مركز الوعظ والتعليم في الكنيسة المقدسة

مركز الوعظ والتعليم في الكنيسة المقدسة[1]
الكرازة والتعليم هما عمل الآباء الكهنة
إن بولس الرسول يرسل إلى تلميذه تيموثاوس الأسقف يقول له:
“اعْكُفْ عَلَى الْقِرَاءَةِ وَالْوَعْظِ وَالتَّعْلِيمِ” (1تي4: 13)، وأيضًا “لاَحِظْ نَفْسَكَ وَالتَّعْلِيمَ وَدَاوِمْ عَلَى ذَلِكَ، لأَنَّكَ اذَا فَعَلْتَ هَذَا تُخَلِّصُ نَفْسَكَ وَالَّذِينَ يَسْمَعُونَكَ أَيْضًا” (1تي4: 16) “اكْرِزْ بِالْكَلِمَةِ. اعْكُفْ عَلَى ذَلِكَ فِي وَقْتٍ مُنَاسِبٍ وَغَيْرِ مُنَاسِبٍ. وَبِّخِ، انْتَهِرْ، عِظْ بِكُلِّ انَاةٍ وَتَعْلِيمٍ” (2تي4: 2). “اعْمَلْ عَمَلَ الْمُبَشِّرِ. تَمِّمْ خِدْمَتَكَ” (2تي4: 5). “عَلِّمْ وَعِظْ بِهذَا” (1تي6: 2).
ويرسل إلى تلميذه تيطس الأسقف قائلًا: “تَكَلَّمْ بِهَذِهِ وَعِظْ” (تي2: 15). “وَأَمَّا أَنْتَ فَتَكَلَّمْ بِمَا يَلِيقُ بِالتَّعْلِيمِ الصَّحِيحِ… مُقَدِّمًا فِي التَّعْلِيمِ نَقَاوَةً، وَوَقَارًا، وَإِخْلاَصًا، وَكَلاَمًا صَحِيحاً غَيْرَ مَلُومٍ” (تي2: 1، 7). لهذا كله يقول بولس الرسول (1تي3: 2).
يَجِبُ انْ يَكُونَ الأُسْقُفُ… صَالِحًا لِلتَّعْلِيمِ
ويقول في رسالته إلى تيطس (1: 7، 9): “يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الأُسْقُفُ… مُلاَزِمًا لِلْكَلِمَةِ الصَّادِقَةِ الَّتِي بِحَسَبِ التَّعْلِيمِ، لِكَيْ يَكُونَ قَادِرًا أَنْ يَعِظَ بِالتَّعْلِيمِ الصَّحِيحِ وَيُوَبِّخَ الْمُنَاقِضِينَ“.
وقد أسهب الباب الثالث من الدسقولية في هذا الموضوع، وورد فيه “يجب أن يكون الأسقف مملوءًا من كل تعليم، أديبًا، درب اللسان. ويكون حي القلب في التعليم، يعلم في كل وقت. ويتلو ويدرس في كتب الرب ويتأمل الفصول، لكي يفسر الكتب بتأمل… ليوص الأسقف العلمانيين بثبات ويعظهم”. وتتدرج الوصية إلى الأمر، فتقول الدسقولية “اهتم بالكلام يا أسقف. أشبع شعبك واروِهِ من نور الناموس، فيغنى بكثرة تعاليمك”. وتشرح الدسقولية دينونة الأسقف في إهمال التعليم فتقول: “إذا لم توصوا أيها الأساقفة الشعب وتشهدوا لهم بالتعليم فخطية الذين لا يعرفون عليكم” (حز33: 2- 9).
ما أصعب وأخطر القوانين التي وضعها الآباء الرسل على الأسقف الذي لا يهتم بالتعليم. قلمي يرتعش من كتابتها. سأتركها إلى حين…
آباؤنا الأساقفة القديسون كانوا وعاظًا ومعلمين:
ما أجمل تاريخ آبائنا الأساقفة القديسين في الاهتمام بالتعليم.
أثناسيوس الرسولي كان يجول من مكان إلى آخر معلمًا، ومثبتًا الناس في الإيمان السليم، ومحاربًا خطر الأريوسية. وهكذا كان القديس كيرلس عمود الدين في دقة تعليمه ومحاربته للنسطورية. ومثلهما في فهم الإيمان والدفاع عنه معلمنا ديسقورس (البابا 25) الذي قاوم مجمع خلقدونية، والقديس ساويرس بطريرك أنطاكية الذي جال 28 سنة في المدن والقرى يثبّت قواعد الإيمان ويرد على أسئلة السائلين…
هل أتكلم أيضًا عن القديس يوحنا بطريرك القسطنطينية الذي من جمال عظاته لقّبوه “ذهبي الفم”؟
أم أتكلم عن القديس اغريغوريوس أسقف نيازينزا الذي من قوة حجته لقّبوه الثيئولوجوس أي الناطق بالإلهيات؟
أم أتكلم عن عظات أوغسطينوس أسقف هِبّو ومقالاته ورسائله؟
أم عن القديس إيلاري أسقف بواتييه الذي من قوته في اللاهوتيات لقّبوه “أثناسيوس الغرب”؟ أم أتكلم عن باسيليوس الكبير؟ أم عن كيرلس أسقف أورشليم؟ أم اغريغوريوس أسقف نيصص؟
أم كبريانوس أسقف قرطاجنة، أم أمبروسيوس أسقف ميلان…
كل واحد من هؤلاء كان – حسب تعبير بولس الرسول:
مُفَصِّلًا كَلِمَةَ الْحَقِّ بِالاِسْتِقَامَةِ
هؤلاء الأساقفة وأمثالهم، كانوا معلمي المسكونة، وأبطال الإيمان. وما تزال عظاتهم وتعاليمهم ورسائلهم مراجع لنا في الإيمان…
يجب أن يكون الأسقف صالحًا للتعليم، لأنه أيضًا – كعضو في المجمع المقدس – مؤتمن على التشريع والتقنين ومحاربة البدع وشرح الإيمان.
