًا بأحجام متنوعة وفي موضوعات عديدة تغطي مساحات كبيرة من المعارف المسيحية الروحية والكنسية والآبائية، والتي تُرجمت معظمها إلى العديد من اللغات، حتى صار اسمه معروفًا عالميًا أنه "مُعلم الأجيال".. إلا أنه ما زال يوجد الكثير مما لم يُنشر بعد. وننشر لكم بعضًا من ذلك التُراث الخالد والذي لم يُنشر من قبل..
ونقدم لكم كتاب:
هكذا أعزيكم
وسوف تجد عزيزي القارئ متعة خاصة وأنت تستمع لصوت قداسته عبر الصفحات وبعد رحيله.. يُعلِّمنا ويروينا من فيض معرفته وروحياته وخبراته العميقة.
تقديري ومحبتي لكل من ساهم في إخراج هذه الكتب إلى النور.. خاصة مركز "معلِّم الأجيال لحفظ ونشر تُراث البابا شنوده الثالث" في كنيسة السيدة العذراء مريم بالزيتون بالقاهرة.
نفَّعنا الله ببركة صلواته لأجلنا كنيسةً وشعبًا وضعفي. ونعمته تشملنا جميعًا..
البابا تواضروس الثاني
بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية الـ 118
قداسة البابا شنوده الثالث في سطور
1- وُلِدَ في 3 أغسطس 1923م، باسم نظير جيد روفائيل. في قرية سَلاَّم بأسيوط.
2- حصل على ليسانس الآداب - قسم التاريخ - من كلية الآداب جامعة فؤاد الأول (جامعة القاهرة حاليًا).
3- التحق بالقوات المسلحة - مدرسة المشاة - وكان أول الخريجين من الضباط الاحتياط سنة 1947م.
4- تخرَّج في الكلية الإكليريكية "القسم المسائي" سنة 1949م، وكان الأول على الخريجين - فعُيِّنِ مُدرّسًا فيها.
5- عمِلَ مُدَرِسًا للغة الإنجليزية والعربية، في إحدى المدارس الأجنبية.
6- أتقَنَ الشعر منذ عام 1939م، وكتب كثيرًا من القصائد الشعرية.
7- في سنة 1949م: تَكَرَّسَ للخدمة في الكلية الإكليريكية وبيت مدارس الأحد في روض الفرج بشبرا، وتولى رئاسة تحرير مجلة مدارس الأحد.
8- صار راهبًا في دير العذراء الشهير بالسريان في 18 يوليو 1954م.
9- تمت سيامته بيد البابا كيرلس السادس، أول أسقف للتعليم والكلية الإكليريكية والمعاهد الدينية، باسم الأنبا شنوده في 30 سبتمبر 1962م.
10- بدأ الاجتماعات الروحية التعليمية منذ سنة 1962م، واستمر فيها حتى نياحته سنة 2012م.
11- أصدر مجلة الكرازة في يناير 1965م، واستمر في تحريرها حتى نياحته سنة 2012م (واستمرّ قداسة البابا المُعَظَّمْ تواضروس الثاني في إصدارها).
12- اختارته السماء بالقرعة الهيكلية وتمَّ تجليسه البابا الـ 117 للكنيسة القبطية الأرثوذكسية يوم 14 نوڤمبر 1971م.
13- نَمَتْ الكنيسة القبطية في عهده، داخل مصر وخارجها؛ في كل قارات العالم: أفريقيا
وآسيا وأوروبا وأستراليا والأمريكتين: الشمالية والجنوبية
14- حصل على تسع شهادات دكتوراه فخرية من كبرى جامعات أمريكا وأوروبا.
15- امتدت الكلية الإكليريكية في عهده، وأصبح لها 16 فرعًا في مصر وخارجها.
16- حصل على العديد من الجوائز مثل؛ جائزة أفضل واعظ ومعلم للدين المسيحي في العالم 1978م من مؤسسة Browning الأمريكية، وجائزة أوجوسبورج الألمانية للسلام. كما حصل على وسام الصليب الأكبر للقديس أغناطيوس من الكنيسة السريانية.
17- كتب أكثر من 150 كتابًا ونبذة في كثير من المجالات الكتابية والروحية، واللاهوتية والعقائدية وفي الخدمة والرعاية والتربية.
17- قامَ بسيامة بطريركين لكنيسة إريتريا و5 مطارنة و112 أسقفًا وأكثر من 2000 كاهن و1000 راهب.
18- قامَ برحلات رعوية ورسمية لكثير من بلدان العالم، وصلت إلى 104 رحلة.. فمثلاً زار الولايات المتحدة (57 زيارة)، والمملكة المتحدة (31 زيارة) وغيرها.
19- أحضر إلى مصر رفات القديس أثناسيوس الرسولي البطريرك الـ 20، في 10 مايو 1973م.
20- اهتم بخدمة المرأة؛ وقام بتشكيل لجنة المرأة، وسمح للمرأة بالدراسة بالكلية الإكليريكية والمعاهد الدينية، وقام بتعيينها مدرسًا بالكلية الإكليريكية والمعاهد الدينية لتدريس علم اللاهوت، وسمح لها بعضوية المجلس الملي، وعضوية مجالس الكنائس.
21- جلس قداسة البابا شنوده الثالث على الكرسي المرقسي لمدة 40 سنة، و4 أشهر، و3 أيام، وبهذا يعتبر سابع الباباوات من حيث طول مدة الجلوس على الكرسي المرقسي. عاش 88 سنة و7 أشهر، و14 يوم.
22- رقد في الرب في 17 مارس سنة 2012م، وكانت جنازة قداسته مهيبة وعظيمة، حضرها أكثر من اثنين ونصف مليون شخص. نيحَ الله نفسه في فردوس النعيم، ونَفَّعْنا بصلواته.
هذا الكتاب
هذا الكتاب
يواصل "مركز معلم الأجيال لحفظ ونشر تراث البابا شنوده الثالث" في إصدار الكتب التي تحتوي على محاضرات وعظات لقداسة البابا شنوده الثالث. إذ تتميز تعاليمه بالروحانية والعمق والخبرة الروحية والعملية، وبهذه التعاليم ينير عقولنا وعيون قلوبنا.
لا يوجد أعذب من كلمات الكتاب المقدس التي تعزينا وتنعش أرواحنا التي قد تحزن بسبب فراق أحد أحبائنا، ولكن الله لا يتركنا أبدًا حزانى "كَإِنْسَانٍ تُعَزِّيهِ أُمُّهُ هكَذَا أُعَزِّيكُمْ أَنَا، وَفِي أُورُشَلِيمَ تُعَزَّوْنَ" (إش 66: 13).
ومُعلم الأجيال قداسة البابا شنوده الثالث، في هذا الكتاب "هكذا أعزيكم".. يشرح لنا معنى تذكار الثالث للميت، وذكرى الأربعين. ويعرفنا أن الموت هو اِشتياق للمؤمن.. لأنه الجسر الذي سيوصلنا لرؤية رب المجد. وإننا نعيش للرب ونموت أيضًا للرب..
كما ينبهنا أن أنظارنا لا بد أن تكون موجهة نحو السماء.. ومتعلقة قلوبنا ومتشوقة أرواحنا للوصول إلى أورشليم السماوية.. بل أن الكنيسة تُشيّد على شكل قبة رمزًا للسماء، وأُطلقَ عليها القبة السماوية، كما ترسم النجوم على سقوف الكثير من الكنائس رمزًا للسماء..
ويشد قداسته أذهاننا إلى أنه هناك حزن غير رديء وحزن رديء؛ أي أن هناك حزن مقبول ولازم، وحزن غير مقبول، وأن لكل منهما وقته وأسبابه.
ونحن نصلي إلى الله عزيزي القارئ أن يطرد عنا كل حزن رديء ووجع قلب، وأن نعيش دائمًا على رجاء القيامة فنفرح ونتعزى؛ لأننا سنقابل العريس السماوي بعد كل تلك الآلام. كما سنفرح برؤية أحباءنا الذين سبقونا ونتمتع بالسماويات والملائكة والقديسين.. وسيمسح الله كل دمعة من عيوننا كما يقول القديس يوحنا اللاهوتي: "وَسَيَمْسَحُ اللهُ كُلَّ دَمْعَةٍ مِنْ عُيُونِهِمْ، وَالْمَوْتُ لاَ يَكُونُ فِيمَا بَعْدُ، وَلاَ يَكُونُ حُزْنٌ وَلاَ صُرَاخٌ وَلاَ وَجَعٌ فِيمَا بَعْدُ" (رؤ 21: 4). بصلوات الممتلئة نعمة الحنونة كلية الطهر والدة الإله وكل الملائكة والقديسين... ولإلهنا المجد الدائم إلى الأبد آمين.
القمص بطرس بطرس جيد
مركز معلم الأجيال لحفظ ونشر
تراث قداسة البابا شنوده الثالث
تائه في غربة
تائه في غربة[1]
يا صديقي لست أدري ما أنا |
| أو تدري أنت ما أنت هنا؟ |
لست أدري كيف نمضي أو متى |
| كل ما أدريه أنا سوف نمضي |
قل لمن يبني بيوتًا ههنا |
| أيها الضيف لماذا أنت تبني؟ |
[1] كتبت هذه القصيدة عام 1961م ونشرت في مجلة الكرازة بتاريخ أكتوبر 1965م.
ذكرى يوم الأربعين
ذكرى يوم الأربعين[1]
جاء في قوانين الآباء الرسل: "اذكروا الميت في يوم وفاته واذكروه في اليوم الثالث لأن المسيح قام من الأموات في اليوم الثالث، واذكروه في يوم الأربعين لأن المسيح صعد إلى السماء في يوم الأربعين".
فالكنيسة تحب أن تعزي أهل الميت، بأن الميت لم يمت، أي أنه لم يمت موتًا أبديًا، "لأنه ليس موت لعبيدك بل انتقال" (أوشية الراقدين). وإنه لا بد أنه يقوم. ففي اليوم الثالث تعزيهم بأن الميت سيقوم كما قام السيد المسيح في اليوم الثالث. ما دام هناك إمكانية للقيامة بقيامة المسيح فنحن سوف نقوم.
وفي يوم الأربعين تُذكِرهم بأنه كما إن السيد المسيح صعد إلى السماء في يوم الأربعين كذلك سيصعد هذا الميت إلى السماء أيضًا، لكن لن يصعد في يوم الأربعين، إنما مثلما قال السيد المسيح إنه سيأتي على السحاب، ويرسل ملائكته فيجمعون مختاريه ويصعدوا معه إلى السحاب.
وبولس الرسول يعلق على هذا ويقول: "وَهكَذَا نَكُونُ كُلَّ حِينٍ مَعَ الرَّبِّ" (1تس 4: 17)، يأخذنا ونصعد معه إلى السماء إلى فوق، فكما كان صعود السيد المسيح في اليوم الأربعين كذلك سيكون صعود للمؤمنين.
وكل هذا تريد به الكنيسة أن توضح أن الموت لا تكن له صورة قاتمة محزنة في نفوس الناس وإنما هناك رجاء في القيامة وهناك رجاء في الصعود وهناك جلوس في السماء ومتعة مع الآب، فالموت ليس محزن بهذا الشكل... مع المسيح، فذاك أفضل جدًا.
[1] عن عظة "القيامة المجيدة" لقداسة لبابا شنوده الثالث بدير الأنبا بيشوي 25 أبريل 1982م.
للرب نموت
للرب نموت[1]
"لأَنَّنَا إِنْ عِشْنَا فَلِلرَّبِّ نَعِيشُ، وَإِنْ مُتْنَا فَلِلرَّبِّ نَمُوتُ. فَإِنْ عِشْنَا وَإِنْ مُتْنَا فَلِلرَّبِّ نَحْنُ" (رو 14: 8)
حياتنا تكون لله، وموتنا يكون لله، لأنه إن عشنا فللرب نعيش وإن متنا فللرب نموت، إن عشنا أو متنا فللرب نحن..
