الجسد والروح

أنت مكون من جسد ومن روح. ولكنك قد لا تكون عادلًا في معاملتهما معًا: فكثيرًا ما تعطي الجسد مطالبه، وتبخس الروح حقوقها، كما لو كنت من جسد فقط، بلا روح. فما هو موقفك من:
الجسد والروح1
صراع بين الجسد والروح:
جسدك من تركيب مادي، قد يميل إلى المادة وينفعل بها، إذا بعد عن سيطرة الروح. وروحك على العكس من هذا هي على صورة الله ومثاله، تشتاق إلى الله، وتود الانطلاق إليه. ولهذا فهي كثيرًا ما تقف في صراع مع الجسد. وكما قال بولس الرسول: “الجسد يشتهي ضد الروح، والروح ضد الجسد. وهذان يقاوم أحدهما الآخر” (غل5: 17). على أننا في هذا الصراع نود أن ننبه إلى أن الجسد في ذاته ليس شرًا.
الجسد ليس شرًا:
الجسد خلقه الله. والله لا يخلق شرًا. بل إن الله عندما خلق الإنسان بهذا الجسد “رأى كل ما عمله، فإذا هو حسن جدًا” (تك1: 31). لو كان الجسد شرًا في ذاته ما خلقه الله.
كذلك فإننا نرى قديسين كثيرين عاشوا في الجسد عيشة بارة. وكانت أجسادهم مقدسة، استطاعوا بها أن يخدموا الله ويمجدونه، في أسهار، في أصوام، في مطانيات، في تعب الخدمة.
اشتركت أجسادهم مع أرواحهم في العمل الروحي، وكما قال الرسول: “مجدوا الله في أجسادكم وفي أرواحكم التي هي لله” (كو6: 20). الجسد إذًا ليس شرًا ولكن الشر هو شهوات الجسد.
إن الجسد ليس خطيئة في ذاته، لأننا نكرم أجساد القديسين، ونضعها في الكنائس، ونحتفي بها، ونفرح باقتنائها، ونبخر لها وندهنها بالأطياب. وكثير من هذه الأجساد الطاهرة تحدث منها معجزات.
ولو كان الجسد شرًا في ذاته ما كنا نكرم أجساد القديسين. وأيضًا لو كان الجسد شرًا، ما كان يمكن أن يأخذ المسيح جسدًا.
ولوكان الجسد شرًا، ما كان الله ينعم عليه بالملكوت، لأن أجسادنا ستقوم وتتنعم بالأبدية. ولكنها ستكون أجسادًا روحانية…
مادام الجسد إذًا ليس شرًا، فأين هو الشر؟ وما سر الحديث الكثير عن صراع الجسد مع الروح؟
إن الجسد ليس شرًا. ولكن الشر هو السلوك حسب الجسد، هو استقلال الجسد عن سيطرة الروح، وتمرده عليها.
السلوك حسب الجسد:
يقول الرسول: “إن عشتم حسب الجسد فستموتون. ولكن إن كنتم بالروح تميتون أعمال الجسد فستحيون… الذين هم حسب الجسد فيما للجسد يهتمون. ولكن اهتمام الروح فيما للروح. لأن اهتمام الجسد هو موت ولكن اهتمام الروح هو حياة وسلام… لا شيء من الدينونة الآن على الذين هم في المسيح يسوع، السالكين ليس حسب الجسد بل حسب الروح” (رو 7). إن كان الأمر هكذا، فما هو موقفنا من الجسد؟
يقول الرسول أن الإنسان يقوت جسده ويربيه (أف5: 29). ويقول أيضًا: “أقمع جسدي واستعبده، حتى بعد ما كرزت للآخرين لا أصير أنا نفسي مرفوضًا” (1كو9: 27).
نحن إذن لا نقتل الجسد، بل نقمع شهواته. قتل الجسد خطية. ولذلك فنحن لا نصلي على المنتحر، لأنه إنسان مات في الخطية إذ قتل جسده. والنسك في المسيحية ليس قتلًا للجسد، بل إخضاعًا لشهواته، لتعطي الروح فرصتها في العمل منطلقة من ثقل الجسد.
