الهاربون من الله

كان موضوع تأملنا في الأسبوع الماضي هو “الهاربون من الله” ونود اليوم أن نكمل حديثنا عن نفس الموضوع، وعن وجوب الالتقاء بالله، وكيف يكون؟
الهاربون من الله1
وكيف يمكن أن نلتقي به
الإنسان الهارب من الله هو إنسان لم يعرف الله، لم يذق حلاوته، ولم يجرب عشرته.
الهارب من الله هو إما إنسان جاهل بالله، أو خائف منه، إنسان لم تربطه بالله علاقات الحب، بعيد عن الخبرات الروحية.
الإنسان الذي ذاق الله، لا يمكنه أن يهرب منه، قد يبتعد إلى حين، ولكن لا يمكنه الاستغناء عنه. الله بالنسبة إليه أكثر من الدم الذي يجري في عروقه، وأكثر من الهواء الذي يتمشى في رئتيه. هو ألزم إليه من ذاته.
الإنسان الذي جرب الله وحلاوته، يقول كما قالت عذراء النشيد “أمسكته ولم أرخه”. يسعى وراء الله ويبحث عنه، يريد أن يوجد فيه، ويحيا فيه، ويثبت فيه. يصير الله بالنسبة إليه هو الكل في الكل وليس سواه.
الإنسان الذي ذاق عشرة الله ولو إلى لحظة، تظل هذه المذاقة في قلبه وفي فكره مدى الحياة.
مهما بعد يتمنى أن يرجع إليه. وإن فترت محبته يشتاق أن تلتهب من جديد. الذين قابلهم المسيح على الأرض تركت فيهم المقابلة تأثيرًا خاصًا، حتى المقاومين منهم، فيهوذا الإسخريوطي – لأنه عاشر الرب فترة – لما خان المسيح، تعذب كثيرًا، وأرجع المال قائلًا: أخطأت إذ أسلمت دمًا بريئًا – وبلغ من تألم ضميره أنه مضى وشنق نفسه…
الذي عاش مع المسيح، يعتبر أن المسيح هو سر حياته كلها. يقول: لي الحياة هي المسيح”…
أي أنني إذا بعدت عن المسيح، بعدت عن الحياة. حياتي فيه. أنا أحيا به، وأحيا معه، وأحيا فيه… “به نحيا ونوجد ونتحرك” كما يقول بولس الرسول (أع17: 8).
قال السيد المسيح “أنا الكرمة وأنتم الأغصان” (يو15: 1). الأغصان ثابتة في الكرمة، كذلك نحن في المسيح عصارة الكرمة تتمشى في كل غصن، وفي كل ما يحمله الغصن، في كل ثمرة، وفي كل زهرة، وفي كل ورقة… والغصن إذا لم تتمشى فيه عصارة الكرمة يجف ويموت… هكذا الإنسان بالنسبة إلى المسيح.
المسيح يوجد في حياة الإنسان كلها، يتخلل قلبه وفكره وحواسه وعواطفه، يملأه كله.
الذي عاش مع الله، وجرب عمل روح الله فيه، يجب باستمرار أن يمتلئ من روح الله… روح الله يملأ القلب، ويملأ الفكر، ويملأ الإنسان كله.
روح الله يعمل فيه كل العمل، حتى إن تكلم ينطق روح الله على فمه…
لذلك فالهاربون من الله، لم يذوقوا الله المذاقة الحقيقية، ولم يختبروا حلاوة العشرة معه، ولم يختبروا سكنى روح الله وعمله فيهم.. لذلك ينصحهم المرتل قائلا: ذوقوا وانظروا ما أطيب الرب… جربوا عشرته.
لا تنظروا إلى الله على اعتبار أنه هو القوة المانعة، التي تمنعكم من تنفيذ أغراضكم. الذي يقول لكم لا.. لا.. لا تقتل.. لا تسرق.. لاتزن.. لا تشهد بالزور… لا تشته مال قريبك…
كلا، بل الله هو القوة المانحة، الذي منحك الوجود والمواهب… ثم منحك كل شيء. وهو الذي منحك الوصية التي تقول “لا”… لكي يحميك من نفسك ومن شهواتك، ومن الفساد والضياع.
ينبغي أن يكون الله بالنسبة إليك الصديق والرفيق والحبيب، والسند، والمعين، والحافظ والراعي، لا تنظر إليه كمجرد سلطة تصدر أوامر، وإنما كقلب كبير يفيض حبًا، وأوامره من فيض حبه.
لا تهرب من الله، وإن هربت، فإلى أين تهرب؟! لابد أن الله سيتابعك، كلمة الله ستجرى وراءك في كل موضع… وصية الله سترن في أذنيك مهما هربت…
حاول إذن أن تلتقي بالله. فكيف نلتقي به؟ ومتى؟ وأين؟
اللقاء مع الله:
هناك لقاءات عادية عن طريق الصلاة والتأمل والتناول ووسائط النعمة المتنوعة. ولقاءات أخرى من نوع أعمق، لقاءات تاريخية في حياة الناس، وفي حياة البشرية كلها…
مثال ذلك يوحنا الحبيب: يقول كنت في الروح في يوم الرب… وسمعت ورائي صوتًا يقول أنا هو الأول والآخر… ورأيت بابًا مفتوحًا في السماء… وعرش الله… لا شك أن يوحنا كان يلتقي بالله كل يوم، في حياته الروحية العادية. أما لقاؤه معه في جزيرة بطمس، فكان عميقًا، من نوع آخر.
