اغفر لنا… كما نغفر -2

أبانا الذي في السمَوات.
اغفر لنا… كما نغفر -2-1
مغفرتك للآخرين شرط أساسي لنوالك المغفرة.
ما علاقة طلبة المغفرة بطلبة الخبز السابقة لها مباشرة؟
هناك شروط أخري لازمة لكي يمنحك الرب المغفرة
التوبة شرط للمغفرة، مع ثمار تليق بالتوبة.
أسرار الكنيسة تحمل في طياتها أيضًا هبة المغفرة
تحدثنا في العدد الماضي عن هذه الطلبة وشرحنا حاجة كل إنسان إلى المغفرة حتى رُسل المسيح نفسه.. ونود في هذا العدد أن نُتابع تأملاتنا في هذه الطلبة من الصلاة الربية فنقول:
إننا نطلب من الله المغفرة والله من جانبه مُستعد أن يغفر. ولكن المُهم: هل نحن من جانبنا مُستعدون من جانبنا لقبول هذه المغفرة؟
هناك شروط: فما هي؟
نقول في الصلاة “أغفر لنا.. كما نغفر نحن أيضًا للمذنبين إلينا”
إذن مغفرتنا للآخرين شرط
أو هي اتفاق بيننا وبين الله.
ونلاحظ أن الله أهتم بهذا الشرط جدًا فهذه الطلبة هي الوحيدة من بين الطلبات السبعة في الصلاة الربانية التي علق عليها الوحي الإلهي. وتكلم الرب عنها بعد أن علمنا إياها. ففي الإنجيل لمعلمنا متى البشير، يقول الرب بعد هذه الصلاة مباشرة: “فإنه إن غفرتم للناس زلاتهم يغفر لكم أيضًا أبوكم السماوي. وإن لم تغفروا للناس زلاتهم،
لا يغفر لكم أبوكم أيضاً زلاتكم ” (مت6: 14، 15).
ويوضح هذا في الإنجيل لمعلمنا مرقس الرسول، فيقول: “ومتى وقفتم تُصلون، فاغفروا إن كان لكم على أحد شيء لكي يغفر لكم أيضًا أبوكم الذي في السموات زلاتكم وإن لم تغفروا أنتم، لا يغفر أبوكم الذي في السموات أيضًا زلاتكم، (مر11: 25، 26)
ونفس المعنى أيضاً يتكرر في الإنجيل لمعلمنا لوقا الرسول، فيقول الرب
“اغفروا، يُغفر لكم”. لماذا؟ يقول “لأنه بنفس الكيل الذي به تكيلون، يُكال لكم”(لو6: 37، 38).
إذن إن أردنا أن يغفر الرب لنا، علينا أن نغفر نحن أيضًا لمن أذنب إلينا مهما كانت إساءاته، ومهما كثرت، حتى إلى سبع مرات سبعين مرة في اليوم، كما أجاب الرب تلميذه بطرس الرسول.
وإن لم نغفر فإننا نغلق باب المغفرة أمام أنفسنا ونكون نحن الخاسرين..
من تلقاء نفسك، أغفر، وبالأكثر إن أتاك المذنب إليك مُعتذرًا، لا تُحقق معه، وإنما أغفر له.
تذكر كيف أن السيد المسيح هو على الصليب، غفر لصالبيه، وقدم عنهم للآب عذراً، فقال “يا أبتاه أغفر لهم لأنهم لا يدرون ماذا يفعلون”
وتذكر أن القديس إسطفانوس أول الشمامسة والشُهداء. فيما كان اليهود يرجمونه ظلمًا، صلى من أجلهم قائلاً “يا رب لا تُقم لهم هذه الخطية” (أع7: 60)
تنازل عن حقك تجاه الناس، لكي يتنازل الرب عن حقوقه من جهتك، ولكي تكون لك دالة في الصلاة حينما تقول “كما نغفر نحن أيضًا”. وكذلك لكي تكون بهذا الأسلوب الروحي، صورة من أبيك السماوي، وابنًا حقيقيًا مُشابهًا لأبيه في مغفرته، حسبما يبلغ مستواك..
