القديس الأنبا رويس

من سير القديسين
احتفلت الكنيسة يوم 31 أكتوبر الماضي (21بابه) بتذكار الرجل البار
القديس الأنبا رويس1
هذا القديس العظيم البتول الفقير الزاهد، نال شهرته العظيمة دون أية وظيفة أو درجة كنسية. لم يكن راهبًا ولا أسقفًا ولا صاحب أية رتبة من رتب الإكليروس. ولكنه كان أعظم وأشهر وأقرب إلى الله والناس من أصحاب الرتب والوظائف والدرجات.
ولد باسم “فريج” بمنية بمين بالغربية من أب فلاح يدعى اسحق. وكان يساعد أباه في الفلاحة، ويبيع الملح على جمله الصغير المسمى “رويس” وهذا الجمل غالبًا ما يظهر معه في صوره. وقيل إنه كان جملًا ذكيًا، يلبي دعوته، ويغطيه إذا نام، ويوقظه في موعد الصلاة.
زهده:
عاش الأنبا فريج غريبًا على الأرض، زاهدًا في كل شيء…
زهد المسكن، فعاش متجولًا بجمله من مكان إلى آخر، ليس له مكان إقامة. ليس له بيت ولا مسكن. يبيت أحيانًا في الطرقات، وأحيانًا في بيوت المؤمنين. كان يترنم بلهجة حزينة مؤثرة بقول المزمور:” ويل لي فإني غريب، وغربتي قد طالت عليَّ”.
وزهد أيضًا الملبس، فكان يجول شبه عار، يحتمل الحر والبرد ولفحات الريح، بمظهر يستهزئ به الناس، يحمل بسببه تعييرات العامة والصبيان.
وزهد الطعام، وكان شديدًا في قمعة لجسده وصومه الانقطاعي. كان يطوي اليومين أو الثلاثة صومًا. ومرة صام أسبوعًا، وشهد عنه البابا متاؤس معاصره أنه انقطع عن الطعام 11يومًا. وقيل إنه انقطع مرة 26 يومًا.
وزهد المال، فكان يرفض الهبات التي تقدم له من الأغنياء. في إحدى المرات كان سائرا مع أحد تلاميذه، فصاح في تلميذه محذرًا “إياك أن تطأ بقدمك هذه العقرب لئلا تلدغك وتميتك بسمها القاتل”. والتفت التلميذ فلم ير عقربًا وإنما درهمًا ذهبيًا هو الذي عناه القديس…
وزهد الشهرة والكرامة: فلما اشتهر اسمه “فريج” بين الناس، غيره واتخذ لنفسه اسم جمله “رويس” ولما اشتهر هذا الاسم أيضًا، تنكر له. ولما سألوه في تجوالاته عن اسمه قال: ” تيجي افليو” أي (الجار المجنون)؛ فاشتهر اسم تيجى كذلك. وهو الاسم الذي تعرفه به الكنيسة في “لحن بينشتي” وغيره.
وكان يحتمل في صبر شديد إهانات الأطفال والحكام، ضرب مرة 400عصا، وألقي في السجن.. وكان يوبخ نفسه قائلًا: “طوباك يا يوحنا السابق. قدمت رأسك للسياف، وأما أنا الشيخ الفاني فإني لا أحتمل طعنة صغيرة!”.
رؤاه واختطافه:
وكان الأنبا رويس رجل رؤى: في صغره رأى في نومه رجلين منيرين حملاه إلى كنيسة سمائية وأرجعاه. وفي عزلته رأى السيد المسيح 5 مرات بمجد لا ينطق به، وكلمه فمًا لأذن. وكان الروح يختطفه أحيانًا من مكان إلى آخر. نقله الروح مرة من كنيسة حارة زويلة إلى أسيوط، لينقل مقعدًا اسمه “وهبه” إلى كنيسة الشهيدين “بطرس وبيشاي” حيث شفى المقعد ورجع أنبا رويس في نفس الساعة بقربانه سلمها للبابا متاؤس فوزعها كبركة على الحاضرين. وسجلت هذه المعجزة في أيقونة.
وفي مرة نقله الروح إلى الشام، حيث أنقذ زوج بنت الزهري من الجنود المنطاشية ونقله إلى قصر الملك الظاهر برقوق.
محبته للعذراء:
كان يحب العذراء جدًا، ويتردد على كنيستها في حارة زويلة، وعلى كنيستها في دير الخندق – منطقة الأنبا رويس – حيث دفن. وقد تنيح في عيد العذراء في 21 بابه، حيث كانت والدة الإله إلى جواره ساعة انتقاله ورآها أحد تلاميذه.
