الحث على الاتضاع…!

حياة التواضع والوداعة
سيصدر هذا الكتاب قريبًا بإذن الرب. شاملًا لكل ما أمكن وصوله إلينا من أقوال الآباء القديسين. وإلى أن يصدر سنقتبس لك منه الآن بعض كلمات في
الحث على الاتضاع…!1
قال الأنبا أنطونيوس: أحب الاتضاع، فهو يغطي جميع الخطايا.
وقال الأنبا برصنوفيوس: اقتن الاتضاع، فإنه يكسر جميع فخاخ العدو.
وقالت الأم ثيؤدورا: لا نسك ولا تعب ولا صوم، يقوم مقام التواضع الكامل. لأنه قيل عن إنسان متوحد كان يخرج الشياطين فسألهم قائلا “بماذا تخرجون؟ أبالصوم”. فقالوا “نحن لا نأكل قط”. فسألهم “أبالسهر”. فقالوا “نحن لا ننام”. فسألهم “أبترك العالم”. فقالوا “إن مساكننا البراري والخرائب”. فسألهم أخيرًا “فبماذا تخرجون إذن”؟ فأجابوه: “لا يوجد شيء يسحقنا غير التواضع”. فالاتضاع إذن هو غلبة الشيطان.
وقال الأنبا أشعياء: أحب الاتضاع فهو يحفظك من الخطية.
وقال أنبا باخوميوس: أسلك طريق الاتضاع لأن الله لا يرد المتواضع خائبًا، لكنه يسقط المتكبر وتكون سقطته شنيعة… احذر من تكبر القلب لأنه أشنع الرذائل كلها. وقال أيضًا: “كن متواضعًا لتكون فرحًا، لأن الفرح يتمشى مع الاتضاع. كن متضعًا ليحرسك الرب ويقويك، فإنه يقول إنه ينظر إلى المتواضعين. كن وديعًا لكي يملأك الرب حكمة ومعرفة وفهمًا، لأنه مكتوب إنه يهدي الودعاء بالحكم ويعلم المتواضعين طرقه”.
وقال أنبا يوحنا القصير: “يجب قبل كل شيء أن نقوم بالتواضع. لأن هذه هي الوصية الأولى التي قال ربنا عنها: طوبى للمساكين بالروح فإن لهم ملكوت السموات”.
وقال الشيخ الروحاني: “تسربل يا أخي بالتواضع في كل وقت، لأنه يلبس نفسك المسيح معطيه”. (بستان الرهبان)
وقال مار اسحق: “حب الاتضاع في كل تدابيرك لتخلص من الفخاخ التي لا تدرك، الموجودة في كل حين خارج السبل التي يسلك فيها المتضعون” (ك 2 م2).
وقال أيضًا: “لا تلتمس أن تكرم وأنت مملوء من داخل جراحات. أبغض الكرامة فتكرم، ولا تحبها لئلا تهان. من عدا وراء الكرامة هربت منه، ومن هرب منها قصدته وأنذرت كافة الناس باتضاعه” (ك 3 م2).
وقال أيضًا: “تواضع في علوك، ولا تتعظم في حقارتك”… “ضع ذاتك وصغر قدرك عند جميع الناس، فتعلو على الرؤساء في هذا العالم”.
وقال أيضًا – محذرًا من اتخاذ الاتضاع وسيلة للكبرياء: “إن حقرت نفسك لكي تكرم. الرب يفضحك. وإن أنت امتهنت ذاتك لأجل الحق فإن الله تعالى يتقدم إلى براياه فيمدحونك ويفتحون قدامك باب مجده الذي يتكلم به منذ الأزل، ويمجدونك كالباري تعالى لأنك بالحقيقة تكون على صورته ومثاله” (ك 3 م2).
وقال أيضًا: “كن أمينًا في حكمتك، ولا تتظاهر بالحكمة وأنت أمي” (ك 3 م2).
وقال كذلك: أيها الإنسان الشقي، إن أردت أن تجد الحياة تمسك بالإيمان والتواضع، لكي تجد بهما رحمة ومعونة وصوتًا من الله في قلبك… وإن أردت أن تقتني هذين.. تمسك من مبدأ أمرك بالبساطة، واسلك قدام الله بسذاجة وليس بمعرفة (ك 2 م18).
وقال القديس أوغسطينوس: “أتريد أن تكون عظيمًا؟ ابدأ من أسفل. تفكر أن تشيد بناءًا عظيمًا في علوه؟ فكر أولًا في وضع أساس الاتضاع. إن البناء الذي سيشيد من فوق، كلما كان ضخمًا، فعلى قدر ضخامته يكون عمق الأساس الذي يحفر. البناء في تشييده يرتفع إلى أعلى، ولكن الذي يحفر أساسه يجب أولًا أن يهبط إلى تحت إلى أسفل جدًا. وهكذا ترى أن البناء يكون تحت قبل أن يكون في العلو. والقمة لا ترتفع إلا بعد الاتضاع “.
