من صفات الراعي أنه بركة

من صفات الراعي أنه بركة[1]
عندما يختار الناس شخصًا ليكون كاهنًا أو أسقفًا، إنما يختارون أفضل الموجودين: أفضل الخدام أو أفضل الرهبان. وعندما ينال نعمة الكهنوت، يفترضون فيه المثالية وليس أقل من ذلك. ينظرون إليه كوسيلة إيضاح عملية لكل فضيلة…
ومن أهم الصفات التي يتصف بالكاهن، أن يكون بركة.
أرملة صرفة صيدا كانت تعتبر إيليا بركة في بيتها، باعتباره “رجل الله”. وكانت تناديه بعبارة “يَا رَجُلَ اللَّهِ” (1 مل17: 18، 24). وكان إيليا بركة في بيت هذه الأرملة. فمنذ أن دخل بيتها، “كُوَّارَ الدَّقِيقِ لَمْ يَفْرُغُ، وَكُوزَ الزَّيْتِ لَمْ يَنْقُصُ” طوال فترة المجاعة “إِلَى الْيَوْمِ الَّذِي فِيهِ يُعْطِي الرَّبُّ مَطَرًا عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ” (1مل17: 14، 16).
* أيضًا المرأة الشونمية اعتبرتها بركة لها ولبيتها أن تصنع علية يميل إليها أليشع كلما مرّ، ليأكل خبزًا. قائلة [2]لرجلها: “قَدْ عَلِمْتُ أَنَّهُ رَجُلَ اللَّهِ مُقَدَّسٌ الَّذِي يَمُرُّ عَلَيْنَا دَائِمًا. فَلْنَعْمَلْ عُلِّيَّةً… حَتَّى إِذَا جَاءَ إِلَيْنَا يَمِيلُ إِلَيْهَا”(2مل4: 9، 10).
وكان أليشع بركة في بيت الشونمية. صلى من أجلها لكي يعطيها الله ابنًا، فأعطاها… ولما مات ذلك الابن، لجأت إليه، فصلى لأجل ابنها، فعادت حياته إليه (2مل4:16، 36).
الناس يعتبرون أن دخول الكاهن إلى بيوتهم، هو بركة لبيوتهم. فإذا دخل الكاهن البيت، دخلته البركة.
وحينما ينفذ الأب الكاهن وصية السيد المسيح القائلة: “وَأَيُّ بَيْتٍ دَخَلْتُمُوهُ فَقُولُوا أَوَّلاً: سَلاَمٌ لِهَذَا الْبَيْتِ” (لو10: 5)، حينئذ يشعر ذلك البيت ببركة السلام الذي دخل إليه بدخول الأب الكاهن.
لذلك هناك فرق كبير جدًا بين أن يرسل الأب الكاهن شماسًا من الكنيسة ليفتقد بيتًا، وبين أن يزور البيت بنفسه ويفتقده بنفسه ويصلي فيه، ويأخذ الناس بركة زيارته وبركة صلاته. وإن كان بيتًا جديدًا، يصلي فيه صلاة تبريك البيوت الجديدة.
وإن رش في البيت ماء قد صلى عليه، يأخذ أهل البيت بركة رش الماء فيه. ويشعرون أن الأب الكاهن قد بارك البيت برش الماء. وإن صلى صلاة طقسية – كصلاة القنديل مثلًا – ورفع بخورًا في البيت، يشعرون ببركة البخور، وبركة الصلاة، وبركة الزيت، وبركة رشمهم به. ويقولون لأقربائهم وأصحابهم: قد حضر أبونا إلى بيتنا، ونلنا بركة صلاة القنديل.
يحني الشخص رأسه أمام الأب الكاهن ويقول له: “باركني يا أبي”. فإن وضع يده على رأسه، ينال بركة من وضع يده. وإن وضع صليبه على رأسه، ينال بركة من صليبه ويقبله… وإن دعا له بأية كلمة دعاء، ينال بركة دعائه، ويمضي مستبشرًا…
وقد يقول شخص للأب الكاهن “أعطني بركة”.
وكل ما يأخذه من يده هو بركة. إن أعطاه صليبًا أو صورة أو أيقونة، يعتبرها بركة له. مع أنه يوجد في المكتبات الدينية مثيلات لها كثيرات، وربما من صنف أجود، أو ثمن أغلى. ولكن ما يأخذه من الكاهن يتميز بأنه بركة.
وإن أخذ منه كتابًا، فهو بركة، غير الذي يشتريه من السوق. وإن وقَع الأب عليه بإمضائه، فهذه بركة أخرى. وإن كتب له اسمه مع كلمة إهداء، فهذه بركة أكبر وأكبر، يحتفظ به…
الكاهن بركة ويبارك. شخصه يرتبط باستمرار بالبركة.
