الثبات في الله

تكلمنا في الأسبوع الماضي عن الذين يعرجون بين الفرقتين، ونتكلم اليوم عن موضوع مشابه هو الثبات في الرب… كيف يثبت الإنسان في الله، والله في الإنسان. قال الرب “اثبتوا فيّ وأنا فيكم” (يو15: 4).
الثبات في الله1
قال الرب ” اُثْبُتُوا فِيَّ وَأَنَا فِيكُم” (يو15: 4)
وضرب لذلك مثلا بثبات الغصن في الكرمة. هذا الغصن الذي يثبت في الكرمة، كأنه قطعة منها، لا ينفصل عنها ولا يبتعد. تتمشى فيه عصارتها ورحيقها فيتغذى بهما. ويصير هو وهي واحدًا…
بغير هذا الثبات تنتهي حياة الإنسان الروحية…
كالغصن الذي لا يثبت في الكرمة “يطرحونه خارجًا، فيجف، ويجمعونه، ويطرحونه في النار فيحترق”.
والثبات في السيد المسيح هو ثبات في محبته…
وفى هذا يقول الرب “اثبتوا في محبتي” (يو15: 9). ويقول الرسول “الله محبة. من يثبت في المحبة، يثبت في الله، والله فيه” (1يو4: 16).
الإنسان الثابت في المسيح هو انسان راسخ لا يتزعزع.
محبته لا تسقط أبدًا، مهما كانت العوائق، فهي لا تستطيع أن تهزه. لذلك يقول الرسول ” إذن يا إخوتي الأحباء، كونوا راسخين غير متزعزعين، مكثرين في عمل الرب كل حين، عالمين أن تعبكم ليس باطلًا في الرب” (1كو15: 58)
هناك أشخاص لا يثبتون في الرب بسبب الوسط أو البيئة أو الظروف الخارجية. لكن الأشخاص الراسخين مهما كانت الأسباب المحيطة يظلون ثابتين.
أبونا نوح، كل الوسط المحيط به كان وسطًا خاطئًا جدًا، حتى أن الله أغرق كل ذلك العالم بالطوفان. لكن نوحًا ظل ثابتًا في الرب، ولو أدى الأمر أن يعبد الله وحده.
آباؤنا الشهداء، والآباء المعترفون، لم تستطع كل قوى الإغراء أو التعذيب أن تزحزحهم أو تضعفهم، وظلوا ثابتين على إيمانهم. ولهذا فإن بولس الرسول يقول:
من سيفصلنا عن محبة المسيح: أشدة، أم ضيق، أم اضطهاد، أم جوع، أم عرى، أم خطر، أم سيف… ولكننا في هذه جميعها يعظم انتصارنا بالذي احبنا”.
” فإني متيقن أنه لا موت ولا حياة، ولا ملائكة ولا رؤساء ولا قوات، ولا أمور حاضرة ولا مستقبلة، ولا علو ولا عمق ولا خليقة أخرى، تقدر أن تفصلنا عن محبة الله التي في المسيح يسوع ربنا ” (رو35:8- 39).
الإنسان الثابت في محبة الله، لا تستطيع قوة أن تزعزعه.
أما الذي يعتذر بالأسباب الخارجية فهو إنسان ضعيف. لأن الأسباب الخارجية استطاعت أن تهزه. القوي لا يهتز…
لذلك أعطانا المسيح مثال البيت المبني على الصخر، الذي قال الرب عنه أنه نزلت الأمطار، وجاءت الأنهار، وهبت الرياح، ووقعت على ذلك البيت، فلم يسقط لأنه كان مؤسساً على الصخر” (متى7: 25)
من أجل هذا يقول الرب: “اثبتوا فًّيَّ وأنا فيكم.”
لا يكفي أن تعرف المسيح، إنما يجب أن تثبت فيه.
وتثبت إلى الأبد. لأن هناك أشخاص بدأوا الطريق مع المسيح، ولم يكملوا. أو بدأوا بالروح، وكملوا بالجسد. فلم يكونوا ثابتين. مثال ذلك ملاك كنيسة أفسس الذي احتمل وله صبر وتعب من أجل اسم الرب ولم يكل، ولكن الرب يقول له أخيرًا.
