بناة الملكوت وكيف بنوه

بناة الملكوت وكيف بنوه[1]
تحدثنا في العدد الماضي عن الله كملك، وكيف حدث التمرد على ملكوته، وكيف استرجع الله ملكه، ومتى؟
ونود اليوم أن نحدثكم عن:
بناة الملكوت وكيف بنوه
كان الله يستطيع وحده أن يبني ملكوته، لأنه “إنْ لَمْ يَبْنِ الرَّبُّ البَيْتَ، فَباطِلًا تَعَبُ البَنّاؤُونَ” (مز127: 1). ولكن الله أراد أن يكون بناء ملكوته عن طريق أوعية مختارة يعمل فيها، وعن طريق وكلاء صالحين يعمل بهم. فمن هم؟
من هم بناة الملكوت؟
يقول الكتاب إن الله “أَعْطَى الْبَعْضَ أَنْ يَكُونُوا رُسُلًا، وَالْبَعْضَ أَنْبِيَاءَ، وَالْبَعْضَ مُبَشِّرِينَ، وَالْبَعْضَ رُعَاةً وَمُعَلِّمِينَ، لأَجْلِ تَكْمِيلِ الْقِدِّيسِينَ، لِعَمَلِ الْخِدْمَةِ، لِبُنْيَانِ جَسَدِ الْمَسِيحِ” (أف4: 11).
وجسد المسيح هو الكنيسة (أف5: 23)، (كو1: 18). وبنيان هذا الجسد أي بنيان أعضائه، المؤمنين باسمه.
إن الله “يُرِيدُ أَنَّ جَمِيعَ النَّاسِ يَخْلُصُونَ وَإلَى مَعْرِفَةِ الْحَقِّ يُقْبِلُونَ” (1تى2: 4). يريد أن الجميع يعرفونه ويحبونه ويتمتعون بملكوته… من أجل ذلك أرسل الأنبياء والرسل وعين المبشرين والرعاة والمعلمين، لبناء هذا الملكوت، هم وتلاميذهم.
وكان لا بد من إعداد كل هؤلاء للقيام بعملهم. وهنا نسأل:
كيف أعد الله بناة الملكوت؟
اختارهم أولًا. وأقامهم معه يتتلمذون على يديه، يسمعونه كيف يعلم، ويرونه كيف يتعامل ويتصرف. وأقاموا معه أكثر من ثلاث سنوات لا يفارقونه. ثم ظهر لهم بعد القيامة أربعين يومًا، يحدثهم عن الأمور المختصة بملكوت الله (أع1: 3) ويفتح أذهانهم ليفهموا الكتب (لو24: 45).
وكان قبل ذلك قد أرسلهم في دورات تدريبية (مت10). وزودهم بالنصائح. وصحح لهم أخطاءهم (لو10).
ولم يكن هذا كله كافيًا، بل قال لهم:
“أَقِيمُوا فِي مَدِينَةِ أُورُشَلِيمَ إِلَى أَنْ تُلْبَسُوا قُوَّةً مِنَ الأَعَالِي” (لو24: 49).
ونالوا هذه القوة حينما “حَلَّ الرُّوحُ الْقُدُسُ عَلَيْهُمْ” (أع1: 8).
وحينئذ فقط صاروا له شهودًا… إلى أقاصي الأرض.
إذن أعدهم بالتعليم، بالقدوة، وبالتدريب، وبالروح القدس. كما أعدهم بتثبيت إيمانهم – بعد قيامته – وإنقاذهم من الشكوك.
ولم يكن عمل الروح القدس فقط بالألسنة النارية يوم الخمسين، وإنما أيضًا بمواهبه الدائمة لهم.
