أبانا الذي في السموات “2”

أبانا الذي في السموات “2”1
نكلم الله باسم الجماعة، وليس بنداء فردي صلاة خالية من “الأنا” تذكرنا بمحبة موسى وبولس إن كان الله أبانا، فإن الكنيسة أمنا لا يجوز أن محبة الله تفقدنا التوقير اللائق بهيبته أنواع أخرى من السموات بمعنى رمزي.
تحدثنا في العدد الماضي عن الصلاة الربية، فشرحنا عبارة “أبانا” ومعناها بالنسبة إلى الله وإلينا، ما تحمله من محبة الله كأب، وكيف تذكرنا بسلوكنا كبنين، وتذكرنا أيضًا أننا في هذه الصلاة نطلب ما يخص الله أولًا قبل أن نطلب ما يخصنا نحن..
ونود اليوم أن نتابع تأملاتنا معًا في هذه الصلاة، فنذكر كملاحظة واضحة جدًا:
إن المصلي يتكلم مع الله باسم الجماعة، وليس كفرد.
فيقول يا أبانا، وليس يا أبى، وهكذا كل الطلبات بنفس الأسلوب خبزنا.. أعطنا اليوم.. اغفر لنا.. لا تدخلنا التجارب.. نجنا من الشرير إنه لا يطلب من الله أن يغفر له وحده، إنما يطلب من أجل الكل أن يغفر الله للجميع. وكذلك لا يطلب فقط لأجل نفسه أن ينجيه من الشرير، إنما يقول نجنا..
هنا شعور المصلي بأنه مجرد عضو في جماعة، يصلي عنها كلها.
كلنا أعضاء في جسد واحد، إن تألم عضو، تتألم معه باقي الأعضاء ليس هو إنسانًا قائمًا بذاته، منفصلًا عن باقي إخوته واحتياجاتهم. إنما هو يحس بما يلزم الكل، ويتخاطب مع الله طالبًا أن يعطيهم ما يعطيه، ويبعد عنهم ما يبعده عنه.
صلاة خالية من {الأنا} تذكرنا بمحبة موسى وبولس..
هوذا القديس بولس الرسول يقول عن اهتمامه بأخوته حسب الجسد: “أن لي حزنًا عظيمًا، ووجعًا في قلبي لا ينقطع، فإني كنت أود لو أكون أنا نفسي محرومًا من المسيح، لأجل أخوتي أنسبائي حسب الجسد”.. (رو9: 2، 3).
ما أعجب هذا أن يفضل غيره على نفسه إلى هذا الحد.
إنه شعور من لا يريد أن يدخل الملكوت وحده.. بل مع الكل.
إنه نفس شعور موسى النبي الذي أخبره الرب بأنه سيفني الشعب المتمرد الخاطئ، ويقيم له شعبًا بدلًا منه، فيصرخ موسى متشفعًا في أولئك الخطاة ويقول للرب “لماذا يا رب يحمى غضبك على شعبك؟! والآن إن غفرت خطيتهم، وإلا فامحني من كتابك الذي كتبت” (حز32: 11، 32) هذا هو شعورنا حينما نصلي، إننا جزء لا يتجزأ من الكنيسة كلها.. وفي صلواتنا نذكر العالم كله..
ليس في الصلاة الربية وحدها، بل هذا أسلوبنا في كل صلواتنا.
خاتمة كل صلاة من الأجبية هي هكذا: ارحمنا يا الله ثم ارحمنا.. قدس أرواحنا، طهر أجسامنا، قوم أفكارنا… احطنا بملائكتك القديسين.. كلها باسم الجميع.. وفي الثلاثة تقديسات نقول: حل واغفر واصفح لنا عن سيئاتنا: كما نقول: اذكر يا رب مرضى شعبك. اشفهم من أجل اسمك القدوس. آباؤنا وإخوتنا الذين رقدوا، يا رب نيح نفوسهم.. وفي قانون الإيمان، لا يقول المصلي “أؤمن” بل يقول: بالحقيقة نؤمن بإله واحد.. بأسلوب الجماعة.. أقول هذا لأن كثيرين يقولون عن المسيح أنه مخلص خاص لهم، بينما هو مخلص العالم كله، ناسين أخوتهم..
