أطردوا الشياطين

أطردوا الشياطين…1
كنا نتكلم في المرة الماضية عن “التجربة على الجبل”… ووصلنا إلى عبارة: “اذهب يا شيطان” التي قالها المسيح للشيطان… ويقول الكتاب: فتركه إلى حين، وإذا ملائكة قد جاءت لتخدمه!
في كثير من الأوقات ينتهر الله الشيطان… فيذهب الشيطان… إنك أحيانًا تشعر في حياتك الروحية أن الله قد أراحك بعض الوقت، لأن الله طرد الشيطان وانتهره، وقال له: اذهب يا شيطان، فذهب.
لو أن الله قد ترك الشيطان بكل قوته يتعب الناس لما خلص أحد… ولو ترك الله الشيطان – في عنفه – يحطم العمل الروحي، لاستطاع الشر أن ينتصر على الخير في العالم… لأن الشيطان عنيف ولا يرحم…
ولكن الله – في كثير من الأوقات يعطينا راحة، حين ينتهر الشيطان ويقول له: اذهب يا شيطان.
فإن وجدت أن الحرب قد رفعت عنك، ووجدت أن الأفكار والشهوات لا تتعبك، كما كان يحدث…وإن وجدت الفتور قد انتهى من حياتك الروحية، وأشرق عليك نور جديد… فاعرف أن الرب قد انتهر الشيطان وطرده… ليذهب بعيدًا عنك!
إن الله لا يسمح على الدوام أن نكون محاربين… وأن يمسكنا الشيطان بقبضته… وإذا كان الله يسمح في بعض الأوقات بأن يجربنا الشيطان، وتركه يحاربنا، فذلك لكي نشعر بضعفنا… ولكي نتمسك بالله في صلاة قوية، وفي صلاة عميقة… طالبين إياه في وقت الضيق، لكي ينقذنا…
كذلك يسمح الله للشيطان بأن يجربنا، لكي نعرف ضعفنا، ونذكر أننا تراب… ولننسحق ونتضع ونصلي… وليس لكي نيأس ونخاف ونضطرب…!
وعندما يضغطنا الشيطان باليأس والاضطراب… يسرع الله وينتهره قائلًا: اذهب يا شيطان…!
قد تمر على الإنسان أوقات يجد فيها أن الحروب التي تتعبه، غير موجودة… ويجد نفسه طليقًا في مجال الله، فرحًا بعشرة الله… يجد نفسه متعجبًا كيف كان يخطئ من قبل، وكيف مرت عليه أوقات السقوطإأأنتاتننتا… وفي وسط هذه الراحة… يشعر أن المسيح قد انتهر الشيطان… المسيح جرب هجمات الشيطان… وعرف كيف يكون الشيطان ملحا ضاغطًا… فعندما انتهره المسيح وقال له: اذهب يا شيطان… فلم يكن هذا الانتهار والطرد مقصورًا على ذلك الموقف فقط… وإنما كان هذا الانتهار بالنسبة لتجارب الناس وضعفاتهم أيضًا… فكأن المسيح يقول له أنا أعطيتك حرية التجربة والاختبار… ولكن ليس إلى هذا الحد… فأذهب يا شيطان!
صدقوني – يا إخوتي – إن الخطايا التي نقع فيها، هي شيء قليل من حروب الشيطان التي كان يمكن أن تضغط علينا… فهناك حروب كثيرة شرسة، كان يمكن أن نتعرض لها… لكن الله يمنعها قبل أن تصل إلينا… ولا يسمح الله للشيطان أن يجربنا بها…!
فأنت: إن تعبت، فأعرف أن هذه الحروب التي سمح بها الله، فإنما قد سمح بها لأنك تقدر أن تقاومها… لكن هناك حروبًا أخرى أشد وأقسى منعها الرب عنك، ولو كان قد سمح بها، لكنت أنت قد سقطت، وضعت، وهلكت!
