الله محب البشر

الله محب البشر…1
كنا نتكلم في المحاضرات السابقة عن صفات الله الجميلة التي نكون بها علاقة مع الله، وتحدثنا عن كثير من هذه الصفات ونود الليلة أن نتحدث عن صفة محببة من صفات الله وهي كون الله محبًا للبشر.
* في الحقيقة إن محبة الله للبشر مسألة واسعة النطاق جدًا تبدأ بالخلق… الله من محبته لنا خلقنا فقد كان من الممكن ألا يوجد جنس للبشر ولذلك فنحن في القداس الغريغوري نتذكر هذه المنحة ونقول “كونتني إذ لم أكن”… إن الله من محبته لك أوجدك، ووجود الإنسان دليل محبة من ربنا.
والله من محبته لم يكتف بخلق البشر إنما خلقهم على صورته ومثاله في أحسن وضع ممكن، لقد زود الإنسان بمواهب عديدة… العقل والإرادة والنفس والروح والجسد، ومن محبته دعانا أولاده ويوحنا الرسول يقول… انظروا أية محبة أعطانا الآب أن ندعى أولاد الله…
ومن محبته العجيبة أيضًا الفداء…إنه مات عنا… هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد…
ومن محبته للبشر أنه أعطى الإنسان السلطة على العالم كله… فعندما خلق الله آدم وحواء قال لهما: اخضعوا الأرض وتسلطوا عليها. لقد أعطاهم سلطانًا على جميع وحوش الأرض وطيور السماء وسمك البحر بل على النبات والطبيعــة.
** انظروا سلطة الإنسان على الطبيعة كيف يتصرف في المواد والمعادن ويجوب الآفاق ويصعد فوق السحاب ويصل إلى الكواكب… إنها السلطة التي أعطاها الله للبشر، وطالما كان الإنسان في صورة الله ومحبة الله كان يتمتع بهذه السلطة. آدم كان له خشية وسلطة على جميع الوحوش وكذلك نوح كانت له هذه الخشية والسلطة على جميع الوحوش في الفلك. بل إن الإنسان يعتبر وكيل الله في الأرض على جميع الكائنات وله سلطان على الكل.
* لقد خلق الله كل شيء في خدمة الإنسان لهذا لم يخلقه إلا بعد خلق وإعداد كل شيء ليكون في خدمته. وعندما تسأل نفسك… لماذا خلق الله البر والبحر فإن الإجابة… لقد خلقهما لخدمتك أيها الإنسان في صورة التلال والسهول… خلق الغابات والأشجار المثمرة… وماذا تكون المحبة أكثر من هذا؟ … إنه أعطاك سلطانًا.
** ومن محبة الله للبشر… البركة التي بارك بها الله البشر… لقد بارك الإنسان عمومًا عندما بارك آدم وحواء والبركة التي كان يبارك بها مجموعات البشر.
وهذه البركة لها وجوه كثيرة تحتاج إلى مقالات وكتابات عديدة.
* ومن محبة الله للبشر… العناية والرعاية التي يتولى بها الإنسان، ومن بركة الله للإنسان أيضًا النعم والمواهب… من محبة الله للإنسان الكلام الكثير الذي قاله عن المحبة… لذتي في بني البشر… نحن نحبه لأنه أحبنا قبل أن نكون ومن أجل ذلك كوننا.
إنني أذكر أنني كتبت في مذكراتي هذه العبارة “لي علاقة مع الله بدأت منذ الأزل وستستمر إلى الأبد… بدأت منذ الأزل عندما كنت في عقله فكرة وفي قلبه مسرة”. لقد كنا في فكره في عقل الله منذ الأزل… كان في فكره منذ الأزل أن يخلقنا، وكان في قلبه محبة لنا منذ الأزل.
ولنرى نواحي محبة الله للبشر…
إن من محبة الله للبشر رعايته للإنسان وعنايته به في كل مكان ووضع مثل محبته له في جنة عدن إذ وهبه كل شيء، لقد جعل السعادة كلها في متناوله.
نرى محبة الله للإنسان في البرية… تظلله السحابة بالنهار ويهديه عمود النور بالليل وتشق له الصخرة فتنبع له ماء ويسقط عليه المن والسلوى.
