محبة الكنيسة للقديسين

محبة الكنيسة للقديسين1
تتجلى محبة الكنيسة للقديسين في مظاهر متعددة تُعبر بها الكنيسة عن إجلالها وتقديرها ومحبتها لهؤلاء القديسين بكل أنواعهم من رسل، وشهداء، وآباء رعاة، وآباء رهبان، وراهبات، وقديسات. ونذكر في هذا المجال النقاط الآتية:
1- بناء الكنائس بأسمائهم.
فكل كنائسنا بأسماء ملائكة وقديسين وقديسات: ومن أشهر الملائكة ميخائيل رئيس الملائكة. ومن أشهر الرسل الذين تُبنَى على أسمائهم كنائس: القديس مار مرقس في كنائسنا بمصر، ثم الرسولين بطرس وبولس. ومن أشهر القديسات اللائي تُبنَى على أسمائهن كنائس: القديسة مريم العذراء، ثم القديسة دميانة، والقديسة رفقة، والأم دولاجي، والقديسة بربارة. كما تُبنَى كنائس على أسماء قديسي الرهبنة: أشهرهم القديسين الأنبا أنطونيوس والأنبا بولا، والثلاثة مقارات القديسون، والقديسون الأنبا باخوميوس والأنبا شنوده، والأنبا موسى الأسود. ومن أشهر البطاركة والأساقفة الذين تحمل الكنائس أسماءهم: القديس أثناسيوس الرسولي، والقديس الأنبا أبرآم أسقف الفيوم…
ومن أشهر الشهداء الذين تُبنَى كنائس بأسمائهم: القديس مار جرجس، والقديس مار مينا، والقديس أبو سيفين، والأمير تادرس. وقد تُبنَى كنائس على اسميّ اثنين من القديسين. أو قد تُبنَى الكنيسة على اسم قديس، وكل مذبح منها على اسم قديس آخر.
2– بل يتسمَّى بأسمائهم أيضًا الآباء البطاركة والأساقفة والكهنة.
كل ذلك تيمنًا بأسماء القديسين، ومحبة لهم، ورغبة في التبرك بأسمائهم واتخاذهم قدوة في الرعاية وفي السيرة الشخصية… وأيضًا كثيرًا ما يتسمَّى أفراد الشعب بأسماء قديسين محبة لهم… والذي لم يأخذ اسم قديس في شهادة ميلاده، يتسمَّى به في معموديته.
3– ومن محبتنا للقديسين نُزيّن كنائسنا بأيقوناتهم.
ففي الجهة البحرية من الهيكل نضع باستمرار أيقونة القديسة العذراء، كما نضع في الناحية القبلية أيقونة القديس يوحنا المعمدان. ومن فوق الهيكل نضع أيقونة العشاء الرباني وأيقونات للآباء الرسل الاثني عشر.
ونُزيّن الإيكونستاس بأيقونات كثيرة للقديسين، منها أيقونة قديس الكنيسة. وفي دورة الشعانين، نمر على مواضع معينة في كل اتجاهات الكنيسة نذكر فيها قديسين معينين. وفي بعض كنائسنا توجد أيقونات عديدة جدًّا تُغطي كل جدران الكنيسة أو الدير.
بعض الأيقونات مرسومة بالزيت، والبعض بالموازييك، والبعض بمواد أخرى يتبارَى فيها الفنانون والرسامون. وما أكثر الفنانين الذين نالوا شهرة كبيرة في التاريخ – فقط – لأنهم كانوا رسَّامي أيقونات.
4- وأمام أيقونات القديسين نضع الشموع، ونبخِّر لها.
نضع الشموع رمزًا إلى أن القديس كان نورًا في حياته. وكان يذوب لكي يضيء للآخر. وكذلك لأن الشمعة تضيء بالزيت المكوّن لها، والزيت يرمز إلى الروح القدس. وفي هذا نذكر أن القديس كان نورًا للآخرين بعمل الروح القدس فيه…
على أننا نبخّر للأيقونات المدشَّنة بالميرون المقدس.
وبتدشينها أصبحت أيقونة مقدسة. ونحن لا ندشن إلاَّ أيقونات القديسين المُعتَرف بهم في الكنيسة، والذين توجد أسماؤهم ضمن قديسي السنكسار والكتب الطقسية للبيعة.
5- ومن محبتنا للقديسين نقيم لهم أعيادًا واحتفالات.