وهذا ما شرحه القديس بولس الرسول في الإصحاح 12من رسالته الأولى إلى كورنثوس فقال: “فَإِنَّهُ لِوَاحِدٍ يُعْطَى بِالرُّوحِ كَلاَمُ حِكْمَةٍ. وَلِآخَرَ كَلاَمُ عِلْمٍ… وَلِآخَرَ إِيمَانٌ… وَلِآخَرَ مَوَاهِبُ شِفَاءٍ بِالرُّوحِ الْوَاحِد، وَلِآخَرَ عَمَلُ قُوَّاتٍ وَلِآخَرَ نُبُوَّةٌ وَلِآخَرَ تَمْيِيزُ الأَرْوَاحِ، وَلِآخَرَ أَنْوَاعُ أَلْسِنَةٍ وَلِآخَرَ تَرْجَمَةُ أَلْسِنَةٍ. وَلَكِنَّ هَذِهِ كُلَّهَا يَعْمَلُهَا الرُّوحُ الْوَاحِدُ بِعَيْنِهِ قَاسِمًا لِكُلِّ وَاحِدٍ بِمُفْرَدِهِ كَمَا يَشَاءُ” (1كو12: 8- 11).
كل هذا يعلمنا أهمية إعداد الخدام…
فإن كان الآباء الرسل لهم كل ذلك الإعداد الطويل المتعدد الجوانب، فماذا نقول عنا نحن في إعداد الخدام لهذا الجيل.
على أية الحالات، لقد بدأ الرسل عملهم في بناء الملكوت بعد حلول الروح القدس عليهم. فكيف كانت وسائلهم لبناء الملكوت؟
كيف بنوا الملكوت؟
1- بنوه أولًا بالكرازة والتعليم، حسب وصية الرب:
لقد قال لهم قبل صعوده: “اِذْهَبُوا إِلَى الْعَالَمِ أَجْمَعَ وَاكْرِزُوا بِالإِنْجِيلِ لِلْخَلِيقَةِ كُلِّهَا” (مر16: 15). وقال لهم أيضًا: “اذْهَبُوا وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ الأُمَمِ وَعَمِّدُوهُمْ بِاسْمِ الآبِ وَالاِبْنِ وَالرُّوحِ الْقُدُسِ. وَعَلِّمُوهُمْ أَنْ يَحْفَظُوا جَمِيعَ مَا أَوْصَيْتُكُمْ بِهِ” (مت 28: 19 – 20).
وكما بنوا الملكوت بالكرازة والتعليم، هكذا أوصوا تلاميذهم:
فقال القديس بولس الرسول لتلميذه تيموثاوس: “لاَحِظْ نَفْسَكَ وَالتَّعْلِيمَ وَدَاوِمْ عَلَى ذَلِكَ، لأَنَّكَ اذَا فَعَلْتَ هَذَا تُخَلِّصُ نَفْسَكَ وَالَّذِينَ يَسْمَعُونَكَ أَيْضًا” (1كو4: 16). “اكْرِزْ بِالْكَلِمَةِ. اعْكُفْ عَلَى ذَلِكَ فِي وَقْتٍ مُنَاسِبٍ وَغَيْرِ مُنَاسِبٍ. وَبِّخِ، انْتَهِرْ، عِظْ بِكُلِّ انَاةٍ وَتَعْلِيمٍ” (2تي4: 2). كما قال لتلميذه تيطس: “تَكَلَّمْ بِمَا يَلِيقُ بِالتَّعْلِيمِ الصَّحِيحِ” (تي2: 1).
وهكذا كان الرسل يعلمون، حتى في السجون، وهم مأسورون! (أع16). حتى وهم في محاكماتهم أمام الولاة (أع24: 25).
2- وكانوا يستخدمون أسلوب الحوار والإقناع:
وهكذا فعل القديس استفانوس أول الشمامسة وأحد بناة الملكوت. وقف ضد ثلاثة مجامع من الفلاسفة، وحاورهم “وَلَمْ يَقْدِرُوا أَنْ يُقَاوِمُوا الْحِكْمَةَ وَالرُّوحَ الَّذِي كَانَ يَتَكَلَّمُ بِهِ” (أع6: 9، 10). وهكذا أيضًا حاور اليهود بأدلة من الكتاب المقدس، فحنقوا عليه ورجموه (أع7).
