الكبرياء والتواضع

بدأنا من الأسبوع الماضي نشر محاضرات قداسة البابا التي يلقيها كل جمعة بالكاتدرائية المرقسية الكبرى. وقد كانت المحاضرة الماضية بداية سلسلة عن” الكبرياء والتواضع” نكلمها في هذا العدد.
الكبرياء والتواضع1
هناك فضائل أمهات تلد فضائل عديدة. وهناك خطايا أمهات تلد بدورها كثرة من الخطايا. واحدة من هذه إن دخلت القلب، يمكن أن تفسده كله. كنقطة حبر واحدة تقع في كوب ماء فتفسد الماء كله. من أمثلة هذا النوع، الكبرياء… فبها يمكن أن يفسد القلب والعقل معًا، والحياة كلها، والعلاقة مع الله ومع الناس. فما هي نتائج الكبرياء وأولادها؟
1- الكبرياء، والأنانية:
المتكبر يقع دائمًا في الأنانية، في محبة الذات. هو إنسان متمركز حول ذاته. لا يرى في الدنيا سوى نفسه فقط. كل من يصطدم بذاته هذه، ينبغي أن يحطمه، لتبقى ذاته وحدها. وبينما نرى المتواضع يحب جميع الناس، نرى المتكبر المتمركز حول ذاته، لا يحب سوى ذاته فقط.
2- الكبرياء تنتج الحسد والغيرة:
محبة الذات والأنانية الناتجان عن الكبرياء، يمكن أن تقودا الإنسان إلى الحسد والغيرة. كيف قتل قايين أخاه؟ كان يريد أن يكون هو المقبول عند الله، فلما قبل الله أخاه هابيل، دخله الحسد، فتضايق، ودخله الغضب، ثم الانتقام. وانتهى إلى القتل… إنها خطية ولود.
يقول القديس مكاريوس: “افرحوا بكمال إخوتكم”. ولكن المتكبر لا يفرح إن صار أخوه كاملًا. إنه يريد أن يكون هو الكامل الوحيد…!
الإنسان القديس يحب أن جميع الناس يصيرون قديسين. الأب المحب يسر إن صار ابنه عظيمًا، وأعظم منه، كما فرح داود بابنه سليمان. أما المتكبر فإذا رأى غيره يكرم أكثر منه، فإنه يتعب، ويحسده، بل ويبغضه. قال القديس أوغسطينوس: “الكبرياء هي أم الحسد”.
كل إنسان متكبر يمكن أن يكون حسودًا. والحسود يتغذى بمصائب الآخرين. المتكبر يثقل عليه أن يمدح غيره. أما المتواضع فيقول: “هذا أبر مني وهذا أفضل مني، وهذا أعمق مني صلاة، وهذا أكثر مني علمًا. وهذا أقرب إلى الله…” ويمدح الكل، ويصف نفسه وحده بالخطية.
أما إذا تعجرف القلب من الداخل، فإن الإنسان يرى نفسه في حالة حسنة، وكل الناس أشرارًا وجهلة وناقصون… لذلك قال القديس بلاديوس عن الأنبا بيمن: “إنه كان يعالج الحسد بالاتضاع”. قال القديس يوحنا الأسيوطي: “إن الحسد هو ثمرة المجد الباطل. وسئل: “ما هي آخر حدود الحسد؟” فقال: “حده أن الإنسان لا يقدر أن يسمع مديحًا يقال في غيره”!
الإنسان المتواضع لا يحسد غيره، لأنه لا يشتهي الرفعة التي يحصل عليها غيره. هو دائمًا يتخذ المتكأ الأخير، ويقدم غيره على نفسه في الكرامة. ويحسب ذاته باستمرار غير مستحق لشيء ولا للجلوس بين الناس. لذلك يمدح الكل، ويكرم الكل، ولا يحسد أحدًا. أما المتكبر فإذ يريد أن يكون الإكرام والمديح له وحده، لذلك يحزن لنجاح الآخرين، ويفرح لفشلهم…
الأنانية والحسد والغيرة من نتائج الكبرياء. فماذا أيضًا؟
3- عدم الطاعة وعدم الاستشارة:
المتواضع يمكنه أن يطيع لأنه يرى أن رأي الأب ورأي المرشد أفضل من رأيه هو. أما المتكبر فإنه يعتز برأيه جدًا. ويهاجم كل رأي يصطدم برأيه، حتى لو كان رأي المرشد، أو على الأقل يحتقره في داخله ويستهين به. لذلك فإنه إن أطاع المرشد أو الأب الروحي، تحتاج طاعته إلى الكثير من التغصب، ويعتبرها صليبًا أو استشهادًا، أو حملًا ثقيلًا. أما المتواضع فيفرح بالإرشاد، ويعتبر أن كلمة أبيه الروحي خارجة من فم الله.