“عندي عليك أنك تركت محبتك الأولى” (رؤ2).
ديماس مساعد بولس الرسول في أعمال الكرازة، لم يستطع أن يثبت، وإنما يقول عنه بولس “ديماس تركني لأنه أحب العالم الحاضر”… هناك أشخاص من هذا النوع، يتركون محبتهم لله. ويحبون العالم الحاضر، ويتركون بولس والكرازة. أما أنتم فكونوا راسخين غير متزعزعين…
تلاميذ المسيح الاثنا عشر، امتدحهم الرب قائلا:
“أنتم الذين ثبتم معي في شدائدي” (لو22: 28).
قال لهم هكذا، لأن كثيرين آخرين لم يثبتوا معه. من هؤلاء أولئك الذين رجعوا إلى الوراء ولم يعودوا يمشون معه، لما تحدث عن التناول من جسده ودمه (يو6: 66) حتى أنه قال للاثني عشر ” أَلَعَلَّكُمْ أَنْتُمْ أَيْضًا تُرِيدُونَ أَنْ تَمْضُوا؟ ” فأجابه سمعان بطرس “إلى من نذهب يا رب، وكلام الحياة الأبدية عندك؟!”…
ومن هؤلاء الثابتين أيضًا: أولاد يوحنا الحبيب الذين يقول لهم في رسالته الأولى “أكتب إليكم أيها الأحداث، لأنكم أقوياء، وكلمة الله ثابتة فيكم، وقد غلبتم الشرير” (1يو2: 14).
إن المسيح يريد أن يكون أولاده أقوياء، ثابتين، غالبين باستمرار. هؤلاء الثابتين يعرفون هدفهم. ويثبتون عيونهم في هذا الهدف. لا يتأرجحون بين طريقين، ولا يعرجون بين الفرقتين. وإنما كما قيل عن المسيح إنه كان قد ” ثبت وجهه نحو أورشليم”…
هذا الشخص الثابت: هدفه واضح أمامه، وطريقه واضح أمامه لا يعود يفكر مرة أخرى، ولا يعود يتردد.
عندما تكلم السيد المسيح عن أواخر الأيام، لعله كان يقصد أيضًا هذا الثبات. لأنه قال إنه في الأيام الأخيرة، سيحل الشيطان قليلًا من سجنه ليضل الأمم، ويحدث الارتداد العظيم، ولو أمكن يضل المختارين أيضَا. ولكن من رحمة الله سيقصر تلك الأيام. ولو لم يقصرها ما كان يخلص أحد (متى22:24) … كلام خطير، يحتاج إلى ثبات.
إن الكنيسة يلزمها أن تثبت أولادها كثيرا في الإيمان، حتى إذا حل الشيطان من سجنه، وأتت أيام الارتداد، تبقى الكنيسة ثابتة.
لأنه في تلك الأيام سيعمل الشيطان بكل قوة، وبآيات وعجائب كاذبة وبكل خديعة الإثم في الهالكين” (2تس2: 9، 10).
وكما قال المسيح لتلاميذه: الشيطان مزمع أن يغربلكم… “إذن كونوا راسخين غير متزعزعين”.
هناك أشخاص لا يثبتون، لأن في طبيعتهم التردد، أو التقلب، أو في طبيعتهم ضعف وعدم صلابة…
هم أشخاص لا يحتملون المقاومة لمدة طويلة… الواحد منهم ربما يقاوم الخطية يومًا، أو يومين، أو عدة أيام، أو شهور… ثم يتعب ويستسلم. إنه غير ثابت، طبيعته ليست صلبة، ليست قوية… أو مترددة متقلبة لا تثبت على حال… تفشل بسرعة، وتيأس بسرعة، ترجع بسرعة…
إن الرب يريدنا أن نثبت على الدوام، لذلك قال:
“من يصبر إلى المنتهى فهذا يخلص” (متى24: 13).