للرب نموت
لأجل أن ننتقل إليه ونجلس معه في السماء، في الفردوس، في الملكوت، في أورشليم السمائية. كما يقول بولس الرسول: "نَكُونُ كُلَّ حِينٍ مَعَ الرَّبِّ" (1تس 4: 17) هكذا من يموت لأجل الله. ويقول أيضًا: "لِيَ اشْتِهَاءٌ أَنْ أَنْطَلِقَ وَأَكُونَ مَعَ الْمَسِيحِ، ذَاكَ أَفْضَلُ جِدًّا" (في 1: 23). فهو يشتهي الموت لينقله لله. ولذلك نقول أيضًا أنه: "في الموت سنراه وجهًا لوجه، الآن نعرف بعض المعرفة... ولكن حينئذ نراه وجهًا لوجه، الآن ننظر كما في مرآةٍ... لكن هناك نراه وجهًا لوجه.
لذلك كان الآباء القديسون يفرحون بالموت، لأنه كان ينقلهم إلى الله، ويقولون: للرب نموت! يفرحون بخلع هذا الجسد لكي تكون الروح طليقة مع الله، من هنا كان الاستشهاد من أجل الله، ومن هنا كان الموت من أجل الله.
يروى عن القديس أغناطيوس الأنطاكي الذي أرسلوه إلى روما لكي تأكله الأسود، فأراد المسيحيون في روما أن ينقذوه من الموت فأرسل إليهم رسالة جميلة جدًا موجودة في كتابات الآباء الرسوليين قال لهم: "يا إخوتي أخشى أن محبتكم تسبب ضررًا لي. أنا وصلت لنهاية الطريق وسوف ألتقي بالله، فأنتم تريدون أن تنقذوني وتعطلوني عن هذا اللقاء. إن محبتكم تسبب لي ضررًا"، هذه هي طريقة الإنسان الذي يموت من أجل الله.
كما أن من يموت من أجل الله يكون فَرح بالموت، ومن يخاف عند الموت ولا يعرف أين يذهب؟ ومضطرب ولا يعلم مصيره وخائف!! لأنه لا يدرك أنه يموت لله. بينما من يقول: "فِي يَدَيْكَ أَسْتَوْدِعُ رُوحِي" (لو 23: 46)، يكون فرحًا بالموت. ومن يقول: "أَيُّهَا الرَّبُّ يَسُوعُ اقْبَلْ رُوحِي" (أع 7: 59)، يكون فرحًا بالموت... لأنه للرب يموت.
من يموت للرب، يُميت على الأرض حواسه الجسدانية، كما نقول في صلاة الساعة التاسعة: "أمت حواسنا الجسدانية".. بحيث ألا تعمل في العالم بل تكون لله، وهو يقول كما قال بولس الرسول: "إِنَّنَا مِنْ أَجْلِكَ نُمَاتُ كُلَّ النَّهَارِ" (رو 8: 36).
يميت رغباته وشهواته العالمية الأرضية ويحيا لله فيكون في موت حواسه الجسدانية موت مع الله، فيقول: "للرب نعيش"، الاثنين مرتبطين ببعض.
الإنسان الذي يريد أن يعيش مع الله ويموت مع الله يتذكر قول السيد المسيح لمرثا: "أَنْتِ تَهْتَمِّينَ وَتَضْطَرِبِينَ لأَجْلِ أُمُورٍ كَثِيرَةٍ، وَلكِنَّ الْحَاجَةَ إِلَى وَاحِدٍ" (لو 10: 41، 42).. الحاجة إلى الواحد الذي يعيش الإنسان من أجله.
نحن نُبَذر عواطفنا، ولا نركزها في الله. الابن الضال بَذر أمواله في عيشٍ مسرف، وأناس كثيرون يبذرون عواطفهم بعيش مسرف ولا يركزون في الله، فلا يأخذ الله منهم إلا فتات الفتات، بل لا يأخذ منهم شيئًا، ماذا يأخذ الرب منهم؟! لا شيء...
اللص اليمين عاش مع الرب يسوع ساعات قليلة أخذ بهم الفردوس. هذا ينطبق عليه للرب نعيش وللرب نموت وهكذا نقول:
"لأَنَّنَا إِنْ عِشْنَا فَلِلرَّبِّ نَعِيشُ، وَإِنْ مُتْنَا فَلِلرَّبِّ نَمُوتُ. فَإِنْ عِشْنَا وَإِنْ مُتْنَا فَلِلرَّبِّ نَحْنُ" (رو 14: 8).
[1] عن عظة "إن عشنا فللرب نعيش، وإن موتنا فللرب نموت"، لقداسة البابا شنوده الثالث، بتاريخ 20 يوليو 1988م.
نحن.. والسماء
نحن.. والسماء[1]
السماء..
نحن نعيش على الأرض ولكننا لسنا أرضيين، ونحن نعيش في العالم ولكننا لسنا من أهل العالم، نعيش في العالم ونعلم أن محبة العالم هي عداوة لله، فالوصية تقول: "لاَ تُحِبُّوا الْعَالَمَ وَلاَ الأَشْيَاءَ الَّتِي فِي الْعَالَم" ( 1يو 2: 15).
نحن نعيش في العالم ونعلم أننا غرباء فيه.. موطننا الأصلي هو السماء، وهو الوطن الثابت الدائم الذي سنستقر فيه إلى غير نهاية، ولهذا توجهنا الكنيسة إلى السماء.
والسيد المسيح نفسه كان يوجهنا دائمًا نحو السماء، يريد أن تتعلق عقولنا وقلوبنا بالسماء، ويقول لنا: "لاَ تَكْنِزُوا لَكُمْ كُنُوزًا عَلَى الأَرْضِ... لأَنَّهُ حَيْثُ يَكُونُ كَنْزُكَ هُنَاكَ يَكُونُ قَلْبُكَ أَيْضًا" (مت 6 : 19 -21).
وهذه السماء عندما نصلي نتوجه إليها دائمًا، ونرفع أنظارنا نحو السماء، بل أن الكنيسة تُشيّد على شكل قبة رمزًا للسماء، وأطلق عليها القبة السماوية، وترسم النجوم على سقوف الكثير من الكنائس رمزًا للسماء.. والكنيسة تعتبر سماء، وخيمة الاجتماع كانت رمزًا للسماء وكذلك الهيكل..
إن الله يريدنا أن نفكر دائمًا في السماء لأنه إذا فكرنا في الأرض.. تشبثنا بالأرض وارتبطنا بها، ولكننا إذا فكرنا في السماء ارتبطنا وتعلقنا بها.. وأحببناها.
فأنت إذا فكرت كثيرًا في العالم.. أحببت هذا العالم، وإذا فكرت في السماء.. أحببت السماء.
إن يعقوب أب الآباء عندما ظهرت له الملائكة وعرف أنه في مكان مقدس أخذ الحجر الذي وضعه تحت رأسه ودشنه وقال: "مَا أَرْهَبَ هذَا الْمَكَانَ! مَا هذَا إِلاَّ بَيْتُ اللهِ، وَهذَا بَابُ السَّمَاءِ" (تك 28: 17) لقد شعر يعقوب أن بيت الله باب يوصل إلى السماء.
أنه ليست لنا مدينة باقية ونحن على الأرض، لقد أقر آباءنا أنهم غرباء على الأرض واشتهوا المدينة التي لها أساسات قد صنعها الرب، وبولس الرسول يقول: "لأَنَّنَا نَعْلَمُ أَنَّهُ إِنْ نُقِضَ بَيْتُ خَيْمَتِنَا الأَرْضِيُّ، فَلَنَا فِي السَّمَاوَاتِ بِنَاءٌ مِنَ اللهِ.. أَبَدِيٌّ" (2 كو 5: 1).
إن السماء هي مسكن الملائكة، والكتاب يقول دائمًا: "ملائكة السماء"، وعند موت السيد المسيح كان جند السماء يرتلون.. ويقول الكتاب أيضًا: "لأَنَّ مَلاَكَ الرَّبِّ نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ وَجَاءَ وَدَحْرَجَ الْحَجَرَ عَنِ الْبَابِ" (مت 28: 2) وهكذا فإن السماء مكان الملائكة، وعندما يدعونا الله إلى السماء يدعونا أيضًا إلى عشرة الملائكة ولذلك يتكلم السيد المسيح دائمًا عن ملكوت السماوات، فقد وجد أن الناس مشغولون بالأرض وممالك الأرض واكتساب مُلك على الأرض فقال: "مَمْلَكَتِي لَيْسَتْ مِنْ هذَا الْعَالَمِ" (يو 18: 36).
وبدأ يوجه الناس إلى هذه السماوات، والذي يقرأ عظة الجبل التي هي أكبر دستور للمسيحية يجد عبارة السماوات تتردد كثيرًا، وأول عبارة منها "طُوبَى لِلْمَسَاكِينِ بِالرُّوحِ، لأَنَّ لَهُمْ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ" (مت 5: 3).. ويقول أيضًا: "اِفْرَحُوا وَتَهَلَّلُوا، لأَنَّ أَجْرَكُمْ عَظِيمٌ فِي السَّمَاوَاتِ" (مت 5: 12). "فَصَلُّوا أَنْتُمْ هكَذَا: أَبَانَا الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ" (مت 6: 9).
إن السيد المسيح يوجهنا دائمًا إلى السماء لكي يكون تفكيرنا فيها. إن حياتنا الروحية تضعف عندما يقل تفكيرنا في السماء، ومحبتنا للأرض والماديات تزيد باِزدياد تفكيرنا في الأرض والماديات.
ليكن تفكيركم في الأرض والأرضيات قليلًا. وليزداد تفكيركم في السماء والسماويات لتحبوا الله والسماء التي قيل إنها كرسي الله والأرض موطئ قدميه.
إن الله موجود حقًا في الأرض والسماء، ولكن لكي يثبت تفاهة الأرض وحقارتها فإنه يقول عنها إنها: "مَوْطِئُ قَدَمَيْهِ".. أما السماء فقد قال عنها إنها: كرسي الله وعرش الله لكي يرينا عظمة السماء التي يتجلى فيها المجد الإلهي، ويظهر الله فيها ملكًا مطاعًا مشيئته تنفذ.
إن السماء كما يذكرها الكتاب مصدر للبركة والخير فيقول: "ببركات السماء" (تك 49: 25).. وعندما بارك إسحاق ابنه قال: "فَلْيُعْطِكَ اللهُ مِنْ نَدَى السَّمَاءِ" (تك 27: 28). إن مطر السماء ونور السماء رمز للبركة أيضًا ولذلك شُبَهتْ خيرات الله إنها مطر على الصالحين والطالحين.. الأطهار والأشرار..
لقد زين الله السماء بالنجوم والكواكب والشمس والقمر وجعلها منيرة لكي يحبها الناس.
ولقد شبه المؤمنون بالنجوم في المجد والرفعة وقيل إنهم يضيئون كالكواكب إلى أبد الدهور.. إن الله يريدنا مثل الكواكب وشبه نفسه بالشمس "شَمْسُ الْبِرِّ" (ملا 4: 2) وقال: "اَلسَّمَاوَاتُ تُحَدِّثُ بِمَجْدِ اللهِ، وَالْفَلَكُ يُخْبِرُ بِعَمَلِ يَدَيْهِ" (مز 19: 1)
إن السماء تمثل النور.. والعلو والطهارة.. تمثل مسكن الله. في البدء خلق الله السماء والأرض، وذكر السماء قبل أن يذكر الأرض، وفي الإنسان تشبه الروح بالسماء والجسد يشبه بالأرض. إن فيك شيئًا سماويًا هو الروح. خفيف يصعد إلى فوق لأنه ليس ماديًا ثقيلًا كالأرض.
وفي حياتنا الأخرى سنعطى أجسادًا سماوية غير هذه الأجساد الأرضية لأن بولس يقول: "وَأَجْسَامٌ سَمَاوِيَّةٌ" (1كو 15: 40). ومن الجميل أن تسمى القديسة العذراء مريم "سماء ثانية".
إن السماء ستكون مصيرنا الأبدي، ويحدثنا سفر الرؤيا عن أورشليم السماوية ويصفها بأوصاف جميلة جدًا. "وَالْمَدِينَةُ لاَ تَحْتَاجُ إِلَى الشَّمْسِ وَلاَ إِلَى الْقَمَرِ لِيُضِيئَا فِيهَا، لأَنَّ مَجْدَ اللهِ قَدْ أَنَارَهَا، وَالْخَرُوفُ سِرَاجُهَا" (رؤ 21: 23) ويقول أيضًا: "هُوَذَا مَسْكَنُ اللهِ مَعَ النَّاسِ" (رؤ 21: 3)
وفي صلواتنا نتكلم عن المكان الذي سنذهب إليه بأنه المكان الذي هرب منه الحزن والكآبة.