والمتواضع لا ينتظر حتى يؤمر فيطيع، بل يسعى من نفسه إلى طلب المشورة، لأنه على فهمه لا يعتمد. يشعر باستمرار أنه محتاج إلى أن يتعلم وأن يسأل، وأن يفهم. لذلك فإن الآباء الروحيين يستريحون مع أبنائهم المتواضعين. أما المتكبر فلا يستشير، لأنه لا يشعر أن شيئًا من المعرفة ينقصه. إنه مكتف بذاته وبفهمه. وإن سأل أب اعترافه، فإنما يسأله عن الأمور التي يتفق فيها رأيه مع رأيه. أما إذا كان يعرف أن أب الاعتراف له رأي آخر، فلا يستشيره لئلا يضطر إلى عدم طاعته.
المتواضع يسأل في كل شيء، ولا يستنكف أن يسأل من هو أقل منه، ويحترم رأي الكل. أما المتكبر فنادرًا ما يسأل. لماذا يسأل وهو يفهم كل شيء؟! كل الأمور واضحة أمامه لا تحتاج إلى سؤال. كما أنه لا يوجد من هو أكبر منه فهمًا حتى يسأله!!
القديس مكاريوس الكبير سأل الصبي زكريا، واستفاد من إجابته.
والقديس أنطونيوس الكبير استفاد من كلمة قالتها امرأة لم تستح أن تخلع ملابسها أمامه لتستحم في النهر. ومار إفرام السرياني استفاد من عبارة قالتها له امرأة خاطئة.
المتواضع يمكنه أن يستفيد من كل أحد، ويأخذ الخير الموجود في كل شيء
أما المتكبر فلا يحاول أن ينتفع إلا من أفكاره، ويرفض ما عداه. أو ينظر إلى آراء غيره بعين النقد أو بعين النقض. لذلك لا يرى الخير حتى يستفيد منه؟ نظره حساس للشر بالأكثر…
الإنسان المتواضع سهل عليه أن يطيع، إذ يؤمن أن الله سيرسل إليه الكلمة التي يحتاج إليها، على فم مرشده، أو على فم المتكلم معه أيًا كان. ويعطيه الله حسب إيمانه. من أجل إيمانه، يعطي الله محدثه ما يقوله له.
أما المتكبر فإنه بسبب روحه الناقدة وقلة إيمانه، لا يستفيد مما يسمعه.
4-الكبرياء والمجادلة:
والمتواضع سهل الحديث، لا يجادل كثيرًا، ولا يقاطع غيره إنه يبحث عن النقط البيضاء فيما يسمعه أو يقرأه أو يشاهده، ويستفيد منها. أما المتكبر فنظرته دائمًا سوداء، دائمًا يبحث عن الخطأ وينتقده، فيثبت للناس أنه أكثر فهمًا وأعمق فكرًا. هو لا يبحث عن النقط البيضاء ليستفيد منها، بل يبحث عن السوداء لينتقدها.
إنه لا يبحث عن النقط البيضاء لسببين: أولهما لأنه لا يريد أن يستفيد، وليس بحاجة إلى أن يستفيد من غيره. وثانيًا لأنه في علوه يرى غيره أقل منه، فيبحث عن النقط التي تثبت أنه أقل منه.
المتكبر يجادل كثيرًا، ويناقش، أو بالتعبير العامي (يقاوح).
لا يستطيع أن يسلم برأي غيره. إن اختلف مع غيره، فلا بد أن يكون غيره مخطئًا وأن يكون هو المصيب، ولابد أن يثبت أنه على حق ولو بالمغالطة، أو بالمقاوحة…
المتواضع من السهل أن تتفاهم معه. أما المتكبر فقد تطول جلستك معه، وقد تستمر المناقشة ساعات، ولا تخرج بنتيجة. مجرد جدال ليثبت أنه على حق.
لما أيوب الصديق كان “بارًا في عيني نفسه” ناقشه أصحابه الثلاثة مناقشة طويلة كتبت في 28 إصحاحًا، ولم يخرجوا بنتيجة…
لذلك قال القديسون: أن المتكبر يحب أن يقيم كلمته باستمرار.