وكان يطلبها في شفاعته. ولما سجن البطريرك، قال الأنبا رويس لأحد تلاميذه: “إن سيدتنا العذراء ستخلصه”. ورأى التلميذ في رؤيا صليبًا من نور في السماء خرجت منه حمامة وبسطت جناحيها على رأس البابا متاؤس، وسمع القديس الأنبا رويس يقول له: “متى، متى! لا يخف قلبك لأن الحمامة الحسنة التي تحبها خرجت اليوم لخلاصك”.. ونجا البطريرك من السجن، وتمت نبوءة القديس.
مواظبته على التناول:
وكان الأنبا رويس مواظبًا على التناول في أيام الآحاد والأعياد. وكان يتقدم إلى التناول بخشية شديدة وتردد، ويقول في ذلك: “لا يستحق التناول من هذه الأسرار المقدسة، إلا من كان جوفه طاهرًا نقيًا كأحشاء سيدتنا الطاهرة مريم التي استحقت أن تحمل المسيح في أحشائها”.
معرفته للأسرار
كان رجلًا “مفتوح العينين” يكشف له الله الخفيات فيعرف خطايا الناس وأسرارهم: رأي مرة المعلم صدفة يتوسل أمام أيقونة العذراء، فوبخه بقوله: “ما هذا التظاهر الباطل؟! كيف تجسر على المثول أمام السيدة الطاهرة النقية وأنت تصاحب امرأة شريرة؟!” فذهل الرجل، واقتاده القديس إلى التوبة الحقيقية، فصار راهبًا، واختاره البابا متاؤس أمينًا لقلايته…
وفي مرة أخرى كشف شماسًا يخبئ سكينًا ليقتل امرأة معينة.. وفي إحدى المرات قبض على شاب وأدبه لإفطاره وتدنسه في الصوم الكبير. وفي مرة أخرى كسر زيرًا لبعض العمال فخرج من الزير ثعبان خطر.
وأحيانًا كان يستخدم معرفته للغيب لإنقاذ الناس: دخل مرة بيت داود الشربتلي، وأخذ كميات السكر الموجودة وألقاها في البئر، فانذهلت زوجة الرجل. وبعد قليل أتى رجال الشرطة وفتشوا البيت – لأن السكر كان مسروقًا – فلم يجدوا شيئًا ونجا الرجل. وبنفس الطريقة تقريبًا أنقذ شماسًا من الفضيحة.
موهبة الشفاء:
ما أكثر معجزات الشفاء التي أجراها الله على يديه: شفى كثيرًا من المصروعين والخرس والعرج والعميان. وكان أحيانا يتطلب التوبة من المريض قبل أن يشفيه: كان “ميخائيل البنا” بمنية السيرج مصابًا بالصرع. وفي صرعه رأى عبيدًا سودًا ينقضون عليه بسهام نارية فاستنجد بالأنبا رويس فقال له القديس: “إن تبت عما أنت فيه أنقذتك منهم”. وتاب، وشفاه القديس من الصرع.
وفي مرة أخرى حملوا إليه السعيد بركة وقد كسرت رجله ليشفيه. فقال: “لو أن هذا الرجل رحم إخوته المساكين الجياع… لطلبت شفاءه”. وتاب الرجل وشفاه القديس وتزايد الرجل في عمل الرحمة حتى كان يوزع سنويًا 1000 أردب من القمح على الفقراء، ويعتني بأديرة الرهبان والراهبات..
مقبرته:
مرض الأنبا رويس 9 سنوات تحملها في صبر دون شكوى. ولما عرف ساعته، بارك تلاميذه ورشم كل أعضائه بعلامة الصليب وأسلم روحه الطاهرة في 18 أكتوبر سنة 1404م ودفن في مقبرته الحالية، وأجرى الله معجزات من مقبرته بعد انتقاله.
ورقد بجوار كنيسة العذراء وحاول البعض نقله فلم يستطيعوا.
في اليوم الثامن لدفنه سرقوا جسده فظهر لتلاميذه وأعلمهم بما حدث، فأعادوه إلى قبره. ثم حاول البعض نقل جسده في سفينة إلى دير شهران فهاجت عليهم العواصف والأمواج، فأرجعوه إلى موضعه. وفي تاريخنا الحديث أراد أرمانيوس (بك حنا) – مراقب البطريركية في عهد البابا كيرلس الخامس – أن يهدم مقبرة القديس ليبنيها على طراز أحدث. ولكن شلت يمين العامل وبقيت المقبرة كما هي.
وهكذا لم تستطع أيضًا جمعية نهضة الكنائس أن تجدد المقبرة.
مبارك هو الأنبا رويس. أبقاه الله في هذا المكان بركة له وللكنيسة كلها… ونفعنا الله بصلواته وشفاعاته.
- مقال لنيافة الأنبا شنوده أسقف التعليم – مجلة الكرازة السنة الأولى– العدد التاسع- نوفمبر 1965