اهتموا إذًا بأجسادكم بطريقة روحية، وأيضًا اهتموا بأرواحكم. أقيموا توازنًا بين الاثنين، فلا تهتموا بالجسد بينما تهملون الروح.
فلنسأل الآن أنفسنا في عدل وصدق: أحقًا نحن نهتم بأرواحنا مثلما نهتم بأجسادنا؟ إن القديسين كان كل اهتمامهم بالروح. فهل نحن وصلنا حتى إلى مجرد التساوي في الاهتمام بين الجسد والروح؟ سنحاول أن نجيب على هذا بالتفصيل في النقاط الآتية:
1- تغذية الروح والجسد:
أنت تعطي الجسد كل يوم طعامه بوجبات متعددة كل يوم، فهل هكذا تعامل الروح؟
وأنت لا تكتفي بأن تعطي الجسد طعامًا كل يوم، بوجبات متعددة، بل تعطيه كل العناصر التي تلزمه كاملة، فهل هكذا تعامل الروح؟
أنت تعطي الجسد موادًا سكرية، ودهنية، وكربوهيدراتية، وفيتامينات، ومعادن… وتدقق مثلًا في كل نوع من أنواع الفيتامينات لئلا يمرض الجسد إن نقصه واحد منها، وما ينقصه في الطعام يقدم له كدواء. وأنت تهتم ببناء جسدك: تعطيه البروتين لبناء الأنسجة، والكلسيوم لبناء العظام، والحديد لبناء الدم… وهكذا تدبر أمورك الجسدية بحكمة عظيمة، ولا تقصر في شيء من متطلباته. فهل هكذا تعامل الروح وتوفيها جميع أعوزاها؟
إن الروح أيضًا تحتاج إلى عناصر متعددة لغذائها. تحتاج أن تغذى بالصلاة، والتأمل، وقراءة الكتاب المقدس، وقراءة الكتب الروحية وسير القديسين. وتغذى أيضا بالترتيل والألحان والاجتماعات الروحية، وبالصوم وبالتناول من جسد الله ودمه…
فهل أنت أعطيت روحك كل هذه الأغذية كاملة؟ وهل أعطيتها لها بمواظبة كل يوم، وبوجبات متعددة مثلما تفعل مع الجسد؟ أم أنت تغذي جسدك بأمانة، ولست بنفس الأمانة والاهتمام في تغذية روحك…!
ألا تعلم أن الروح يمكن أن تمرض، تمامًا كما يمرض الجسد، إذا لم تأخذ طعامها اليومي بكل عناصره؟
وأنت لا تكتفي بأن تعطي جسدك طعامًا يوميًا، بوجبات متعددة، وبكل العناصر اللازمة، وإنما لابد أيضًا أن يكون هذا الطعام بكميات كافية… لا تستطيع أن تتناول ملعقة من الأرز، وتقول “لقد أعطيت الجسد ما يحتاجه من مواد نشوية”، بل لابد أن تكون الكمية كافية.
فهل أنت كذلك تعطي الروح غذاءها بكميات كافية كما تعطي الجسد؟
هل تظن أن الدقائق القليلة التي تعطيها لغذاء روحك طول اليوم تكون كافية لتقوم بالتوازن اللازم مع الجسد… إن الله وهب روحك يومًا كاملًا كل أسبوع، بالإضافة إلى نصيبها اليومي. أتراك تعطيها حقها هذا. هل الوقت الذي تقضيه في أمور العالم يتوازن أو يتناسب مع الوقت الذي تعطيه لروحك؟ هل غذاء روحك بنفس الكمية التي تحتاج إليها؟ كن عادلًا في إجابتك.
