الكبـرياء والاتضـاع

سننشر في هذه الصفحات كل أسبوع الأحاديث التي يلقيها قداسة البابا في اجتماعه بالكاتدرائية الكبرى. وقد كان موضوع الأسبوع الماضي عن الكبرياء والاتضاع.
الكبـرياء والاتضـاع1
ذكرنا قبلًا أن الخطية الأولي التي وقع فيها الشيطان كانت هي الكبرياء، والخطية الأولي التي أغرى بها الشيطان آدم وحواء كانت هي الكبرياء أيضًا إذ قال لهما “تصيران مثل الله، عارفين الخير والشر”. وضربنا مثلًا بأيوب الصديق كيف أنه “كان بارًا في عيني نفسه” وأنه “حسب نفسه أبر من الله” (أي32: 1، 2) نريد أن نتكلم عن هذه الخطية الجبارة التي استطاعت أن تسقط الملاك والإنسان.
قال أحد القديسين: إن كان التواضع هو أحسن الفضائل، فإن الكبرياء تكون أشر الرذائل. وقال الكتاب
“قبل الكسر الكبرياء، وقبل السقوط تشامخ الروح”.
وقال الكتاب إن الرب “يقاوم المستكبرين”. قيل إنه “يدوس على كبرياء البحر. عند ارتفاع لججه هو يسكتها”. إذن فالمتكبر يتعرض لأن يقاومه الرب نفسه. لذلك عندما حورب أيوب بالمجد الباطل قال عنه الكتاب “الله يغلبه لا الإنسان” (أي32: 13).
وعكس ذلك قال الرب عن المتواضعين “قريب هو الرب من المنسحقي القلب”.
ماهي الكبرياء؟
الكبرياء هي ارتفاع القلب. إنسان يكبر في عيني نفسه، ويريد أن يرتفع في أعين الناس. بل قد يقف أمام الله أيضًا في كبرياء.
بستان الرهبان قسم الكبرياء إلى نوعين: عجرفة علمانية، وعجرفة رهبانية. أما الأولى فقصد بها العجرفة في المظهر الخارجي: عظمة في اللبس، في الملامح، في طريقة الكلام، في المشي، في الجلوس. نفخة خارجية. يتكلم بنوع من التعالي ينظر في عظمة، ويجلس في عنجهية… هذه كلها كبرياء في الظاهر.
إلى جوار هذه الكبرياء في المظاهر الخارجية، توجد كبرياء في الداخل، في داخل القلب، يظن بها الإنسان أنه شيء. يظن أنه كبير، ثم يتطور إلى أن يعامل الناس ككبير…
يكلم الناس من فوق. يعاملهم بمعاملة لا يقبل على نفسه أن يعامل بها. يوجد فرق بينه وبين غيره. يشعر أنه أكثر من الناس برًا وقداسة. يشعر أنه أعمق منهم فكرًا ومعرفة. يظن دائمًا أنه على حق وغيره على ضلال. لا يعترف مطلقًا أنه مخطئ. يتطلب لونًا معينًا من الاحترام، وأسلوبًا خاصًا من المعاملة.
فما هي أسباب الكبرياء؟
ربما يكبر إنسان في عيني نفسه من أجل مركزه، أو غناه، أو قوته، أو ذكائه، أو علمه، أو جماله، أو شكله وأناقته، أو قد يكون سبب كبريائه ما حباه به الله من نعم ومواهب: كالمواهب الفنية أو العقلية أو ربما يكبر بسبب مواهب روحية. كأن يتكبر إنسان بسبب تقواه، قدرته على الصوم، دموعه في الصلاة، سهره، مطانياته، تأملاته… أو بسبب مواهبه في صنع المعجزات.
العجيب أن غالبية المتكبرين هم من النوع الذي أحسن الله إليه. فبدلًا من أن تقوده الموهبة إلى الشكر، ينحرف بها إلى الكبرياء…
المفروض أن الإنسان كلما كثرت مواهبه يتضع. كما القديسون إن الشجرة الجيدة المحملة بالثمار تنحني أغصانها إلى أسفل من ثقل ما تحمل من ثمر. أما الشجرة التي بلا ثمر، فإن الريح ترفع أغصانها إلى فوق، من خفتها… عجيب أن يكون الممتلئون متضعين، بينما الفارغون يرتفعون.
المفروض أن يتضع أصحاب المواهب، عارفين أن هذه المواهب هي من الله لهم، وليست منهم، هي موهوبة لهم من رب المواهب. فيعطون المجد لله ولا يأخذونه لأنفسهم. كما قال المرتل “ليس لنا يا رب ليس لنا، ولكن لاسمك القدوس أعط مجدًا”.