…”إلى المنتهى” لأن الحياة الروحية، ليست ليوم أو يومين، أو تداريب مؤقتة، إنما هي حياة، هي العمر كله. يصبر فيها الإنسان إلى آخر لحظة، إن الذي يصبر إلى المنتهى، هو ولا شك شخص ثابت.
مثل الزارع فيه أمثلة من الثبات وعدم الثبات.
هناك زرع نما قليلًا، ولكن الشوك أحاط به فخنقه. وهناك زرع لم يكن له أصل في الأرض، لم تكن جذوره ممتدة إلى الأعماق، لذلك فإنه سرعان ما جف. وهناك بذار لم تثبت: إما لأسباب خارجية، أو لأن التربة غير صالحة.
إن الأرض الجيدة لابد أن تعطى ثمراً جيدًا. أما الثمر الرديء فيأتي من أرض رديئة.
إن رياح الخريف لا تهز السنديانة القوية أو البلوطة الراسخة، إنما تسقط الأوراق الجافة الميتة فقط.
لا تستطيع أن تسقط الأغصان الثابتة، ولا حتى الأوراق الخضراء، لأن فيها حياة تستطيع أن تصارع الضياع. في تاريخ البلشفية، عندما قالوا للبطريرك سرجي “إن البلشفية ضيعت المسيحية” أجاب بعبارته العجيبة العميقة:
“إن البلشفية لم تضيع المسيحية، ولكنها نقت المسيحية من المسيحيين الشكيليين”…
” إن الأسماك الميتة هي التي تطفو على سطح الماء. أما السمك الحي القوي فيمخر عباب الماء ويقاوم التيار.
لو قرأنا تاريخ الكنيسة لرأينا أمثلة جبارة من الثابتين.
أولئك الذين انتصروا على كل تعذيبات وقسوة نيرون ودقلديانوس وغيرهم من الوحوش البشرية. كما انتصروا على شكوك الفلسفات وكل الآراء المعارضة “مستأسرين كل فكر لطاعة المسيح “…
أما أنت فكن ثابتا، ولا تأبه لحروب الشياطين.
من الجائز أن يشن عليك الشيطان كل حروبه: يحاربك بالأفكار، يحاربك بالشهوات، يحاربك بالإغراءات، يحاربك بالمال بالشهرة بالكبرياء، يحاربك محاربات منظورة وأخرى غير منظورة، محاربات سريعة وأخرى على مدى طويل… ولكنه في كل ذلك، لا سلطان له عليك بل أنت أعطيت سلطانًا أن تدوس الحيات والعقارب وكل قوة العدو… اثبت إذن في الحروب، وكن قوي القلب…
الإنسان الذي ينجح في حرب الثبات، هو الذي جعل هدفه الله وحده، وليس له أهداف أخرى سوى الله.
هو الإنسان الذي يحب الله من أجل ذاته، وليس من أجل خيراته. فالإنسان الذي يحب خيرات الله، إذا قلت هذه الخيرات تتزعزع صلته بالله. إذا رسب في امتحان، أو إذا لم يشف مريض له، أو إذا وقع في تجربة، حينئذ يهتز إيمانه ويتعب…
هناك عوامل أخرى وضعها الكتاب المقدس للثبات في الله، نحاول أن نستعرضها أمامنا لنخرج بالقواعد الروحية اللازمة للثبات في الرب.
+ من العناصر اللازمة للثبات، التناول من جسد الرب ودمه. لأنه يقول “من يأكل جسدي ويشرب دمي، يثبت فّي وأنا فيه” (يو6: 56).
+ من وسائل الثبات أيضًا حفظ الوصايا والسلوك الروحي السليم. فالرب يقول “إن حفظتم وصاياي تثبتون في محبتي، كما أني أنا قد حفظت وصايا أبي وأثبت في محبته” (يو15: 10).
وكما قال يوحنا الرسول عن الرب “من قال إنه ثابت فيه، ينبغي إنه كما سلك ذاك، هكذا يسلك هو أيضًا” (1يو2: 6).
- مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة السادسة (العدد الثامن) 21-2-1975م