إنه حب عجيب. ثيابه لم تبل، ورجله لم تتورم من المشي… حقًا إنها عناية عجيبة للإنسان، لقد اعتنى بدانيال في جب الأسود. وبالثلاثة فتية في أتون النار، وبيونان في بطن الحوت… فعندما ألقي به في البحر أوجد له هذا الحوت يحمله سليمًا، كما اعتنى به وهو في بطن الحوت… دخل سليمًا وخرج سليمًا.
إنها عناية عجيبة…عناية الله بالإنسان في المجاعات حينما يكلف غرابًا أن يعطي طعامًا لإيليا، وأن يوصل الغراب نصف خبزه للأنبا بولا السائح، وكذلك مباركة الزيت والدقيق في بيت الأرملة… وحين فجر ماء للطفل إسماعيل في هروبه مع أمه هاجر.
** إنها العناية العجيبة بالإنسان في كل وقت وكل فترة من فترات الضيق ويكفي أن حاجات الإنسان تعطى له دون أن يطلبها…أبوكم السماوي يعلم أنكم تحتاجون إلى هذه كلها… الشعب الذي سار وراء السيد المسيح في البرية لم يصرفه جائعًا لئلا يتعبوا في الطريق.
الله يأمر أن يرسل لنا المطر وأن تقدم الأرض لنا المعادن، وادخر في الطبيعة مميزات عجيبة للعناية بنا. يكفي أن نرمي نواة بلح في الأرض لتنمو نخلة كبيرة تأتي لنا بثمار البلح، وأنه بواسطة حبة قمح تخرج السنابل المليئة بالقمح.
لقد سخر كل قوى الطبيعة تفجر للإنسان احتياجاته… ومن العجيب أن هذه العناية لا تقتصر على الضروريات كالطعام والشراب بل تقدم الطبيعة أيضًا الذهب والفضة لتوفير الرفاهية للإنسان!
* ويقدم الله أيضًا فضلًا عن طعام الإنسان وشرابه الزهور والورود… إن عنايته لا تقتصر على الأمور المادية بل أيضًا النواحي الجمالية والترفيهية فخلق الجبال المكسوة بالخضرة والزهور، وأوجد جمال الطبيعة في السماء والأرض… حقًا إنه الفنان الأعظم.
الورود والزهور… وجمال الأرض والسماء تدل على أن عناية الله لا تقتصر على الضروريات إنه يقول… تأملوا زنابق الحقل ولا سليمان في كل مجده كان يلبس كواحدة منها…
** إن الله عجيب في محبته وعنايته بالبشر، يكفي أن الله من عنايته أعطى للبشر تلك العقلية التي يستطيع بها الإنسان أن يخترع ويتعمق، لقد وصل الإنسان للكواكب بالعقل الذي هو منحة وعطية من الله محب البشر، ولولا عطيته هذه لما استطاع أن يصل إلى الكواكب أو يخترع شيئًا.
لقد أعطانا عقلًا لكي نكون على صورته ومثاله. ومن عنايته أنه كشف لنا أسرار الكون ومعرفة خواص المادة وطبيعتها لكي نتعرف على فوائدها.
ومن عنايته أنه يتدخل في كل شيء في حياتنا… يجد بطرس وأندراوس يصطادان فيريهما كيف يصطادان، وكيف يلقيان بالشباك في العمق.
إن الله لم يترك شيئًا حتى الكماليات وجعل الإنسان يسلك في النسك والزهد بإرادته، هو يعطي كل شيء ولا يرغم على النسك.
* ومن عناية الله بالإنسان أنه أعطى آدم المرأة قائلًا… ليس جيدًا أن يكون آدم وحده نخلق له معينًا نظيره. وهكذا خلق له مخلوقًا يعاونه في الحياة ويساعده… إنه نوع من محبة الله للبشر.
** ومن محبة الله للبشر أنه أوجد صداقة بينه وبين البشر، كانت هناك صداقة بين آدم والله وكان يتراءى له في الجنة ويتكلم معه، وكانت بينه وبين أخنوخ صداقة يقول الكتاب “وسار أخنوخ مع الرب”… وكذلك كانت مع نوح، الله يكلمه ويقول له… تعال أخلصك من العالم الفاسد… أرتب لك الفلك… ثم يعطي له أوصافه…إلخ
وإبراهيم أب الآباء يصادقه الله حتى سمى إبراهيم خليل الله… ويعقوب وهو هارب من عيسو يقول الله له “أكون معك وأردك إلى هذه الأرض”… إنه يسير معه يشجعه بالأحلام والرؤى كالصديق… يعطي له الرؤيا المعزية ويرفه عنه في ضيقته ويعطي له مواعيد ويبارك في غنماته ويوصله إلى بيت خاله ويعطي له أولادًا كثيرين… وهكذا يسعده بطرق شتى ويقول… لقد أحببت يعقوب قبل أن يولد.