هؤلاء المتضعون يشكرون الله على عطيته، ولا يشكرون أنفسهم.
إن افتخر إنسان بموهبة أو تكبر بسببها، ما أسهل أن يرفعها الله منه. بل ما أسهل أن تفارقه نعمة الله بسبب عجرفته، فتلقيه الشياطين في العكس. ولذلك قال أحد الآباء. المفتخر بالعفة، يقع في الزنا. والمفتخر بالمعرفة يقع في البدع والهرطقات. والمفتخر بالقداسة يقع في فخاخ الشياطين.
قال أحد القديسين. إن أعطى الله إنسانًا موهبة، فأحيانًا يعطيه إلى جوارها ضيقة أو تجربة. ذلك أنه إذا تذللت نفسه بسبب الضيقة، يمكن أن ينجو من حروب الموهبة. وهكذا كانت التجارب حافظة للمواهب. بل أن بعض القديسين أصحاب المواهب كانوا يصلون أن يعطيهم الله هذه المذلة، حتى لا ترتفع قلوبهم بسبب المواهب، وما أصدق ما قال داود النبي “خير لي يا رب أنك أذللتني”. أو كان هؤلاء القديسون يصلون أن يرفع الله عنهم هذه المواهب.
ما أصعب المواهب. وما أكثر الذين لم يستطيعوا احتمالها.
وما أصدق القديس الأنبا أنطونيوس حينما قال: “احتمال الكرامة أصعب من احتمال الإهانة”…. كثيرًا ما يمن الله على إنسان بموهبة معينة، أو كرامة، فلا يستطيع أن يحتملها، ولا تسعه الدنيا. ويكون هذا الأمر سببًا في هلاكه…
المتكبر ينسب كل شيء لنفسه وليس لله.
المتكبر يريد أن يظهر. أما المتواضع فيختفي لكي يظهر الله، المتكبر إذا ارتفع قلبه من الداخل، أو إذا أساء استخدام المواهب المعطاة له، فإن هذا يظهر في حياته في مظاهر عديدة.
مظاهر الكبرياء:
1– من مظاهر الكبرياء الافتخار والحديث عن النفس. والمقصود طبعًا أن يتحدث الإنسان عن نفسه في فضائلها وفي رفعتها. مثال ذلك الفريسي في قصة الفريسي والعشار، حينما قال “أشكرك يا رب أني لست مثل سائر الناس الظالمين الخاطفين الزناة، ولا مثل هذا العشار: أصوم يومين في الأسبوع، وأعشر جميع أموالي”… إنه يتحدث عن بره حتى أمام الله. وإن كان يحاول أن يغطي كبرياءه بأسلوب الشكر!
الإنسان الذي يتحدث عن فضائله، يستخدم طريقة أنصاف الحقائق.
لأنه لو ذكر الحقيقة كاملة عن نفسه، لكان يجب أن يذكر أيضًا عيوبه وسقطاته. فهو في ذلك ليس كامل الصدق ولا كامل العدل…
المتواضع إذا تحدث عن نفسه، يتحدث عن خطاياه وضعفاته.
ذهب بعض رهبان الإسقيط إلى الأم ساره، وكشفوا لها عيوبهم ورذائلهم. فقالت لهم “بالحقيقة إنكم إسقيطيون. لأنكم تخفون فضائلكم. وما ليس فيكم من الرذائل تنسبونه لأنفسكم”.
ومن هنا كنا نرى بعض الآباء القديسين يتظاهرون بالجهل أو بقلة العقل أو بعدم الاهتمام بالعبادة، لكي ينالوا احتقار الناس ويخفوا فضائلهم، مثل قصة “الهبيله ” التي كشف الله فضيلتها للأنبا دانيال- فلما عرفت أن قداستها قد انكشفت، غادرت الدير”… ومثال ذلك أيضًا القديس لنجينوس الذي شفى امرأة من مرض خطير دون أن يعلن لها أنه هو القديس لنجينوس. ولما سألت عن صاحب هذا الاسم ليشفيها، قال لها “إن لنجينوس لا يستطيع أن يفيدك بشيء. ولكن صلي وسيشفيك الله”…
قديسون آخرون كانوا يخفون علمهم ومعرفتهم…
ومن أمثلة ذلك أن ثلاثة من الآباء زاروا القديس الأنبا أنطونيوس، وكان أحدهم الأنبا يوسف. فسألهم القديس أنطونيوس عن تفسير إحدى الآيات، فأجاب الاثنان. فلما سأل القديس يوسف أجاب “إنني يا أبي لا أعرف”. فقال له القديس الأنبا أنطونيوس “طوباك يا أنبا يوسف. لأنك عرفت الطريق إلى كلمة لا أعرف”.