وفي كل يوم – في كتاب السنكسار – تُعيّد الكنيسة لقديس معين أو لعدد من القديسين. وهناك أعياد شهرية: فالقديسة العذراء نعيّد لها في كل يوم 21 من الشهر القبطي. ورئيس الملائكة ميخائيل نعيّد له في كل يوم 12 من الشهر القبطي.
وغالبًا ما نعيّد للقديس في يوم نياحته أو استشهاده، عملًا بقول الكتاب: “انْظُرُوا إِلَى نِهَايَةِ سِيرَتِهِمْ فَتَمَثَّلُوا بِإِيمَانِهِمْ”(عب7:13). وبعض القديسين نُعيّد له في تذكار بناء كنيسة على اسمه، أو العثور على رأسه، أو نقل جثمانه. أما رئيس الملائكة ميخائيل فنعيّد له في تذكار معجزة أجراها. أما القديسة العذراء فلها أعياد كثيرة في مناسبات متعددة…
6– ونحن نقدم نذورًا وذبائح بأسماء القديسين.
وذلك في أعيادهم، أو وفاءً لنذر تحقق نتيجة الاستشفاع بهم. ومن النذور المشهورة (فطير الملاك) الذي يصنعه البعض في عيد الملاك ميخائيل، ويوزعونه على أقاربهم وأصحابهم وجيرانهم، فيعرف البعض أنه لا بدَّ قد تمت معجزة باسم الملاك ميخائيل، فقدَّمَ هذا النذر له.
ما أكثر الذبائح التي تقدَّم في أعياد مار جرجس في كنيسته بميت دمسيس. وفي ديره بالرزيقات وفي كثير من كنائسه. وما أكثر الذبائح التي تُقدَّم في عيد العذراء بدير المحرق.. وما أكثر المعموديات التي تُقام في أعياد القديسين لوفاء نذر…
7- ومن محبتنا للقديسين نرتل لهم ترانيم وذكصولوجيات ومدائح.
ففي عيد القديس، وفي كل تذكار له، يتغنَّى الشعب بهذه المدائح والترانيم، القديمة والمؤلَّفة حديثًا، والتي تُذكَر فيها فضائله أو معجزاته، مع طلب صلواته وشفاعته.
والذكصولوجيات والإبصاليات مكتوبة باللغة القبطية وملحَّنة، نذكرها في أعياد القديسين، وفي مناسبات عديدة، وفي التسبحة اليومية مثلما نذكر الثلاثة فتية القديسين في الهوس الثالث من التسبحة كل يوم، ومثلما نذكر موسى النبي في الهوس الأول، وكثيرًا من الملائكة والقديسين في ذكصولجيات باكر…
8– ونحن نذكر القديسين أيضًا في القداس الإلهي في المجمع.
نذكرهم بأنواعهم: الآباء الرسل، والشهداء، وأبطال الإيمان، والآباء البطاركة، وآباء الرهبنة، ونضيف أحيانًا لحن (بينشتي) حيث نذكر فيه أيضًا كثيرًا من الآباء القديسين، ونطلب صلواتهم وشفاعتهم…
أما مجمع الإبصلمودية، ففيه أسماء أكثر.. وبنوعيات أكثر. وفيه أسماء قديسات عديدات، وكذلك المجمع في الإبصلمودية الكيهكية، وفي مدائح شهر كيهك.
9– وما أكثر ما تُنسَّق قراءات القداس على أعياد القديسين.
فكل قراءات الكنيسة: سواء البولس أو الكاثوليكون أو الإبركسيس أو المزمور أو الإنجيل، كلها تتعلق بعيد القديس، وباسمه إن كان موجودًا في الإنجيل المقدس.
فهناك قراءات خاصة بالقديسة العذراء. وقراءات معينة ومشتركة، إن كان العيد – في السنكسار – يختص بأحد الآباء الرسل، أو أحد الآباء البطاركة أو الرعاة، أو بأحد الشهداء، أو بإحدى الأمهات القديسات… إلخ.
10– ونحن نذكر القديسين، لأنهم كانوا قدوة في كل نوع من الفضائل.
وكل فضيلة نريد أن نتمثَّل بها، نرى حياة أحد القديسين كانت مثالًا أعلى فيها. فالكتاب المقدس قد يقدم وصية من الوصايا. ولكن حياة القديس تمثل التطبيق العملي للوصية. على أن تقليد القديسين في سيرتهم، لا بد أن يكون تحت إرشاد. لأن ما وصل إليه القديسون بعد جهاد كبير على مدى سنوات كثيرة، وبنعمة خاصة، لا يستطيع أن يقلّده مبتدئ في حياة الفضيلة.