في أوقات كثيرة، يجد الإنسان أنه معرض لحرب قاسية، وأنه على وشك السقوط في الخطية… ثم يجد أنه قد نجا من هذه الحرب، من حيث لا يشعر… ذلك لأن الله لم يسمح بذلك، فيتعجب لهذه النجاة… والسبب راجع إلى أن الله قد انتهر الشيطان وأبعده عنه بعيدًا… وقال له اذهب يا شيطان… تمامًا كما تجد رجلًا كبيرًا قويًا يضغط على طفل صغير ويضربه، ويكاد يقضي عليه… فإذا بقوى أخرى تتدخل، وتنتهره لتنقذ هذا الطفل… هكذا يفعل الله لإنقاذ أبنائه من السقوط في التجربة.
وقد حدث ذلك مع أيوب… إذ سمح الله للشيطان أن يجرب… وأن يضربه… ولكن إلى حدود… إذ قال له: “ولكن إلى روحه لا تمد يدك”!
إن عبارة “اذهب يا شيطان”… تعطينا عزاء في أن حروب الشيطان محدودة، وليس للشيطان حرية مطلقة ليعمل ضدنا كيفما يشاء… وفي هذه العبارة أيضًا، نشعر أن الشيطان-هو الآخر– تحت قبضة “ضابط الكل”… القادر في وقت من الأوقات أن ينتهره، ويمنعه، ويضع له حدودًا وسدودًا وقيودًا… ويطرده…
فلنطمئن – إذًا -أن التجارب التي تأتينا هي في حدود طاقتنا وقوتنا، ومقاومتنا… ويمكن أن ننتصر عليها… فقط لو أردنا!!
إن الله أعطانا سلطانًا على جميع الشياطين… وأن نقول للشيطان “اذهب يا شيطان”… فيذهب عنا بعيدًا.
ولكننا – أيها الأخوة – في كثير من الأوقات لا نقول للشيطان اذهب… ولا نطرده.
وليتنا نتعلم هذه العبارة، ونتعود عليها، ونطرد الشيطان، ونقول له: “اذهب يا شيطان”… ولا نعطيه مجالًا ولا نعطيه فرصة فينا… ولا نتعاون معه… ولا نتراخى في حربه… ولا نستسلم ولا نرضخ… ولا نقبل أي مهادنة معه… بل ننتهره ونطرده، بقوة، وبحزم، قائلين… كما فعل السيد المسيح: “اذهب يا شيطان”!
“اذهب يا شيطان”!
أخشى أن البعض يفتح للشيطان قلبه وحواسه…. ويرحب به… ويدعوه…إن كثيرًا من الناس لا يستطيعون أن يطردوا الشيطان، ولا يقولون له: اذهب يا شيطان… لا يستطيعون ذلك… لأن بينهم وبين الشيطان صداقات ومحبة، وعشرة، وقيود تربطهم به وتخضعهم لإرادته… بل إنني أخشى أن البعض – لو ذهب الشيطان عنهم بعيدًا… فعلًا… يتوسلون إليه، قائلين ارجع إلينا وأعنا!!
أخشى أن يكون البعض بهذه الصورة ولا يريد للشيطان أن يبتعد عنه!… إن القلب النقي الطاهر، هو الذي يستطيع أن يطرد الشيطان وينتهره، يقول له: اذهب يا شيطان… ويعلن عليه الحرب صريحة وقوية… ولا يخجل من أن يطرد الشيطان…!
إن كثيرًا من الناس يستسلمون للشيطان عن ضعف… والبعض يستسلمون له عن خجل، والبعض يستسلمون له بحكم العادة… والبعض يستسلمون للشيطان عن يأس!! والبعض – أيضًا – يستسلمون للشيطان على ظن أنه “أرحم من غيره”… وقربه أفضل من بعده… هؤلاء كلهم لا يستطيعون أن يقولوا للشيطان اذهب يا شيطان!!
تمامًا مثلما فعل أهل أفسس مع بولس… فعندما كان بولس يبشر في أفسس، وكان تبشيره سيقضي على الإله “أرطميس”… قام الناس ضده بثورة… – ضد بولس – لأنهم كانوا قد تعبوا من بولس… الذي سيخرج شياطينهم… فقد كانوا على صلة بالشياطين!
