إجلس إلى نفسك وحاسِبها

إجلس إلى نفسك وحاسِبها1
إذا أردت أن تتوب، أو أن تكون أمينًا في علاقتك مع الله، فعليك بين الحين والحين أن تجلس إلى نفسك. فلماذا؟
** فأنت إما أنك لا تشعر بما أنت فيه من خطر. لا تعرف حالتك بالضبط، ولا تدرك أخطاءك ولا عمقها وبشاعتها… لأن دوامة المشغوليات والاهتمامات تجذبك إليها باستمرار، وأنت غارق فيها تمامًا… ليس لديك وقت أن تفكر في نفسك وفي روحياتك. وربما لا يخطر هذا الموضوع على فكرك! إذًا فأنت محتاج أن تجلس إلى نفسك وتفحصها وتراقبها، لكي تدرك مستوى ما أنت فيه من الروحيات أو مستوى بعدك عنه.
** أو ربما إنك تعرف أخطاءك، أو تعرف البارز منها. ولكن ليس لديك وقت ولا فرصة، لكي تفكر كيف تترك تلك الأفكار، وكيف تعالجها. وقبل أن يدور بذهنك أن تعالج خطًأ معينًا تكون قد وقعت في غيره أو فيما أشد منه… والأخطاء والخطايا تحيط بك من كل ناحية، وليست هناك فرصة للتخلص منها. إذًا فأنت محتاج أيضًا أن تجلس إلى نفسك لكي تعالج ما يحتاج فيها إلى معالجة.
** وكما يحتاج المريض إلى كشف أشعة وأجهزة تحاليل لكي يعرف ما يدور في داخله بالضبط ونوعية ومدى خطورة أمراضه، وهو يحتاج أيضًا أن يعرف العلاج وممارسته لكي يشفى وأن يتابع هذا العلاج مع طبيب حكيم خبير بالأمراض وعلاجها… وهذا لا يتأتى بالمريض إلا إذا انتزع نفسه من مشغولياته وذهب للكشف… هكذا الجلسة مع النفس.
** هذه الجلسة الروحية مع النفس هدفها تنقيتها، وذلك بأن يكتشف الشخص خطاياه وضعفاته، ويلوم نفسه عليها ثم يعرف أيضًا أسباب سقوطه، سواء أكانت أسبابًا خارجية تضغط عليه، أو أسبابًا داخلية يسعى فيها هو نفسه إلى الخطية، أو هي طباع وعادات أو تأثرات بآخرين… ويحاول في كل هذا أن يتحاشى ما يبعده عن حياة التوبة والنقاوة ويعزم عزمًا قلبيًا أكيدًا على أن يترك أخطاءه بكل رضى واقتناع داخلي.
** والإنسان الروحي لا يقصر جلسته مع نفسه على بحث الماضي والندم عليه وتبكيت النفس على أخطائها… إنما عليه أيضًا أن يفكر في مستقبله الروحي، ويضع كذلك خطة حكيمة من واقع حالته واختباراته… ويصمم في أعماقه أن يسلك في ذلك بتدقيق شديد وبجدية والتزام… وفي كل ذلك يطلب من الله نعمة وقوة لكي يسلك حسنًا فيما بعد.
** وإني أنصح بهذه المناسبة، أن الشخص الذي ينوي أن يحيا حياة بارة في المستقبل، لا ينفعه أن ينتهز هذا الشعور فيقدم لله تعهدات ونذور أنه سيفعل كذا وكذا! كما لو كان له ثقة أو غرور بقدرته الشخصية الذاتية، حتى أن البعض يقول في جلسته هذه افعل بي يا رب ما تشاء من الويلات إن رجعت إلى هذه الخطية مرة أخرى!… فما أكثر مَنْ وعد الله وعودًا، ولم ينفذ، ثم عاد يقول في حزن:
كم وعدت الله وعدًا حانثًا ليتني من خوف ضعفي لم أعد
إنما الأمر لا يعد أن يكون مجرد رغبات مقدسة، تعرض فيها إرادتك وعزمك على الله، ليعطيك قوة على التنفيذ، لأنك بدون معونته لا تستطيع أن تفعل شيئًا. وهكذا تندمج جلستك مع نفسك لتكون جلسة صلاة تطلب فيها القوة.
