ثبات… ولا تردد

ثبات… ولا تردد1
كنت قد كلمتكم في الأسابيع الماضية، عن “السهر الروحي”، وعن عمل الله فينا… يلزم لكي يحيا الإنسان حياة روحية سليمة أن يكون ساهرًا على خلاص نفسه، وأن يعمل الله فيه… وأيضًا لابد أن يكون له هدف واضح، وأن يكون غير متردد في حياته الروحية. لأن كثيرين حياتهم الروحية مزعزعة، قد يبدأون بالروح، ويكملون بالجسد… وربما يحيا الله فيهم، ويحيا العالم فيهم في نفس الوقت… فهم يفتحون أبوابهم لله، ويفتحونها أيضًا للعالم…!
لذلك يقول الرسول “إذن يا أخوتي الأحباء، كونوا راسخين غير متزعزعين مكثرين في عمل الرب كل حين، عالمين أن تعبكم ليس باطلًا في الرب”
نحن نريد أناسًا راسخين في طريق الله، وطريق الله هو الخط الواضح في حياتهم، الآن وإلى الأبد… بغير رجعة، ولا تردد ولا مساومة أو مفاوضة مع الشيطان… يسيرون في طريق الرب، ولا يرجعون… ولا ينظرون إلى الخلف مثل “امرأة لوط” التي سارت مع الرب، وخرجت من أرض “سدوم”، ولكن قلبها كان لا يزال في “سدوم”!
العجيب في هذه المرأة، أنها لم تهلك داخل “سدوم”، وإنما هلكت “خارجها”… لم تحترق بالنار مثل أهل “سدوم” الأشرار… ولكنها تحولت إلى عمود ملح…!
كثيرون يتصورون أنهم خرجوا من حياة الخطية، وخرجوا من “سدوم” لكنهم يهلكون خارجها…
ولذلك يقول الكتاب “من وضع يده على المحراث، لا ينظر إلى الوراء” إن وضع يد التردد، هو الذي كان يلومه “إيليا النبي” حينما قال للناس “حتى متى تعرجون بين الفرقتين، إن كان الله هو الله فاعبدوه… وإن كان هو البعل فاعبدوه!”
نريد حياة روحية ثابتة، راسخة في الرب، غير متزعزعة… فإن مثل “امرأة لوط”، قد حدث مرة أخرى في تاريخ بني إسرائيل. إنهم خرجوا من عبودية فرعون، واجتازوا البحر الأحمر ولم تغرقهم أمواجه. ومع ذلك هلكوا في برية سيناء… لأن عيونهم كانت لا تزال تنظر إلى الوراء… مثلما بكوا من أجل اللحم، والأكل والشراب الذي كان في أرض مصر…
لقد كانت عقولهم لا تزال موجودة في أرض العبودية… إنهم شعب متردد غير ثابت، ولا راسخ في طريق الله… خرج بجسده من أرض العبودية ولكن قلبه كان لايزال هناك!!
نحن نريد الخط الواضح الصريح، نريد القلب المتمسك بالله بغير رجعة.
يوجد أناس يتأرجحون بين الطريقين يريدون أن يجمعوا بين الله والعالم، تمامًا مثل “حنانيا وزوجته سفيرة” اللذين أرادا أن يجمعا بين الانضمام إلى أبناء الله المضحين بأموالهم، المقدمين كل ما يملكون تحت أقدام الرسل… ولكنهما في نفس الوقت احتفظا بمال حرام… ولذلك، فإن القديس بطرس لم يسمح لهما، أن يعيشا لأنهما يمثلان الخداع… الذي يريد الإنسان أن يخدع به خالقه!
+ هذا الموقف، موقف الرياء تمامًا مثل موقف بيلاطس… الذي سلم المسيح لليهود لكي يصلبوه، بينما هو في نفس الوقت غسل يديه وقال “أنا بريء من دم هذا البار” إن ذلك النوع من الرياء غير مقبول.
+ وتمامًا أيضًا مثل آدم، الذي يأكل من الشجرة، ويقدم اعتذارًا…
+ ومثل الشخص الذي دعاه المسيح لأن يتبعه، ولكنه قال له اسمح لي أولًا أن أذهب وأدفن أبي! إنها مواقف عجيبة من المترددين الذين يريدون أن يجمعوا بين العالم والله … مثل سليمان الحكيم، الذي أعطاه الله حكمة أكثر من جميع الناس، ومع ذلك كانت له “نساء غريبات”… يتزوج منهن ويبني لهن المرتفعات…
لقد كان يريد أن يجمع بين الله والعالم ففشل وأخطأ…!
+ ومثل “شمشون” الذي كان “مسيحًا للرب” من جهة، وصديقًا “لدليلة” من جهة أخرى، كان ابنًا لأورشليم ويتردد على غزة، فضاع، وفقد نفسه لولا رحمة الله أدركته في أواخر حياته!
+ ومثل “راحيل” المحبوبة، التي أحبها يعقوب وأرادت، أن تجمع بين يعقوب وأصنام أبيها!
إنهم أناس يريدون أن ينالوا الدنيا والسماء في نفس الوقت، وقد قال السيد المسيح، “لا يستطيع إنسان أن يعبد سيدين، إذا أرضى هذا، يغضب ذاك”…
نحن نريد القلب الذي يعطي ذاته كلها لله وقد قال الله: “تحب الرب إلهك من كل قلبك، ومن كل فكرك، ومن كل قدرتك” !!