إن الرب في هذه الصلاة يعلمنا كيف نصلي:
وفى تعليمه لنا، نذكر هذا نذكر الكل في صلواتنا. حقَا يا رب أنت أبي، ولكنك في نفس الوقت أبو الكل معي، لذلك أخاطبك يا أبانا. أنا لست أذكر فقط أني ابنك، بل أذكر بالحري أنني واحد من ابنائك ولي أخوة كثيرون، أذكرهم أمامك مثل نفسي، أو قبل نفسي.
ونحن حينما نذكر أن الله أبونا، نذكر أيضًا أن الكنيسة أمنا..
نحن لم نصر ابناء لله، إلا عن طريق أمومة الكنيسة لنا. أتقول إنك صرت ابنا لله في المعمودية، الكنيسة هي التي عمدتك. أتقول إنك صرت ابنا لله بالإيمان؟ الكنيسة هي التي أعطتك هذا الإيمان بالكرازة وخدمة الكلمة. أنت آمنت واعتمدت فصرت ابنًا لله، كل ذلك عن طريق الكنيسة. لذلك قال أحد القديسين: لا يستطيع أحد أن يدعو الله أبًا له، ما لم يدع الكنيسة أمًا له.
الكنيسة هي أمك لأنها عروس المسيح وهكذا كل أعضائها أخوة لله. أنت تصلي من أجلها ومن أجلهم. اطلب وقل يا أبانا. وقل بهذه المناسبة: أعطنا أن نكون ابناء حقيقيين ولا تكون البنوة مجرد لقب لنا.
أعطنا أن نسلك كبنين، ولا تغضب منا إن لم نسلك هكذا، فأنت تعرف ضعف طبيعتنا.
إن كنت تقول: يا ابني، أعطني قلبك، فأنا أقول لك أيضًا يا أبي أعطني قلبك..
أعطني ما في هذا القلب من حب ومن إشفاق ومن معونة إلهية، حينئذ ستراني ابنًا حقيقيًا لك. أنا لا أستطيع أن أعطيك شيئًا، ما لم تعطني أنت كيف أعطيك. يا أبانا الذي في السماوات.
ما معنى عبارة الذي في السموات؟
أولا للتميز بين هذا الآب الذي في السماء، وأبانا الذي على الأرض، فكل منا له أب جسدي على الأرض يطلب منه، وله أيضًا أباء روحيون. أما هذا الذي نصلي إليه، فهو الآب الإله، الآب الذي في السموات.
في السموات وليس في السماء..
لأن هناك أكثر من سماء صعد إليها البشر.. هناك السماء الأولى التي تمخر جوها الطيور والطائرات.. وهناك سماء الفلك حيث الكواكب والنجوم والشمس والقمر. وهناك السماء التي صعد إليها ايليا وأخنوخ، والسماء الثالثة التي أُختطف إليها بولس الرسول أي الفردوس. أما السموات هنا، فهي علو أكثر، لم يبلغه أحد من قبل، كما قال السيد المسيح “ليس أحد صعد إلى السماء، إلا الذي نزل من السماء، ابن الإنسان الذي هو في السماء” (يو13:3)
إنها سماء السموات.. أي لو اعتبرت كل هذه السموات أرضنا، لصارت هذه سماء لها، إنما أعلى علو، حيث عرش الله. وكما قيل “السماء هي كرسي الله، والأرض موطئ قدميه”.
هنا نذكر علو الله وعظمته
لعل الإنسان يتهاون. وفيما هو يذكر محبة الله كأب، ينسى هيبته كإله ففيها نقول في دالة يا أبانا، نعود فنخشع حينما نذكر أنه في السموات. وحينئذ تنسحق نفوسنا ونقول: من نحن الأرضيين حتى نخاطب ساكن السماء وخالق السماء، الذي حوله الملائكة ورؤساء الملائكة، والشاروبيم والسارافيم والجمع غير المحصي الذي للقوات السمائية.
