الجهاد من أجل الله

الذي يريد السير في طريق الله، لابد-كما قال السيد المسيح – أن يدخل من الباب الضيق، ويسير في الطريق الكرب، لأنه – له المجد – يقول “أدخلوا من الباب الضيق… وقليلون هم الذين يدخلون منه!
معنى ذلك أن الذي يريد السير في طريق الله، لابد له أن يتعب من أجل الله، ولابد له أن يبذل من أجل الله…لأن تعبه ذلك، هو برهان عملي على محبته لله…!
الجهاد من أجل الله1
ولو كان الطريق الروحي سهلًا، ما كان يمكن أن يظهر حب الإنسان لله… ولهذا فإن الله يريدنا أن نبرهن على محبتنا له بما نبذله من أجله، وبما نتعب فيه من أجله، وبما نلاقيه أيضًا من أجله، لكي تظهر محبتنا لله… ولهذا، فقد أعطى الله بعض الوصايا لكي يتعب الإنسان، ويجاهد في تنفيذها، ويكون ذلك دليل محبته لله…! ونحن عندما نبحث في سير القديسين، وقصص رجال الله، نجد هذا التعب، من أجل الله، واضحًا…!
فعلى سبيل المثال، نجد أنه ما كان أسهل على “موسى” من أن يبقى في بيت فرعون، يتمتع بالإمارة والغنى والمركز والجاه… لكنه حسب عار المسيح غنى أفضل وأعظم من خزائن فرعون… وفضل أن يذل مع شعب الله، على أن يكون له تمتع بالخطيئة…!
وتعب موسى كثيرًا – حتى مع الشعب – وتحمل التذمر والإهانة، وسعى زمانًا طويلًا… وبمقدار تعبه، بمقدار ما كوفئ في العالم الآخر…!! إن الله يريد أناسًا يتعبون ويجاهدون، ولا يريد الكسالى الذين يؤثرون حياة الراحة عن الجهاد…
لقد كان الشهداء أكثر الذين تعبوا من أجل الله، لأنهم بذلوا حياتهم، وتحملوا من أجل الله، ولذلك فإن الكنيسة تضع الشهداء في مرتبة أعلى من مرتبة الآباء البطاركة والرهبان والسائحين… وتعتبرهم في مرتبة أعلى من الكل.
والشهداء يعتبرون في المرتبة الأولى، لأنهم تعبوا وتألموا، وتعذبوا بالموت من أجل الله.
ومن أجل بركة التعب والألم، فقد سمح الله للآلام والأتعاب أن تصيب حتى أعز أولاده…بل إن السيدة العذراء نفسها، عاشت في آلام وضيق منذ ولادتها، ويتمها… إلى هروبها مع يوسف… إلى الآلام التي تحملتها مع السيد المسيح.
والذي يريد العيش مع الله، لابد له أن يتعب من أجل الله، ويتحمل الآلام والمتاعب من أجل الله… ولعل من أجمل آيات الكتاب المقدس في هذا المجال، قول بولس الرسول: “كل إنسان ينال أجره حسب تعبه”!
ولهذا- أيضًا- قال المسيح لملاك كنيسة أفسس: “أنا عارف أعمالك وتعبك وصبرك، وإنك احتملت وتعبت من أجل اسمي، ولم تكل”!
تأكدوا – يا إخوتي – أن كل تعب محفوظ لكم عند الله، والله ليس بظالم حتى ينسى تعب المحبة… إنه لا ينسى حبة عرق تبذل من أجل اسمه، ولا دمعة عين تسكب من أجل اسمه!
إن الإنسان بتعبه من أجل الله، يدل على محبته لله… وانظروا إلى يعقوب أب الآباء، الذي تعب من أجل راحيل 14 سنة، أكملها إلى عشرين… ويقول الكتاب في ذلك أن هذه السنوات “كانت في نظره كأيام قليلة”… من أجل محبته لها…!
