النظام

النظام[1]
إن الله- تبارك اسمه- يحب النظام، وهو الذي أوجده.
نرى ذلك في أيام الخليقة، كل ما حدث فيها كان بترتيب عجيب. نظّم الله كل شيء قبل خلق الإنسان، ثم خلقه ليجد كل الأمور معدّة للحياة بتنسيق تام بين السماء والأرض.
* ما أعجب النظام الذي وضعه الله في الفَلَك، والعلاقة بين الشمس والقمر، وسائر الأجرام السماوية من الكواكب والنجوم ودوران بعضها حول البعض بطريقة ثابتة لا تتغير، حتى قال عنها المرتل في المزمور “اَلسَّمَاوَاتُ تُحَدِّثُ بِمَجْدِ اللهِ وَالْفَلَكُ يُخْبِرُ بِعَمَلِ يَدَيْهِ” (مز19: 1).. يضاف إلى ذلك علاقة كل هذه الكواكب بالأرض في تتابع الليل والنهار، وتتابع الفصول، في نظام ثابت.
* يُضاف إلى ذلك النظام الذي وضعه الله من جهة العلاقة بين الحرارة والضغط والرياح والأمطار، وعلاقة كل ذلك بالإنسان والنبات.
* بل ما أعجب النظام الذي وضعه الله في جسم الإنسان، من حيث وظيفة كل عضو فيه، والعلاقة القائمة بين كل الأعضاء وتعاونها، وما يقوم به المخ والقلب والدم والأعصاب، وأجهزة الإنذار إذا حدث أي خلل في مكان ما من الجسم… يُضاف إلى ذلك عجب آخر في تكوين الجنين في بطن أمه، ونموّه حتى يتكامل ويخرج إنسانًا كاملًا. مع عجب آخر في نظام الوراثة!
* ونرى أن هناك نظامًا قد وضعه الله في عالم الطيور والحشرات وتنوع الحيوانات. فما أعجب النظام في رحلات الطيور المهاجرة، وما أعجب النظام أيضًا عند النحل: ملكاته وعماله، وإنتاجه للشهد وتكوين خلاياه! وما أعجب النظام أيضًا في عالم الأشجار. من حيث عمل الجذر في باطن الأرض وعمل الأغصان والفروع من فوق، وموسم إنتاج الزهر والثمر…
نرى محبة الله واضحة في أسفار العهدين القديم والجديد.
* نظام عجيب في رتب الملائكة وعملها. فهناك ملائكة للتسبيح مثل السرافيم (إش6). وملائكة “مُرْسَلَةً لِلْخِدْمَةِ لأَجْلِ الْعَتِيدِينَ أَنْ يَرِثُوا الْخَلاَصَ” (عب1: 14). وهناك القوات، والعروش والربوبيات، وأيضًا رؤساء الملائكة، والرئيس الأكبر لهم ميخائيل… وفي سفر الرؤيا نجد أعمالًا معيّنة لطوائف وأفراد من الملائكة. وعن كل الملائكة يقول المزمور “بَارِكُوا الرَّبَّ يَا مَلاَئِكَتَهُ الْمُقْتَدِرِينَ قُوَّةً الْفَاعِلِينَ أَمْرَهُ عِنْدَ سَمَاعِ صَوْتِ كَلاَمِهِ” (مز103: 20).
* ونرى النظام العجيب أيضًا في ترتيب خيمة الاجتماع حسبما أمر الرب موسى كما ورد في سفر الخروج: الخيمة بمذابحها، والمائدة والمنارة. الكل رتبه الرب بحكمته، حتى ملابس هارون رئيس الكهنة وصفها الرب بدقة لكي تُصنع حسب مشيئته. وكذلك وضع نظامًا لعمل دهن المسحة والبخور العطر(خر30).
* ووضع الرب نظامًا ثابتًا لجميع الذبائح: المحرقة، وذبيحة الخطية، وذبيحة الإثم، وذبيحة السلامة (في سفر اللاويين). وقبل ذلك الفصح في سفر الخروج (خر12). ونظم لهم كل تفاصيل هذه الذبائح، وأيضًا ما يفعلونه في يوم الكفارة العظيم (لا16). كما نظم لهم جميع الأعياد والمحافل المقدسة، وما يعملونه فيها(لا23).
لم يترك الرب أي أمر من شئون العبادة إلا ورتبه لهم. ومن ذلك أيضًا ما يخص القدس، وقدس الأقداس، وتابوت العهد.
* ورتب لموسى النبي أمور الإدارة، وكيف يكون مساعدوه، رؤساء ألوف، ورؤساء مئات، ورؤساء خماسين… كما نظم له أمور الجيش وشروط المحاربين، كل التفاصيل رتبها الرب.
* وفي العهد الجديد نجد محبة الله للنظام في معجزة الخمس خبزات والسمكتين: إذ قال الرب لتلاميذه عن الشعب قبل توزيع الطعام: أن يتكئوهم رِفَاقًا رِفَاقًا… صُفُوفًا صُفُوفًا: مِئَةً مِئَةً وَخَمْسِينَ خَمْسِينَ” (مر6: 39، 40).
وبهذا أمكن إطعام الألوف من الشعب في نظام وهدوء.
* وما أجمل ما قيل في الكتاب عن النظام والترتيب:
“لْيَكُنْ كُلُّ شَيْءٍ بِلِيَاقَةٍ وَبِحَسَبِ تَرْتِيبٍ” (1كو14: 40).
وقيل عن القيامة والسماء “كُلَّ وَاحِدٍ فِي رُتْبَتِهِ” (1كو15: 23).