هذه هي السماء.. علينا أن نتأمل فيها وفي الجند السماوي وفي الشاروبيم والسيرافيم.. علينا أن نتأمل في كل السمائيين والرئاسات والأرباب والعروش والقوات والملائكة ورؤساء الملائكة وأرواح القديسين والكنيسة المنتصرة.
لقد أعطى الله فكرة بسيطة عن السماء للقديس يوحنا الحبيب في سفر الرؤيا.. "بَعْدَ هذَا نَظَرْتُ وَإِذَا بَابٌ مَفْتُوحٌ فِي السَّمَاءِ" (رؤ 4: 1) فتكلم عما رآه. وفي ساعة العماد شاهد مثل حمامة (يو 3: 32).
وساعة استشهاد القديس إسطفانوس رأى مجد الله وقال: "هَا أَنَا أَنْظُرُ السَّمَاوَاتِ مَفْتُوحَةً، وَابْنَ الإِنْسَانِ قَائِمًا عَنْ يَمِينِ اللهِ" (أع 7: 56).
كثيرون شاهدوا أشياء في السماء وتحدثوا عنها، بولس الرسول صعد إلى السماء الثالثة فانعقد لسانه وقال إن هناك: "مَا لَمْ تَرَ عَيْنٌ، وَلَمْ تَسْمَعْ أُذُنٌ، وَلَمْ يَخْطُرْ عَلَى بَالِ إِنْسَانٍ: مَا أَعَدَّهُ اللهُ لِلَّذِينَ يُحِبُّونَهُ" (2كو 2: 9).
إن السماء جمال ومتعة لا يُستطاع وصفها!! إننا نبكي على الموتى الذين يكونون في حالة استعداد، ولو خُيرَّ هؤلاء الموتى أن يعودوا لرفضوا..
إننا نبكي دائمًا على الموتى لأننا لم نحس بجمال السماء بعد.. لإننا لا نفكر في السماء، ولهذا نبكي على الذين يذهبون إلى السماء.
وإذا كنا نقول إنهم قد انتقلوا إلى الأمجاد السماوية فلماذا البكاء عليهم؟!
إن أجمل ما في السماء هو عشرة المسيح نفسه، أن يكون الإنسان معه في كل وقت، ويراه وجهًا لوجه.. إننا نسمع الأغنية التي يرتلها المائة والأربعة والأربعون ألفًا البتوليون.. ونرى كل ما رآه يوحنا في الرؤيا، وأشياء آخرى كثيرة لم يستطع أن يعبر عنها، نرى ما لم تره عين، بل ونسمع ما لم تسمع به أذن.
إن محبتنا الكثيرة للأرض تربطنا بشهوات الأرض، وعدم حديثنا عن السماء يرجع إلى أننا لا نفكر فيها ولا نقرأ عنها.
لقد أراد السيد المسيح أن يربطنا بالسماء ومحبتها وقال: "أَنَا هُوَ الْخُبْزُ الْحَيُّ الَّذِي نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ" (يو6: 51) لكي يرينا أن طعام الحياة لا بد أن ينزل من السماء. وقال: "اِعْمَلُوا لاَ لِلطَّعَامِ الْبَائِدِ، بَلْ لِلطَّعَامِ الْبَاقِي لِلْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ" (يو 6: 27).
لقد تكلم السيد المسيح عن نفسه، على اعتبار أنه الوحيد الذي نزل من السماء، لأنه ليس أحدًا صعد إلى السماء إلا الذي نزل من السماء.
وفي قصة الصعود؛ أن السيد المسيح صعد إلى السماء وأخذته سحابة عن أعين التلاميذ، وبينما كانوا يشخصون إلى السماء وهو منطلق، إذا برجلين قد وقفا بلباس أبيض وقالا: "أَيُّهَا الرِّجَالُ الْجَلِيلِيُّونَ، مَا بَالُكُمْ وَاقِفِينَ تَنْظُرُونَ إِلَى السَّمَاءِ؟ إِنَّ يَسُوعَ هذَا الَّذِي ارْتَفَعَ عَنْكُمْ إِلَى السَّمَاءِ سَيَأْتِي هكَذَا كَمَا رَأَيْتُمُوهُ مُنْطَلِقًا إِلَى السَّمَاءِ" (أع 1: 11).
إن السيد المسيح الذي صعد إلى السماء سيأتي مرة ثانية، يقول الكتاب: "يأتي على سحاب السماء وحوله الملائكة والجند السماوي. وحوله أرواح القديسين، ويأتي بمجد عظيم لكي يأخذنا معه إلى السماء".
هذه الصورة الجميلة.. المسيح صاعد إلى السماء وصورة مجيئه ظلت راسخة في قلوب المسيحيين زمانًا طويلًا.
إن أولاد الله يعيشون روحيًا في شبه السماويات، يعيشون في الرموز التي ذكرها السيد المسيح عن السماويات ولكنهم لم يصلوا إلى حقيقة هذه السماء بعد.
عليكم دائمًا أن تفكروا في هذه السماء.. وعليكم أن تفكروا أكثر في إله السماء الذي قيل عنه أنه أعلى من السماوات.. وأيضًا: "طَأْطَأَ السَّمَاوَاتِ وَنَزَلَ، وَضَبَابٌ تَحْتَ رِجْلَيْهِ وَهَفَّ عَلَى أَجْنِحَةِ الرِّيَاحِ" (مز 18: 9، 10).
وينظر الرسول إلى السماوات ويقول: "سبحي الله تَرَنَّمِي أَيَّتُهَا السَّمَاوَاتُ"! (إش 44: 23).
وعندما عاد التلاميذ فرحين بخضوع الشياطين لهم باسمه قال: "وَلكِنْ لاَ تَفْرَحُوا بِهذَا: أَنَّ الأَرْوَاحَ تَخْضَعُ لَكُمْ، بَلِ افْرَحُوا بِالْحَرِيِّ أَنَّ أَسْمَاءَكُمْ كُتِبَتْ فِي السَّمَاوَاتِ" (لو10: 20).
أريدكم أن تأخذوا التأمل في السماء ولو لفترة أسبوع من حياتكم.. أريدكم أن تفكروا في السماء وتروا إلى ماذا سيوصلنا هذا التأمل والتفكير؟!
إننا سنفرح بالسماء ونتأمل سكانها ومجدها وصفاتها، وفي كل الأمور المتعلقة بالسماء والتي توصل إلى السماء وأوصاف ملكوت السماوات وأوصاف الناس التي تعيش فيها سوف نشعر أن لها وجودًا في حياتنا الخاصة ونعمل على صداقتها.. وسوف نشعر أيضًا أن هذه السماء التي نعيش فيها أجمل من هذه السماوات القائمة.. "ثُمَّ رَأَيْتُ سَمَاءً جَدِيدَةً وَأَرْضًا جَدِيدَةً، لأَنَّ السَّمَاءَ الأُولَى وَالأَرْضَ الأُولَى مَضَتَا" (رؤ 21: 1).
إن البشر ينفقون عشرات الملايين لكي يصلوا إلى نجم من نجوم السماء.. ولنا أن نتصور حال من يعيشون دائمًا في السماء. وليس جزءًا من هذه السماء المادية.
إن أفكارنا ما زالت أرضية ترابية، ولا بد أن يُبذَل جُهد كبير وعمل جبار لإنقاذ أفكارنا من الأرض والأرضيات لتصبح أفكارنا سماوية.
اتركوا الأفكار الأرضية عندما تأتيكم..
أدعوكم ليوم واحد تعيشون فيه في السماويات.. وسترون كيف تصبح أفكاركم ورغباتكم وتأملاتكم وكلماتكم سماوية.. وكشيء جزئي ادرسوا شيئًا عن الملائكة وعلاقة الملائكة بالسماء وبالله، وكذلك علاقتهم بالبشر.. خذوا فكرة عن الناس الذين صعدوا إلى السماء، وفكرة عن عمل الله في السماء، إن الله عندما خلق المخلوقات وليس فقط الملائكة التي لا ترى قال: "حَيَوَانَاتِ الأَرْضِ وَكُلِّ طُيُورِ السَّمَاءِ" (تك 9: 2). وأصبحت طيور السماء ترمز إلى أفكار الناس الروحانية التي تصعد إلى فوق إن الطيور لا تحلق إلى فوق إلا إذا كانت خفيفة..
علينا أن نتجه إلى السماء من القلب فإن الذين أحبوها من القلب ثقلت الأرض عليهم.
وإذا لم نذهب إلى السماء كلية فلنذهب إليها بأفكارنا وتأملاتنا.. ولنأخذ فكرة عنها إن لم ندخل فيها..
علينا على الأقل أن نتأمل السماء من بعيد وأن نحبها وتكون لنا علاقة بملائكة السماء وجند السماء ورب السماء.
[1] مقال لقداسة البابا شنوده الثالث، "نحن والسماء" نُشر في جريدة وطني 4 فبراير 1973م.
نجنا من كل حزن رديء
نجنا من كل حزن رديء[1]
نحن نصلى قائلين: "نجنا من كل حزن رديء ووجع قلب"، لا شك أن الله خلقنا للفرح سواء على الأرض عندما خلق الله الإنسان ووضعه في الجنة، أو في العالم الآخر. إذ وعدنا بالنعيم الأبدي في الآخرة. فالله يريد أن الإنسان يفرح، ولذلك نحن نقول: "نجنا من كل حزن رديء ووجع قلب".
لكن كلمة "من كل حزن رديء" معناها أنه يوجد حزن غير رديء، حزن صالح وجيد، وهكذا سليمان الحكيم يقول: "لِلْبُكَاءِ وَقْتٌ وَلِلضَّحْكِ وَقْتٌ" (جا 3: 4) أي وقت لهذا ووقت لذلك، أي أن هناك حزن مقبول ولازم، وحزن غير مقبول ورديء، الذي نقول عنه أن لكل واحد منهم وقته وأسبابه.
الحزن الصالح:
أول نوع منه أن الإنسان يحزن على خطاياه وعلى نقائصه وعلى ضعفاته، وعلى كل شيء رديء يصدر منه. وبستان الرهبان يشرح لنا قاعدة مشهورة يقول فيها الآباء: "ادخل إلى قلايتك وابكي على خطاياك". فالمفروض إن الإنسان يحزن على خطيته إذا أخطأ مهما كانت الخطية في نظره بسيطة أو كبيرة حتى ولو زلة لسان، حتى ولو جرح شعور أي أحد. بولس الرسول سُرّ جدًا أن خاطئ كورنثوس (1كو5) حزن على خطاياه عندما أخذ عقوبة وبكى على خطيته، لأن الحزن على الخطية يقود إلى التوبة. أما الإنسان إذا أخطأ ولم يحزن على خطاياه سوف يسير في الاستهتار واللامبالاة، لأن الخطية لم تأخذ نصيبها من الندم وتأنيب الضمير والحزن.
نوع آخر من الحزن الصالح: الحزن على خطايا الناس، على خطايا الشعب، على المخدومين، على الآخرين عمومًا، من أمثلة ذلك قصة نحميا الذي حزن على حال الشعب "فَلَمَّا سَمِعْتُ هذَا الْكَلاَمَ جَلَسْتُ وَبَكَيْتُ وَنُحْتُ أَيَّامًا، وَصُمْتُ وَصَلَّيْتُ أَمَامَ إِلهِ السَّمَاءِ" (نح 1: 4)، وعزرا أيضًا عندما سمع أن الشعب تزوج زيجات غريبة غير لائقة حزن جدًا. إرميا النبي في سفره مراثي إرميا؛ حزن كثيرًا وبكى كثيرًا من أجل الوضع العام للشعب.
نوع آخر من الحزن الصالح: مشاركة الناس في أحزانهم، لذلك يقول الكتاب: "فَرَحًا مَعَ الْفَرِحِينَ وَبُكَاءً مَعَ الْبَاكِينَ" (رو 12: 15). أي من المفروض أن تشارك الناس في ضيقاتهم وفي أحزانهم وتصبح تلك فضيلة فالسيد المسيح كما بكت مريم ومرثا هو أيضًا بكى. فضيلة مشاركة الناس في آلامهم.
