خطورة وصية رعاية الفقراء والمحتاجين

خطورة وصية رعاية الفقراء والمحتاجين[1]
خطورة الوصية
الله الحنون الذي يهتم بكل أحد، عهد إلينا برعاية المحتاجين.
ودليلًا على خطورة هذه الوصية، أنه جعلها من أسس الدينونة العامة.
إذ يقول في ذلك اليوم للذين عن يساره “اذْهَبُوا عَنِّي يَا مَلاَعِينُ إِلَى النَّارِ الأَبَدِيَّةِ الْمُعَدَّةِ لِإِبْلِيسَ وَمَلاَئِكَتِهِ. لأَنِّي جُعْتُ فَلَمْ تُطْعِمُونِي. عَطِشْتُ فَلَمْ تَسْقُونِي. كُنْتُ غَرِيبا فَلَمْ تَأْوُونِي. عُرْيَانًا فَلَمْ تَكْسُونِي. مَرِيضًا وَمَحْبُوسًا فَلَمْ تَزُورُونِي… فَيَمْضِي هَؤُلاَءِ إِلَى عَذَابٍ أَبَدِيٍّ وَالأَبْرَارُ إِلَى حَيَاةٍ أَبَدِيَّةٍ” (مت25: 41- 46).
ومن أمثلة هؤلاء أيضًا غنى لعازر.
إنه ذهب إلى العذاب، في حاجة إلى قطرة ماء تبرد لسانه لأنه معذب فى ذلك اللهيب. ولم يذكر الكتاب عنه إلا أنه كان مترفًا، ولم يهتم بإطعام لعازر المسكين ولو من الفتات الساقط من مائدته، كما أنه لم يهتم بعلاج قروح ذلك المسكين (لو16: 19- 24).
نضيف إلى هذا أيضًا قول الكتاب:
“مَنْ يَسُدُّ أُذُنَيْهِ عَنْ صُرَاخِ الْمِسْكِينِ فَهُوَ أَيْضًا يَصْرُخُ وَلاَ يُسْتَجَابُ” (أم21: 13).
طبعًا لا يستجاب على الأرض، ولا في السماء أيضًا. فالكتاب يقول: “طُوبَى لِلرُّحَمَاءِ لأَنَّهُمْ يُرْحَمُونَ” (مت5: 7). أما الذين لا يرحمون غيرهم، فلا يجدون رحمة أيضًا.
يقول الكتاب أيضًا: “اَلدِّيَانَةُ الطَّاهِرَةُ النَّقِيَّةُ عِنْدَ اللَّهِ الآبِ هِيَ هَذِهِ: افْتِقَادُ الْيَتَامَى وَالأَرَامِلِ فِي ضِيقَتِهِمْ، وَحِفْظُ الإِنْسَانِ نَفْسَهُ بِلاَ دَنَسٍ مِنَ الْعَالَمِ” (يع27:1). وهكذا جعل رعاية اليتامى والأرامل ميزة هامة للديانة الطاهرة النقية.
ومن خطورة وصية العطاء، مركز الفقراء عند الرب. فمن هم الفقراء؟
من هم الفقراء
اعتبرهم الرب أخوته. فقال عن يوم الدينونة: “الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: بِمَا أَنَّكُمْ فَعَلْتُمُوهُ بِأَحَدِ إِخْوَتِي هَؤُلاَءِ الأَصَاغِرِ فَبِي فَعَلْتُمْ” (مت25: 40). ولذلك نحن نسمي الفقراء (أخوة يسوع) أو (أخوة الرب)..
بل إن الرب اعتبرهم كذاته نفسه. فقال: “لأَنِّي جُعْتُ فَلَمْ تُطْعِمُونِي. عَطِشْتُ فَلَمْ تَسْقُونِي” (مت25: 42). وفي إحدى المرات قال الكتاب: “لاَ تَنْسُوا إِضَافَةَ الْغُرَبَاءِ، لأَنْ بِهَا أَضَافَ أُنَاسٌ مَلاَئِكَةً وَهُمْ لاَ يَدْرُونَ” (عب13: 2). ولعله يشير إلى ما ورد في (تك18: 6- 8).
أمثلة من العطاء
أول مثال هو إعطاء العشور. هو عطاء للرب.
فالذي لا يعطي العشور يعتبر كأنه يسلب الرب نفسه.
وهذا ما ورد في سفر ملاخي النبي: “أَيَسْلُبُ الإِنْسَانُ اللَّهَ؟ فَإِنَّكُمْ سَلَبْتُمُونِي (يقول الرب) فَقُلْتُمْ: بِمَ سَلَبْنَاكَ؟ فِي الْعُشُورِ وَالتَّقْدِمَةِ” (ملا3: 7، 8). على أن العشور تعتبر الحد الأدنى للعطاء، يضاف إليها البكور أيضًا.