والقديس بطرس كان يحاور اليهود بآيات من الأنبياء ومن المزامير. كما قال لهم في يوم الخمسين: “هَذَا مَا قِيلَ بِيُوئِيلَ النَّبِيِّ… أَنِّي أَسْكُبُ مِنْ رُوحِي عَلَى كُلِّ بَشَرٍ فَيَتَنَبَّأُ بَنُوكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَيَرَى شَبَابُكُمْ رُؤىً وَيَحْلُمُ شُيُوخُكُمْ أَحْلاَمًا” (أع2: 16) (يوء2: 28). وأقنعهم بالقيامة من قول داود في المزمور: “لأنَّكَ لا تَتْركُ نَفْسي في الجحِيمِ. ولا تَدَعُ قُدُّوسَكَ يَرَى فَسادًا” (أع2: 27)، (مز16: 10). والأمثلة على هذا كثيرة جدًا.
حقًا إن بناة الملكوت، يجب أن تكون عندهم قوة الحجة، والقدرة على الحوار والإقناع. فهذا نافع للتعليم.
3-كانوا أيضًا في بناء الملكوت يجذبون الناس بحكمة.
وهكذا قال القديس بولس الرسول: “صِرْتُ لِلْيَهُودِ كَيَهُودِيٍّ لأَرْبَحَ الْيَهُودَ وَلِلَّذِينَ تَحْتَ النَّامُوسِ كَأَنِّي تَحْتَ النَّامُوسِ لأَرْبَحَ الَّذِينَ تَحْتَ النَّامُوسِ. وَلِلَّذِينَ بِلاَ نَامُوسٍ كَأَنِّي بِلاَ نَامُوسٍ… لأَرْبَحَ الَّذِينَ بِلاَ نَامُوسٍ. صِرْتُ لِلضُّعَفَاءِ كَضَعِيفٍ لأَرْبَحَ الضُّعَفَاءَ. صِرْتُ لِلْكُلِّ كُلَّ شَيْءٍ لأُخَلِّصَ عَلَى كُلِّ حَالٍ قَوْمًا” (1كو9: 20 – 22).
أي أنه كان في كرازته يستخدم لكل أحد الأسلوب الذي يناسبه، والذي به يمكن أن يربحه، في حكمة. وهكذا فعل لما دخل أثينا ووجد المدينة مملوءة أصنامًا. لم ينتهرهم وإنما قال لهم: “أَيُّهَا الرِّجَالُ الأَثِينِيُّونَ أَرَاكُمْ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ كَأَنَّكُمْ مُتَدَيِّنُونَ كَثِيرًا. لأَنَّنِي بَيْنَمَا كُنْتُ أَجْتَازُ وَأَنْظُرُ إِلَى مَعْبُودَاتِكُمْ وَجَدْتُ أَيْضًا مَذْبَحًا مَكْتُوبًا عَلَيْهِ: «لإِلَهٍ مَجْهُولٍ». فَالَّذِي تَتَّقُونَهُ وَأَنْتُمْ تَجْهَلُونَهُ هَذَا أَنَا أُنَادِي لَكُمْ بِهِ. الإِلَهُ الَّذِي خَلَقَ الْعَالَمَ وَكُلَّ مَا فِيهِ” (أع17: 22 -24).
والحكمة في بناء الملكوت، كانت شرطًا للشمامسة أيضًا.
وهكذا لما أراد الآباء الرسل إقامة شمامسة للخدمة، قالوا لجمهور التلاميذ: “انْتَخِبُوا أَيُّهَا الإِخْوَةُ سَبْعَةَ رِجَالٍ مِنْكُمْ مَشْهُودًا لَهُمْ وَمَمْلُوِّينَ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ وَحِكْمَةٍ فَنُقِيمَهُمْ عَلَى هَذِهِ الْحَاجَةِ” (أع6: 3). ومع أن المملوء من الروح القدس، لا بد أن يكون مملوءًا من الحكمة أيضًا، إلا أنهم شددوا على شرط الحكمة لأهميتها للخدمة.
