اهرب لحياتك من الخطية!

اهرب لحياتك من الخطية!1
تكلمنا في المرة الماضية عن حروب الشياطين، وعن نعمة الله التي تكفل لنا النصر والغلبة في هذه الحروب… وبقي أن أقول لكم أن نعمة الله تقوم بدور كبير في النصر… ولكن الإنسان أيضًا عليه واجب في هذا الشأن.
أول واجب على الإنسان هو “الهروب”… الهروب من الخطية… لأن الهروب دليل على رفض الإنسان للخطية… وبعض الناس يفهم الهروب على أنه ضعف وذلك خطأ… لأن الله يدعونا باستمرار لأن نهرب من الخطية… فانظروا – مثلًا – في دعوة الله لإبراهيم – أب الأنبياء – إذ قال الله له اهرب من هذا المكان وأترك عشيرتك، وأهل بيت أبيك… وهكذا أيضًا في قصة “لوط”. نجد أن الملاكين أخرجا “لوطًا” من سدوم وقالا له: لا تقف في كل الدائرة واهرب لحياتك!
وهذا، هو ما نريده – أن يهرب الإنسان لحياته، لكيلا يخطئ… يهرب من كل مجال للخطيئة…
لقد كان “يوسف الصديق” معرضًا للتجارب لكنه فضل أن يخرج، وأن يهرب ويتمزق قميصه…!
والقديسون يقولون ان الشخص الذي يعيش بجانب الخطية يكون معرضًا لحربين حرب من الداخل، وحرب من الخارج… بينما الشخص البعيد عن الخطية يكون معرضًا لحرب واحدة!
وأول شيء هو أن يهرب الإنسان من الخطية… ففي ذلك يقول بولس الرسول “أما الشهوات الشبابية فاهرب منها”. ويقول الكتاب المقدس “المعاشرات الرديئة تفسد الأخلاق الجيدة”…
والمزمور الأول يقول “طوبى للرجل الذي في مجلس المستهزئين لم يجلس، وفي مشورة الأشرار لم يسلك…”
فإن أردت أن تحيا مع الله، فاهرب باستمرار من الخطية ومن أسبابها ولا تثق في نفسك وفي قوتك وإنما باستمرار اهرب، وابحث عن المكان الذي لا توجد فيه محاربات… وحاول باستمرار أن تبتعد عن الخطية… وأذكر قصة لأحد القديسين أنه قد أعطى عمل يديه لرجل حمال ليبيعه… وبينما هو يرافقه… اكتشف فيه أنه غضوب فترك له القديس عمل يديه ومضى… وهرب… متمثلًا قول الكتاب الذي يقول: “لا تصطحب غضوبًا، ومع صاحب سخط لا تجيء”!!
“اهرب لحياتك” عبارة جميلة قالها الملاك للوط… “ولا تقف في كل الدائرة”.
مفروض أن الإنسان يهرب لحياته، ويبتعد عن كل سبب للخطية… لأنه – بغير ذلك – يعرض إرادته للاهتزاز أمام هذه الأسباب… والشخص الروحي هو الذي يعيش دائمًا في مجال روحي… ويبتعد عن أسباب الخطية… وإن لم يستطع أن يبتعد بالجسد، فعلى الأقل عليه أن يبتعد بالفكر…
والرسول يقول للمسيح: لقد تركنا كل شيء وتبعناك!
مفروض أن يهرب الإنسان من جميع أسباب الخطية، ولا يلتصق بها… ولعل جزءًا من ذلك قال عنه المسيح: إن أعثرتك عينك فاقلعها وألقها عنك… وإن أعثرتك يدك اليمنى فاقطعها وألقها عنك.
إن البعد عن الخطية وأسبابها يدل على رفض القلب لها من الداخل…
ومطلوب أن يبحث الإنسان في نفسه… ما هي الأسباب التي تقوده للخطية… وهل هو بعيد عنها، أم قريب منها… وهل هي من داخل نفسه، أم هو بعيد عنها؟؟
إن كانت هذه الأسباب في الداخل فعليه أن يقتلعها… وإن كانت من الخارج فعليه أن يبتعد عنها ويهرب منها…!
إن “حواء” عندما عاشرت “الحية” أمكن للحية أن تسقطها في الخطية! وكذلك “شمشون” – لما عاشر “دليلة” أضاع حياته!