والعشور لا تعني مجرد المال النقد فقط. فالطبيب يمكن وسط كل عشر عمليات جراحية، أن يترك واحدة للرب. أو بين كل عشرة كشوف على المرضى، يترك كشفًا على فقير للرب…
وبالمثل يمكن أن يعمل كل صاحب مهنة في تعامله مع المحتاجين.
ومن أمثلة العطاء من أعطوا بيوتًا أو أراضي للرب.
ومثال ذلك النساء القديسات اللائي أعطين بيوتهن في العصر الرسولي لتكون كنائس. ومنهن القديسة مريم أم القديس مرقس الرسول الذي صار بيتها أول كنيسة في المسيحية، فيها يصلي المؤمنون، وإليها أتى القديس بطرس لما خرج من السجن (أع11: 12).
كذا أكيلا وبريسكلا اللذين أرسل إليهما القديس بولس تحياته ومحبته وقال: “عَلَى الْكَنِيسَةِ الَّتِي فِي بَيْتِهِمَا” (رو16: 5). وأيضًا أرسل تحيته إلى: “نِمْفَاسَ… الْكَنِيسَةِ الَّتِي فِي بَيْتِهِ” (كو4: 15). وبالمثل يقال عن ليديا بائعة الأرجوان (أع 6). وغير هؤلاء كثيرون…
وكل أوقاف الكنيسة عبارة عن أراض وهبها أصحابها للكنيسة، فصارت وقفًا للرب.
وهناك نذكر كمثال رجل خير هو إبراهيم الجوهري، وغيره كثيرون. والبعض ممن لم يرزقهم الله نسلًا، كانوا يأتون إلينا، ويهبون للكنيسة بيوتهم بعد وفاتهم إذ ليس من يرثهم. فكان لنا حسب القانون (حق الرقبة) ولهم (حق الانتفاع). وأتذكر أن واحدًا من هؤلاء قال لي: أترك بيتي من طابقين، بعد وفاتي… فقلت له أنت رجل خير نطلب لك من الرب طول العمر. وأريدك أن تتمتع بثمار خيرك في حياتك. لذلك أريد منك أن تعطيني (حق الهواء) أي ما فوق الطابق الثاني من الهواء، فنبني فيه الطابق الثالث والرابع- حسبما يحكم القانون- وترى مشروعات للكنيسة في حياتك.
صفات العطاء
وفي الاهتمام بالمحتاجين ورعايتهم، عليك أن تُعطي حتى دون أن يطلبوا منك…
فالأب مثلًا لا ينتظر أن يطلب منه أولاده احتياجاتهم. بل يوفيه لهم دون أن يطلبوا. وفي قصة السامري الصالح نجد أنه نزل إلى علاج الجريح المُلقى في الطريق، دون أن يطلب الجريح منه، إلى باقي اعتناءاته به وانفاقه عليه حتى شُفيَّ (لو10: 33- 35).
والاهتمام بالمحتاجين ينبغي أن يكون ممزوجًا بالحب والفرح.
لأن البعض قد يعطي وهو متضجر ومتضايق، وساخط على طلب الفقراء، فهذا إنما يعطي من جيبه وليس من قلبه. وليس هذا هو العطاء الذي يحبه الله. فالله يأخذ ما في عطائك من حب ويترك الباقي. والكتاب يقول: “لَيْسَ عَنْ حُزْنٍ أَوِ اضْطِرَارٍ. لأَنَّ الْمُعْطِيَ الْمَسْرُورَ يُحِبُّهُ اللهُ” (2كو9: 7).
والذي من قلبه يعطي الفقير، لا يتـأخر في إعطائه.
وفي هذا يقول الكتاب: “لاَ تَمْنَعِ الْخَيْرَ عَنْ أَهْلِهِ حِينَ يَكُونُ فِي طَاقَةِ يَدِكَ أَنْ تَفْعَلَهُ. لاَ تَقُلْ لِصَاحِبِكَ: اذْهَبْ وَعُدْ فَأُعْطِيَكَ غَدًا، وَمَوْجُودٌ عِنْدَكَ” (أم3: 27، 28).
وأيضًا في العطاء، ليتك تعطي بسخاء، وأفضل ما عندك.
إن هابيل الصديق قدم لله “مِنْ أَبْكَارِ غَنَمِهِ وَمِنْ سِمَانِهَا”(تك4: 4). أي أفضل ما عنده. لذلك لا تقدم للفقراء ما هو مرفوض عندك، كملابس شبه بالية، أو أطعمة غير مقبولة. إنما قدم ما يمكن أن تستعمله أنت. لقد مدح السيد المسيح المرأة التي أعطت من أعوازها، واعتبر أنها قد أعطت أكثر من الجميع (مر12: 14).
اعط بسخاء، ولا تبخل. ولا تقل انتهت قيمة العشور، فلم يعد للرب شيء عندي أعطيه للفقراء. إنما ارتفع فوق مستوى العشور.