وأنت لا تكتفي بأن تعطي جسدك طعامًا يوميًا، وبوجبات متعددة، طعامًا مستوفيًا كل عناصره، وبكميات كافية، وإنما تشترط أيضًا أن يكون شهيًا في طعمه وجيدًا في طهيه. هكذا الروح؟
إن الفاكهة الفجة قد تضرك بدلًا من أن تفيدك. واللحمة النيئة التي لم يكمل نضجها على النار تؤذي صحتك بدلًا من أن تغذيك. كما يجب أن يكون الطعام مقبولًا في طعمه (إن لم يكن شهيًا) حتى يمكنك أن تتذوقه وتقبله.
كذلك غذاء الروح ينبغي أن يكون جيدًا في طهيه وشهياً في طعامه، لتستفيد منه.
لا يكفي مثلًا أن تصلي، إنما يجب أن تكون صلاتك حسنة مقبولة، بإيمان، باتضاع، بفهم، بحرارة بعاطفة، بخشوع…
كما تضع على طعامك ملحًا وتوابل، هكذا ضع أمثال هذه الروحيات على صلواتك وعلى كل أعمالك الروحية.
قراءاتك فلتكن مصحوبة بالفهم والتأمل، صدقتك فلتكن مخلوطة بالحنو والحب، مطانياتك فلتكن بانسحاق وخشوع. صومك فليكن فيه قهر شهوة الطعام ولتكن معه أغذية روحية… ليكن طعامك الروحي جيد الطهي.
ننتقل إلى نقطة أخرى في موضوع التوازن بين معاملة الروح والجسد، وهي المرض والعلاج.
مرض الروح وعلاجها:
كما يمرض الجسد إذا قل غذاؤه أو ساء، كذلك تمرض الروح. الجسد يمكن أن يصاب بالضعف والهزال والأنيميا والسل، وكذلك يمكن أن تمرض الروح بنفس الأمراض.
وكما أن الجسد إذا لم تعطه مثلًا كفايته من فيتامين (أ) يمكن أن تمرض عيناه، كذلك الروح إذا لم تعطها كفايتها من القراءة والوعظ والاجتماعات الروحية يمكن أن تضعف بصيرتها الروحية وتفقد الإفراز والتمييز والفهم الروحي… وهكذا في باقي الأمور.
وكما أن الجسد إذا مرض وضعف، يحتاج إلى علاج وأطباء وأدوية كذلك الروح إذا ضعفت تحتاج إلى أطباء روحيين وآباء ومرشدين، وتحتاج إلى أدوية وعلاج.
زينة الجسد وملابسه:
إنك تهتم بزينة جسدك وبهندامه وحسن ملابسه، بأناقته وجماله. كذلك الروح تحتاج إلى زينة. زينة الروح الوديع الهادئ، كما قال الكتاب.
والروح تتزين بالفضائل، وبالمحبة والفرح والسلام وباقي ثمار الروح (غل5: 22). قيل عن أورشليم السمائية (جماعة المؤمنين) إنها كعروس مزينة لعريسها. فما هي زينتك الروحية أيها الابن المبارك؟ أين عطرك وبخورك؟ أين رائحة المسيح الذكية التي تفوح منك؟
بل أين أيضًا ملابسك؟ أين ثياب العرس التي عليك؟ أين ثوبك الأبيض الذي هو تبررات القديسين. ألا تعلم أن ملاك كنيسة اللاودكيين الخاطئ قال له الرب إنه فقير وعريان، وقال له أيضًا: “أشير عليك أن تشتري مني ذهبًا مصفى بالنار لكي تستغني، وثيابًا بيضًا لكي تلبس فلا يظهر خزي عريتك. وكحل عينيك بكحل لكي تبصر” (رؤ3: 18).
موت الروح:
قال القديس أوغسطينوس: “موت الجسد هو انفصال الروح عن الجسد، وموت الروح هو انفصال الروح عن الله”.
قيل “كنا أمواتًا بالخطايا” وقيل عن الابن الضال إنه كان ميتًا فعاش. وكما يمكن أن يقيم الله الجسد من الموت، كذلك يمكن أن يقيم الروح بالتوبة.
- مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة السنة الخامسة – العدد السادس 9-11-1974




