الله قدوس فكونوا قديسين

الله قدوس فكونوا قديسين[1]
صفة القداسة في الله صفة مُطلَقة، وطبيعية، وبغير حدود. فهو كلي القداسة، مثلما نقول إنه كلي القدرة، وكلي المعرفة.
سجل لنا إشعياء النبي تسبحة السارافيم، وهم ينشدون الله قائلين: “قُدُّوسٌ، قُدُّوسٌ، قُدُّوسٌ رَبُّ الْجُنُودِ. مَجْدُهُ مِلْءُ كُلِّ الأَرْضِ”(إش3:6).
ونحن نسبح الله كل يوم في صلوات الساعات، قائلين: “قدوس الله، قدوس القوي، قدوس الحي الذي لا يموت”. وقد سجل لنا سفر الرؤيا تسبحة السمائيين بقيثاراتهم وهم يرتلون: “عَادِلَةٌ وَحَقٌّ هِيَ طُرُقُكَ يَا مَلِكَ الْقِدِّيسِينَ! مَنْ لاَ يَخَافُكَ يَا رَبُّ وَيُمَجِّدُ اسْمَكَ؟ لأَنَّكَ وَحْدَكَ قُدُّوسٌ”(رؤ15: 3، 4).
وروح الله في قداسته، هو الروح القدوس.
وكما أن الله قدوس، لذلك كل ما يحيط به يتَّصف بالقداسة.
فسماء الله مقدسة، وملائكة الله قديسون، وكتاب الله هو الكتاب المقدس، والصلوات الموجهة إلى الله صلوات مقدسة. وسر الإفخارستيا نصليه بالقداس الإلهي على المذبح المقدس، بالأواني المقدسة. كذلك نقول التسبحة المقدسة، والإبصلمودية المقدسة، والخولاجي المقدس…
وبيت الله هو بيت مقدس. ونقول عنه في المزمور: “بِبَيْتِكَ تَلِيقُ الْقَدَاسَةُ يَا رَبُّ إِلَى طُولِ الأَيَّامِ”(مز5:93). ويوم الرب هو اليوم المقدس وأيضًا كل مواسم الرب وأعياده مقدسة تقام فيها محافل مقدسة (لا23: 3، 4).
بل إن المكان الذي نصلي فيه يُدعى مقدسًا، وكذلك اليوم يُدعى يومًا مقدسًا. وهكذا نقول في صلاة الشكر: “هو أيضًا فلنسأله أن يحفظنا في هذا اليوم المقدس وكل أيام حياتنا بكل سلامة”. كما نقول للرب أيضًا: “كل حسد وكل تجربة وكل فعل الشيطان ومؤامرة الناس الأشرار… انزعها عنا وعن سائر شعبك وعن موضعك المقدس هذا“.
هنا وندخل في معاني كلمات: يتقدّس، قدّس، أقدّس..
نقول في أول الصلاة الربية: “ليتقدس اسمك”، واسم الله قدوس بطبيعته. إنما نقصد بهذه الطلبة أن ينطق الناس باسم الله في تقديس وإكرام وإجلال، ولا يستخدمونه باطلًا في التافهات من الأمور. وهكذا قيل في الوصية: “لاَ تَنْطِقْ بِاسْمِ الرَّبِّ إِلهِكَ بَاطِلًا”(خر7:20).
على أن عبارة يقدّس تأتي أيضًا بمعنى “يُخصّص للرب”.
وبهذا المعنى جاءت الوصية: “اذْكُرْ يَوْمَ السَّبْتِ لِتُقَدِّسَهُ”(خر8:20). أي تخصصه للرب وحده. فلا تعمل فيه عملًا ما سوى ما يخص الرب وحده، أي أعمال العبادة، والتأمل في كلمة الله وتعليمها…
وكذلك وصية الرب لموسى: “قَدِّسْ لِي كُلَّ بِكْرٍ، كُلَّ فَاتِحِ رَحِمٍ.. إِنَّهُ لِي”(خر2:13)؛ أي من كان من بني البشر يكون لخدمة الرب، قبل أن يخصص لذلك سبط لاوي وبني هارون.. أما أبكار البهائم، فكانت تُقدَّم ذبائح للرب. أما قول ربنا يسوع المسيح عن تلاميذه: “وَلأَجْلِهِمْ أُقَدِّسُ أَنَا ذَاتِي..”(يو19:17)، فمعناها أيضًا أخصص ذاتي لرعايتهم ومنحهم القوة والطهارة.
على أن المعروف عن القداسة أنها تعني الطهارة والنقاوة.
