لقاءات القديسين

بمناسبة صوم العذراء، أود أن نتأمل معًا في درس روحي نتعلمه من حياتها.
من الأحداث الهامة في حياة العذراء، زيارتها لإليصابات
نريد أن نأخذ من هذا اللقاء العجيب بين القديسة العذراء والقديسة إليصابات درسًا عن لقاءات القديسين
لقاءات القديسين[1]
دروس من مقابلة العذراء لإليصابات:
1- أول ما يتميز به هذا اللقاء، ما ظهر فيه من روح الخدمة:
حالما سمعت العذراء بأن إليصابات حبلى في شيخوختها، أسرعت لتخدمها، لأنها شعرت أن هذه العجوز القديسة في حاجة إلى من يقف إلى جوارها. وهكذا ظلت معها حتى ولدت. وبذلت العذراء ما تستطيعه لتخدمها، وبقيت إلى جوارها ثلاثة أشهر.
2- نرى في هذا اللقاء أيضًا روح الاتضاع، من الجانبين:
اتضاع من أم المخلص، التي لم يرتفع قلبها بظهور الملاك لها، وببشرى ميلاد المسيح منها، وما وصلت إليه من مركز أكبر من أن تحتمله امرأة، ومع كل ذلك ذهبت لتخدم… دون أن يكبر قلبها.
لهذا قالت أليصابات أيضًا في اتضاع “من أين لي هذا، أن تأتي أم ربي إليَّ؟!”
3- كان هذا اللقاء أيضًا مملوءًا من عمل الروح القدس.
يقول الكتاب “فلما سمعت أليصابات سلام مريم، ارتكض الجنين في بطنها، وامتلأت أليصابات من الروح القدس” (لو1: 41). مجرد كلمة السلام، سمعتها أليصابات من مريم، جعلتها تمتلئ من الروح القدس…
ما أعجب هذا التأثير الروحي في لقاءات القديسين. كثيرًا ما نسمع عنه في الكتاب: بطرس يدخل بيت كرنيليوس ويتكلم، فيمتلئ الجميع من الروح القدس…
وهنا لم تمتلئ أليصابات فقط من الروح، بل أيضًا جنينها…
كان هناك لقاءان: أحدهما بين مريم وإليصابات، والثاني بين يوحنا الجنين، وبين المسيح الجنين.
وكما امتلأت أليصابات من الروح. كذلك قيل عن جنينها “ومن بطن أمه يمتلئ من الروح القدس” (لو1: 15). وهكذا بالروح عرف الرب، وارتكض بابتهاج في بطن أمه للقاء ربه، الذي من أجله سيولد، ليعد الطريق قدامه..
لقاء مريم بإليصابات: كان فيه روح الخدمة، وروح الاتضاع، وعمل الروح القدس… وماذا كان فيه أيضًا؟
4- انه لقاء كان يتسم بكلام البركة والتطويب:
صرخت أليصابات بصوت عظيم، وقالت لمريم “مباركة أنت في النساء، ومباركة هي ثمرة بطنك… فطوبى للتي آمنت أن يتم ما قيل لها من قبل الرب”…
5-وكان لقاءًا فيه أيضًا روح النبوة والكشف والإعلان الإلهي.
من أين علمت أليصابات بأن العذراء قد صارت أم الرب، حتى تقول لها “من أين لي هذا، أن تأتي أم ربي إليَّ؟!”. كذلك كيف عرفت أنه قيل لها شيء من قبل الرب وأنها آمنت بما قيل لها؟ لا شك أنه نوع من الكشف الإلهي، ومعرفة الخفيات. إنه روح النبوة تمتعت به هذه التي امتلأت من الروح القدس.
6- وفى هذا اللقاء أيضًا نرى روح التسبيح وروح الصلاة:
وقفت مريم تسبح الرب بتسبحتها الشهيرة، وتصلي صلاة طويلة، وتقول “تعظم نفسي الرب، وتبتهج روحي بالله مخلصي، لأن القدير صنع بي عجائب، واسمه قدوس”.
7- إنه لقاء روحي بين امرأتين قديستين، يعطينا فكرة عما يجب أن تكون عليه اجتماعات النساء وأحاديثهن.