إن الله يصادق الناس ويعيش معهم كصديق وحبيب… لقد ظل مع موسى 40 يومًا على الجبل… ويكلمه من عند باب خيمة الاجتماع في البرية وعند ظهوره في العليقة، ويقول موسى إنه مثل صديقي… إنني أكلمه فمًا لفم كما يكلم الرجل صديقه يستشيره فيما يعمل.
* لقد كلم الله الأنبياء وكثيرًا من الناس حتى الأطفال… كلم إسحق وإبراهيم ويعقوب وموسى وهؤلاء كانوا كبارًا… أما صموئيل فكان طفلًا… لقد كلمه مرات عديدة إلى أن قال: “تكلم يا رب فإن عبدك سامع”.
نحن أمام الله أطفال، وبماذا نقاس أمام أزليته؟
** ومن محبة الله للبشر أنه يتراءى للناس… وإذا كان تراءى لموسى وإبراهيم وسليمان، فكيف يكون إذًا التجسد الذي تراءى به للبشرية؟
لا شك أنها المحبة التي جعلته يتراءى للبشرية كلها في التجسد. في العهد القديم مثلًا يجد الفتيه الثلاثة في النار فيتراءى لهم ويتحدث معهم… وكذلك مع بطرس ويوحنا يأخذهم ويتحدث معهم على جبل التجلي ويريهم شيئًا من مجده ويعلن لهم ذاته، ويتراءى ليوحنا في رؤيا طويلة… يكلمه ويضع يده عليه ويكشف أسراره لبني البشر في نبوءات عن المستقبل.
* إن الله يرفع مستوى الناس ومعنوياتهم، ويعطيهم فوق ما يستحقون من مجد وبركة.
وعندما يحدثنا يقول… إخوتي… ويسمينا خاصته وتلاميذه وأولاده.
وفي صداقة الله للناس نلمح شيئًا آخر، هو أن نكون معه… كثيرًا ما تسمعون كلمة “معه”…إنه يقول… لا تخف لأني معك… ويقول لبولس الرسول…لا تخف لأني معك… ويقول لإرميا نفس الكلام… يحاربونك ولا يقدرون عليك… أنا أكون معك… وداود يقول: “تأملت فوجدت الرب معي في كل حين”… والله يقول أيضًا… ها أنا معكم كل الأيام وإلى انقضاء الدهر… ويقول… أنا ماض لأعد لكم مكانًا، وحيث أكون تكونون أنتم أيضًا.
وحتى أورشليم السمائية يسميها مسكن الله مع الناس… إن الله يريدنا أن نكون معه دائمًا ويحب أن يكون معنا حتى أنه يقول… أنه واقف على الباب ينتظر ليدخل.
** محبة عجيبة يظهرها الله لنا لكي نتأثر ونبادله إياها… أن نكون معه هنا، ونكون معه هناك …وبولس الرسول يقول: “لي اشتهاء أن أنطلق وأكون مع المسيح فذاك أفضل”.
إننا نجد السيد المسيح في وسط أورشليم السمائية فلا تحتاج إلى سراج أو شمس، لأنه ينيرها.
ما معنى أن يكون الله معنا ويسكن فينا؟ … ما معنى أن يكون معنا كل الأيام وإلى انقضاء الدهر؟ … ليس هذا فقط… بل إن في محبة الله غير الرعاية والصداقة والوجود معه، نجد علاقة حب عجيبة يشبهها الله بالزيجة “كما يحب الرجل امرأته هكذا أحب الرب الكنيسة”.
إن بولس الرسول يشبه وحدتنا بالله مثل الزيجة، ولذلك يقول… أن هذا السر عظيم… السر العظيم هو كيف أصبحنا والمسيح واحدًا؟ … ما هذا السر؟
ليس فقط تشبيه علاقة الحب بالزيجة، بل بالجسد الواحد… نحن جسد المسيح والمسيح رأس الكنيسة، ونحن والمسيح واحد… هو الرأس ونحن الجسد.