لذلك، فإن هناك عبارة مهمة جدًا، كان السيد المسيح يقولها باستمرار لمن يشفيهم… كان – له المجد – يقول للمريض: “أتريد أن تبرأ”؟؟
إن أناسًا كثيرين لا يريدون أن يبرأوا… وعجيب أن يوجد مرضى يحبون المرض ولا يريدون أن يبرأوا…
ومن هنا، حق لنا أن يسأل كل منا نفسه: هل تريد أن تنتهر الشيطان الذي فيك، وتقول له اذهب يا شيطان؟؟
إن الذين يحبون الشيطان أكثر… ويتمسكون به… فذلك لعله… تمامًا كالفلاسفة الوجوديين، الذين يقولون ان “وجود الله يلغي وجودي أنا… فالأفضل ألا يوجد الله… لكي أوجد أنا”… إن الله ضد رغباتهم، وشهواتهم وسقطاتهم، ولذلك فهم يعادونه… إن الله يطرد الشيطان… وهم يريدون الشيطان أن يبقى في حياتهم.
كثيرون من المرضى يغضبون من الطبيب… الطبيب الحنون الشفوق… الذي يمسك بالمشرط ليقطع عضوًا فاسدًا… أو لحمًا ميتًا…! وكأنهم يقولون: لا تذهب يا شيطان بل أبق معنا!
إذا قال السيد المسيح اذهب يا شيطان… ليطرد الشيطان من حياتك… فاستجب لقول المسيح… مهما كان ذهاب الشيطان من حياتك سيكلفك… ومهما أتعبك ذهاب الشيطان بعيدًا عنك… لأن الكتاب المقدس يقول: “أمينة هي جراح المحب، وغاشة هي قبلات العدو”… فقد يأتيك الشيطان ويقبلك لكي تظن أنه حبيبك… ولكي تنخدع فتتمسك به… ولا تقبل أن تطرده من حياتك!!
ليت الإنسان يستطيع أن يقول: اذهب يا شيطان… وليت كل واحد منكم يدخل بيته ويقول، بحزم، اذهب يا شيطان… وينزع من بيته كل صور الشيطان، ويسكت كل أصوات الشيطان… وأغانيه ولعبه… وكل ما يتعلق به…
متى يستطيع كل واحد منكم أن يمسك في يده “سوطًا” ويطهر به الهيكل… أقصد قلبه الذي هو هيكل للروح القدس؟!
متى يستطيع كل واحد منكم أن يدخل إلى أعماق قلبه وفكره، ويطرد منها الشيطان، ويقول: اذهب يا شيطان؟!
إننا لهذا نصلي في القداس، ونقول: كل فكر لا يرضي صلاحك فليبعد عنا… وكما يقول بولس: مستأثرين كل فكر لطاعة المسيح…!
إن السيد المسيح نفسه – ذات يوم – أتاه بطرس… تلميذه وصفيه وصديقه، وقدم له نصيحة ضد الملكوت… ولكن المسيح انتهره قائلًا: اذهب يا شيطان… أنت معثرة لي!
فهل يستطيع كل منكم أن يفعل ذلك؟؟ كم معاهدة وعلاقات مودة صادقت بها الشيطان…؟
وهل تستطيع أن تلغي هذه المعاهدات وتقطع هذه العلاقات، وتطرد الشيطان من حياتك، وتقول له – بجد – اذهب يا شيطان؟
إن الله لا يوجد حيث يوجد الشيطان… والشيطان لا يستطيع أن يوجد حيث يوجد الله… لأنه لا توجد شركة بين النور والظلمة… وعليك أن تختار حياة الشيطان… أو حياة الله…
ولا حل وسطًا بين الاثنين…!
اذهب يا شيطان…!
ليت “حواء” أدركت هذه العبارة وهي في الجنة، عندما جاءها الشيطان بالغواية… ولكنها لم تنتهره… ولم تطرده… ولم تقل له اذهب يا شيطان. فسقطت… وخرجت من الجنة… وضاعت!