هناك أيضًا حزن مقدس.. وهو الحزن من أجل ملكوت الله ومن أجل الكنيسة عمومًا، كما حدث أن السيد المسيح بكى على أورشليم وقال لها: "لأَنَّكِ لَمْ تَعْرِفِي زَمَانَ افْتِقَادِكِ" (لو 19: 44)، وأيضًا حَزن وتحنن عندما نظر إلى الجموع فوجدهم منزعجين ومنطرحين كغنم لا راعي لهم.
ومن الحزن المقدس: الشعور بالتخلي، أي أن الإنسان يشعر بأن ربنا تخلى عنه مثلما يقول داود في المزمور: "إِلَى مَتَى يَا رَبُّ تَنْسَانِي كُلَّ النِّسْيَانِ؟ إِلَى مَتَى تَحْجُبُ وَجْهَكَ عَنِّي؟ إِلَى مَتَى أَجْعَلُ هُمُومًا فِي نَفْسِي وَحُزْنًا فِي قَلْبِي كُلَّ يَوْمٍ؟ إِلَى مَتَى يَرْتَفِعُ عَدُوِّي عَلَيَّ؟" (مز 13: 1، 2) شعور الإنسان بالتخلي أو كما يقول داود في مزمور أخر: "لِمَاذَا يقولون أَيْنَ هُوَ الرب إلهك؟!" (مز 79: 10). كل هذه مشاعر مقدسة.
هناك حزن طبيعي مثل بكاء داود على اِبنه أبشالوم، ومثل حزن راحيل لأنه لم يكن لها ولد، وكذلك حنة التي أعطاها الله صموئيل. كل هذا حزن مقدس طاهر أو الحزن الطبيعي.
الحزن الرديء
عبارة "نجنا من كل حزن رديء ووجع قلب"؛ هي عن الحزن الرديء سواء في طوله أو في عمقه أو في أسبابه ومن أمثلته:
حزن الإنسان على أمور عالمية فانية، كفقد مال أو منصب أو غيره. مثال على ذلك، الشاب الغني الذي عندما قال له السيد المسيح: "إِنْ أَرَدْتَ أَنْ تَكُونَ كَامِلاً فَاذْهَبْ وَبعْ أَمْلاَكَكَ وَأَعْطِ الْفُقَرَاءَ"، يقول عنه الكتاب: "مَضَى حَزِينًا، لأَنَّهُ كَانَ ذَا أَمْوَال كَثِيرَةٍ" (مت 19: 21، 22).. لا يريد أن يخسر ماله، الحزن من أجل المال.. حزن رديء!!
الحزن من أجل الأمور الفانية التي في العالم كلها أحزان رديئة، كحزن هامان عندما وجد مردخاي لا يقدم له الاِحترام الذي يريده.. أمور رديئة!! أو أي حزن من أجل الذات الذي يظهر فيه التمسك بالذات، وطلبات وكرامة الذات.. كل هذا حزن رديء.
من أسباب الحزن الرديء: الحزن الذي سببه الحسد. كالحزن على تفوق الآخرين ونجاحهم، فكل الحاسدين حزانى! من أمثلة هؤلاء؛ أخوة يوسف الصديق.. الذين حزنوا لأن الله وهب يوسف أحلامًا تشعرهم بأنه سوف يكون له تفوق وعظمة لديه. وحزنوا عندما أعطاه أبوه قميصًا ملونًا وفضّله عليهم. ولذلك لما أرادوا أن يأخذوا يوسف ويقتلوه ويرموه في البئر، عندما رأوه من بعيد قالوا: "هُوَذَا هذَا صَاحِبُ الأَحْلاَمِ قَادِمٌ" (تك 37: 19). كانوا متضايقين من أحلامه. لذلك في الرهبنة يقولون: "لا تمدح أحدًا بصفة معينة أمام الآخرين لئلا يكون فيهم أحدًا صغير القلب أو النفس فيحزن من مديحك لغيره ولم تمدحه هو".
ومن أنواع الحزن الرديء يأيضا أيضًا: حزن شخص لم يجد فرصة لارتكاب الخطية؛ أي أنه يريد أن يرتكب خطية والظروف لم تساعده فيحزن. ومن أمثلة ذلك آخاب الملك عندما أراد أن يستولى على حقل نابوت اليزرعيلي ولم يستطع ذلك رجع إلى بيته حزينًا لهذا السبب.
الحزن الرديء من جهة الطول والعمق: مثل المبالغة في الحزن وطول مدته. يقول الكتاب: "لاَ تَحْزَنُوا كَالْبَاقِينَ الَّذِينَ لاَ رَجَاءَ لَهُمْ". فمن يحزن بدون رجاء، هذا حزن رديء. حتى في حزن الإنسان على خطاياه؛ الحزن على الخطايا طبيعي ولكن إن فقد الرجاء يصبح هذا الحزن حزن رديء، ويضّيع نفسه، وهذا ما وقع فيه يهوذا الإسخريوطي.
بطرس حزن على إنكاره وبكى بكاءً مُرًا وهذا حزن صالح، ولكن يهوذا حزن وندم وقال: "قَدْ أَخْطَأْتُ إِذْ سَلَّمْتُ دَمًا بَرِيئًا" (مت 27: 4)، لكنه حُزن فاقد الرجاء.. فذهب وشنق نفسه فأصبح حزنه حزن رديء. حزن من ليس له رجاء؛ أو الناس الذين يستمرون في حزنهم فترة طويلة ويرفضون أن يتعزوا - مثل من يلطمون وينوحون ويعددون - بل أن هناك أناس يحُضرون معّددة، كان ذلك في الريف، وهذه بدورها تُوجد حزنًا مصطنعًا وهذا حزن رديء. وهناك من يحزن مثلًا على فراق أمه أو أبيه فيُطلق لحيته، نوع من الحزن الرديء، أي أنه لا يهتم بمظهره الخارجي.
ومن الحزن الرديء أيضًا: الحزن في أيام الفرح وأيام الأعياد والمواسم، فهناك من يحزن بسبب وفاة أحد المنتقلين، وعندما تأتي الأعياد يحرموا الأولاد من الفرح بالعيد حتى ولو كانت قد مضت فترة على انتقال هذا الشخص، وهذا حزن رديء فالحزن أيام الفرح حزن رديء، من أجل ذلك كله نصلي: "نجنا من كل حزن رديء ووجع قلب".
[1] عن عظة "نجنا من كل حزن رديء"، لقداسة البابا شنوده الثالث بتاريخ 30 نوفمبر 2005م.
ما لم تراه عين
ما لم تراه عين[1]
أمجاد الأبدية، أمجاد فوق مستوى العالم الحاضر، وفوق مستوى المادة وفوق مستوى الجسد وفوق مستوى الحواس.
ما لم تراه عين
أول شيء ترى الله نفسه، الله لم تراه عين.. "اَللهُ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ قَطُّ. اَلابْنُ الْوَحِيدُ الَّذِي هُوَ فِي حِضْنِ الآبِ هُوَ خَبَّرَ" (يو1: 18)، فربنا لم يراه أحد، فعندما ترى الله يكون هذا ما لم تراه عين. قديمًا كانوا يقولون: "مَن يرى الله ويعيش؟!" لماذا؟ لأن هذا مستحيل أن أحد يرى الله ويعيش، لأنه يعيش في الجسد، ولكن عندما تلبس جسدًا روحيًا وسماويًا، ويبدأ مستواك يرتفع فوق مستوى المادة، سوف تنظر الله وجهًا لوجه. بولس الرسول يقول: "فَإِنَّنَا نَنْظُرُ الآنَ فِي مِرْآةٍ، فِي لُغْزٍ، لكِنْ حِينَئِذٍ وَجْهًا لِوَجْهٍ" (1 كو 13: 12).
في الأمجاد الأبدية ترى الله؛ لأن الأبدية بدون ربنا ليس لها قيمة والمتعة الحقيقية في الأبدية وهي التمتع بربنا. ولذلك يقول السيد المسيح: "أَنَا أَمْضِي لأُعِدَّ لَكُمْ مَكَانًا، وَإِنْ مَضَيْتُ وَأَعْدَدْتُ لَكُمْ مَكَانًا آتِي أيضًا وَآخُذُكُمْ إِلَيَّ، حَتَّى حَيْثُ أَكُونُ أَنَا تَكُونُونَ أَنْتُمْ أَيْضًا" (يو 14: 2 - 3)
الآن نعيش مع ربنا بالإيمان لكن حينئذ نبتدئ نراه، من أجمل الآيات في هذا الأمر ما قاله أيوب الصديق: "وَبِدُونِ جَسَدِي أَرَى اللهَ" (أي 19: 26).
رؤية الله في العهد القديم كانت في ظهورات، أي يظهر الله في هيئة إنسان أو هيئة ملاك، كما ظهر لإبراهيم أب الآباء، وكما ظهر ليعقوب وصارع مع الرب في هيئة إنسان أو ملاك، لكن لم يراه أحد في لاهوته. رأيناه في تجسده، لكن لم نراه في لاهوته، أي أن لاهوته بدون جسد غير ممكن، لذلك يقول السيد المسيح: "اَلَّذِي رَآنِي فَقَدْ رَأَى الآبَ" أي رأيناه في ابنه.
لا يمكن لأحد أن يرى الله بدون القداسة، بدون نقاوة القلب مستحيل.. لذلك يقول: "الْقَدَاسَةَ الَّتِي بِدُونِهَا لَنْ يَرَى أَحَدٌ الرَّبَّ" (عب 12: 14). أي من أجل أن نعاين الله ونراه بالعيون الروحية.. لا بد من القداسة.
في التطويبات: "طُوبَى لِلأَنْقِيَاءِ الْقَلْبِ، لأَنَّهُمْ يُعَايِنُونَ اللهَ" (مت 5: 8) يعاين أي يرى. إذًا أجمل شيء في الأبدية أن ما لم تراه عين على الأرض ترى الله، وهذا يحتاج قداسة على الأرض، كل إنسان يجب أن يستعد لهذا الأمر.
هذه شهوة، شهوة الإنسان أن يرى الله. "إِنَّ لَحْمًا وَدَمًا لاَ يَقْدِرَانِ أَنْ يَرِثَا مَلَكُوتَ اللهِ، وَلاَ يَرِثُ الْفَسَادُ عَدَمَ الْفَسَادِ" (1كو 15: 50)، نقوم بأجساد سماوية، أجساد روحانية. الأجساد الروحانية لها الحواس الروحانية، أي الحواس التي ترىَ ما لم يُرىَ.
ترى الملائكة
في النعيم الأبدي ترى الملائكة وهم أرواح ليس كما ظهروا وأخذوا صورة إنسان، وتراهم مثلما ظهروا في الميلاد والقيامة وفي العهد القديم.
ترى الملائكة أرواحًا، كيف؟ الروح يمكن أن ترى روحًا، تصبح بأجساد روحانية، تري الشاروبيم والسيرافيم والأرباب والعروش والكراسي والجمع الغير محصى الذي للقوات السمائية، مسألة ليست هينة! رؤية الملائكة بالروح وليس بالجسد بالحواس الروحانية.
ترى القديسين
في الأبدية سترى القديسين الذين لم يكتب عنهم التاريخ، لأنهم كانوا أعظم من التاريخ ولأنهم عاشوا في اِختفاء كامل، حجبوا قداستهم عن الناس حتى لا يراهم الناس. وهذا ما لم تراه عين ولم تسمع بهم أُذن.
ما لم تسمع به أذن
حاليًا كل واحد يتكلم بلغة، وهناك عشرات ومئات اللغات على الأرض. مجرد اللغات المحلية في إفريقيا قد تجد لكل قبيلة لغة، ففي الحبشة أكثر من لغة. لكن في السماء ستكون هناك لغة واحدة يتكلم بها الكل ولا تحتاج إلى ترجمة.
الكل يتكلم لغة واحدة، هذه اللغة الواحدة قد تكون لغة الروح، لغة واحدة بحيث الكل يسمع ما لم تسمع به الأذن، والأرواح تتفاهم معًا كيف؟! هذه مسألة تدخل تحت ما لم يخطر على قلب بشر.
[1] عن عظة لقداسة البابا شنوده الثالث، بتاريخ 11 نوفمبر 1992م.
الحياة الأبدية
الحياة الأبدية [1]
لا نستطيع أن نعطي وصف دقيق للحياة الأبدية وكل معلوماتنا عنها ما ذكره الله لنا، هناك أشياء كثيرة عن الحياة الأبدية موجودة في سفر الرؤيا، وأشياء ثانية موجودة في رسائل بولس الرسول، وفي كلام السيد المسيح للتلاميذ.