وهذه الوحدة بين الرأس والجسد يشبهها الله بالكرمة والأغصان وهما شيء واحد… إنها وحدة عجيبة يتكلم عنها السيد المسيح في محبته للبشر… ومن أجل هذا يقول… اثبتوا في وأنا فيكم”… لكي نصل إلى هذه الوحدة… وبعدئذ عندما يكلم الآب يقول: “أنت فيّ وأنا فيك لكي يكونوا مكملين إلى واحد”.
* إنها ليست مسألة سكنى الله فينا… إنها أكثر من ذلك… إنه يقول… ما فعلتموه بأحد هؤلاء الصغار فبي قد فعلتم.
ومن محبة المسيح لنا يقول إننا شركاء الطبيعة الإلهية… إنه يقول نحن هياكل للروح القدس …إنه يضع لنا وسائل عديدة للتنقية والتطهير والتقديس والغفران… إنه ينقينا ويطهرنا ويقدسنا لكي نكون له.
** من نواحي المحبة للبشر عبارات الحب الكثيرة التي قالها… إنه يقول: “نقشتكم على كفي … من يمسكم يمس حدقة عيني، شعور رؤوسكم كلها محصاة”… لن تسقط شعرة بدون إذن أبيكم…أنتم في يدي…إن السيد المسيح يمسك في يده الكواكب السبعة…أنتم في يد أبي ولا يستطيع أحد أن يخطف شيئًا…
إنها عبارات عجيبة… نحن في ذهنه وقلبه ومنقوشون على كفه. وبعد ذلك يقول… أغسلكم وتبيضون أكثر من الثلج… كيف هذا…؟
* ومن محبة الله للبشر النعم الكثيرة التي أعطاها للبشر… خذوا من هذه النعم الطبيعية الجديدة التي أعطاها لنا… قلبًا جديدًا، وروحًا جديدًا، من نواحي التجديد القلب والروح الجديدان
من النعم الكثيرة عمل الروح القدس فينا وعمله لأجلنا… واجعلوا هذا موضوعًا مستقلًا لمحبة الله للبشر. خذوا مثلًا مواهب وثمار الروح القدس في الإنسان، في رسالة كورنثوس الأولى عن مواهب الروح القدس، أجد نفسي مبهورًا ومذهولًا… السيد المسيح يقول لتلاميذه… إن الأعمال التي أعملها تعملونها وتعملون أعظم منها. كيف هذا…؟
هل هناك محبة أكثر من هذا…؟
تعملونها وتعملون أكثر منها؟ … كم هي غنية مواهب الله التي يسكبها علينا بلا كيل أو حساب؟
إنها مواهب عجيبة يعطيها الله للإنسان إلى درجة أنه من حبه قال أعطيكم مفاتيح ملكوت السموات… أنت يا رب الذي يفتح ولا أحد يغلق… وأنت الذي يغلق ولا أحد يفتح وتسلمنا مفاتيح ملكوت السموات؟
ولكن إذا كنت قد أعطيتكم ذاتي، أكثير أن أعطيكم ملكوت السموات؟
** ويكفي أنه من أجمل النعم التي أعطانا إياها… الخلود…إن الله يحبنا إلى الأبد…الأرض والسماء تزولان، أما أنت – أيها الإنسان – فلن تزول… ستخلد.
ولن نخلد فقط، بل إنه يعطينا أجسادًا روحانية وطبيعة روحانية قد عتقت من الفساد… جسد لا يحتاج إلى طعام وشراب ولا يتعرض لمرض وتعب أو موت.
وعندما احتار بولس في هذا الموضوع قال… يشبه جسد مجده… ويقول… نصير مثله… إن الله في عطاياه يعطي بلا حساب… وبلا كيل…
وإذا كان التجسد والفداء من أعظم دلائل محبة الله للبشر، فإن أمجاد الأبدية من محبته… وهناك ما لم تره عين أو تسمع به أذن، وما لم يخطر على بال إنسان.
وإن كنا قد تكلمنا عن محبة الله للبشر فينبغي أن تكون محبة الله متبادلة بيننا وبينه.
- مقال لقداسة البابا شنوده الثالث نشر في جريدة وطني بتاريخ 23-9-1973م



