أدخلوا الله في حياتكم

أدخلوا الله في حياتكم…1
تكلمنا في المرتين السابقتين عن عبارة: “نجنا من حيل المضاد، وأبطل سائر فخاخه المنصوبة لنا…” التي وردت في تحليل صلاة الغروب… ونحاول اليوم أن نكمل تأملنا فيها أيضًا…
في الواقع إن حيل الشيطان لا تنتهي، وهو باستمرار يقصد الإنسان ولا يحاربه بطريقة واحدة وإنما تتعدد الطرق، فإذا لم ينفع أسلوب معين، مع إنسان، يجرب الشيطان معه أسلوبًا آخر… وإذا لم تنفع “ضربة الشمال” يجرب معه “ضربة اليمين” وإن لم تنفع لذة العالم يجرب معه التطرف في الحياة الروحية… وهكذا… فالمهم أن الشيطان يجول باستمرار يلتمس حيلًا لكي يضيع الإنسان، فهو مثل أسد زائر يريد أن يبتلع أحدًا…
وحروب الشيطان مع القديسين الكبار غير حروبه مع أهل العالم، فهو يحارب أهل العالم ربما بالفكر أو بالشهوة… وفي البراري يحارب القديسين بالمناظر، ويظهر ظهور العين في أشكال وهيئات متنوعة… كهيئة ملاك… لأنه يريد أن يخدع…!
وهو أحيانًا يحارب بالخوف، والأحلام، والرؤى الكاذبة…أو بالأصوات… إن الشيطان يلجأ لطرق خداع كثيرة حتى أن بولس الرسول قال إن الشيطان يستطيع أن يظهر في هيئة ملاك نور ليخدع الإنسان… فإن حيله لا تنتهي، وله خبرة طويلة في محاربة الإنسان…
وقد أمضى آلاف السنين يحارب الإنسان… وجرب حروبًا مع القديسين، ودرس النفس البشرية دراسة قوية حتى أن علماء النفس والروح لا يعرفون النفس البشرية إطلاقًا كما يعرفها الشيطان… فهو يعرف ضعفات الإنسان وطريقة إسقاطه كما يعرف “عينات” الناس!
ونحن أمام قوة الشيطان وحيله، لا نقف في كبرياء وإنما نصلي ونقول لله: “نجنا من حيل المضاد وأبطل جميع فخاخه المنصوبة لنا”!
وهذا الأمر ينبهنا إلى أهمية الصلاة في حرب الشياطين. وضرورة إدخال الله معنا في حربنا الروحية، ليعمل معنا…
فنحن كثيرًا ما نفشل لأننا نحارب وحدنا ونعتمد على ذكائنا وخبرتنا وقوتنا… ونعتمد على الناس… وقليلًا ما نعتمد على الله…!
والسيد المسيح يقول: “للآن لم تطلبوا شيئًا اطلبوا لكي تأخذوا ويكون فرحكم كاملًا…!” فاطلب الله ولا تقف وحدك في حربك مع الشيطان.
في خطية آدم وحواء… نلاحظ أنه عندما أتت التجربة لم نسمع عن أن آدم ولا حواء، قد صلى والتجأ إلى الله…!
وذات مرة، كان أحد القديسين يصلي ويعمل عمل يديه فجاء الشيطان وأفسد له عمله، فسكت القديس… ثم عاد يعمل عمله من جديد، فعاد الشيطان وأفسده له… وتكرر ذلك عدة مرات حتى غضب القديس فصرخ إلى الله قائلًا يا رب هل يرضيك أن يتعبني الشيطان هكذا… وللحال جاءه صوت الله يقول: لوكنت قد طلبتني من أول الأمر… لما تعبت…!