11- ونحن في محبتنا للقديسين واحترامنا لهم، إنما نذكر باستمرار مكانتهم عند الله.
وكيف أن الله منحهم أن يصنعوا المعجزات باسمه، وأعطاهم سلطانًا على جميع الشياطين. وكان يقبل تشفعاتهم ويسمع لها، كما قَبِلَ شفاعة أبينا إبراهيم (تك18). وقَبِلَ شفاعة موسى النبي (خر32)، وأعطى إيليا النبي أن يغلق السماء ويفتحها (يع5) … والقصص كثيرة جدًّا. ويكفي وعدهُ لآبائنا أن من يكرمكم يكرمني…
وكيف أن هؤلاء القديسين كانت لهم دالة كبيرة عند الله.
وكان الله يعلنها، كما قال عن موسى النبي: “وَأَمَّا عَبْدِي مُوسَى… بَلْ هُوَ أَمِينٌ فِي كُلِّ بَيْتِي فَمًا إِلَى فَمٍ وَعَيَانًا أَتَكَلَّمُ مَعَهُ، لاَ بِالأَلْغَازِ. وَشِبْهَ الرَّبِّ يُعَايِنُ”(عد12: 7، 8).
وكيف أن الله كان يكشف لهم أسراره.
وكان يخاطبهم في رؤى وفي أحلام. وكان يرسل ملائكة لإنقاذهم من ضيقات، كما فعل مع دانيال وأرسل ملاكه إلى الجب فسدَّ أفواه الأسود (دا22:6). وأرسل ملاكًا فأنقذ بطرس من السجن (أع12). وأرسل ملاكين ليقودا لوطًا وأسرته خارجًا من سدوم لكي لا يحترقوا بنارها (تك19).. والقصص في ذلك عديدة جدًّا..
12– وإذ نكرم القديسين، إنما نذكر عمل الروح القدس فيهم.
كانوا هياكل للروح القدس. وكان الروح القدس يعمل فيهم بلا عائق منهم، إذ كانوا يعيشون في شركة دائمة مع الروح. الروح يعمل معهم، ويعمل فيهم ويعمل بهم، بكل قوة وبلا مانع.
13- ونحن حينما نذكر آباءنا القديسين، تتضع نفوسنا.
ونعرف تمامًا أن كل ما نمارسه من فضيلة لا يقاس أبدًا بفضائلهم العجيبة والسامية جدًّا، وأننا لسنا شيئًا إلى جوارهم!
فمهما صلَّينا، لا يمكن أن نصلي بدرجة القديس أرسانيوس الكبير.. ومهما صُمنا فلن نستطيع أن نصوم مثل القديس مكاريوس الإسكندري. ومهما قدمنا من عطايا وصدقات، فلن نصل إلى درجة القديس الأنبا أبرآم أسقف الفيوم. ومهما دافعنا عن الإيمان، فلن نفعل مثلما فعل القديس أثناسيوس الرسولي. ومهما كرزنا وعلَّمنا فلن نتعب في الكرازة مثل القديس بولس الرسول.. وهكذا تتضع نفوسنا، وتزول عنا حروب الكبرياء والمجد الباطل.
14– ودراستنا لحياة القديسين تدفعنا إلى النمو.
إذ نشعر باستمرار أن أمامنا مُثلًا عُليا لم نصل إليها بعد، ودرجات كثيرة لم نصعد إليها بعد. فنحاول أن ننمو واضعين أمامنا قول بولس الرسول: “أَيُّهَا الإِخْوَةُ، أَنَا لَسْتُ أَحْسِبُ نَفْسِي أَنِّي قَدْ أَدْرَكْتُ. وَلكنّي أَفْعَلُ شَيْئًا وَاحِدًا: إِذْ أَنَا أَنْسَى مَا هُوَ وَرَاءُ وَأَمْتَدُّ إِلَى مَا هُوَ قُدَّامُ، أَسْعَى نَحْوَ الْغَرَضِ لأَجْلِ جَعَالَةِ دَعْوَةِ اللهِ الْعُلْيَا فِي الْمَسِيحِ”(في3: 13، 14).
- مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة الخامسة والعشرون – العددان 33، 34 (12-9-1997م)