يمكنك أن تلتقي بالله، كما التقي به يوحنا في جزيرة بطمس، ان كنت مثله في الروح… في نفس العمق، والحالة. أن رأي الله ذلك نافعًا لك أو لغيرك…
لقاء آخر مع الله من نوع آخر. لقاء شاول الطرسوسي مع الرب في طريق دمشق… أبرق حوله نور، وسمع صوت الرب، وتغير إلى بولس وكان يومًا خالدًا في تاريخ البشرية والكرازة.
يوحنا – كحبيب – التقى بالمسيح، وشاول التقى به وهو مضطهد للكنيسة… وكلاهما أخذ نعمة…
كثيرون التقوا بالرب لقاءات فائقة للطبيعة مثل اشعياء الذي رأي الرب وسمع حوله تسبحه السارافيم… الوحيد في تاريخ البشرية الذي رأي السارافيم فمسحوا شفتيه بجمرة من على المذبح.
لقاء آخر عجيب، بولس في السماء الثالثة، إذ رأي أشياء لا ينطق بها، وهو في الجسد أم خارج الجسد ليس يدري…
موسى الذي تقابل مع الرب على الجبل، فأضاء وجهه حتى لم يستطع الشعب أن ينظر إليه… لقاءات أخرى عجيبة لرجال الله القديسين.
فإن كنا لا نستطيع أن نلتقي بالله بمثل هذه اللقاءات العجيبة، فعلى الأقل نلتقي به ولو من بعيد، ولو في داخل القلب، أو في المخدع.
ننسكب تحت قدمي الله، ونطلب إليه أن يشرق علينا بنوره. إن لم نستطع أن نعيش كأحباء لله، فعلى الأقل لا نعاديه. إن كنا لا نستطيع أن نلتقي بالله، فعلى الأقل لا نهرب منه. إن كنا لم ننل المواعيد، فعلى الأقل ننظرها ولو من بعيد.
إن كنا لا نراه وجهًا لوجه، فعلي الأقل نراه كما من مرآه… نعرفه، ولو بعض المعرفة، ولكن لا نحيا كغرباء عنه…
وأنت أيها المبارك، هل ذقت الله وعاشرته واختبرته؟ إن الذي لا يذوق ملكوت الله على الأرض، لن يذوق هذا الملكوت إلى الأبد. هنا لابد أن نبدأ، وهناك نكمل…
هنا نبدأ الحياة مع الله، التي تستمر إلى دهر الدهور، فابدأ إذن. لأني أخشى عبارة مخيفة مرعبة، هي قول الرب للبعض:
الحق أقول لكم أني لا أعرفكم… لا أعرفكم قط!!
كيف هذا يا رب؟ كيف لا تعرفنا؟! لقد أكلت وشربت في منازلنا!! ونحن باسمك تنبأنا، وباسمك أخرجنا شياطين، وباسمك صنعنا قوات وعجائب!! نعم لا أعرفكم. إن شكليات العبادة لا تنفعكم، ولا المواهب.
لابد إذن من معرفة حقيقية بالله، ليست معرفة الكتب، ولا معرفة العظات، ولا معرفة العقل وحده، بل معرفة القلب. بالخبرة، واللقاء.
قال أيوب للرب: بسمع الأذن سمعت عنك، أما الآن فقد رأتك عيناي. فهل أنت مجرد إنسان تسمع عن الله، أم قد رأيته بعينيك؟ هل تقابلت معه، ولو في الطريق إلى دمشق، وأنت ترفس مناخس.
اجلس إلى نفسك ولو قليلًا، وأحصر لقاءاتك مع الله…
استرجع في قلبك وفكرك، خلواتك معه، واختبارك له، وتأثرك به، ومذاقتك لحلاوته. لا تكن غريبًا عليه، “كمقنعة عند قطعان أصحابه”… ابحث عنه باستمرار، قل له “أين ترعى، أين تربض عند الظهيرة؟”…
إن فترات الصوم مناسبات روحية صالحة للقاء مع الله.
التق به على صفحات كتابه، التق به في الصلاة، في التناول من جسده ودمه. التق به عند المذبح، في بيته.
أترك شكليات العبادة، وأدخل إلى عمق الصلة بالله.
اليس من المؤسف أن يدخل إنسان بيت الله، ولا يلتقي بالله في داخل بيته؟!
ربما يلتقي في الكنيسة مع المؤمنين، أو يلتقي فكريًا مع عظة أو قراءة… وقد يصلي، ولا يلتقي مع الله في صلاته. لا تدخل طلبته إلى حضرة الله… إنها مجرد كلام، كمن يحادث نفسه! ويقول الله في عتاب:
“هذا الشعب يعبدني بشفتيه. أما قلبه فمبتعد عنى بعيدًا”.
لابد أن تدخل إلى العمق. لابد أن تحس وجود الله في صلاتك، وفي شتى علاقاتك بالله… جاهد في الله. صارعه كما صارعه يعقوب. قل له “لا أتركك حتى تباركني”، حتى تظهر لي ذاتك، وتسكب في قلبي محبتك، وتجعلني أشعر بك، وأحيا كما عاش القديسون في عمق وفي حرارة… أريد أن أشعر بأنني أكلمك، وبأنك واقف أمامي.. أريد أن أقول كيوحنا…
“الذي سمعناه، الذي رأيناه بعيوننا، الذي لمسته أيدينا” جاهد مع الله، صارعه حتى الفجر. أمسكه ولا ترخه.
قل له: أريد أن أحبك، أريد أن أحبك أكثر من الكل، وأكثر من كل شيء. أريد أن تمنحني هذا الحب كعطية مجانية من عندك. لا أستطيع أن أقضي عمري وهم يحدثونني عنك دون أن أراك…
أريد أن أبصر هذا السلم الواصل بيني وبينك بين الأرض والسماء. ليكن سلم الحب والعشرة والمذاقة والاختبار
- مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة السنة الخامسة – العدد الثالث عشر 28-12-1974