2– أن المتكبر قد يتباهى بمعرفته. قد يظن أنه أكثر من غيره معرفة ويحطم أراء غيره لكي يبدو أكثر علمًا!!
لذلك قال الآباء: “إذا جلست في وسط الشيوخ فأصمت. وإن سألوك عن شيء، فقل لا أعرف. وكان الآباء لا يسمحون للأخوة أن يتحدثوا في حضرة من هم أكبر منهم سنًا أو مقامًا، تأدبًا منهم وتواضعًا. وفي قصة أيوب الصديق وأصحابه الثلاثة، سكت اليهو طول الوقت “لأنهم كانوا أكثر منه أيامًا” وأخيرًا قال لهم “أنا صغير في الأيام، وأنتم شيوخ. لذلك خفت وخشيت أن أبدي لكم رأيي” (أي32: 6).
الإنسان المتواضع إن أظهر شيئا من معرفته، يتكلم بأدب شديد وبحرص، حتى لا يظهر عارفًا ما يجهله غيره. بل قد يقول الرأي وينسبه إلى سامعه. وقد يمدح غيره أثناء كلامه، ويشعره أنه هو صاحب الرأي.
السيد المسيح في حديثه مع المرأة السامرية الخاطئة لم يحرجها، بل قال لها “حسنًا قلت بالصدق (يو4: 17، 18).
هناك أناس مؤدبون جدًا في حديثهم. يقول الواحد منهم مثلًا “لقد أعجبني جدًا الرأي الرائع الذي قاله فلان (= أحد السامعين). لقد ذكرني بقول أحد القديسين”… ثم يشرح ما يريد شرحه. ويرجع إلى نسبة الكلام للسامع قائلًا” على رأي فلان”…
3- المتكبر يظهر ذاته- بينما المتواضع ينكر ذاته- والذاتية لون من الكبرياء. المتكبر إنسان مركز حول ذاته. يريد أن ينصب الاهتمام كله عليه. يريد أن يظهر هو، وليس الله، وليس الناس. هذه الذاتية تظهر في كل شيء، حتى في الصلاة: يهتم بذاته: هل هو حار في صلاته، هل هو خاشع، هل هو رجل صلاة…
الإنسان المتواضع يقول لنفسه. من أنا؟ وما هي ذاتي؟ أنا مجرد تراب ورماد.
4– المتكبر إذ يهتم بذاته، قد يقارن ذاته بغيره، فيظهر أفضليته على غيره، أو يدين غيره، أو يبني ذاته بهدم غيره…
هناك كبرياء بالمعني المطلق خاصة بفكرة الإنسان عن نفسه. وهناك كبرياء مقارنة فيها يقارن الإنسان نفسه بغيره كأن بقول إنسان “كنا في اجتماع. وصمت الكل. لم يستطيعوا أن يقاوموا التيار. ووقفت أنا وقلت…”. ويظل يقارن قوته بضعفهم، أو علمه بجهلهم، أو المديح الذي ناله بالذم الذي نالوه.
5– المتكبر قد يقاطع غيره في الكلام ليتكلم هو يريد أن يسكت الكل. ليتكلم هو. قد يرتفع صوته على أصواتهم. وقد يقاطعهم. وقد يسفه آراءهم. وقد يتهكم عليهم. لذلك يتميز المتواضع بأدب الحديث. وهذا المتواضع إذا جلس مع أناس يعطيهم الفرصة، ويفضلهم على نفسه، مقتنعا بأن الاستماع أفضل من التكلم..
6– المتكبر يحب المتكأ الأول. وباستمرار يفضل نفسه على غيره.
أما المتواضع فإنه لا يزاحم الناس في طريق الحياة. لا مانع عنده من أن يفسح لهم مجالًا ليسبقوه. لا ينافس أحدًا، بل يضع أمامه قول الكتاب “مقدمين بعضكم بعضًا في الكرامة” (رو12: 10).
7- المتكبر عنيد على الدوام: لا يخضع لغيره في رأي ولا في أمر. ولا يتنازل عن رأيه مهما أقنعوه، ظانًا أن التنازل ضد كرامته. ومعتقدًا أن رأيه فيه كل الحكمة. ولذلك حذرنا الرسول قائلًا، لا تكونوا حكماء عند أنفسكم” (رو12: 16).
- مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة السنة الخامسة – العدد السابع 16-11-1974