لا تجعل الشيطان يأخذ “دالة”… ويكوِّن صداقة معك… أو يربي علاقة… وإنما عليك دائمًا أن تنتهره وتطرده بعيدًا… وتقول له: اذهب يا شيطان.
لا تترك الشر حتى يكبر… وينمو ويستفحل، حتى لا تستطيع استئصاله… وإنما حدد الموقف من بادئ الأمر… وقل: اذهب يا شيطان…!
لقد أعطاك الله سلطانًا على الشياطين… وأعطانا السلطان أن ندوس الحيات والعقارب، وكل قوات العدو… وأن نقول للشيطان: اذهب… فيذهب…!!
“اذهب يا شيطان”…!
نصيحة يقدمها المسيح لنا. حتى لا نصادق أعداءه، وحتى لا نخون محبته وحتى لا نفقد نقاوته…
وعبارة: اذهب يا شيطان… لا يصح أن تكون باللسان فقط.. وإنما بالعمل أيضًا… وأنت عندما تقولها، فيجب أن تتخذ الإجراءات العملية لطرد الشيطان… وأن تغلق جميع الأبواب التي قد يأتيك منها… وأن تبتعد عن طريقه، ولا تترك هناك عثرات في حياتك… ولا أبوابًا مفتوحة قد يدخل منها الشر!
اذهب يا شيطان!!
قلها من كل قلبك، وأطلقها صرخة من أعماقك، كصرخة غريق يتطلع إلى قارب النجاة… قلها وأنت ممسك في يد الرب من كل أعماقك، وبكل قوة الله التي فيك… فقد قال الكتاب عن الشيطان: “قاوموه راسخين في الإيمان”!
على ذلك فإذا طردت الشيطان من حياتك، فاطرد أيضًا كل ما يخصه، واطرد كل الذي له… تمامًا مثلما فعل زكا العشار… إذ طرد الشيطان من حياته… وطرد أمواله أيضًا، وقال: “إن كنت قد ظلمت أحدًا، أرد له أربعة أضعاف”…!
وكذلك… فعندما تابت المرأة الزانية التي هداها أحد الأساقفة… أحضرت كل ملابسها ومقتنياتها إلى الأسقف ليقوم بحرقها خارج الكنيسة… وتنتهي علاقتها تمامًا بالبشر وبالخطيئة…!
كذلك يجب أن تفعل أنت أيضًا… إن تركت الشيطان، فأترك – أيضًا كل متعلقاته وأصدقائه… كما فعل “لوط” إذ ترك كل شيء في سدوم…لأن الملاك قال له ثلاث نصائح، هي:
* اهرب لحياتك…
* ولا تقف في كل الدائرة…
* ولا تنظر إلى الوراء…!
وعندما نظرت امرأة لوط إلى الوراء… وخالفت إحدى النصائح الثلاث… صارت عمود ملح… وهلكت!
اطرد الشيطان من حياتك نهائيًا، وقل له بحزم، كما قال المسيح: اذهب يا شيطان… وأخرجه من كل قلبك، ومن كل فكرك، ومن كل مقدرتك… أخرجه نهائيًا من كل حياتك، ولا تترك له أي سبب في فكرك، ولا في حياتك، ولا في بيتك… وأقفل أمامه جميع الأبواب التي قد يعود إليك منها…
يعوزنا الجدية في طرد الشيطان من حياتنا… لكي نطرده طردًا نهائيًا، ثابتًا، جازمًا، وحازمًا… لا طردًا متذبذبًا… مقلقلاً مترددًا… إنما نطرده طردًا كاملاً… فهكذا تكون التوبة!!
نطلب من الله أن يعطينا القوة… لكي نتمسك بهذه العبارة… ونطرد الشيطان من حياتنا، قائلين له بحزم وحسم دائمًا “اذهب يا شيطان”!
- مقال لقداسة البابا شنوده الثالث نشر في جريدة وطني بتاريخ 19-3-1972م