امرأة تقابل أخرى، في امتلاء من الروح القدس، بلقاء فيه روح الخدمة، وروح الاتضاع، وروح النبوة، وفيه البركة والتطويب، وفيه الصلاة والتسبيح. هكذا يكون لقاء القديسين…
لقاءات القديسين وصفاتها:
قد يجتمع اثنان خاطئان. فكل منهما يجذب الآخر إلى أسفل، ويملأ سمعه وفكره وقلبه بما لا يفيد…
وقال أحد القديسين: إذا سرت مع إنسان قديس من قلايتك إلى الكنيسة، يقدمك في الحياة الروحية عشر سنوات، وإن سرت مع إنسان منحل، يؤخرك خمسين سنة.
لهذا ينبغي أن نحسن اختيار الأشخاص الذين نلتقي بهم…
نتخير نوع الشخص، ونوع الجلسة، ونوع الحديث، حتى لا تنحسر أرواحنا من مشورة الأشرار، ومن مجالس المستهزئين (مز1).
نقرأ في بستان الرهبان أن كثيرين كانوا يتكبدون الأسفار، ويعبرون البحار، والبراري والقفار، لمجرد سماع كلمة منفعة من راهب.
فلقاءات القديسين فيها كلام المنفعة، وفيها أيضًا المنظر الروحي
قابل البعض القديس الأنبا أنطونيوس، وسألوه في أمور. وشخص آخر لم يسأل، وإنما قال للقديس: “يكفيني مجرد النظر إلى وجهك يا أبي”. مجرد النظر إلى وجه القديسين كانت فيه منفعة روحية.
لذلك كان قديسون يتقابلون، ويجلسون صامتين، ويستفيدون روحيًّا…
مثال ذلك: اللقاء بين البابا ثاؤفيلس والأنبا بفنوتيوس. قال الأنبا بفنوتيوس: “إن لم يستفد من سكوتي، فمن كلامي أيضًا سوف لا يستفيد”. لأن الذي يريد أن يستفيد، ممكن أن يستفيد من السكوت.
لقاءات القديسين مملوءة من النفع الروحي: فيها كلمة المنفعة، وفيها القدوة الصالحة، والروح الطيبة التي يمتصها الشخص من الآخر. وفيها أيضًا البركة. يكفي أن تقابل قديسًا لمجرد أخذ بركة…
لقاءات القديسين في الكتاب
من هذه اللقاءات التاريخية: مقابلة إبراهيم أب الآباء لملشيصادق (تك4).
ملشيصادق ملك ساليم، وملك البر، وكاهن الله العلي. قدَّم إبراهيم في هذا اللقاء العشور، وقدم ملشيصادق خبزًا وخمرًا. ومن العجيب أنه لقاء كان يحمل أيضًا رموزًا روحية، ونبوءات…
كذلك من المقابلات التاريخية، لقاء إبراهيم بضيوفه الثلاثة (تك18)
لقاء ظهرت فيه روح البساطة، إذ ركض إبراهيم لاستقبالهم وهو شيخ، بروح الاتضاع، إذ سجد لهم إلى الأرض وقال: “يَا سَيِّدُ، إِنْ كُنْتُ قَدْ وَجَدْتُ نِعْمَةً فِي عَيْنَيْكَ فَلاَ تَتَجَاوَزْ عَبْدَكَ”(تك3:18). وروح الخدمة والكرم؛ إذ غسل أرجلهم وذبح لهم وأحضر طعامًا كثيرًا. كما ظهرت في هذا اللقاء مواعيد الله، وظهرت محبة إبراهيم وتشفعه في أهل سدوم.
لا شك أنه ما كان يعلم أن ضيوفه هم الرب وملاكان معه، وإلا ما كان ذبح لهم ويقدم زبدًا ولبنًا وخبزًا…
ومن لقاءات المحبة المشهورة في الكتاب: لقاء داود ويوناثان.