أما إن كنت لا تستطيع أن تغفر، فماذا تفعل؟
اعتبر هذه الطلبة عظة لك وصل من أجل تحقيقها.
اعتبر أن صوت الله يُناديك وأنت تُصلي ويقول لك: “أغفر لأخيك لكي أغفر لك أنا أيضًا”. وفي صلاتك قُل من أعماقك: “أعطني يا رب أن أغفر امنحني الحب الذي به أنسى أخطاء غيري” وعلى أية الحالات تكون وصية المغفرة ماثلة أمام عينيك.
هنا ونسأل:
ما علاقة طلبة المغفرة بطلبة الخبز السابقة لها؟
إن كُنا نطلب الخبز السماوي، أي سر الافخارستيا اللازم لحياتنا الأبدية، فإننا ما أن نطلبه، حتى نتذكر أننا مُحتاجون للمغفرة لكي نتناول باستحقاق لذلك نقول أغفر لنا. ثم أننا نتذكر أننا يجب أن “نُقبل بعضنا بعضًا بقبلة مُقدسة لكي ننال بغير وقوع في دينونة” من هذه الموهبة السماوية، لهذا نقول كما نغفر نحن أيضًا.
إذن يلزم لنا أن نغفر لغيرنا، وأن يغفر الرب لنا لكي نستحق أن نتناول من السرائر الإلهية. وإن كنا في طلبة الخبز، نطلب كل الأغذية الروحية اللازمة لنمونا الروحي ولحياة الأبد، فإننا نقول للرب: هذا عن المستقبل الذي نُريده معك، أما من جهة الماضي فاغفر لنا.
أو نقول في اعتذار: على الرغم من كل ما تُعطينا من غذاء روحي، مازلنا يا رب نُخطئ، فأغفر لنا..
على أن عبارة أغفر لنا لكي يُحققها الرب، لابُد لها من شروط. وفي مُقدمة تلك الشروط، التوبة، وقد بين الرب أهميتها بقوله:
إن لم تتوبوا فجميعكم كذلك تهلكون (لو13: 5)
الله مُستعد أن يغفر، ولكنه لا يغفر لغير التائبين. إذن التوبة شرط. فإن كانت التوبة هي بداية حياة جديدة مع الله، فكيف نجمع بين الله والخطية؟ والكتاب يقول “لا شركة بين النور والظلمة”.
التوبة هي مُصالحة مع الله. وهذه المُصالحة لازمة للمغفرة.
وليست التوبة هي مجرد ترك للخطية بالفعل، ولا مجرد تركها تغصُبًا بالفكر وإنما يقول القديسون:
كمال التوبة هي كراهية الخطية
إن وصل الإنسان إلى حالة كراهية الخطية، فحينئذ “لا يستطيع أن يُخطئ” ولا تكون الخطية موافقة لطبيعته في حالة التوبة.
ولكن قد يقول إنسان أنه تائب، بينما تدل أفعاله على غير ذلك، لذلك قال الكتاب:
“اصنعوا ثمارًا تليق بالتوبة” (مت3: 8)
فإن قُلت في صلاتك “اغفر لنا” اسأل نفسك في الداخل: هل أنت تائب هل أنا أصنع ثمارًا تليق بالتوبة؟ هل هذه الثمار ظاهرة في حياتي وفي سلوكي وتصرفاتي وفي صُلحي العملي مع الله؟ أم أنا أطلب المغفرة بدون هذا كله؟
كأنك إذن حينما تُصلي وتقول “اغفر لنا”، إنما تقول ضمنًا: اقبل يا رب توبتي، أو امنحني يا رب نعمة بها أتوب، أو ” توبتي يا رب فأتوب”.
وما علامة هذه التوبة في حياتك؟ أول علامة هي:
أن تعترف بأنك خاطئ
ويقول الرسول في ذلك: إن قلنا إنه ليس لنا خطية، نُضل أنفسنا وليس الحق فينا. إن اعترفنا بخطايانا فهو أمين وعادل حتى يغفر لنا خطايانا” (1يو:8، 9).
