التاريخ لم يكتب كل شيء

التاريخ لم يكتب كل شيء[1]
تاريخ العالم ضم عظماء من نوعيات متعددة، منهم رجال الحرب، ورجال السياسة، ومنهم فلاسفة وعلماء وأدباء ومفكرون.. ومنهم شخصيات اجتماعية بارزة.
والتاريخ الكنسي سجل ألوانًا أخرى من حياة شخصيات، كان لها دورها البارز في حياة الكنيسة العامة.. في مقدمة هؤلاء الرسل والأنبياء ورؤساء الآباء، كإبراهيم ونوح وأيوب.
وفي مقدمة هؤلاء أيضًا الشهداء، الذين بذلوا حياتهم لأجل الرب، والمعترفون الذين قبلوا العذاب لأجله. ومشاهير الشهداء معروفون بأسمائهم في التاريخ. وبعض القديسين جمعوا بين الشهادة والنبوة كغالبية رسل المسيح.
وهناك آلاف من الشهداء لم يكتب التاريخ أسماءهم ولكن الرب يعرفهم بأسمائهم.
من بين هؤلاء مدن كانت تستشهد بأكملها، كما حدث في إسنا وفي أخميم، وكما حدث في الكتيبة الطيبية، وفي حادث الثلاثين ألفًا الذين استشهدوا جميعهم في يوم واحد.
ونحن لا نعرف سوى أسماء بارزة من الشهداء، أما الغالبية الساحقة فلا نعرف أسماءها. وليس هذا بعجيب! إيليا النبي ما كان يعرف “أسماء” السبعة آلاف ركبة التي لم تنحن للبعل ولكن الرب كان يعرفهم جميعًا.
ومع أن التاريخ لم يكتب أسماءهم، إلا أنهم مكتوبون في سفر الحياة… هناك سفر عدد آخر غير الذي كتبه موسى. وفي ذلك السفر، كل أولاد الله، بعددهم، وأسماءهم وحياتهم.
ما أفقر التاريخ! وما أقل معلوماته!
لقد سجل بعض ما وصل إليه. ولكن ما وصل إليه، لم يكن كل شيء، ولم يكن الأعظم، وبخاصة في المجال الروحي، الذي يكون فيه إخفاء الفضائل أعظم من إعلانها… مثال ذلك ظاهر في تاريخ الرهبنة. هناك قديسون زارهم سائحون أجانب مثل بلاديوس وجيروم وروفينوس وكاسيان، وكتبوا لنا أسماءهم وسير حياتهم. ولكن متوحدين كثيرين، عاشوا في عمق القداسة، مختفين عن الناس، وكانوا أعظم عند الله، ولم يعرفهم التاريخ، ولا كتب عنهم!
ومثل هذا نقوله عن الآباء السواح. بعض منهم سمح الله أن يزورهم قديسون، ويكتبوا عنهم، وحتى ما كتبوه، ليس هو كل حياتهم، إنما هو الإطار الخارجي فقط لتلك الحياة.. وسواح آخرون لا يعرف التاريخ عنهم شيئًا، لأنهم كانوا أعظم من التاريخ. اختفوا عنه تمامًا، حبًا في الله.
الله وحده هو الذي كتب تاريخ هؤلاء في سفر سنقرأه في الأبدية.
إن الأعمال الظاهرة، مثل تأليف الكتب، والعظات المكتوبة، هذه سجلها التاريخ… ولكن كم من عظات عميقة، لم يكتب عنها التاريخ شيئًا، وكان لها تأثيرها!
وبالمثل نقول عن عظات المسيح ومعجزاته.
أمثلة قليلة سجلها الرسل، وتركوا الباقي (يو20: 30) (يو21: 25). ما أفقر التاريخ!
وماذا نقول عن 12 قرنًا مضت، تكاسل فيها التاريخ الكنسي، ولم يرفع ريشته ليكتب، إلا في النادر!!
[1] مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة الحادية عشرة – العدد الثالث والأربعون 24-10-1980م