أول شيء في الحياة الأبدية إنها حياة روحية خالصة، بمعنى سوف لا تقوم الأجساد بطريقة مادية وإنما سنقوم بأجساد روحانية نورانية لا تأكل ولا تشرب ولا تجوع ولا تعطش، ولا تتعب ولا تنام ولا تمرض ولا تنحني أجساد روحانية، هذه الأجساد الروحانية تتغذى بالروحيات، وبالطبع أنتم لم تجربوا الحياة الروحانية الخالصة التي بلا جسد مادي، لذلك فالحياة الأبدية لم تسمع بها أذن ولم تراها عين ولم تخطر على قلب بشر، لأنه لا يوجد إنسان يقدر أن يعرف شيء مثل هذا.
الأمر الثاني في الحياة الأبدية إنها حياة عبارة عن عشرة مع الملائكة ومع القديسين ومع الله نفسه، أتذكر ذات مرة كنت كتبت مقالة صغيرة عنوانها (حفلة التعارف الكبرى) قلت فيها: "حفلة التعارف الكبرى يا رب هذه التي ستعقدها لنا في الأبدية، ملايين السنين لا تكفيها".
تصور عندما تكون في السماء ويبدأ ربنا يعرفك بالأنبياء وبالقديسين وبالرسل وبالشهداء، وبأبطال الإيمان وبمن كتبوا الكتاب المقدس، وبالآباء الرهبان والسواح والقديسين، وأثناء تعرفك على كل هؤلاء يقول لك: "هذا إيليا وهذا إرميا، وهذا حزقيال وهذا إشعياء" وأنت تظل تتعرف عليهم. فَكر في أي فترة ستفعل هذا التعارف؟ وكل أحد، ستقابله بكلمة لطيفة، فيقول لك: "هذا إشعياء".. أهلًا بك يا أبي إني سمعت عنك، أنت يا من وصفت لنا آلام المسيح في (إش 53)، ووصفت لنا التجسد وقلت: "هَا الْعَذْرَاءُ تَحْبَلُ وَتَلِدُ ابْنًا وَتَدْعُو اسْمَهُ عِمَّانُوئِيلَ" (إش 7: 14)، لقد عرفنا كل أخبار السيد المسيح من عندك... وتظل فرحان به مدة طويلة.
ثم يقول لك: "وهذا إيليا" وترى إيليا؛ الذي ظهر على جبل التجلي مع السيد المسيح، وإيليا الذي أغلق وفتح السماء، وإيليا الذي أقام ابن الأرملة. وتظل فرحًا بكل هؤلاء. وبعد ذلك يعرفك ربنا بالملائكة، وبرؤساء الملائكة ميخائيل وغبريال وروفائيل وسوريال ويعرفك بالشاروبيم والكاروبيم والسيرافيم ويعرفك بالأرباب والعروش وبالجمع غير المحصى الذي للقوات السمائية.
تصور لو أخذت ساعة لتتعرف على كل أحد.. فكم تكون المدة؟ ويعّرفك بالأنبا أنطونيوس والأنبا بولا ومارجرجس والست دميانة، ويعرفك بالآباء البطاركة والآباء الأساقفة، وكل الناس الذين لم تراهم مثل الأنبا أبرام أسقف الفيوم وتدخل في حوار معهم!!
مجرد العشرة مع القديسين لها لذتها، هذ مجرد حفلة تعارف. أما كون أننا سنعرف الله ذاته، هذا الذي ما لم تر عين ولم تسمع به أذن ولا خطر على قلب بشر، كيف تعرف الله، من يرى الله؟
حقًا "اَللهُ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ قَطُّ.. اَلابْنُ الْوَحِيدُ الَّذِي هُوَ فِي حِضْنِ الآبِ هُوَ خَبَّرَ" (يو 1: 18).. لكن الله لم يره أحد.
«كيف تبدأ تعرف أمور عن الله وتتلذذ به، وكلما عرفت قليلًا.. يفتح الله قلبك لكي تعرف أكثر، ويفتح ذهنك أيضًا لأجل أن تعرفه أكثر. وأنت لا تستطيع أن تحتمل لأن الله غير محدود وأنت معرفتك محدودة، وقلبك محدود وعقلك محدود، فتقول له: "يا رب إني لست بفاهم هذا!" فيبدأ ربنا يوسع قلبك ويوسع في فكرك، ويعلن لك مزيدًا من ذاته، فتفرح بهذا وبعد ذلك يعلن لك أكثر فأكثر!!».
وفي كل مرة تعرف عن الله تزداد سعادة، لكن هل تستطيع أن تعرف كل شيء.. لا يمكن. لأن الله غير محدود وأنت محدود، يمكن أن تعرف وأن تنمو معرفتك بالله كل يوم، إلى متى؟ يقول الكتاب: "وَهذِهِ هِيَ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّة أَنْ يَعْرِفُوكَ أَنْتَ الإِلهَ الْحَقِيقِيَّ وَحْدَكَ" (يو 17: 3)، كيف تذق الله؟ هذه مسألة مهمة في الأبدية، وكيف تتمتع به؟ كيف تعيش في هذا الحب الكلي، كيف تتمتع بهذه القداسة الكلية التي للقديسين؟!
الحياة الأبدية هي المتعة بالله نفسه، والمتعة بالملائكة وبالقديسين. وفي الأبدية لا توجد خطية، سنكّلل بالبر، أي أنه لا يكون هناك مجال أن يخطئ الإنسان، هنا ما نزال في حرية الإرادة، إرادتك ربما تميل للخير أو تميل للشر، لكن في الأبدية تنال إكليل البر أي تأخذ طبيعة غير قابلة للشر، طبيعة لا تُخطئ.
نحن هنا نعيش في ثنائية متعبة.. ما هي الثنائية المتعبة؟ الخير والشر والحلال والحرام والرديء والجيد، والنجس والطاهر، لكن في الأبدية سنتقيأ ثمرة معرفة الخير والشر التي أكلناها منذ زمان في جنة عدن، ولا نعرف إلا الخير فقط، حتى معرفة الشر ستزول من أذهاننا، يبدأ الله يمحو من أذهاننا معرفة الشر، فلا نعرف إلا الخير فقط، لا نعرف إلا القداسة فقط، ننسى الشر وننسى الأشرار أيضًا.
ولذلك لن يحزن أحد على أحد من أقرباءه الذين يكونوا قد ذهبوا لجهنم، لأنه ليس كل أقرباءك سيدخلون ملكوت السماوات، لا بد أن يكون فيهم أشرار وأبرار... ولو كل واحد أقاربه دخلوا ملكوت السماوات لم يبقى أشرار في هذه الحياة الدنيا، سوف تنساهم كلهم ولا تعود تذكرهم، ولا تعود تحزن من الأمور التي كانت وذهبت، ولا يبقى في ذهنك إلا الله وإلا الخير، وإلا أحباء الله.
أورشليم السمائية قيل عنها: "أنها مَسْكَنُ اللهِ مَعَ النَّاسِ" (رؤ 21: 3). سوف لا نحتاج إلى شمس بالنهار ولا إلى قمر بالليل، لأنه سوف لا يكون ليل هناك، وسينيرها الله نفسه.
عجيبة الحياة في الأبدية، من أجل جمالها كان الناس يفضلوا أن يموتوا لأجل أن يعيشوا هناك، ولذا قال بولس الرسول: "لِيَ اشْتِهَاءٌ أَنْ أَنْطَلِقَ وَأَكُونَ مَعَ الْمَسِيحِ، ذَاكَ أَفْضَلُ جِدًّا" (في 1: 27)، سوف لا نعيش في الجسد ولا في المادة ولا في هذا العالم الفاني، وسوف لا تكون هناك حروب شياطين ولا حروب أفكار ولا حروب حواس ولا حروب مشاعر، يعيش الإنسان حر طليق غير مقيد بالجسد والحواس.
يكفي أن المسيح عندما تكلم عن شيء من الأبدية قال: "يَكُونُونَ كَمَلاَئِكَةِ اللهِ فِي السَّمَاءِ" (مت 22: 30)، بمعنى أن تتحول إلى شبه ملاك، تكون كملائكة الله في السماء، وكيف يحيا الملائكة في السماء؟ لا أعرف، لكن بالطبع في قمة السعادة التي يمكنك أنت تصورها.
إذًا لا بد أن تتذوق وأنت على الأرض حلاوة السماء، لكي تكون سعيد بها عندما تذهب إلى هناك، لأنه من لم يجرب حلاوة السماء هنا، كيف سيفرح بها هناك؟ ومن لم يعيش حلاوة العشرة مع ربنا على الأرض كيف سيسعد بالعشرة معه في السماء؟ لا بد أن تجرب العشرة مع الله وأن تصادقه وتصادق الملائكة والقديسين لكي تقدر أن تفرح به. وكلما أحببت الله، كل ما فرحت به أكثر. حقًا سيفرح جميع الناس في السماء ولكن واحد سيزداد عن آخر فيقول: "نَجْمًا يَمْتَازُ عَنْ نَجْمٍ فِي الْمَجْدِ" (1كو 15: 41)، وكيف يكون هذا الاِزدياد؟ يكون بمقدار الحب الذي في قلبك نحو الله.
مثال.. لنفرض أن هناك شخص سافر لأوروبا أو أمريكا، وعاد، وجاء إليه أصدقاؤه وأقاربه وأحباؤه لمقابلته، فبمقدار محبة كل أحد منهم سيكون فرح به، أحدهم يقابله ويقول له: "أهلًا وسهلًا كيف حالك يا فلان؟ اشتقت إليك"، وآخر يقول له: "أهلًا وسهلًا"، وآخر يأخذه بالأحضان، وآخر غير قادر أن يتركه. وآخر يظل ينظر إليه وهو فرَح... فكل أحد على مقدار الحب الذي في قلبه سيفرح به.
كذلك أنت على حسب الحب الذي في قلبك نحو الله تكون سعيد به في الأبدية، أما إذا لم تكن تحب الله نهائيًا تكون مثل ما يقول الكتاب: "مُخِيفٌ هُوَ الْوُقُوعُ فِي يَدَيِ اللهِ الْحَيِّ!" (عب 10: 31)، بمعنى أن من لا يحبون الله عندما يروه سيكونوا خائفين منه، لكن الذين يحبونه سيكونوا فرحين به. نمي محبتك لله على الأرض لكي تقدر أن تفرح به في السماء.
[1] عن عظة "بناء الملكوت" لقداسة البابا شنوده الثالث 18 أكتوبر 1977م.
رسالتك في الحياة
رسالتك في الحياة[1]
ما هي رسالتك؟ وهل لها عمق وأهمية؟ ما مدى إتساع رسالتك؟ وما عنصر الروح فيها؟ ما الذي حققته حتى الآن؟ وما الذي تريد تحقيقه؟
جميل بالإنسان أن يجلس إلى نفسه، ويفحص أين هو وإلى أين يسير؟ غير أن البعض في جلستهم مع أنفسهم، يناقشون جزئيات ضئيلة، دون أن يلقوا نظرة شاملة على حياتهم ككل، ليسأل الشخص نفسه عن رسالته في الحياة: ما هي؟ وماذا حققه منها؟
- هل لك رسالة؟
هل تشعر أن لك رسالة في الحياة، تعيش من أجلها، وبسبب هذه الرسالة أصبحت لحياتك قيمة بالنسبة إليك وبالنسبة للناس، وأصبح لحياتك طعم؟!
أم حياتك تمر بأسلوب روتيني؟ يوم يسلمك ليوم.. وأنت تعيش كل يوم كوحدة منفصلة عن الحياة كلها، المهم أن يمر بخير وينتهي...!
وهل يشعر الناس بحياتك وأثرها؟
هل رسالتك في الحياة واضحة وملموسة، ويحس الناس بفاعليتها؟ بحيث إذا غبت يومًا، يشعرون بأنك قد تركت فراغًا لا يمكن أن يملأه سواك؟
هل يشعر الناس أن لك حياة لازمة جدًا لحياتهم...؟
وأنك تؤدي رسالة من نحوهم، وأنك تدخل في حياتهم أرادوا أو لم يريدوا، شاءوا أو لم يشاءوا، لتعمل عملًا نافعًا لهم، أو مفرحًا لهم يفتقدونه إذا لم يوجد ويحنون إليه وإليك إذا غبت...؟ بحيث أصبحت جزءًا منهم، لا يمكنهم أن يستغنوا عنك...؟
وهنا نسأل..