وهكذا نحن مع الله، لا نلجأ إليه إلا إذا ضاقت بنا السبل. وتعقدت الأمور وأصبح لا حل … كالمريض الذي لا يذهب إلى الطبيب إلا عندما تسوء حالته… نحن هكذا مع الله، ننتظر إلى أن نتعب تمامًا ثم نقول: يا رب…! فلماذا لا نقول “يا رب” من أول الطريق، ومن أول التجربة، ومن أول الضيقة؟؟
لاحظوا – يا إخوتي – أن المصلي – في صلاة الغروب – يقول: “نجنا من حيل المضاد، وأبطل سائر فخاخه”…إنه يصلي من أجل هذه “الحيل” قبل أن تأتي، ومن أجل “الفخاخ” قبل أن يراها… إنها “صلاة وقائية”… وهو ما نقوله في صلاة باكر، وصلاة الشكر وكل صلاة …نطلب من الله أن يبعد عنا كل فعل من أفعال الشيطان… لا ننتظر إلى أن نقع، ثم نصلى …وإنما نصلي كي لا نقع…!!
عندما وقف “جليات” الجبار، يهدد جيش شاول بأكمله، كلهم خافوا، ولم يحدث أن التجأ أحد إلى الله وإنما جاء “داود” وقال إن الحرب لله… فقد أدخل الله إلى الميدان، وقال لجليات “أنا آتيك بقوة رب الجنود”… فليتنا نتمرن على إدخال الله في حياتنا…
صدقوني لو فعلنا ذلك… لو إننا ندخل الله في حياتنا، لما كان يجرى لنا ما يجرى… إن الله يريدنا أن ندعوه في حياتنا، وضيقاتنا وحروبنا الروحية… والفخاخ المنصوبة لنا…
وهذا الموضوع أيضًا يعطينا فكرة عن الإيمان بقدرة الله، وعمل الله… فهو لا يترك عصا الخطاة تستقر على نصيب الصديقين… وهو أقوى، ويقاتل عنا… والحرب للرب… فليتكم تتأملون في هذه الآية التي تقول: “الحرب للرب، والله قادر أن يغلب بالقليل، وبالكثير”
إن “داود” يبارك الرب ويقول: “الذي علم يدي القتال وأصابعي الحرب” وأريد الآن أن أسأل كلًا منكم: – ما هو الدور الذي يقوم به الله في حياتك… وفي مشاكلك وحروبك…؟ وهل تدعو الله ليتدخل في كل صغيرة وكبيرة وفي كل ضيقة؟ لو كنت تفعل ذلك، فسوف لا تتعب…!
يحدثنا العهد القديم أن يوشيا الملك، لما هدده جيش الملك سنحاريب – وكان قوامه 186 ألف جندي… وأرسل له خطاب التهديد… أخذ يوشيا الخطاب ووضعه على مذبح الله وقال يا رب أنت ترى… ودعا الله أن يتدخل في الأمر… وبالفعل أرسل الله ملاكه، فضرب جيش سنحاريب!
وكذلك كان داود دائمًا يدخل الله في الحرب، فهو يقول: أنا اضطجعت ونمت ثم استيقظت لأن الرب معي! فقد شعر أن الله يتدخل في حياته وحروبه، ويقول: نجت أنفسنا مثل العصفور من فخ الصيادين… الفخ انكسر ونحن نجونا…!!
وعندما ندخل الله في حياتنا، فبهذا نشعر بصداقة الله وعشرته… ووجود الله في حياتك يشعرك أنه المعين والمساعد والمنقذ والمخلص، وتستطيع أن تنجح…!
إننا لو بحثنا – مثلًا – في تاريخ “المشكلة الأريوسية” فسوف نجد أن أريوس كان يستطيع أن يفسد الكنيسة، فقد اتصل بالإمبراطور قسطنطين، واتصل بالقصر، وصدر أمر للقديس أثناسيوس أن يقبل أريوس… ولكن أثناسيوس صلى… وحدث أن الله ضرب أريوس، وانسكبت أحشاؤه… وأنقذ أثناسيوس ونجت الكنيسة!
وهكذا – أمثلة كثيرة، نلمح فيها يد الله تتدخل لتحل المشاكل، نلمحها تتدخل في التجارب والحروب ولهذا يقول صاحب المزمور: “صوت الرب يقطع لهيب النار ويزلزل البرية”!