4- كذلك بناة الملكوت بنوه بأسفار كثيرة:
لم يقبعوا في مكان واحد، ليأتيهم الشعب فيه، بل كانوا يجولون من مكان إلى آخر، كما كان سيدهم يطوف المدن والقرى يكرز ببشارة الملكوت (مت4: 23)، (لو13: 22). وهكذا يقول القديس بولس الرسول عن خدمته: “بِأَسْفَارٍ مِرَارًا كَثِيرَةً. بِأَخْطَارِ سُيُولٍ. بِأَخْطَارِ لُصُوصٍ. بِأَخْطَارٍ مِنْ جِنْسِي. بِأَخْطَارٍ مِنَ الأُمَمِ. بِأَخْطَارٍ فِي الْمَدِينَةِ. بِأَخْطَارٍ فِي الْبَرِّيَّةِ. بِأَخْطَارٍ فِي الْبَحْرِ” (2كو11: 26).
عمل قادة الرسل أولًا في أورشليم. ولما تشتت البعض خارجها، قال الكتاب: “الَّذِينَ تَشَتَّتُوا جَالُوا مُبَشِّرِينَ بِالْكَلِمَةِ” (أع8: 4). وهكذا انتقلوا إلى السامرة وبشروها، وذهبوا إلى إنطاكية، وإلى قبرص، وإلى آسيا الصغرى، حيث أسسوا السبع كنائس هناك. ثم إلى بلاد اليونان، وإلى مصر وإلى رومه، وإلى بلاد الشرق.
كانوا حركة دؤوبة لا تتوقف، دائمة السعي والانتقال.
إنها ديناميكية الخدمة، دائمة الحركة.
كما قال لهم الرب من قبل: “تَكُونُونَ لِي شُهُودًا فِي أُورُشَلِيمَ وَفِي كُلِّ الْيَهُودِيَّةِ وَالسَّامِرَةِ وَإِلَى أَقْصَى الأَرْضِ” (أع1: 8). وكما تنبأ عنهم المزمور قائلًا: “لَا قولَ وَلَا كلامَ، الذِينَ لا تُسْمعُ أصْوَاتَهُم. في كُلِّ الأرْضِ خَرَجَ مَنْطقُهُم. وإلَى أقْصَى المسْكُونةِ بَلغتْ أقْوالُهُم” (مز19: 3، 4)
ولم تكن المواصلات سهلة كما في هذه الأيام، بل كانت لها أخطار كثيرة، كما قال القديس بولس الرسول: “ثَلاَثَ مَرَّاتٍ انْكَسَرَتْ بِيَ السَّفِينَةُ. لَيْلًا وَنَهَارًا قَضَيْتُ فِي الْعُمْقِ”.. (2كو11: 25).
5- كذلك بنوا الملكوت بالتعب والجهد والمشقة.
وفى ذلك قال القديس بولس الرسول: “فِي كُلِّ شَيْءٍ نُظْهِرُ أَنْفُسَنَا كَخُدَّامِ اللهِ، فِي صَبْرٍ كَثِيرٍ، فِي شَدَائِدَ، فِي ضَرُورَاتٍ، فِي ضِيقَاتٍ، فِي ضَرَبَاتٍ، فِي سُجُونٍ، فِي اضْطِرَابَاتٍ، فِي أَتْعَابٍ، فِي أَسْهَارٍ، فِي أَصْوَامٍ” (2كو6: 4، 5).
ولم يقاسوا تعب الجسد بل قاست نفوسهم أيضًا.
وهكذا يقول الرسول: “بِمَجْدٍ وَهَوَانٍ. بِصِيتٍ رَدِيءٍ وَصِيتٍ حَسَنٍ” (2كو6: 8). نعم تعرضوا للهوان وللصيت الرديء!! وماذا أيضًا؟ يتابع الرسول كلامه فيقول: “كَمُضِلِّينَ وَنَحْنُ صَادِقُونَ. كَمَجْهُولِينَ… كَمَائِتِينَ وَهَا نَحْنُ نَحْيَا. كَمُؤَدَّبِينَ… كَحَزَانَى وَنَحْنُ دَائِمًا فَرِحُونَ” (2كو6: 8-10). ويقول كذلك: “مُكْتَئِبِينَ فِي كُلِّ شَيْءٍ، لكِنْ غَيْرَ مُتَضَايِقِينَ. مُتَحَيِّرِينَ، لكِنْ غَيْرَ يَائِسِينَ، مُضْطَهَدِينَ، لكِنْ غَيْرَ مَتْرُوكِينَ…… حَامِلِينَ فِي الْجَسَدِ كُلَّ حِينٍ إِمَاتَةَ الرَّبِّ يَسُوعَ” (2كو4: 8- 10).