2- هل رسالتك في الحياة قاصرة على نفسك؟ أم تشمل غيرك؟
كثير من الناس ليس لهم هم سوى أن يعيشوا، وأن يتمتعوا، وأن يحققوا أغراضًا في حياتهم، وأهدافًا ثابتة تعطيهم مكانة خاصة، أو توصلهم إلى رغبات معينة في قلوبهم.
فإن وصلوا إلى هذا شعروا بالرضى عن النفس، وبالسعادة، والاِكتفاء، ولم يعد يعوزهم شيء.. أما الآخرون وباقي الناس، فليسوا موضع اهتمام!!
أما أصحاب النفوس الكبيرة، فإنهم يشعرون بأن لهم رسالة نحو الغير. وهم لا يعيشون لأنفسهم، بل لغيرهم. وكلما أسعدوا الناس، حققوا رسالتهم
أي أن رسالتهم هي إسعاد غيرهم، وهم في سبيل ذلك مستعدون أن يبذلوا أنفسهم. لذلك فهم دائمًا يتعبون كل التعب، لكي يستريح كل من يحيط بهم. وهم دائموا التفكير، لا في شئونهم الخاصة، وإنما في خير الناس وتدبير أمورهم.. وهذه هي رسالتهم في الحياة.
والرسالة نحو الآخرين تختلف من جهة العدد، ومن جهة النوع، وأيضًا من جهة المدى الزمني.
هناك شخص كل رسالته نحو الآخرين، لا تتعدى حدود أسرته القريبة جدًا، كالزوجة والأولاد، أو الأب والأم والأخوة.. وربما تتسع لأعضاء أبعد في نطاق موسع للأسرة.
وشخص آخر، رسالته موجهة إلى بلدته، أو مجتمعه المحلي، أو الهيئة التي ينتسب إليها، كجمعية أو نقابة. وقد تمتد رسالة الإنسان فتشمل وطنه كله. وقد تمتد أكثر فتشمل البشرية جمعاء. مثال ذلك العلماء الذين يعملون لخير الإنسانية كلها ولراحتها ونفعها.
أما من جهة النوعية، فنسأل:
3- ما هو نوع رسالتك؟ اجتماعية مثلًا، أو ثقافية، أو هي رسالة روحية؟
بعض الأباء والأمهات يظنون أن رسالتهم تجاه أبنائهم تكمل إذا ما اعتنوا بصحتهم، واهتموا بلوازمهم المادية، وأكملوا لهم تعليمهم، واطمئنوا على زواجهم واستقرارهم في بيوت.
وربما تتسع رسالة أب نحو أولاده فيورثهم شيئًا ينالونه بعد وفاته!
أما حياة هؤلاء الأبناء الروحية، ومدى صلتهم بالله.. وأما مصيرهم في الأبدية، فأمر قد لا يعطيه الآباء والأمهات ما يستحقه من أهمية وتركيز! والأكثر من هذا قد تكون حياة الوالدين معثرة لأبنائهما وسببًا في بعدهم عن الله!
وكما نقول هذا في الرسالة نحو الأبناء، نقوله في الرسالة الاجتماعية أيضًا..
فكثير من المشتغلين بالخدمة الاجتماعية، يشعرون أن كل رسالتهم تتركز في منح المعونة المالية للفقراء.. وربما هذه المعونة المادية تقود الفقراء إلى ألوان متعددة من الكذب والاِحتيال واختلاق الأسباب التي يحصلون بها على المال، بخداع المشرفين الاجتماعيين بعلل مزيفة!
ومع التعب في هذه الخدمة في رعاية الفقراء ماديًا، قد تهلك أرواحهم، وتذهب إلى الجحيم!
4- لذلك نرى أن أنبل الرسالات هي الرسالة الروحية، الرسالة التي تهدف إلى خلاص النفس، وإلى سعادتها في الأبدية.
والتي وسيلتها قيادة الناس إلى التوبة، وإلى نقاوة القلب ومحبة الله. وفي كل ذلك تقديم كل أنواع المحبة العملية السامية إلى كل من يحتاجها. وما أجمل ما قيل عن السيد المسيح في ذلك: "يَشْفِي كُلَّ مَرَضٍ وَكُلَّ ضَعْفٍ فِي الشَّعْب" (مت 4: 23). كان يهتم بكل أحد، روحًا وجسدًا "كان يطوف المدن والقرى، يكرز ببشارة الملكوت، ويشفي كل مرض وكل ضعف في الشعب".. كان قلبًا محبًا للجميع، وقد ظهرت محبته في قوله: "تَعَالَوْا إِلَيَّ يَا جَمِيعَ الْمُتْعَبِينَ وَالثَّقِيلِي الأَحْمَالِ، وَأَنَا أُرِيحُكُمْ" (مت 11: 28).
فمع العمل الروحي، يوجد ال اهتمام بمشاكل الناس والعمل على حلها. وإراحة كل أحد بطريقة سليمة، وتقديم عمل المحبة للجميع، في كل من النواحي الروحية والمادية أيضًا..
لأنه لا تستطيع أن تعظ جوعانًا، وتتركه جوعانًا، بل كما قال الرب: "كَانَ يَنْبَغِي أَنْ تَعْمَلُوا هذِهِ وَلاَ تَتْرُكُوا تِلْكَ" (مت 23: 23).
وهكذا تُمشي العمل الروحي مع العمل الاجتماعي جنبًا إلى جنب..
السيد المسيح وعظ الجموع حتى مال النهار. ثم قال: "وَلَسْتُ أُرِيدُ أَنْ أَصْرِفَهُمْ صَائِمِينَ لِئَلاَّ يُخَوِّرُوا فِي الطَّرِيقِ" (مت 15: 32).. وأمر تلاميذه أن يعطوهم ليأكلوا.
فهل رسالتك في الحياة تشمل الأمرين معًا: العمل الروحي، والعمل الاجتماعي! وهل تعمل على خلاص النفس، وفي ذات الوقت تحل مشاكل الناس وتريحهم في متاعبهم؟
5- وهل رسالتك لها ثمر؟
هل كلمة الرب على لسانك "قوية وفعالة ومثل سيف ذي حدين"؟ وهل الكلمة التي تقولها فيها روح؟! لأنك تقولها وأنت مملوء بالروح، وقد مزجت كلمتك بالصلاة.
هل لك في الخدمة ثمر، وقد أوصلت كثير إلى معرفة الله؟ وتستطيع أن تقول في الملكوت: "هَا أَنَا وَالأَوْلاَدُ الَّذِينَ أَعْطَانِيهِمِ اللهُ"؟ وهل كل من يراك؟ يحب الله بسببك، وتؤثر فيه حياتك، وتجذبه جذبًا نحو الله بما فيها من كمال؟
وهل خدمتك تنمو باستمرار؟
وهل طاوعت في ذلك قول الرسول: "لاَحِظْ نَفْسَكَ وَالتَّعْلِيمَ وَدَاوِمْ عَلَى ذلِكَ، لأَنَّكَ إِذَا فَعَلْتَ هذَا، تُخَلِّصُ نَفْسَكَ وَالَّذِينَ يَسْمَعُونَكَ أَيْضًا" (1تي 4: 16).
ما أعمق حياة أولئك القديسين الذين كانت لهم رسالة روحية مثمرة. وما أجمل قول الرسول في ذلك: "فَلْيَعْلَمْ أَنَّ مَنْ رَدَّ خَاطِئًا عَنْ ضَلاَلِ طَرِيقِهِ، يُخَلِّصُ نَفْسًا مِنَ الْمَوْتِ، وَيَسْتُرُ كَثْرَةً مِنَ الْخَطَايَا" (يع 5 :20)
فهل أنت تعمل في هذا النطاق، حسبما أعطاك الله من نعمة، وحسبما استأمنك من وكالة؟ ولو في نطاق ضيق، حسب وزنتك.. ولو بمجرد القدوة الصالحة، دون كلام.. إن كان الله لم يعطيك موهبة الكلام.
كثيرون كانت رسالتهم في الحياة، أنهم كانوا أيقونات جميلة في الكنيسة..
كانوا صورة حية مقروءة من جميع الناس. قدموا بحياتهم صورة الله لكل من التقى بهم..
كانوا مثلًا عمليًا صالحًا، لحياة البر، وحياة الإيمان، ومحبة الله.. كانوا عظة، ولم يكونوا وعّاظًا، "وَأَمَّا مَنْ عَمِلَ وَعَلَّمَ، فَهذَا يُدْعَى عَظِيمًا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ " (مت 5: 19)
هذه هي الرسالة العظيمة حقًا: أن تكون صورة الله ومثاله وأن تشهد لله حسبما تقدر.
ولا تدخل ملكوت السماوات وحدك، بل يدخل معك أيضًا كل من أحب الله عن طريقك.. وهكذا يكون لك ثمرة.
وتكون كَبَنَّاءٍ حكيمًا في ملكوت الله. إن كلمة الرب تخيفنا، حينما يقول: "وَمَنْ لاَ يَجْمَعُ مَعِي فَهُوَ يُفَرِّقُ" (مت 12: 30).
فهل أنت تجمع مع الرب؟ متبعًا قول بولس وسيلا: "نَحْنُ عَامِلاَنِ مَعَ اللهِ" (1كو 3: 9).
إن كثيرًا من الأعمال التي يقوم بها الناس، ستنتهي بعد حين.. وهي ملتصقة بهذا العالم وحده، لا تتخطاه إلى السماء، وستُبطل في الأبدية.
أما العمل الروحي، فهو باق، وهو ممتد من هنا إلى الأبدية.
الذي يختاره، قد اختار النصيب الصالح الذي لن ينزع منه..
فهل أعمالك أنت أرضية أم سمائية وهل رسالتك في الحياة تقتصر على هذه الأرض وحدها أم هي تمتد إلى السماء.
وهناك سؤال آخر..
6- هل رسالتك قاصرة على عمرك هنا على الأرض؟
ما أكثر الذين تنتهي رسالتهم في الحياة، على المدى الزمني لعمرهم هنا على الأرض لا تتعداه..
فإن ماتوا، ماتت معهم كل أعمالهم وربما ينساها الناس بعد حين.. أو يذكرونها قليلًا ثم تنتهي.
أما أصحاب الأرواح الكبيرة فرسالتهم تمتد بعد هذا العمر الأرضي.
فقانون الإيمان الذي وضعه القديس أثناسيوس، ما زلنا نعيش به حتى الآن. والرهبنة التي أنشأها القديس أنطونيوس، ما زالت قائمة وحية حتى الآن، بل قد نمت وانتشرت.
والكتب التي وضعها آباء الكنيسة القديسون، وما زال العالم يستقي من نبع روحياتها وعلمها حتى الآن، وسيظل يستقي منها في مستقبل الزمان.
حياة هؤلاء ممتدة بعد جيلهم، أفكارهم وأعمالهم لا تزال قائمة فهل رسالتك في الحياة من هذا النوع؟ هل لها العمق والمدى الزمني؟
إن الإنسان يبقى في رسالته أكثر مما يبقى في أولاده ونسله.
ورسالته تعطي صورة حقيقية عنه، أكثر دقة بما لا يقاس من الصورة التي يقدمها عنه أولاده.
ليتك تجلس إلى نفسك الآن، وتفكر ما هي رسالتك في الحياة؟
وإن لم تكن لك رسالة تكون حياتك ضائعة وبلا قيمة...
فاجعل حياتك ذات قيمة، بأن تؤدي عملًا له قيمته، وله دوامه، ويصحبك في الأبدية..
[1] مقال "هل لك رسالة في الحياة" لقداسة البابا شنوده الثالث، نُشر في جريدة وطني 28 ديسمبر1980م.
كيف ستقف أمام الديان العادل؟
كيف ستقف أمام الديان العادل؟ [1]
كيف ستقف أمام الديان العادل يوم تفتح الأسفار (أي تُفتح الكتب) وتكشف الأعمال وتُفحص الأفكار، أي في يوم الدينونة، تجد كل الأفكار التي بداخلك أُعلنت أمام الكل. وكل ما في قلبك أُعلن أمام الكل، وكل ما عملته في الخفاء أُعلن أمام الكل، وبعد؟! وتقف أمام الكل عريانًا ومكشوفًا، لا يوجد شيء مختبئ.. شيء صعب!!