إن الله يعمل… لكن المطلوب هو أن نطلبه ليعمل معنا والفرق بيننا وبين القديسين…أننا نعمل بأنفسنا.. ونترك السماء تتفرج… أما القديسون فكانوا يطلبون الله ليعمل… ويتفرجون هم على عمل الله!!
“نجنا من حيل المضاد…!”
كلمة “نجنا” يقولها من ليس قادرًا على خلاص نفسه… ونحن أيضًا لا نستطيع أن نخلص أنفسنا فنبكي، ونضطرب ونيأس، ونعطي الشيطان فرصة الانتصار علينا… وكان من الممكن – بدلًا من ذلك أن ندعو الله ليعمل، ونصرخ إليه قائلين “…نجنا”!
نحن – يا إخوتي – للآن لم ندرك أهمية الصلاة واللجاجة في حياتنا… فإذا كنت – يا أخي- تنهزم أمام خطية، فاعرف أنك فاشل في عمل الصلاة، ولو كانت لك صلاة قوية، لانتصرت … مثلما يقول “مار إسحق”: “من يظن أن هناك طريقًا آخر للتوبة – غير الصلاة- فهو مخدوع من الشيطان!!”
إننا لم ندرك – حتى الآن قيمة الصلاة… إن رجال الله يصمدون أمام الشيطان والمشاكل، لأنهم دائمًا يصلون بلجاجة وحرارة ويقولون: “نجنا من حيل المضاد وأبطل سائر فخاخه المنصوبة لنا…!!”
فهم يعرفون أن الشيطان يحاربهم، ويدركون قوة الشيطان، ولكنهم يحاربون بسلاح الله الكامل ويستطيعون به أن يهزموا الشيطان!
إن الكنيسة المقدسة، عندما تضع هذه الصلاة، نجنا من حيل المضاد وأبطل سائر فخاخه المنصوبة لنا… فإنما تضع أمامنا طريقًا روحيًا للسلوك فيه، هو طريق الصلاة…!
والله لا يمكن أن يسمع صراخ المسكين ولا يستجيب فهو يقول: “من أجل صراخ المساكين، وتنهد البائسين الآن أقوم يقول الرب، أصنع الخلاص علانية!” ولذلك فنحن نصلي ونقول: “قم أيها الرب الإله قم يا رب وليتبدد جميع أعدائك…”.
علينا- باستمرار – أن نلجأ لهذا السلاح، ليس فقط من أجل حيل الشيطان وإنما أيضًا لأجل ضعفاتنا التي تقبل هذه الحيل!
إن القديس -الأنبا أنطونيوس – كان يسكب نفسه باتضاع أمام الله ويقول له: “نجني يا رب من هؤلاء الذين يظنون أنني شيء، وأنا أضعف من أن أقاتل أصغرهم”.
هذا الموضوع – أيها الأخوة الأحباء- يجعلنا نفكر باستمرار في الاستناد إلى ذراع الله الحصينة التي صنعت قوة، مع داود الذي يقول: “أحاطوا بي مثل النحل حول الشهد، والتهبوا مثل النار في الشوك، وباسم الرب انتقمت منهم”. ويقول أيضًا: “يمين الرب رفعتني، يمين الرب صنعت قوة فلن أموت، بل أحيا وأحدث بأعمال الرب”!!
فهل جربت يمين الرب في حياتك؟؟
اعرف أنك جربت عقلك، قوتك، وذكائك، والمرشدين الروحيين… واعرف أنك جربت قوة الإرادة والعزيمة… ولكن هل جربت يمين الرب في حياتك؟ … وهل تستطيع أن تقول مثل داود: يمين الرب صنعت قوة؟
هل جربت كيف يشق الله لك طريقًا في البحر؟
هل جربت “خلاص الرب”… إن الله يصنع خلاصًا في وسط شعبه… فهل جربته؟؟
صل دائمًا لله… وناديه، وقل له باستمرار نجنا من حيل المضاد، وأبطل سائر فخاخه المنصوبة لنا!!
- مقال لقداسة البابا شنوده الثالث نشر في جريدة وطني بتاريخ 20-8-1972م