القديس بولس الرسول وهو يبشر في أثينا، قال عنه قوم من فلاسفتها “مَاذَا يُرِيدُ هَذَا الْمِهْذَارُ أَنْ يَقُولَ؟” (أع17: 18). وفيما هو يترافع أثناء محاكمته، صاح فستوس الوالي بصوت عظيم “أَنْتَ تَهْذِي يَا بُولُسُ! الْكُتُبُ الْكَثِيرَةُ تُحَوِّلُكَ إِلَى الْهَذَيَانِ” (أع26: 24).
إننا حاليًا نمجد هؤلاء القديسين بناة الملكوت. لكنهم في خدمتهم تعرضوا لكثير من الإهانات والضيقات، وتحملوها في فرح. بل في بدء خدمتهم، لما جلدوهم ثم أطلقوهم، قيل عنهم: “أَمَّا هُمْ فَذَهَبُوا فَرِحِينَ مِنْ أَمَامِ الْمَجْمَعِ لأَنَّهُمْ حُسِبُوا مُسْتَأْهِلِينَ أَنْ يُهَانُوا مِنْ أَجْلِ اسْمِهِ” (أع5: 41).
6- هم أيضًا بنوا الملكوت بما وهبهم الله من معجزات:
كان الروح القدس يعمل فيهم بقوة آيات ومعجزات… أحدثت تأثيرها الكبير وسط الناس، وقادتهم إلى الإيمان “وَكَانَ الرَّبُّ كُلَّ يَوْمٍ يَضُمُّ إِلَى الْكَنِيسَةِ الَّذِينَ يَخْلُصُونَ” (أع2: 47).
أول معجزة كانت التكلم بألسنة في يوم الخمسين. وقيل بعد عظة القديس بطرس إن اليهود نخسوا في قلوبهم، وإنهم آمنوا وأعتمد في ذلك اليوم ثلاثة آلاف نفس (أع2: 41).
وبعد شفاء الأعرج الذي كان يتسول على باب الجميل، قيل: “وَكَثِيرُونَ… آمَنُوا وَصَارَ عَدَدُ الرِّجَالِ نَحْوَ خَمْسَةِ آلاَفٍ” (أع4: 4)، ثم ازدادت المعجزات، فيقول سفر أعمال الرسل: “وَجَرَتْ عَلَى أَيْدِي الرُّسُلِ آيَاتٌ وَعَجَائِبُ كَثِيرَةٌ فِي الشَّعْبِ… وَكَانَ مُؤْمِنُونَ يَنْضَمُّونَ لِلرَّبِّ أَكْثَرَ جَمَاهِيرُ مِنْ رِجَالٍ وَنِسَاءٍ. حَتَّى إِنَّهُمْ كَانُوا يَحْمِلُونَ الْمَرْضَى خَارِجًا فِي الشَّوَارِعِ وَيَضَعُونَهُمْ عَلَى فُرُشٍ وَأَسِرَّةٍ حَتَّى إِذَا جَاءَ بُطْرُسُ يُخَيِّمُ وَلَوْ ظِلُّهُ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ… وَكَانُوا يُبْرَأُونَ جَمِيعُهُمْ” (أع5: 12- 16).
وقيل عن القديس بولس الرسول: “وَكَانَ اللهُ يَصْنَعُ عَلَى يَدَيْ بُولُسَ قُوَّاتٍ غَيْرَ الْمُعْتَادَةِ. حَتَّى كَانَ يُؤْتَى عَنْ جَسَدِهِ بِمَنَادِيلَ أَوْ مَآزِرَ إِلَى الْمَرْضَى فَتَزُولُ عَنْهُمُ الأَمْرَاضُ وَتَخْرُجُ الأَرْوَاحُ الشِّرِّيرَةُ مِنْهُمْ” (أع19: 11، 12).