نريد الخط الواضح الصريح في حياة الإنسان وعلاقته بالله…
هناك أشخاص رجعوا إلى الله بكل قلوبهم… رجعوا إليه بكل قلوبهم، مثل القديس بطرس الذي يقول “تركنا كل شيء وتبعناك” فلم يستبق له من العالم شيئًا… ومثل بولس الذي قال “خسرت كل الأشياء، وأنا أحسبها نفاية لكي أربح المسيح، وأوجد فيه”!
وبولس أيضًا يذكر دعوته، فيقول: “لما سر الله الذي دعاني من بطن أمي للوقت لم استشر لحمًا ولا دمًا، ولا ذهبت للأخوة الذين كانوا قبلي في أورشليم”!
وأيضًا إبراهيم أبو الأنبياء عندما دعاه الله قائلًا: أخرج من أهلك ومن عشيرتك ومن أهل بيت أبيك… خرج فورًا، بلا تردد وبغير تراجع، ولا صراع داخلي…
وأيضًا عندما قال له الله، خذ ابنك وحيدك وقدمه محرقة للرب…
استجاب فورًا لأن إبراهيم كان على يقين من أن الله ينبغي أن يطاع ولو بتقديم الابن الوحيد… ويقول الكتاب إن إبراهيم قد بكر وأخذ الحطب والسكين، وأخذ ابنه معه… لم يتردد ولم يتفاوض… إنه خط واضح… هو الطاعة المطلقة والكاملة لله…!
ولذلك فإن الله قد أرسل ملاكًا من السماء أمسك يد إبراهيم لكيلا يذبح إسحق!
إنهم أناس يعرفون طريقهم إلى الله ويتجهون فيه بقلب ثابت، وبنظر ثابت موجه للهدف، لا ينحرف عنه ولا يتحول يمنة ولا يسرة!
أيامنا هذه، مشكلتها الأولى هي التردد في طريق الله، والتزعزع في الخط الروحي، والانحراف عنه يمنة ويسرة… وعدم الثبات في الوعد بين الإنسان والله!
إنها حياة غير ثابتة في المسيح، ولهذا فإن السيد المسيح يقول: “اثبتوا فيَّ وأنا فيكم”!!
عندما أخرج الملاكان لوطًا من سدوم قالا له: لا تنظر إلى الوراء، ولا تقف في كل الدائرة… أسرع واهرب لحياتك والمسيح يريد من الإنسان أن يكون حازمًا في حياته، وواضحًا وثابتًا مهما كلفه الأمر ومهما كان الثمن…
وسأريكم وصية عجيبة حازمة جدًا، من وصايا السيد المسيح في هذا الموضوع تقول: “إن أعثرتك عينك، فاقلعها وألقها عنك… وإن أعثرتك يدك اليمنى، فأقطعها وألقها عنك”! إن ذلك يعني الحزم والحسم…
فلا تفاهم مع الشر وأفكار الخطية… وإنما حزم وقوة…!
وهكذا الذي يتوب ينبغي أن تكون توبته صادقة لا رجعة فيها… والتوبة ليس معناها إجازة من الخطية وإنما هي قطع كل صلة بالخطية… توبة بلا رجعة… لأن الذي يقوم… ويقع، ثم يقوم ويسقط، ويأتي ويرجع… متى إذًا يصل؟؟
إن ذلك مثله كمثل قول الشاعر:
متى يبلغ البنيان يومًا تمامه ….. إذا كنت تبنيه وغيرك يهدم!
التوبة يا أخوتي تحتاج إلى عزم وقوة وثبات في ترك الخطية… لا تترك من الخطية شيئًا مهما كان ضئيلًا في قلبك ولا تترك أسبابها قائمة…
والقديسون يقولون: لا تأخذ وتعطى مع إنسان يقاتلك به العدو…
والأنبا أنطونيوس يقول: لا ترجع إلى المدينة التي أخطأت فيها، ولا تدخل البيت الذي أخطأت فيه!
لا تترك للعدو شيئًا فيك على الإطلاق… وإنما أطرده، وكل ما له نهائيًا…
إن الشيطان إذا وجد فينا إرادة مترددة -غير حازمة- ولا تثبت على الحال… فإنه يتشجع ويعود فيهاجم… مرة أخرى ومرات!
هذا هو الوضع الذي نريده في حياتنا الروحية أن يكون لنا ثبات في علاقتنا مع الله، ونبتعد عن التردد في الحياة الروحية.
نريد ثباتًا قويًا… والإنسان التائب لا ينبغي أن يسمح لنفسه بأن يتفاوض مع الشيطان أو أن يأخذ ويعطي معه… ولا ينبغي أن يكون ذا قلبين، ولا ذا فكرين. لئلا يكن مقلقلًا في كل طرقه…
ينبغي، في الهدف الواضح، أن يكون الله هو كل شيء، ولا يوجد إلى جواره شيء… وأن تسير في طرق الله، ولا نفكر في تغيير طريقنا مرة أخرى!
- مقال لقداسة البابا شنوده الثالث نشر في جريدة وطني بتاريخ 30-7-1972م