وبولس الرسول أيضًا تعب كثيرًا، وافتخر بهذا التعب، حتى قال: “في الأتعاب أكثر… أنا تعبت أكثر من جميعهم”… فلقد اعتبر أن التعب هو الفضيلة الأولى التي تميز حياته المسيحية!
كنت مرة مع بعض الأخوة الذين كانوا يقومون بمشروع من أجل الله، وصادفتهم المتاعب، فقلت لهم إنني سعيد بهذه المتاعب، لأن هذا يدل على أن هذا الطريق هو طريق الله، وهذه المتاعب… علامة ذلك!
نحن لو سرنا في طريق الله، بغير متاعب، ربما نشك، ولهذا فإن المفروض أن الإنسان – في طريق الله والفضيلة – يلاقي المتاعب… والمتاعب علامة من علامات الطريق!
وأنت – يا أخي – إن سلكت في طريق الفضيلة فانتظر المتاعب… وفي ذلك يقول القديس مار أوزوريس: “إذا بدأت في الصلاة طاهرًا، فاستعد لما سيأتي عليك”… وفي سفر يشوع بن سيراخ: “يا بني إذا تقدمت لخدمة ربك، فهيئ نفسك لجميع التجارب”.
ونحن من إعجابنا بهذه العبارة، نجعلها إحدى الصلوات التي نؤديها في رسامة كل راعي جديد!
والإنسان عندما يمشي في طريق الله ويجد المتاعب، فلا يصح أن يتذمر، وإنما عليه أن يشكر الله الذي جعله مستحقًا لأن يتألم ويتعب من أجل اسمه… وعليه أن يفرح ويطمئن إلى أن هذا هو طريق الله… وفي ذلك يقول بولس الرسول: “أنا أسر بالضيقات”!!
ماذا إذن نقول عن الذين يبحثون عن المتعة والراحة، ويتضايقون من التعب والضيقات؟ … نقول لهم قول يشوع بن سيراخ: “يا بني إذا تقدمت لخدمة ربك فهيئ نفسك لجميع التجارب”!
إن الحياة الروحية – أيها الأخوة – هي حرب ضد قوى الشياطين وقوى الشر، والاستعداد للسير في طريق الفضيلة، هو جهاد وصراع بين الخير والشر، ولا توجد حرب أو صراع بغير تعب…
والكتاب المقدس يقول عن الشيطان: “إن عدوكم كأسد زائر يجول ملتمسًا من يفترسه، فقاوموه راسخين في الإيمان”.
الحياة الروحية هي حياة صراع وجهاد وتعب… حياة يسير فيها الإنسان في الطريق الكرب، ويدخل من الباب الضيق، والكتاب المقدس يقول إنه بضيقات كثيرة ندخل ملكوت الله…
والضيقات قد تأتيك – أول ما تأتيك من داخلك – فالكتاب المقدس يقول: “أعداء الإنسان أهل بيته”… ونفسك هي التي ينبغي أن تقاومها في أهوائها وشهواتها… وتتخذ منها موقفًا حازمًا وحاسمًا…لأن الإنسان الذي يستسلم لرغباته، ليس جنديًا صالحًا للمسيح! لابد أن تتعب من أجل الله، وانظر كيف فعل الأنبياء والرسل ورجال الله… لقد كان الله – مثلًا- يستطيع أن يعطي المُلك لداود بكل سهولة ويسر، ولكنه دربه في مدرسة التعب، فعاش داود مطاردًا من شاول، هاربًا من مغارة إلى مغارة، ومن برية إلى برية… والسيف مصلت على عنقه، والموت يطارده… واستطاعت هذه المتاعب أن تجعل داود يغني المزامير الجميلة، التي نرددها نحن اليوم في صلواتنا…!