وكما أجريت معجزات رحمة بالناس، كانت هناك معجزات خاصة بالعقوبة. مثلما حدث مع حنانيا وسفيره (أع5) ومع بار يشوع (عليم الساحر) في (أع13: 8- 11) إن هذه المعجزات كانت وعدًا من الرب الذي قال لهم: “وَهَذِهِ الآيَاتُ تَتْبَعُ الْمُؤْمِنِينَ…” (مر16: 17).
7– كذلك بنوا الملكوت بإقامة الخدام:
إن الخادم الحقيقي من بناة الملكوت، لا يخدم وحده، وإنما يجمع حوله بناة آخرين يخدمون معه. وهكذا كان بولس الرسول يخدم معه كثيرون من بناة الملكوت، مثل القديس مار مرقس، والقديسون تيموثاوس، وتيطس، وأرسترخس، ولوقا الطبيب، وأنسيموس، وتيخيكس وغيرهم (كو4) ومجموعات من الشمامسة… وأيضًا فيبي، وأكيلا وبريسكلا (رو16). وكل أولئك كانوا طاقات كبيرة في الخدمة، وبهم انتشر الملكوت وبنيت النفوس…
إلى جوار خدمة الأرامل والعذارى (1تي5) والنساء اللائي وهبن بيوتهن لتكون كنائس…
8- ساعد على بناء الملكوت أيضًا إنشاء المدارس اللاهوتية.
وكانت أول مدرسة لاهوتية هي مدرسة الإسكندرية التي أنشأها القديس مار مرقس الرسول. ووقفت ضد الفلسفة الوثنية، وقدمت للملكوت علماء ولاهوتيين كبارًا ساعدوا في بناء الملكوت… من القديس بنتينوس إلى القديس ديديموس الضرير وغيرهم. بل قدمت المدرسة أيضًا بطاركة للكنيسة كانوا من بناة الملكوت أيضًا.
9 – كذلك بناة الملكوت، بنوه بغيرتهم المقدسة وبخدمتهم العميقة التأثر.
هذه الغيرة التي في قول القديس بولس الرسول: “مَنْ يَعْثُرُ وَأَنَا لاَ أَلْتَهِبُ؟” (2كو11: 29). وقوله أيضًا: “الضَّرُورَةُ مَوْضُوعَةٌ عَلَيَّ فَوَيْلٌ لِي إِنْ كُنْتُ لاَ أُبَشِّرُ” (1كو9: 16). وقوله: “لأُخَلِّصَ عَلَى كُلِّ حَالٍ قَوْمًا” (1كو9: 22).
ومن جهة تأثيرهم العميق، نرى أن القديس بولس وهو أسير، لما تكلم عن البر والدينونة والتعفف أمام فيلكس الوالي، ارتعب فيلكس (أع24: 25). ولما وقف أمام أغريباس الملك، كلمه بجرأة حتى أن الملك أغريباس قال له: “بِقَلِيلٍ تُقْنِعُنِي أَنْ أَصِيرَ مَسِيحِيّاً” (أع26: 28). عجيب أن هذا الأسير، يكون له مثل هذا التأثير.
10– بنوا الملكوت بانتصارهم على العقبات وقلة الإمكانيات.
مثال ذلك مار مرقس الذي دخل مصر، ولم تكن له فيها كنيسة ولا شعب. وكانت فيها ديانات كثيرة كالعبادات والآلهة الفرعونية واليونانية والرومانية، إلى جوار الديانة اليهودية، والفلسفات الوثنية، وسلطة الحكم الروماني القاسي وهو أعزل لا يملك شيئًا. ولكنه استطاع أن يملأ الدنيا كرازة وتبشيرًا ويبنى لله ملكوتًا.
11– العامل الأساسي الذي ساعد بناة الملكوت هو الروح القدس.
الروح القدس الذي كان يتكلم على أفواههم (مت10: 20) وكان يعطيهم القوة (أع1: 8) والمواهب (1كو 12) ويرشدهم إلى جميع الحق (يو16: 13).
[1] مقالة لقداسة البابا شنوده الثالث- بناة الملكوت وكيف بنوه، بمجلة الكرازة: 15/ 5/ 1998