إنه لقاء الحب، والإخلاص، والعهود. وقف فيه يوناثان ضد أبيه من أجل محبته لداود مسيح الرب. وقف ضد الملك وتعرَّض لإيذائه، وضحَّى بنفسه لينقذ صديقه. وبكى الاثنان، وظل داود زمانًا طويلًا يذكر محبة يوناثان. وقال بعد وفاته: “قَدْ تَضَايَقْتُ عَلَيْكَ يَا أَخِي يُونَاثَانُ. كُنْتَ حُلْوًا لِي جِدًّا. مَحَبَّتُكَ لِي أَعْجَبُ مِنْ مَحَبَّةِ النِّسَاءِ”(2صم26:1). ولما صار ملكًا، ظل يبحث: هل بقي هناك أحد من بيت شاول، لأقدم له معروفًا، لأجل يوناثان…
هناك أيضًا لقاءات للقديسين خاصة بالخدمة كلقاء بولس بتيموثاوس، كاجتماع الرسل في مجمع أورشليم.
قال له: “بَادِرْ أَنْ تَجِيءَ إِلَيَّ سَرِيعًا،… خُذْ مَرْقُسَ وَأَحْضِرْهُ مَعَكَ لأَنَّهُ نَافِعٌ لِي لِلْخِدْمَةِ”(2تي4: 9 – 11). وتقابل الثلاثة لأجل الخدمة.
هناك لقاءات أخرى للتصافي، كلقاء يوسف الصديق بإخوته
بكى وبكوا، وغفر لهم، وتصافوا، وأعطاهم من حُبّه، وأعطاهم أرضًا ورزقًا وصفحًا، وأراح قلوبهم، وكفكف دموعهم…
ولعل أعظم اللقاءات في التاريخ لقاء السيد المسيح بالمعمدان
منذ زمان كان يوحنا يشتاق إلى هذا اللقاء… وهو لقاء ظهر فيه تواضع الرب العجيب، وظهر فيه الروح القدس كحمامة، وسمع فيه صوت الآب. إنه يوم الظهور الإلهي…
من اللقاءات الجميلة أيضًا لقاء موسى وإيليا على جبل التجلي، مع الرب في وسطهم…
كذلك لقاء فيلبس بالخصّي الحبشي، حيث شرح له سفر إشعياء، وقاده إلى الإيمان وإلى العماد أيضًا. حدثه عن الأمور المختصة بالملكوت كما حدَّث المسيح تلاميذه، وكما شرح لتلميذي عمواس…
جميل في لقاءات القديسين، التقاؤهم حول كلمة الله..
لقاءات للقديسين، في التاريخ
من أشهر هذه اللقاءات، لقاء الأنبا أنطونيوس بالأنبا بولا..
بهذا اللقاء عرفنا سيرة الأنبا بولا، وعرفنا السياحة، وجلس القديسان يتحدثان عن عظائم الله، وعن عمله في الكنيسة… لقاء شعر فيه الأنبا أنطونيوس العظيم بضآلة شأنه، وأن هناك من هو أعظم منه في حياة الرهبنة.
وكما أخذ القديس أنطونيوس درسًا في الاتضاع من لقائه بالأنبا بولا، كذلك اتضع القديس مقاريوس عندما التقى بالسائحين..
رجع مكاريوس العظيم الأب الروحي لبرية شيهيت وقال لتلاميذه: “إنني لست راهبًا، ولكنني رأيت رهبانًا”…
من اللقاءات المشهورة أيضًا لقاء الأنبا أنطونيوس بالقديس مقاريوس، وقوله عنه: “إن قوة غريبة تخرج من هاتين اليدين”..
لقاءات القديسين لقاءات عجيبة، حياة في جو روحي، لقاء للناس مع الله، لقاء يجذب إلى فوق، فيه بركة، وقدوة ومنفعة وعمق. لقاء حول كلمة الله، أو حول الصلاة.
ومن لقاءات الصلاة هذه، لقاء الأنبا غاليون السائح بالسواح الثلاثة الذين ترهَّبوا في دير القديس الأنبا شنوده..
رآهم من بعيد، وهم يرتلون المزامير، فأخذ يصليها معهم بلحنها. واقتربوا وهم يصلون، وهو يصلي معهم. ووقفوا معه يكملون ترتيل المزامير وهو يصلي معهم. وهكذا التقوا في الرب.
[1] مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة السابعة – العدد الثاني والثلاثون 13-8-1976م