في الأبدية تُكشف كل الأفكار وكل المشاعر وكل الأعمال وكلها تكون واضحة أمام الكل، أمام الصديق الذي يحبك ويقول: "إني كنتُ مخدوع فيك ولم أعرفك على حقيقتك". وأمام العدو الذي يَشمّتْ فيك، كل عمل تعمله، خيرًا كان أم شرًا مكتوب في سفر أمام الله. كل فكر تفكر فيه خيرًا كان أم شرًا مكتوب في سفر أمام الله، فهو عادل.
كل نياتك مكتوبة، كل أعمالك مكتوبة يقول: "أَنَا عَارِفٌ أَعْمَالَكَ" (رؤ 2: 2).. ثم ماذا بعد؟ لا يوجد غير طريق واحد للخلاص من كل هذه الأعمال والأفكار والنيات. ما هو هذا الطريق؟ ... هو التوبة.
لذلك نقول في قطع صلاة النوم: "لكن توبي يا نفسي ما دمتِ في الأرض ساكنة". التوبة تَغفر الخطايا لأن.. بالتوبة والاعتراف تتحول الخطية من حسابك إلى حساب المسيح، وتبقى بلا خطية.. فتوبي يا نفسي!
جيد الإنسان الذي يقول: "توبي يا نفسي"، فهناك أناس أصحابه وأقاربه يقولون له: تب، والوعّاظ يقولون: توبوا، آباء الاعتراف يقولون لهم: توبوا. وهناك أناس الحوادث التي تحدث كل يوم تقول لهم: توبوا. لكن جيد الإنسان الذي يبّكت نفسه ويقول: "توبي يا نفسي ما دمتِ في الأرض ساكنة". صحيح أن التوبة تؤدي إلى غفران الخطية إذا ما أعترف بها الإنسان نادمًا ونال التحليل والمغفرة، ولكن القلب الحساس حتى إذا تاب يبكي على خطيته.
داود النبي بكى على خطيته بعد أن غفرت وليس قبل ذلك، قبلها لم يكن يشعر بالخطية، لكن عندما جاء إليه ناثان النبي وعرفه بعمقها، واعترف وقال: "قَدْ أَخْطَأْتُ إِلَى الرَّبِّ"، فقال له: "الرَّبُّ أَيْضًا قَدْ نَقَلَ عَنْكَ خَطِيَّتَكَ. لاَ تَمُوتُ"(2صم 12: 13)، أي نقلها من حسابك لحساب المسيح، وكلمة لا تموت؛ تعني المغفرة.
جلس يبكي ويبلل فراشه بدموعه بعد أن غفرت، كيف أجرح قلب الله المحب؟ كيف أخون الله الذي أحسن إليَّ طوال العمر؟
كيف أدنس القلب الذي غُسل في المعمودية وطهره المسيح بدمه؟
كيف أسقط من هذا البرج العالي الذي عشت فيه؟
كيف وأنا ابن لله أحيا كأولاد العالم وكدنس الأرض كلها؟
كيف أُغضب قلب الله وكيف أحزن الروح القدس الساكن فيَّ؟
كيف أتدنس وأتنجس كيف؟!
حقًا غفرت، ولكن كيف أنا أعمل ذلك؟ داود بلّل فراشه بدموعه بعد أن غفرت خطيته.
توبي يا نفسي ما دمت في الأرض ساكنة، لأن التراب في القبر لا يسبح، وليس في الموت من يذكر ولا في الجحيم من يشكر.
الآن عندك فرصة، إن وصلت للجحيم لا توجد فرصة. بعد الموت لا توجد فرصة، بعد الموت يقول الكتاب: "وَأُغْلِقَ الْبَابُ" (مت 25: 10) والجاهلات وقفن خارجًا، ضاعت الفرصة.
كل سكان الجحيم يتمنون دقيقة واحدة من عمرنا هذا يقدمون فيها توبة ولا يجدون.. دقيقة واحدة فقط لا يجدونها!
وأنت لديك عمر أعطاه لك الله لتقدم فيه توبة فلا تتهاون. لا تقل التوبة ساعة الموت، عندما تقول: "التوبة ساعة الموت" كأنك تقول: "أنا يا رب سأظل خائنًا حتى الموت، وسأظل كارهًا لك حتى الموت، وسأظل أعصاك وأتحداك حتى الموت. وسأظل بعيدًا عنك حتى الموت، أنا شاب صغير، لابد أن أعصاك وأتحداك".
هذا الكلام لا ينفع، هل أنت تحب الله أم لا؟
لنفرض أنك ستعيش مائة عام، هل تخون ربنا من الآن، تتحدى ربنا الآن، تحزن الروح القدس الآن؟!
هوذا أنا عتيد أن أقف أمام الديان العادل، كل شيء بحسابه. العدل يقتضي أن يُحاسب الإنسان على كل شيء، البر محسوب، والخطأ محسوب، الفكر محسوب، والمشاعر محسوبة، والنيات محسوبة والعمل محسوب، والتعب من أجل الله محسوب، والبذل من أجل الله محسوب، كل شيء له حسابه.
هل تقف أمام الديان العادل تقول: "أنا خطيئتي حملها المسيح وطالما حملها المسيح أعيش في فرح.. ولا يهمني دينونة! "لاَ شَيْءَ مِنَ الدَّيْنُونَةِ الآنَ عَلَى الَّذِينَ هُمْ فِي الْمَسِيحِ يَسُوع" (رو 8: 1). ويقصد بهذا الكلام؛ أن السيد المسيح حمل الخطايا التي قُدمت عنها توبة صحيح دمه كافي لخطايا العالم كله، ولكنه حمل الخطايا التي قُدمت عنها توبة. وأعطى مغفرة للخطايا التي قدمت عنها توبة فقط وأما الخطايا التي لم تقدم عنها توبة، فلا علاقة لها بدم المسيح.. لأن السيد المسيح يقول: "إِنْ لَمْ تَتُوبُوا فَجَمِيعُكُمْ كَذلِكَ تَهْلِكُونَ" (لو 13: 3).
فتوبي يا نفسي ما دمتِ في الأرض ساكنة.
[1] عن عظة لقداسة البابا شنوده الثالث "أمام الديان العادل"، بتاريخ 29 سبتمبر1978م.
كنوز في السماء
كنوز في السماء[1]
كل ما في السماء كنوز، لا تخطر على قلب بشر. وكلها قد أعدَّها الله للأبرار، مكافأةً لهم على ثباتهم في الفضيلة، وعلى جهادهم الروحي وانتصاراتهم على كل إغراءات الشيطان وحيله، هو وكل أعوانه.
ولكنني في هذا المقال لست أقصد الكنوز التي أعدَّها الله تبارك اسمه، إنما أقصد ما يكنزه الإنسان لنفسه في السماء، بأنواع وطُرق شتَّى سوف نتحدَّث عنها.. وسعيد هو الإنسان الذي لا يركز كل اهتماماته وجهده على كنوز يكنزها ههنا في الأرض، كأموال في البنوك، أو عقارات وأبنية، أو أرض يمتلكها، أو مصانع وشركات، أو ما شاكل ذلك من المقتنيات الأرضية.. إنما يكون له نصيب أيضًا فيما يجب أن يقتنيه في السماء وما يكنزه هناك. فلماذا يكون هذا؟ وكيف؟
اكنز لك كنوزًا في السماء، لأن كل ما في الأرض هو فانٍ لا يدوم. وكل ما تقتنيه فيها، لن تأخذه معك يوم تترك هذه الأرض مهما طال عمرك. لذلك عليك أن تضع أمامك ميزانًا يُفرِّق بين الفانيات والباقيات: ما تأخذه معك، وما تتركه لغيرك، أردت أو لم ترد.
قد يقول البعض: "أنا إن تركت العالم.. فكل ما أقتنيه سأتركه لأولادي وأفراد عائلتي. وهكذا لن يضيع مني شيء". وطبعًا هذا أمر مقبول لا يُعارضه أحد، فأنت مسئول عن أولادك مسئولية اجتماعية أمام الله والناس. ولكن هذا لا يمنع من أن تُقدِّم جزءًا من أموالك للغير. والحكمة تقول لنا جميعًا: "أَنْ تَعْمَلُوا هذِهِ وَلاَ تَتْرُكُوا تِلْكَ" (مت 23: 23).
ومحبة كل إنسان للخير ينبغي أنها لا تقتصر على أولاده، بل تكون شاملة. لأنه قد يكون الغير محتاجًا إلى المعونة أكثر من أولادك.. كما أنك لا تضمن أولادك؛ هل يحسنون التَّصرُّف في مالك أم يسيئون؟ فإن كانوا حكماء وميَّالين إلى عمل الخير، سوف تنال نصيبًا في السماء من أجرهم.
وإن كانوا عكس ذلك، وضيَّعوا المال بعيش مُسرف أو في ما لا يليق، تكون قد خسرت كل شيء. وعلى كل حال، فالأمر المضمون، هو أن تفعل خيرًا للآخرين في حياتك مباشرةً.
كذلك ينبغي أن تعرف أن كل المال الذي لك، وكل الخيرات التي منحك الله إيَّاها، أنت مُجرَّد وكيل عليها لكي تستخدمها في الخير. وسوف تقدم عنها حسابًا أمام الله الذي سيقول لك هنا وفي الأبدية: "اعْطِ حِسَابَ وَكَالَتِكَ" (لو 16: 2).
واذكر دائمًا الحكمة التي تقول: "ما عاش مَن عاش لنفسه فقط". فأنت تعيش يا أخي في مجتمع له حقوق عليك، ولا بد أن تقوم بواجبك. فاِكتنازك كل أموالك لنفسك، دون أن تعطي منها لغيرك وبخاصة للمحتاجين منهم، هو لون من الأنانية والالتفاف حول الذات، لا أقبله لك، ولا يجوز أن تقبله لنفسك...
حسنٌ أن يسعد الإنسان في حياته، ولكن الأفضل من هذا، أن يُسعِد غيره. وبإسعاده للغير سوف يشعر بسعادة أكثر وأسمى. ولهذا الأمر فائدتان: فالذي يُسعِد غيره من ماله له أجر في السماء. وكل ما يدفعه يصير كنزًا له في الأبدية. وكأنه بهذا يحوِّل المال الأرضي الفاني إلى ما يسمونها "عُملة صعبة" أعني سمائية.
أما الفائدة الثانية، فهي أنَّ هؤلاء الذين يسعدهم سوف يدعون له بالخير، ويُصلُّون من أجله، ويقبل الله صلواتهم لأنها من قلوبهم.
نقطة أخرى، وهي أنك إن أنفقت جزءًا من أموالك سوف يبارك الله الباقي، وستجد أن مالك بالعطاء قد زاد ولم ينقص، إذ قد دخلت البركة بما قدمته لغيرك من الخير. وبخاصة في هذا العصر الذي انتشر فيه الغلاء وارتفعت الأسعار بطريقة لا يحتملها الكثيرون.
اعرف أن كل معونة مالية تُقدّمها لمحتاج، لا ينساها لك الله، بل أنه يعينك في حياتك كما أعنت غيرك...
وتأكَّد تمامًا أن ماليتك الحقيقية ليست هي مُجرَّد رصيدك في البنوك، أو ما تذخر به خزائنك. إنما رصيدك الحقيقي أمام الله هو عدد الذين أسعدتهم بمعوناتك لهم، ومساهمتك في رفع الضيق عنهم، تُرى كم هم؟!
أيضًا من الكنوز التي لك في السماء، ما ساهمت به في حَل مشاكل الناس، ومقدار جهدك في إراحة غيرك. حاول إذن أن تريح غيرك على قدر ما تستطيع، مِن كل مَن سمح الله أن تقابلهم في طريق الحياة، أو مَن يقصدونك ولهم عشم فيك أن تصنع معهم خيرًا.
لهذا فكل وظيفة تعمل فيها، أو كل مسئولية تُعهد إليك، اتخذها بقدر استطاعتك مجالًا لعمل الخير وإراحة الناس حسب ما يسمح به اختصاصك.
وفي هذا، أتذكَّر أنني قلت ذات مرَّة: إنَّ الموظف النبيل يجد حلًا لكل مشكلة تصل إليه. أمَّا الموظف المُعقَّد فإنه يحاول أن يخلق مشكلة لكُلِّ حلٍّ، فيُعقِّد الأمور حسب نوع نفسيته!