الكرازة والتعليم هما عمل الآباء الأساقفة
القسوس تسميهم مقدمة الدسقولية “معلّمين” ومن فم الكاهن تطلب الشريعة كما يقول الكتاب. إلى جوار خدمة الكهنوت لهم أيضًا خدمة التعليم. وفي هذا يقول بولس الرسول: “أَمَّا الشُّيُوخُ (القسوس) الْمُدَبِّرُونَ حَسَنًا فَلْيُحْسَبُوا أهْلًا لِكَرَامَةٍ مُضَاعَفَةٍ، وَلاَ سِيَّمَا الَّذِينَ يَتْعَبُونَ فِي الْكَلِمَةِ وَالتَّعْلِيمِ” (1تي5: 17).
وفي طقس الرسامة يصلي الأسقف من أجل الكاهن الجديد قائلًا للرب: “امنحه روح حكمتك، ليمتلئ من أعمال الشفاء وكلام التعليم ليعلّم شعبك بوداعة”. وفي الوصية التي يقرأها عليه الأسقف يقول له: “واستضئ بالمطالعة مواظبًا على القراءة والتعليم بمعاني كتب البيعة”.
ولنا مثال في الكهنة الوعاظ المشهورين القديس يوحنا ذهبي الفم عندما كان قسًا لأنطاكية. وفي جيلنا الحديث نبغ القمص فيلوثيئوس والقس منسى يوحنا وغيرهما.
الكرازة والتعليم هما من عمل الشمامسة
إن كان من خدمة الشمامسة العناية بالفقراء ومعاونة الكاهن في خدمة المذبح. فالتعليم أيضًا من أهم أعمالهم. إن استفانوس العظيم رئيس الشمامسة كان يُعلّم. ووقف أمامه ثلاثة مجامع “وَلَمْ يَقْدِرُوا أَنْ يُقَاوِمُوا الْحِكْمَةَ وَالرُّوحَ الَّذِي كَانَ يَتَكَلَّمُ بِهِ” (أع6: 10). وفيلبس الشماس كرز في السامرة (أع8: 5)، كما بشّر الخصي الحبشي (أع8: 35).
والشماس أثناسيوس – في مجمع نيقية يعطينا فكرة جميلة قوية عن عمل الشمّاس في التعليم. وفي جيلنا الحاضر يعوزنا الوقت إن تحدثنا عن حبيب جرجس واسكندر حنا وعملهما في التعليم…
الكرازة والتعليم هما عمل الأناغنوستيس
الأناغنوستيس (الأغنسطس) هو القارئ، وطقسه في الكنيسة أن يقرأ الكتب المقدسة، ويعرف تفسيرها ويفسرها للناس. أما عن فهمه لما يقرأه فواضح من قول القانون الكنسي “الذي يملأ أسماع الناس بالكلام، ألا يفهم معنى ما يقول؟!” وأيضًا من تذكيره في السيامة بعبارة “فليفهم القارئ”.
وطقس سيامته يحمل معنى عمله في الوعظ والتعليم، فالأسقف يصلي عنه قائلًا للرب: “أظهر وجهك على عبدك (فلان) القائم أمامك، الذي قدّموه لينذر بأقوالك المقدسة ويكرز بأوامرك لشعبك، ويعلّمهم كلامك الطاهر الذي من جهته خلاص نفوسهم ونجاتهم”.
كما يقول له في الوصية: “يجب عليك أن تتعلم واحدًا فواحدًا من فصول الكتب المقدسة، أنفاس الله التي اؤتمنت عليها، كي تعظ بها الشعب”.
وبعد
ليتنا نهتم بالتعليم والوعظ والكرازة، فالناس “كَيْفَ يُؤْمِنُونَ بِمَنْ لَمْ يَسْمَعُوا بِهِ؟ وَكَيْفَ يَسْمَعُونَ بِلاَ كَارِزٍ؟” (رو10: 14).
فلنعلّم في كل حين، ولنشجّع المعلّمين والوعّاظ، ونفسح لهم المجال، ونقدّم لهم الإمكانيات…
[1] مقالة لقداسة البابا شنوده الثالث: صفحة الرعاية – مركز الوعظ والتعليم في الكنيسة المقدسة (2)، بمجلة الكرازة: 23/ 12 /1994