النظام أيضًا وضعته الكنيسة في كل أمور العبادة:
* ففي الصلوات وضعت نظام الصلوات السبع النهارية والليلية (في الأجبية) حتى يصلي الجميع بروح واحدة.
* كذلك وضعت نظامًا لكل الصلوات الطقسية في كل أسرار الكنيسة: ماذا تكون الصلوات في سر المعمودية، وسر المسحة المقدسة (الميرون)، وفي سر الإفخارستيا (القداس الإلهي)، وفي سر الكهنوت (بكل درجة من درجاته) وفي سر الزواج، وسر مسحة المرضى. كل شيء بترتيب خاص، لا يُترك لأي أب كاهن أن يقول ما يشاء بل يلتزم الجميع بنظام واحد.
* كذلك نظمت الكنيسة ما يُقال في رفع البخور، وفي كل تفاصيل التدشين: تدشين المذابح، والأيقونات، والمعموديات، وكل أواني وأدوات الخدمة. وأيضًا ما يقال في رشم ملابس الخدام. ونظمت الكنيسة القراءة كل يوم حسب كتاب (القطماروس).
* وترتيب الكنيسة أيضًا اختصاص كل رتبة من رتب الكهنوت: وكل العاملين في الإكليروس. فلا يتجاوز أحد حدود رتبته ووضعت القوانين التي تنظم عمل كل واحد.
* والكنيسة نظمت أيضًا التناول من الأسرار المقدسة، وشروط الاستعداد لذلك، حتى يكون باستحقاق حسب وصية الكتاب (1كو11: 29). ونظمت أيضًا الأصوام والأعياد ومواعيدها. وما أجمل قول القديس بولس الرسول لتلميذه تيطس أسقف كريت “تَرَكْتُكَ فِي كِرِيتَ لِكَيْ تُكَمِّلَ تَرْتِيبَ الأُمُورِ النَّاقِصَةِ، وَتُقِيمَ فِي كُلِّ مَدِينَةٍ شُيُوخًا (قُسُوسًا)” (تي1: 5).
* واهتمت الكنيسة بالنظام كما قال الرسول: “نُوصِيكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ، بِاسْمِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، أَنْ تَتَجَنَّبُوا كُلَّ أَخٍ يَسْلُكُ بِلاَ تَرْتِيبٍ” (2تس3: 6) وأيضًا قوله: “أَنْذِرُوا الَّذِينَ بِلاَ تَرْتِيبٍ” (1تس5: 14).
من أجل هذا نقول إن الإنسان المثالي يجب أن يكون منظمًا.
* يكون منظمًا في تفكيره: يفكر بطريقة منظمة ومرتبة ومنسقة. تتابع أفكاره بطريقة منطقية بتسلسل وبغير تشويش. وإذا تكلم أو كتب، يعرض أفكاره بوضوح ونظام. وهو في ذلك، إنما يحترم عقلية القارئ أو السامع، وإذا قام بالتدريس، يستطيع أن يوضح لتلاميذه ما يلقيه من دروس بأسلوب منظم يسهل عليهم استيعاب ما يقول، بواسطة ترتيب المعلومات وتوضيحها.
* الإنسان المثالي أيضًا يهتم بتنظيم وقته، بحيث يشمل مسئولياته دون ارتباك شيء منها، كما يقاوم أيضًا الوقت الضائع، الذي يضيع هباء دون أية فائدة. وفي هذا المنطق أيضًا ينظم مواعيده. ويحرص في نفس الوقت على مواعيد غيره. فلا يزور أحدًا بدون موعد مسبق. ولا يطيل وقت الزيارة بدون داع.
* كذلك يكون منظمًا في غذائه، من جهة ما يلزم صحته، ومن جهة مواعيد تناول الطعام، وبقدر إمكانه يبتعد عن تناول الطعام بين الوجبات.
* والإنسان المنظم يكون منظمًا أيضًا في ملابسه. وقد يعبر البعض عن هذا الأمر بكلمة (الأناقة). بحيث لا يكون ذلك مبالغًا فيها، أو ملفتًا للنظر، وكما يكون منظمًا في ملابسه، يكون منظمًا أيضًا في أثاث بيته، وفي أوراق مكتبه…
* والإنسان المثالي يكون أيضًا منظمًا في عمله، وفي كل مسئولية تُعهد إليه. وبالذات في أمور الإدارة، وفي الحسابات المالية من جهة الوارد والمنصرف والرصيد.
* ومن الهيئات التي تتصف بالنظام: العسكرية التي تبدأ بالتدريب على الخطوة المنتظمة، ثم دروس في الداخلية أي في قواعد السلوك في المعسكر. وتصل قمة النظام في التكتيك العسكري. وبالإضافة إلى هذا كله، النظام في الرتب العسكرية.
* وأيضًا من الهيئات المشهورة بالنظام رجال السلك السياسي أو الدبلوماسي.
* ونحن ننصح أولادنا أن يكونوا منظمين في كل شيء.
وأن يكونوا منظمين، بالأكثر في الكنيسة والأديرة.
بالبعد عن مظاهر الزحام غير اللائق، وبخاصة أثناء التناول من الأسرار المقدسة، وفي كل الاستقبالات ونوال البركة.
* وننبه أيضًا إلى الفوضى التي يقوم بها كثير من المصورين في تزاحمهم بطريقة تمنع الشعب من الرؤية. كما ننبه المنظمين أن يقوموا بعملهم في هدوء، فلا يعلو صوتهم، ولا ينتهروا الشعب بطريقة غير لائقة بحجة حفظ النظام!
[1] مقالة لقداسة البابا شنوده الثالث، النظام بمجلة الكرازة 30/ 5 /2008