وثق أن سُمعتك سوف تتبعك بعد ترك الوظيفة أو المسئولية، ويصدر الناس أحكامًا من جهتك يجمعون عليها، فيحكمون على شخصيتك حسب ما فعلته.
اكنز لك أيضًا حياة فاضلة، فإنَّ أعمالك ستتبعك وتقف أمامك في يوم الدينونة الرهيب. فيا ليت حياتك تكون كلها خيرًا، لك ولكل الناس.
إن لم يكن لك ما تُقدِّمه من مال للغير، فعلى الأقل قدِّم لهم كلمة طيبة، أو ابتسامة رقيقة، أو تشجيعًا أو مواساة. وثِق أنَّ هذا كله سيكون مكنوزًا لك في السماء.
هناك أشخاص كنزوا لهم في السماء مشروعات نافعة للبشرية كلها، أو قدّموا من عملهم وسائل لعلاج المرضى أو لتخفيف آلامهم، أو مشروعات تساعدهم على العيش. أو بعض كتَّاب قدَّموا من إنتاجهم الفكري ما يفيد الآخرين.
إن كان الأمر هكذا، فماذا نقول إذن عن الذين يخافون أن يعطوا لئلا تنقص أموالهم، وهُم يريدونها أن تزيد وتنمو؟! بل ماذا نقول عن الذين يكنزون لأنفسهم أعمالًا شريرة تكون سببًا في هلاكهم أو طباعًا رديئة لا يشاءون أن يُغيِّروها؟
أخيرًا أحب أن أسألك أيها القارئ العزيز: ماذا كنزت لنفسك في السماء؟ ما هو رصيدك فيها؟
[1] مقال لقداسة البابا شنوده الثالث نُشر في جريدة الأهرام، بتاريخ 30 مارس 2008م.
إصدارات مركز معلم الأجيال
إصدارات مركز معلم الأجيال
دار نشر كنيسة السيدة العذراء بالزيتون
مركز معلم الأجيال لحفظ ونشر تراث قداسة البابا شنوده الثالث
أولاً: الكتب والموسوعات والدوريات
- الخدمة الروحية والخادم الروحي- الجزء الرابع.
- التجربة والاختبار.
- تأملات في صلوات الأجبية.
- العذراء الملكة.
- كلمات ذهبية – الجزء الأول.
- كلمات ذهبية – الجزء الثاني.
- بعض شخصيات الكتاب الجزء الثاني.
- صفات الله.
- خبرات في الحياة - الجزء الثالث.
- عظات الصوم الكبير.
- تأملات في بعض مزامير الأجبية.
- الرجاء – الجزء الثاني.
- مختارات من سير القديسين.
- كلمات ذهبية – الجزء الثالث.
- تأملات في روحانيات الخماسين المقدسة.
- الآباء الرسل الأطهار.
- كلمات ذهبية – الجزء الرابع.
- الشهداء.
- عاملوهم برفق.
- لمحات من فكر البابا شنوده عن التعليم.
- دورية معلم الأجيال العدد الأول - مارس 2017م
- دورية معلم الأجيال العدد الثاني - يونيو 2017م
- دورية معلم الأجيال العدد الثالث - سبتمبر 2017م
- دورية معلم الأجيال العدد الرابع - ديسمبر 2017م
- موسوعة - كلمات ذهبية (أربعة أجزاء).
- فلنبدأ بدءًا حسنًا.
- إليكم يا أولادي الجزء الأول.
- هكذا أعزيكم.
- مجلد دورية معلم الأجيال – السنة الأولى – 2017م.
- الدورية الأولى – السنة الثانية – مارس 2018م.
- الأرشيدياكون حبيب جرجس.
- الدورية الثانية - السنة الثانية - يوينو 2018م.
- الدورية الثالثة – السنة الثانية – سبتمبر 2018م.
- السيدة العذراء في عقيدة الكنيسة الأرثوذكسية.
- الدورية الرابعة – السنة الثانية – ديسمبر2018م.
- إليكم يا أولادي الجزء الثاني.
- الدورية الأولى- السنة الثالثة – 2019م.
- الصلاة وكيف تكون؟
- الدورية الثانية – السنة الثالثة – 2019م.
- الدورية الثالثة – السنة الثالثة – 2019م.
- موسوعة اللاهوت المقارن – الجزء الأول - مقدمات في اللاهوت المقارن.
- موسوعة اللاهوت المقارن – الجزء الثاني - الرد على الآيات التي أساء فهمها الآريوسيين.
- موسوعة اللاهوت المقارن – الجزء الخامس – قضايا إيمانية (أ) البيلاجية ووراثة الخطية الأصلية.
- موسوعة البابا شنوده في الأدب والشعر – الجزء الأول - قصائد وأشعار.
- الدورية الرابعة – السنة الثالثة – 2019م.
- ملف البابا المعلم.
- الدورية الأولى والثانية – السنة الرابعة – 13 و14– 2020م
- كتاب اللقاء مع الله.
- موسوعة الأعياد والمناسبات – الجزء الأول – أعياد القيامة المجيدة.
- أعطني قلبك
- الدورية الثالثة والرابعة – 15 و16- السنة الرابعة – 2020م.
- الدورية الأولى – 17- السنة الخامسة – 2021م.
- خطوات في الطريق إلى الله.
- موسوعة اللاهوت الأدبي – الجزء الأول – الضمير والعوامل المؤثرة عليه.
- موسوعة الأعياد والمناسبات – الجزء الثاني – عيد الميلاد المجيد.
- كتاب حياة الفرح.
- كتاب الأمومة.
- موسوعة سير القديسين – الكتاب الأول (مقدمات في سير القديسين).
- موسوعة اللاهوت المقارن – الجزء السادس - الشذوذ الجنسي وسيامة النساء.
- معرفة الله وإثبات وجوده.
- الدورية الثانية – 18- السنة الخامسة – 2021م.
- الدورية الثالثة – 19- السنة السادسة – 2021م.
النبذ
- مقالتان في الرهبنة (تمنيت لو بقيت هناك – لست أريد شيئًا).
- عظات لاهوتية: التثليث والتوحيد.
- سير قديسين: دروس من حياة القوي الأنبا موسى الأسود.
- عظات الخدمة: مقالتان في الخدمة ( الخادم الروحي - مركز الله في الخدمة).
- عظات لاهوتية: وراثة الخطية الأصلية.
- عظات الخدمة: التكريس.
- عظات روحية: يجرح ويعصب.
- سير قديسين: حبيب المسيح الأنبا بيشوي.
- عظات روحية: نقاوة القلب.
- عظات الخدمة: دعوة إلى الخدمة.
- عظات روحية: الثبات والتقلب في الحياة الروحية.
- عظات عقيدية: التقليد.
- عظات روحية: الصلاة.
- عظات الخدمة: حدث في تلك الليلة.
- سير قديسين: بعض تأملات في حياة القديس مارمرقس الرسول.
- عظات روحية: فضيلة الإفراز والحكمة في الحياة الروحية.
- سير قديسين: تأملات في سيرة القديس الأنبا شنوده رئيس المتوحدين.
- عظات روحية: بعض تأملات في صلاة الشكر الخفيات والظاهرات.
- عظات مناسبات: تصالحوا مع الله.
- عظات الخدمة: العمل الفردي.
- عظات روحية: ربنا موجود.
- عظات الخدمة: التعب المقدس.
- عظات روحية: مريح التعابى.
- عظات الخدمة: صليب الخدمة.
- عظات روحية: شباب ناجح من الكتاب المقدس وتاريخ الكنيسة
- عظات الخدمة: المسيح المعلم.
- سير قديسين: القديس أثناسيوس الرسولي.
- عظات روحية: سلام المسيح في الكنيسة.
- عظات الخدمة: واجب الكنيسة نحو الشباب.
- كتاب مقدس: الكتاب المقدس والشباب.
- عظات مناسبات: التخزين الروحي (الصوم الكبير).
- عظات روحية: تأملات في السماء والسمائيين.
- عظات روحية: كيف تعرف الله؟
- سير قديسين: تأملات في سيرة قداسة البابا كيرلس السادس.
- سير قديسين: تأملات في سيرة القديس الأنبا رويس.
- سير قديسين: تأملات في سيرة القديس مار مينا العجايبي.
- عظات مناسبات: عندما أجلس إلى ذاتي (العام الجديد).
- كتاب مقدس: من قديسي الكتاب المقدس يشوع النبي وراحاب.
- عظات روحية: وأنا أكون فيهم.
- عظات روحية: لا تطفئوا الروح.
- عظات لاهوتية وعقيدية: التجسد والفداء.
- عظات روحية: الله عطوف حنون.
- عظات الخدمة: لاحظ نفسك والتعليم.
- عظات روحية: الإيمان.
- عظات روحية: الاحتمال وطول البال.
- عظات روحية: الاطمئنان.
- عظات روحية: كيف أحب الله؟
- عظات روحية: نور من السماء.
سلسة كتب عن قداسة البابا شنوده
- لمحات من فكر البابا شنوده عن التعليم
- معلم الجيل ومعلم الأجيال
- المدافع الأرثوذكسي
- الفكر النسكي لقداسة البابا شنوده الثالث (صدر حديثًا).
- البابا شنوده والمجتمع الأكاديمي.
الفلايرات
- فلاير كلمة منفعة عن (المحبة).
- فلاير كلمة منفعة عن (الصوم الكبير).
- فلاير كلمة منفعة عن (يونان النبي).
- فلاير كلمة منفعة عن (العام الجديد).
- فلاير آحاد الصوم (أحد الكنوز).
- فلاير آحاد الصوم (أحد التجربة).
- فلاير آحاد الصوم (أحد الابن الضال).
- فلاير آحاد الصوم (أحد السامرية).
- فلاير آحاد الصوم (أحد المخلع).
- فلاير آحاد الصوم (أحد المولود أعمى).
- فلاير آحاد الصوم (أحد الشعانين).
- فلاير كيف نعيش أسبوع الآلام؟
- فلاير خميس العهد.
- فلاير الجمعة العظيمة.
- فلاير عيد التجلي لقداسة البابا شنوده الثالث.
+++++++++++
إصدارات القمص بطرس جيد روفائيل (كاهن كنيسة العذراء الزيتون ومؤسس لجنة البر وشقيق قداسة البابا شنوده الثالث)
- كتاب مذكرات كاهن الجزء الثالث
- كتاب مذكرات كاهن الجزء الرابع.
- كتاب مذكرات كاهن الجزء الخامس.
- كتاب مذكرات كاهن الجزء السادس.
- تفسير بعض أمثال السيد المسيح.
- فلاير: التجلي وتذكار العذراء للقمص بطرس جيد.
إصدارات الميديا
1) الآباء الرسل CD
2) الصوم الكبير CD
3) العذراء الملكة CD
4) تذكار تجلي العذراء DVD
5) صفات الله 20 متنوعة CD
6) صفات الله الاول الحكيم CD
7) صفات الله الحافظCD
8) صفات الله الخالق الديان العادلCD
9) صفات الله الطيب الحنين CD
10) صفات الله العامل CD
11) صفات الله الغفور CD
12) صفات الله القدوس CD
13) صفات الله المتواضع CD
14) صفات الله - الله إله الضعفاء وإله الكل CD
15) صفات الله - الله غير المحدود والقادر على CD
16) صفات الله - 89 عظة CD
17) عيد الأم - CD
18) لنبدأ بدءاً حسناً CD
19) يونان النبى CD
20) صفات الله - 76 عظة DVD
21) يونان النبى DVD
22) لنبدأ بدءاً حسناً DVD
23) يارب نيحهم CD
24) علاقة الله بالانسان CD
25) قداس الميلاد والقيامة 1985 CD
26) الأب والمعلم القمص بطرس جيد CD
27) الأباء الرسل DVD
28) مجموعة قداسات نادرة ج2 CD
29) الكاهن و الرعاية DVD
30) موسوعة التوبة (7 CD)
31) الصوم الكبير DVD
42) أسقف التعليم جـ1 CD
43) أسقف التعليم جـ2 CD
44) حصاد 6 سنوات CD
45) فلاشة تاملات بالموسيقى USB
46) تأملات بالموسيقي CD
47) الخدمة والخادم CD
48) وراثة الخطية CD