فما هي القمة في ارتفاع هذا البناء الذي نشيده؟ إلى أين تصل أعلى نقطة في هذا البناء؟ أقول في الحال إلى رؤية الله. أترى كل هو عال وكم هو عظيم أن ترى الله!… ولكن إذ أن القمة العالية، فكر في الأساس. وأي أساس؟ “تعلموا مني فإني وديع ومتواضع القلب” فأحفر أساس الاتضاع إذًا عميقًا في ذاتك، وهكذا تصل إلى تاج قمة المحبة” (العظة 19)
وقال الشيخ الروحاني: “يقول النبي الويل للحكيم في عيني نفسه… فكن مثل عبد عند مواليه، وليس مثل أخ عند إخوته… كن الأول في الأعمال التي يرتفع عن عملها غيرك، وكن آخر من يرتب الأمور ويدبرها… ألبس التواضع في كل حين، وهو يجعلك مسكنًا له” (م 31)
وقال أيضًا: “كما ينبغي للشاب الصوم والنسك، هكذا ينبغي للشيوخ الاتضاع والتنازل، لأجل أنه دائماً يلصق بهم الظن والمجد الباطل، وإلى جهاد النفس يحتاجون أكثر من جهاد الجسد”. وقال أيضًا: “الكنز المخفي في الأرض ما ينقص، ولا يخاف عليه من السارقين. وكنز المعرفة داخل القلب ما تسلبه أفكار المجد الباطل”.
وقال مار أفرام: “كما أن الجسد يحتاج إلى ثوب سواء كان الجو دافئًا أو باردًا، كذلك النفس تحتاج على الدوام إلى رداء الاتضاع. قنية نفيسة هي تواضع العقل… اختر أن تمشي عاريًا حافيًا أكثر من أن تتعرى منه. فإن الذين يحبون التواضع يسترهم الرب”.
وقال أيضًا: “إذا شاهدت نفسك مكللًا بالفضائل وعاليًا فيها. فحينئذ تحتاج بالأكثر إلى تواضع العقل، لكي تضع أساسًا سليمًا لعملك، ويثبت البناء مصانًا غير متزعزع”. لا تعظم شأن نفسك، لأنه ربما توافيك محنة فتوبخ الظانين فيك حسنًا. أحبب الاتضاع فإنه سور لا ينقب قدام وجه العدو، وصخرة مصادمة تكسر حيل الشيطان” (م47، م19)
وقال أوغسطينوس: لما أجابت المرأة الكنعانية “نعم يا رب، ولكن الكلاب تأكل من الفتات الساقط من مائدة أسيادها”، سمعت “يا امرأة عظيم هو إيمانك”. وأيضًا عندما قال قائد المائة “لست مستحقًا أن تدخل تحت سقفي”، قال الرب “الحق لم أجد ولا في اسرائيل إيمانًا عظيمًا مثل هذا”. فلنتعلم إذن الاتضاع ولنتمسك به بشدة. إن لم يكن لنا حتى الآن، فلنتعلمه. وإن كان لنا، فلا نفقده. إن لم يكن لنا فلنحصل عليه لكي ما نطعم. وان كان لنا فلنتمسك به حتى لا نقطع. (العظة 27)
سئل القديس يوحنا الأسيوطي “من هو الكامل في المعرفة”؟ فأجاب “هو الذي يحسب أن كل الناس أفضل منه”.
قال أنبا موسى: “تواضع القلب يتقدم الفضائل كلها… والكبرياء أساس الشرور كلها”.
وقال القديس مقاريوس الكبير: الصوم بدون صلاة واتضاع تشبه نسرًا مكسور الجناحين.
وقال مار اسحق: “إن سلكت في عمق الفضيلة حسنًا، ولم تحس مذاقه معونتها، فلا تعجب من ذلك. لأنه إن لم يتضع الإنسان لن يأخذ مكافأة عمله. المكافأة ليست للعمل تعطى، بل بالاتضاع. والذي فقد الاتضاع فقد ضيع تعب عمله”. وقال أيضًا “إن عبرت على جميع منازل الفضيلة فإنك لن تصادف راحة من تعبك ولا انعتاقًا من حيل أعدائك إلى أن تصل إلى منزل الاتضاع”. (ك 2 م15، 5)
- مقال لنيافة الأنبا شنوده أسقف التعليم – مجلة الكرازة السنة الأولى– العدد الرابع- ابريل 1965