فالوصية تقول: “مَنْ سَأَلَكَ فَأَعْطِهِ وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَقْتَرِضَ مِنْكَ فَلاَ تَرُدَّهُ” (مت5: 42).
وما أفضل أن تعطي في الخفاء، ولا تُخجِل من تعطيه.
والسيد الرب يقول: “لاَ تُعَرِّفْ شِمَالَكَ مَا تَفْعَلُ يَمِينُكَ” (مت6: 3). ففي إحدى المرات حدث أن إحدى النساء الثريات وضعت في كيس خمسمائة قطعة ذهب. وقدمتها للقديس الأنبا بموا للصرف منها على الرهبان المتوحدين الفقراء. فأخذها القديس وسلمها مباشرة لتلميذه وأمره بتوزيعها. فقالت له المرأة الثرية: “ولكنك يا أبي لم تفتح الكيس لترى ما به”..
وهنا نظر إليها القديس في عتاب وقال لها: “إن كنت يا ابنتي قد قدمت هذا المبلغ لله، فالله يعرف مقداره كم هو”؟!
جميل ما قيل في الكتاب عن العطاء:
“مَنْ يَرْحَمُ الْفَقِيرَ يُقْرِضُ الرَّبَّ وَعَنْ مَعْرُوفِهِ يُجَازِيهِ” (أم19: 17).
تصور أن الله يأخذ منك قرضًا. لأن ما تعطيه للفقراء، إنما تعطيه للرب. والرب يجازيك عنه علانية. ليس فقط تكنز لك كنوزًا في السماء (مت6: 20) تجدها هناك في الأبدية، إنما على الأرض أيضًا يعطيك الرب عوض ما تقدمه… لك ولأولادك أيضًا. إن الله لا يمكن أن يأخذ قرضًا ولا يوفيه!
تذكر ما ورد عن ذلك في أوشية القرابين.
حيث يعوضهم الرب عن الفانيات بالباقيات، والأرضيات بالسماويات، وبيوتهم ومخازنهم يملؤها الرب من كل الخيرات…
بهذه المناسبة اذكر- ونحن شباب – أن كان بعض زملائنا يواظب على أن يقدم للكنيسة القربان الذي يعمل منه الحمل. وكان يفرح عندما يسمع في الأوشية الخاصة بالقرابين (قبل المجمع): اذكر يا رب كل الذين قدموا لك هذه القرابين، والذين قدمت عنهم، الذين قدمت بواسطتهم…
لا شك أن الذي يعطي ينال بركة من الرب.
بركة – بواسطة صلاة الذين يعطيهم. كما قال أيوب الصديق: “بَرَكَةُ الْهَالِكِ حَلَّتْ عَلَيَّ” (أي29: 13). أي أن الشخص الذي كان يهلك بسبب عوزه، نلت أنا بركة صلاته عني… وعن هذه أيضًا يقول الرب: “اصْنَعُوا لَكُمْ أَصْدِقَاءَ بِمَالِ الظُّلْمِ”. أى أن المال الذي يستحقه الفقراء، ولم تعطوه لهم، وظلمتموهم فيه، أعطوه لهؤلاء المحتاجين، فيصيروا أصدقاء لكم يصلون عنكم…
كان الرب في العهد القديم يقدم وصايا عديدة في إعطاء المحتاجين.
فيقول: “عِنْدَمَا تَحْصُدُونَ حَصِيدَ أَرْضِكُمْ لاَ تُكَمِّلْ زَوَايَا حَقْلِكَ فِي الْحَصَادِ. وَلُقَاطَ حَصِيدِكَ لاَ تَلْتَقِطْ… لِلْمِسْكِينِ وَالْغَرِيبِ تَتْرُكُهُ” (لا19: 9، 10). فكانوا يتركون ذلك للفقراء الذين يجمعون وراء الحصادين، كما كانت تفعل راعوث (را21: 3). كذلك يقول الرب: “إِذَا حَصَدْتَ حَصِيدَكَ فِي حَقْلِكَ وَنَسِيتَ حُزْمَةً فِي الحَقْلِ فَلا تَرْجِعْ لِتَأْخُذَهَا. لِلغَرِيبِ وَاليَتِيمِ وَالأَرْمَلةِ تَكُونُ لِيُبَارِكَكَ الرَّبُّ إِلهُكَ” (تث24: 19).
علينا إذن أن نستبقي شيئًا للفقراء من كل ما لنا.
وليتنا ندرب أنفسنا على العطاء كل يوم.
كما ندرب أطفالنا أن يعطوا لأخوتهم وللضيوف أيضًا. هم الذين يقدمون لهم الحلوى، وليس نحن.
[1] مقالة لقداسة البابا شنوده الثالث: خطورة وصية رعاية الفقراء والمحتاجين، مجلة الكرازة 28 /2 /1997