فمتى يكون لكل منكم مزامير مثل مزامير داود… مزامير تقولها من أعماقك – مثل داود – نتيجة تجاربك وألمك وجهادك؟
ينبغي – في حياتنا الروحية – أن نتعب من أجل الله… آباؤنا تعبوا كثيرًا من أجل الله، ولا أريد أن أتحدث عن الأنبياء والرسل… وخذوا مثلًا من الرهبان الذين كانوا يسهرون الليل كله في صلاة… ويكفي أن تعرفوا أن الأنبا بيشوي- مثلًا- كان يربط شعره في حبل…حتى يشده، لو مال رأسه في نوم أثناء الصلاة…!
ولقد كان القديسون يحرصون على مقاومة كل فكر غير فكر الله… فلم تكن المسألة هينة… وبولس الرسول يقول في ذلك: “هادمين حصونًا”…!
وأنا اليوم أريد أن أسألكم: هل دخلتم الحرب الروحية؟ … وهل بدأتم تقاومون الشيطان؟ وهل أعلنتم الحرب على كل فكر خاطئ، وكسل، وتهاون، واستسلام…؟
إن كنتم قد دخلتم الحرب الروحية، تكونون قد بدأتم الروحيات!
أريد أن أقيس حياتكم الروحية بمقدار صراعكم وجهادكم من أجل الله…
صراع في كل ميدان، وضد كل شهوة… ومن أجل النمو الروحي والتقدم… ومن أجل
الوصول إلى نقاوة الفكر والقلب… ولكي تصل إلى نقاوة الفكر والقلب. ولكي تصير ابنًا صالحًا للمسيح، لابد أن تصارع الخطية والإغراءات… وأن تدخل في حرب مع الشيطان. ويجب أن تقف أمام الشيطان بكل جرأة وقوة كبولس الرسول، الذي يقول: “حاربت وحوشًا في أفسس”!
بعض الناس يطالبون الكنيسة أن تخفض في مدة الأصوام، وساعات القداسات… هؤلاء لا يريدون جهادًا… وإنما يريدون حياة سهلة…
بينما الواقع أننا في حياتنا الروحية نحتاج لأصوام خاصة – علاوة على الأصوام المقررة – نفرضها على أنفسنا من أجل حياتنا الروحية… ومار إسحق يقول: “اغصب نفسك في صلاة نصف الليل، وزدها مزاميرًا”!
نحن نريد أناسًا يجاهدون من أجل الله… والله يريد أناسًا يعملون في ملكوته… أريدكم أن تعملوا نشاطًا روحيًا في الصيف وأن تنظموا برامج روحية تنفذ خلال عطلة الصيف… للصلاة، والتأمل، والحفظ والقراءات…!
نريدكم أن تجاهدوا من أجل الله وتتعبوا… فنحن لم نسمع أن قديسًا وصل إلى المواهب الروحية عن طريق الراحة… إنما كلهم تعبوا، وجاهدوا…
وأبرز مثل على ذلك، أننا اخترنا شعارًا لنا صورة المسيح المتألم المصلوب… وجعلنا الصليب شعار المسيحيين… لأنه يذكرنا أننا ينبغي أن نتعب لكي نقتني ملكوت الله!
وصدقوني… إننا لو كنا نحيا حياة جهاد مثل القديسين، لكنا قد وصلنا إلى فضائلهم ومواهبهم…
ليتنا – في هذه الإجازة الصيفية بالنسبة للطلاب والطالبات – نبدأ حياة الجهاد والصراع ضد الشر… حياة الجهاد من أجل الله… حتى نصل إلى مواهب القديسين…
وصدقوني.. إننا لو كنا نحيا حياة مجاهدة مثل القديسين، لكنا قد وصلنا إلى فضائلهم ومواهبهم..
ليتنا – في هذه الإجازة الصيفية بالنسبة للطلاب والطالبات – نبدأ حياة الجهاد والصراع ضد الشر.. حياة الجهاد من أجل لله.. حتى نصل إلى مواهب القديسين..
- مقال لقداسة البابا شنوده الثالث نشر في جريدة وطني بتاريخ 11-6-1972م