إن الخطية التي تعترف بها هي التي تطلب عنها مغفرة، أما المواقف التي ترى نفسك فيها غير مُخطئ، أو أن غيرك هو المُخطئ، فهذه لا تدخل في ذهنك ولا في قلبك، أثناء قولك “أغفر لنا”
إن اعترفت بمرضك، فإنك تطلب من الطبيب السماوي أن يمنحك شفاءً وعلاجًا. أما إن قُلت إنك غير مريض فإن “الأصحاء لا يحتاجون إلى طبيب بل المرضى”. والرب يقول “لم آت لأدعو أبرارًا بل خطاة إلى التوبة”
والذي يعترف بينه وبين نفسه أنه مُخطئ يستطيع أن يعترف أيضًا على الأب الكاهن وأيضًا على الآب السماوي.
في عبارة “أغفر لنا” تَذَكّْر جميع خطاياك، واعترف بها أمام الله، ثم اعترف بها أمام وكيله على الأرض (تي1: 7) ليمنحك حِلاً وتأخذ من الدم الكريم لتمحي به خطاياك…
ومن ثمار التوبة أيضًا في حياتك الانسحاق والندم على الخطية…
إنهما ليسا ثمنًا للخطية، إنما علامة على التوبة التي هي شرط للمغفرة.
والمغفرة تتم بالكفارة العظمي، بالدم الطاهر الكريم. ولكن هذا الدم لا يستحق نوال الفداء به إلا المؤمنون التائبون.
بالإيمان وبالتوبة وبالاعتراف تتقدم قائلًا “أغفر لنا”…
وحاذر من أن تطلب المغفرة لغيرك دون أن تطلب المغفرة لنفسك. كما فعل أيوب الصديق الذي كان يُقدم مُحرقات عن بنيه فقط قائلًا “ربما أخطأ بنيَّ إلى الله”(أي 1) دون أن يُقدم مُحرقات عن نفسه..
واعرف أن المغفرة، حتى بعد أن تتم لا تمنع الانسحاق والشعور بعدم الاستحقاق، فداود النبي بلل فراشه بدموعه، وعاش في حياة التوبة والبُكاء والاعتراف بخطيئته، بعد أن غفرها الرب له.
وبولس الرسول، بعد أن نال المغفرة وبعد أن أرتفع درجات في حياة الروح ظل يقول “أنا الذي لست مُستحقًا أُدعى رسولًا، لأني اضطهدت كنيسة الله”: “أنا الذي كُنت من قبل مُفترياً”.
ولم يقُل ان ذلك كله فعله شاول الطرسوسي، وشاول قد مات مع المسيح والموجود الآن هو بولس الذي ارتفع إلى السماء الثالثة.. كلا، بل قال: أنا الذي لست مُستحقًا أن أُدعى رسولًا..
هل القديسون – كالخطاة – يقولون معهم (اغفر لنا) …
نعم. الكُل يقول هذه الطلبة.. وأول من قالها رُسل المسيح القديسون، والقديس كلما يتأمل الكمال المطلوب منه، وصورة الله التي ينبغي أن تكون له يشعر في أعماقه أنه خاطئ.. عن إيمان واقتناع..
حتى إن فعل القديسون كل ما أمرهم به الرب، يقولون “إننا عبيد بطالون”، إذن فلنطلب كل حين أن يغفر الرب لنا.
ليس الماضي فقط وإنما خطايا الحاضر أيضًا…
فنحن في كل حين نُخطئ، وليست الخطية مُجرد ماضٍ تركناه..
إن إشعياء النبي، لما رأى عرش الله، وحوله السارافيم يُسبحون، قال “ويل لي إني هلكت، لأني إنسان نجس الشفتين” (اش 6)
فماذا ترانا نقول نحن؟
نقول ((اغفر لنا))..
- مقال لقداسة البابا شنوده الثالث نشر في جريدة وطني بتاريخ 16-8-1981م