لا يستطيع أن يقول: “اخطأت” في شيء. لأنه يرى هذا ضد كرامته، وضد معرفته، وضد فكرة الناس عنه…
5- الكبرياء والعناد:
من أجل كل ما سبق، نرى أن المتكبر يتصف بالعناد، وصلابة الرأي، وعدم التزحزح عن رأيه قيد أنملة مهما حاولوا إقناعه أنه مخطئ.
المتواضع يمكن أن يعترف بالخطأ بسهولة، ليس فقط من جهة أخطائه، بل أنه قد ينسب إلى نفسه أخطاء غيره، ويتحمل مسئوليتها، ويتعرف بها، ولا مانع عنده أن يتحمل عقوبة بسببها. من السهل عليه أن يقول: “أخطأت” وأن يقولها لكل أحد، وأن يكررها كل يوم. أما المتكبر فإنه عنيد. يطول معه النقاش، وتكثر الأدلة والبراهين والإثباتات والجدل، بلا جدوى… ليس سهلًا في حديثه، ولا في تقبله لآراء غيره. المتواضع قد يقبل الرأي المخالف له باحترام.
أما المتكبر فإنه عاصفة بلا عاطفة، تحطم كل ما هو في طريقها في عناد وإصرار، وبلا رحمة…
6- الكبرياء والمنافسة:
المتكبر إذ يحب أن يصير أكبر من الكل، لذلك يدخل في منافسات وفي صراعات مع غيره. أما المتواضع فإنه لا ينافس أحدًا، واضعًا أمامه قول الكتاب: “مقدمين بعضكم بعضًا في الكرامة” إنه يحب المتكأ الأخير، ويهرب من المتكأ الأول، يتركه في سهولة للمتكبر.
قال الشيخ الروحاني: “في كل موضع وجدت فيه، كن صغير إخوتك وخديمهم”. المتواضع يسمع لقول المسيح فيصير آخر الكل، لذلك لا ينافس أحدًا.
7- الكبرياء تلد التذمر:
المتواضع إذا أخذ شيئًا قليلًا، يعتبر أنه لا يستحق حتى ذلك القليل. لذلك فهو دائمًا يشكر، ليس فقط على القليل بل حتى لو كان ليس شيء، يقول: يكفي أنني اتمتع بالحياة وهذا مالا استحقه. لذلك فهو دائمًا في فرح، وفي رضى، وفي قناعة.
أما المتكبر فإنه دائمًا يتذمر، مهما أخذ، يشعر أنه يستحق أكثر…
حتى في التعامل. يريد دائمًا لونًا معينًا من الاحترام والتوقير. وإن ناله لا يشكر، لأنه شيء طبيعي. وإن لم ينله يسخط. إنه دائمًا يطلب المزيد، لأن نفسه تريد باستمرار أن تكبر. الشيطان خلق ملاكًا، وفي بهاء عظيم، ولم يكتف. أراد أن يصير مثل الله (إش14). إن حياة الاتضاع ترتبط بحياة الشكر، والكبرياء بالتذمر.
المتكبر قد يشعر أنه مظلوم مهما أخذ، شاعرًا باستحقاقه لما هو أكثر.
8- الكبرياء والأمراض النفسية:
المتكبر ما أسهل أن يصاب بالأمراض. نفسه تتذمر، وتثور وتغضب لكرامتها، إنه لا يحتمل كالمتواضع، لذلك فأعصابه دائمًا مريضة ومتعبة. وشعوره بالظلم قد يصيبه بمرض (عقدة الاضطهاد)، وشعوره بالعظمة قد يتطور به إلى مرض (البارانويا) فيأتيه جنون العظمة، ويتخيل أنه فوق الكل، ويأتي بأعمال تتفق وهذا الجنون.
9- صفات أخرى للمتكبر والمتواضع:
الإنسان المتواضع لا يحب أن يظهر، والمتكبر يحب الظهور، يحب الشهرة، ويحب أن يكون مركز الاهتمام وموضع الرؤيا. المتواضع يختفي ليظهر غيره. ربما يدخل إلى كنيسة، فيقف خلف عمود، لا يراه أحد. يشعر أنه لا يستحق أن يدخل الكنيسة، ولا يستحق أن يهتم به أحد.
خطية الكبرياء تلد خطية الافتخار، وخطية التعالي، وخطية العظمة.
- مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة السنة الخامسة – العدد الثامن 23-11-1974