إن مخالطة الخطية، تتعب… فبهذه المخالطة سقط شمشون… وكذلك سقط آدم وحواء… وسليمان الحكيم… أيضًا سقط لما أحضر نساء غريبات!
اهرب لحياتك واهرب من أسباب الخطية!
اهرب من الحديث الذي يعثر، واهرب من السماعات والقراءات التي تعثر… واهرب من الأصدقاء الذين لا يمجدون الله وحاول أن تنقي الوسط الذي تعيش فيه!
حقيقة أن الله يساعد، ويعين على الصمود… والانتصار في الحروب الروحية…
لكن – على الإنسان واجبًا – يشترك فيه مع عمل الروح القدس في قلبه…
إن الهروب من الخطية ومن أسبابها، يلزم له أن يكون القلب من الداخل رافضًا للخطية… ويلزم – لذلك أيضًا – أن يمتلئ القلب من محبة الله…!
عليك أن تملأ قلبك بالأشياء التي تقربك من محبة الله، وتقوي فيك رفض الخطية…
وفي ذلك، واجب على الإنسان أن يختزن روحيات كثيرة في داخله لكي تساعده في وقت الحرب الروحية… تمامًا مثل “يوسف” الذي خزن كثيرًا من القمح لأيام المجاعة!
وتمامًا مثل “العذارى الحكيمات”، اللاتي اختزن معهن زيتًا كافيًا… وأنت: هل اختزنت قمحًا، وحفظت زيتًا… وهل قلبك ملآن لأيام الحروب؟؟
إن عيب الإنسان هو أن يعطي نفسه من الروحيات يومًا بيوم… دون أن يكون لديه خزين ورصيد لأيام الضعف!
خزنوا روحيات لأيام الضعف وأيام الفتور والمحاربات… حتى لا تترك الشيطان يهجم عليك وأنت في حالة ضعف… وبلا رصيد!
ومسكين ذلك الإنسان الذي يهجم عليه الشيطان، فيجده بلا سلاح، ولا قوة روحية، ولا محبة لله في داخله، ولا مساع داخلية للرفض والصد والمقاومة… فيكون فريسة سهلة للشيطان… كي يقضي عليه ويضيعه!!
لقد كنا نتكلم في المرة السابقة عن تحليل صلاة الغروب… عن العبارة التي
تقول: “نجنا من حيل المضاد وأبطل فخاخه المنصوبة لنا…” وهب لنا في هذه الليلة المقبلة سلامة بغير ألم ولا تعب ولا قلق ولا خيال…
فنحن بذلك نطلب من الله سلامًا في النهار وسلامًا في الليل أيضًا… لأن الليل أيضًا يحتاج إلى صلوات… فكثير من الناس يخطئون في الليل، وكثيرًا ما يكون ظلام الليل مجالًا للهو والعبث واللعب والنجاسة… ولهذا فنحن نطلب في الليل سلامة!
وكون أن يصلي الإنسان من أجل الليل كما يصلي من أجل النهار، معناها أن الإنسان محتاج إلى معونة من الله في الليل وفي النهار… وكثيرًا ما تكون أحلام وخيالات الإنسان من النهار… وعندما نطلب أن يبعد الله عنا الخيال فإنما نطلب من الله – بذلك – أن ينقي العقل الباطن وينقي ذهننا من كل خطية، لكي تكون أحلام الليل طاهرة!
أيضًا نرجو ألا تكون هناك محاربات بالليل من الشياطين أو من الناس. فنحن نطلب ليلة نجتازها بسلام وعفاف، لأن عفاف الإنسان – كما هو مهدد بالنهار – بالنظرات والأفكار والسماعات، كذلك هو مهدد بالليل أيضًا…!
وكلما يكون الليل نقيًا وطاهرًا يستطيع الإنسان أن ينهض منه مبتهجًا مستريحًا يسبح الله… ويقول له نشكرك يا ملكنا المتحنن لأنك أمضيت بنا هذه الليلة بسلام وأتيت بنا إلى هذه الساعة…
ليتكم تحفظون جزءً من صلوات الغروب والنوم، وتتأملون في معانيها وتصلونها!!
- مقال لقداسة البابا شنوده الثالث نشر في جريدة وطني بتاريخ 27-8-1972م