وعنها قيل: “الْقَدَاسَةَ الَّتِي بِدُونِهَا لَنْ يَرَى أَحَدٌ الرَّبَّ”(عب14:12)، وعنها قال الرب: “كُونُوا قِدِّيسِينَ لأَنِّي أَنَا قُدُّوسٌ”(1بط16:1). وأيضًا: “نَظِيرَ الْقُدُّوسِ الَّذِي دَعَاكُمْ، كُونُوا أَنْتُمْ أَيْضًا قِدِّيسِينَ فِي كُلِّ سِيرَةٍ”(1بط15:1). وفي هذا المعنى تدخل كذلك الآية التي تقول: “طُوبَى لِلأَنْقِيَاءِ الْقَلْبِ، لأَنَّهُمْ يُعَايِنُونَ اللهَ”(مت8:5).
وعكس القداسة والطهارة؛ النجاسة، وعقوبتها شديدة.
وفي العهد القديم كانوا يصفون بها بعض أمراض كالبَرَص، وكان صاحبها يخرج خارج المحلة، وبالنجاسة أيضًا بعض الحيوانات كالخنزير…
وقيل عن أورشليم السمائية إنه: “لَنْ يَدْخُلَهَا شَيْءٌ دَنِسٌ وَلاَ مَا يَصْنَعُ رَجِسًا”(رؤ27:21).
ومن أبرز مظاهر النجاسة: الزنى. وبسبب ذلك أحرق الله سدوم التي انتشر فيها الشذوذ الجنسي (تك19). كذلك أغرق الله العالم بالطوفان. وأول مظاهر شر الناس كانت “أَبْنَاءَ اللهِ رَأَوْا بَنَاتِ النَّاسِ أَنَّهُنَّ حَسَنَاتٌ. فَاتَّخَذوا لأَنْفُسِهِمْ نِسَاءً مِنْ كُلِّ مَا اخْتَارُوا”(تك2:6). وقيل في خطورة خطية الزنى أن أجسادنا هي هياكل الله. ولذلك: “إِنْ كَانَ أَحَدٌ يُفْسِدُ هَيْكَلَ اللهِ فَسَيُفْسِدُهُ اللهُ، لأَنَّ هَيْكَلَ اللهِ مُقَدَّسٌ”(1كو3: 16، 17).
على أن النجاسة لم تقتصر على الزنى فقط؛ بل حتى أخطاء اللسان. وفي ذلك قال الرب: “لَيْسَ مَا يَدْخُلُ الْفَمَ يُنَجِّسُ الإنسان، بَلْ مَا يَخْرُجُ مِنَ الْفَمِ هذَا يُنَجِّسُ الإنسان”(مت11:15). وعلى هذا قال معلمنا يعقوب الرسول عن اللسان إنه: “يُدَنِّسُ الْجِسْمَ كُلَّهُ، وَيُضْرِمُ دَائِرَةَ الْكَوْنِ”(يع6:3).
والكتاب يعلّمنا أن المؤمنين المعمدين هم قديسون.
فيقول الرسول: “سَلِّمُوا عَلَى كُلِّ قِدِّيسٍ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ.. يُسَلِّمُ عَلَيْكُمْ جَمِيعُ الْقِدِّيسِينَ”(في4: 21، 22). ودُعِيَ المؤمن قديسًا، لأنه تقدَّس بالدم الكريم الذي “يُطَهِّرُنَا مِنْ كُلِّ خَطِيَّةٍ”(1يو7:1). وقد غُسِلَ من خطاياه في المعمودية المقدسة، التي ولد منها إنسانًا جديدًا بارًّا. ولأنه أيضًا قد تقدس بالمسحة المقدسة، حينما رشم بالميرون المقدس 36 رشمًا في كل فتحات جسمه ومفاصله…
على أننا حاليًا نطلق كلمة قديس على مستوى معين من المؤمنين، مشهود له بأنه عاش في قداسة السيرة، أو عن قديس من أبطال الإيمان أو من صانعي الآيات والمعجزات.
ونحن نطلب القداسة في صلواتنا وفي القداس الإلهي…
ونقول في قطع الساعة الثالثة: “أرسل لنا نعمة روحك القدوس، وطَهِّرنا من دنس الجسد والروح. وانقلنا إلى سيرة روحانية، لكي نسعى بالروح ولا نكمل شهوة الجسد”، ونقول في القداس الإلهي: “طَهِّر نفوسنا وأجسادنا وأرواحنا”.
بل بالقداسة نتقدَّم للتناول من الأسرار المقدسة ذاكرين قول صموئيل النبي حينما أراد أن يقدم ذبيحة في بيت لحم: “تَقَدَّسُوا وَتَعَالَوْا مَعِي إِلَى الذَّبِيحَةِ”(1صم5:16). ونقول عن التَّقدُّم للتناول: “القدسات للقديسين”، أي للأطهار الذين استعدوا استعدادًا روحيًّا للتناول من الأسرار المقدسة.
[1] مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة الثانية والثلاثون – العددان 35، 36 (19-11-2004م)