هنا وتتضع نفوسنا، ونذكر أننا تراب ورماد، ونذكر أنه من تواضع الله سماحه بأن يستمع إلينا. أقول هذا، لأنه كثيرًا ما يحدث أن عواطف الحب والدالة التي تحملها كلمة أبانا، تنسينا عظمة الله وجلاله وهيبته! وباسم المحبة نفقد مخافة الله، ونفقد توقيرنا له، ولا تكون في صلواتنا علامات الاحترام اللائق ولكنك بعبارة (في السموات) تقول:
أنا في الدالة التي أخاطب بها أبي، لا أنسى الهيبة التي أتحدث بها مع إلهي.
لهذا بعبارة (في السموات) نسجد وتلمس رؤوسنا الأرض، ونركع ونخشع ويكون لنا الزى الحسن اللائق بالصلاة، ونخلع أحذيتنا لأن المكان الذي نقف فيه مقدس. وحينما نقف، يكون ذلك بغير تراخ، وبغير طياشة فكر أو طياشة الحواس، إنما بتركيز وتوقير، لأننا نكلم أبًا هو في السموات. بل أن السماء ليست طاهرة قدامه، وإلى ملائكته ينسب حماقة كما يقول الكتاب،
ونقول في السموات لترتفع أفكارنا فوق مستوى الأرض و الأرضيات.
فمع إن الله في كل مكان، إلا أننا في الصلاة نرفع أنظارنا إلى فوق، متذكرين عظمة الله وعلوه، وأيضًا ساحبين أنفسنا من الأرضيات، لكي تعلو إلى حيث الله. كما أن المنارة في الكنيسة تشير إلى أن الله فوق، وإن الذي يصل إليه، لابد أن يرتفع عن المستوى الأرضي، ويظل يعلو ويعلو، حتى يصل إلى الصليب، فيصل إلى الله.
وفي عبارة {السموات} نتذكر أيضًا مستقرنًا الأبدي، مع الله.
المسيح سيأتي في مجيئه الثاني، على السحاب، وننظر إليه وهو فوق في السماء، كيما يخطفنا معه إلى السحاب، ونكون كل حين مع الرب.
نتذكر هذا، فنذكر أنه يجب أن نتسامى، ونعلو عن مستوى المادة والتراب والأرض، لنكون مع الرب في السماء.
ونذكر أنه ينبغي أن نسلك كأهل السماء، لنكون معه في السماء.
حيث الملائكة وأرواح القديسين. ولا نصل إلى السماء إلا إذا سلكنا بالروح، وكنا أيضًا كالملائكة. وهناك قديسون ارتفعوا إلى هذا المستوى، وأطلق عليهم لقب ملائكة، كيوحنا المعمدان، وكآبائنا السواح والمتوحدين الذين قيل عنهم أنهم بشر سمائيون أو ملائكة أرضيون. هؤلاء لم يعيشوا في السماء، ولكنهم حولوا الأرض إلى سماء بحياة الروح التي عاشوها، وقيل عنهم أنهم كواكب البرية، لأن البرية صارت سماء.. والله الذي في السموات، هو أيضًا في هذه الأماكن المقدسة التي صارت سموات بسكنى الله فيها.
والكنيسة أيضًا تشبه السماء
ونحن نبنيها على هذه الصورة، والأنوار التي فيها تذكرنا بنجوم السماء. والخدام الذين فيها يذكروننا بملائكة السماء. فالكنيسة سماء لأنها بيت الله، وبيت الملائكة، ومسكن الله مع الناس. والله وهو موجود في الكنائس، في بيوت العبادة، هو في السموات بهذا المعنى.
ولقد دعيت العذراء سماء.
لأنها أيضًا صارت مسكنًا لله فهي إذن سماء ثانية، سماء حقيقية بكل ما تحمل الكلمة من معنى بحلول الله فيها. ونحن نصير سموات بمعنى مبسط عن هذا بكثير، حينما نصير هياكل للروح القدس. وكما قيل في الشعر في سماءٍ أنت حقا إنما. كل قلب عاش في الحب سماك هذه هي أيضًا سموات يسكن فيها الله، أعني القلوب النقية المملوءة من محبته. استسمحك الآن أيها القارئ العزيز أن نختم حديثنا الآن ههنا، إلى أن نعود إليه فيما بعد، لأن هذه الورقة ما عادت تتسع لأكثر
- مقال لقداسة البابا شنوده الثالث نشر في جريدة وطني بتاريخ 5-7-1981م