** ولا شك أن الشيطان يقاوم بكل قوته جلوسك مع نفسك، لأنه يخشى أن تفلت من سيطرته عن طريقه. إما أنه يخشى في جلوسك مع نفسك، أن تدرك سوء حالتك الروحية فتفكر جديًا في التوبة، وبهذا تفلت من يده… وإما أنه يخشى في جلوسك مع نفسك، أن تطلب معونة من الله، وأن تنال منه قوة روحية لا يقوى الشيطان على مقاومتها… والشيطان جرب كيف أن كثيرين جلسوا إلى أنفسهم فتابوا… مثال ذلك القديس أوغسطينوس الذي لم يستطع أن يتوب وهو في دوامة المشغوليات، ودوامة الأصحاب، ودوامة الفلسفة والفكر… لكنه لما جلس إلى نفسه تلك الجلسة الروحية العميقة، استطاع أن يصل إلى الإيمان وإلى التوبة وأن يرجع إلى الله ويفلت إلى الأبد من قبضة الشيطان. ولم تكن مجرد جلسة عادية، إنما هي جلسة مصيرية.
** لذلك فالشيطان يقاوم جلوس الإنسان مع نفسه وذلك بأمرين: إما أن يمنع جلوس الإنسان مع نفسه، بأن يقدم له عشرات من المشغوليات ومئات من الأفكار، ويذكره بأمور تبدو أمامه هامة جدًا، ويجب أن يتفرغ لها. وكل ذلك لكي يعود إلى دوامته مرة أخرى مثال ذلك إذا انتهزت فرصة بداية عام جديد من حياتك لتجلس مع نفسك يمكن للشيطان أن يعمل على شغل هذه المناسبة بالحفلات والمجاملات حتى تنشغل بذلك ولا تخلو للتفكير بنفسك.
** ولكنك إذا أصررت على الجلوس إلى نفسك وفحص تصرفاتك وحياتك، ووجدت فرصة لذلك، وابتعدت عن المشغوليات ولو إلى حين، حينئذ تكون خطة الشيطان أن يجلس معك أثناء جلوسك مع نفسك. فهو لا ييأس أبدًا. وفي اشتراكه معك في جلستك الروحية، يقدم لك أفكارًا وأحاسيس من عنده بأن يمنعك من تبكيت نفسك على أخطائها… ويخفف من مشاعر ندمك، فإن تذكرت أية خطية فبدلًا من أن ينسحق قلبك بسببها وتوبخ ذاتك يقدم لك الشيطان عنها أعذارًا وتبريرات، بمحاولة لتدليل النفس ومجاملاتها، أو تخفيف المسئولية عنها بإلقائها مثلًا على الوسط الخارجي أو الآخرين… وكل ذلك لا ينفعك روحيًا، ولا يقودك إلى التوبة، إن لومك لغيرك لا يبررك، حتى لو كان ذلك الغير ملومًا فعلًا. لهذا يجب أن تركز على ما فعلته أنت لأنك مطالب به. وأنت لا تنال المغفرة بالتبريرات وإنما بالتوبة وإدانة النفس.
ولعل من حيل الشيطان أيضًا، أن يقلل لك من خطورة خطاياك، ولا يجعلها تبدو على حقيقتها في بشاعتها، كما لو كانت شيئًا بسيطًا لا تستحق أن تحزن بسببه وتندم وما أسهل أن يسمي لك الخطايا بغير أسمائها. أو يفلسف الخطية ويحاول أن يخفيها وراء سلامة القصد وحسن النية! وفي كل هذا يقودك إلى الاستهانة واللامبالاة ولا يساعدك على التوبة، بل ربما يدفعك إلى الاستمرار فيما أنت فيه. أما أنت فحينما تجلس مع نفسك حاسبها بكل حزم، وافحصها بدقة، واطمئن باستمرار على نقاوتها.
________________________________________
- مقال لقداسة البابا شنوده الثالث نشر في جريدة الأهرام بتاريخ 21-2-2010م