إذا جلس مع البعض على المائدة للأكل، يبارك لهم الطعام قبل أن يأكلوا. وإذا مرض شخص، وأعطاه أحد الأطباء دواء، يأتي به إلى الأب الكاهن ليبارك له الدواء قبل أن يتناوله. وإذا عزم أحدهم على الزواج يطلب من الكاهن أن يبارك هذا الزواج ليكون بدءًا لحياة سعيدة. وإن دخل واحد من الشعب في مشروع اقتصادي، يطلب أن يباركه له لكي ينجح فيه. بل إن اشترى أحد عربة جديدة، يطلب من الأب الكاهن أن يباركها له، قبل أن يستعملها.
وهكذا تدخل بركة الكاهن في كل علاقات الناس به.
إن ألفَ شخص كتابًا يحتاج منه إلى طرس بركة.
ليس مجرد التصريح بطبع الكتاب، كما يفعل الأخوة الكاثوليك في كتابتهم Aihil Obstat، وليس مجرد الموافقة على ما يحويه الكتاب من معلومات، بل أيضًا بركة للكتاب لكي يكون نافعًا لكل من يقرأه، ويساهم في نشر المعرفة، ويكون له تأثير روحي سليم على قارئيه… كما أن طرس البركة يكون أيضًا بركة للمؤلف لكي يعوضه الرب خيرًا…
كل اجتماع يبدأ بالبركة من فم الكاهن ويختمه الكاهن بالبركة.
ولا يجوز روحيًا وطقسيًا أن يغادر أحد اجتماعًا من اجتماعات الكنيسة قبل أن يسمع البركة الختامية وهي “محبة الله الآب، ونعمة ابنه الوحيد، وشركة الروح القدس، تكون مع جميعكم. امضوا بسلام، سلام الرب يكون معكم” (2كو14:13).
وقديمًا كان الرب يأمر الكهنة بمباركة الشعب في ترحالهم، كما ورد في سفر العدد
“وكلّم الرب موسى قائلًا: “قُل لِهَارُونَ وَبَنِيهِ: هَكَذَا تُبَارِكُونَ بَنِي إِسْرَائِيل: يُبَارِكُكَ الرَّبُّ وَيَحْرُسُكَ. يُضِيءُ الرَّبُّ بِوَجْهِهِ عَليْكَ وَيَرْحَمُكَ. يَرْفَعُ الرَّبُّ وَجْهَهُ عَليْكَ وَيَمْنَحُكَ سَلامًا” (عدد6: 23-26).
وما أجمل وأشمل البركة التي كانوا يسمعونها من على جبل جرزيم:
“مُبَارَكًا تَكُونُ فِي المَدِينَةِ وَمُبَارَكًا تَكُونُ فِي الحَقْلِ. وَمُبَارَكَةً تَكُونُ ثَمَرَةُ بَطْنِكَ وَثَمَرَةُ أَرْضِكَ وَثَمَرَةُ بَهَائِمِكَ نِتَاجُ بَقَرِكَ وَإِنَاثُ غَنَمِكَ. مُبَارَكَةً تَكُونُ سَلتُكَ وَمِعْجَنُكَ. مُبَارَكًا تَكُونُ فِي دُخُولِكَ وَمُبَارَكًا تَكُونُ فِي خُرُوجِكَ” (تث28: 3-6).
ولأن الكاهن مصدر للبركة أو لتوصيلها، فإنه يصلي من أجلها:
يصلي في كل مرة يذهب فيها إلى زيارة أو لافتقاد، بل في كل مرة يلتقي فيها بالناس، في اجتماع أو ندوة أو انفرادًا… ويقول: “يا رب، أنت تعرف خطاياي وضعفاتي. لكن ليس من أجلي، بل من أجل رحمتك، تبارك هذا البيت أو هذا الاجتماع، أو هذا الإنسان. كل من يطلب معونتك عن طريقي. اعطهم سؤل قلوبهم. ليس بسبب صلواتي عنهم، إنما بسبب إيمانهم بالصلاة. اعطهم حسب إيمانهم، بل بالأكثر، أعطهم بسبب احتياجهم، ولجوئهم إلى جودك وكرمك ومحبتك…
أعطهم يا رب هذه البركة التي يطلبونها مني.
أو أعطني يا رب هذه البركة تسكن في حياتي وفي صلواتي. وضعها في فمي، وفي يدي، وعلى صليبي، لأقدمها لهم.
وأعطني أن أنال بركة هؤلاء الذين أرعاهم، وبركة الذين كادوا أن يهلكوا لولا أنك بمعونتك الإلهية أنقذتهم على يدىَّ. فأقول مع أيوب الصديق: “بَرَكَةُ الْهَالِكِ حَلَّتْ عَلَيَّ” (أى29: 13).
باركني يا رب وباركهم. بارك الذي يأخذ والذي يعطي. بارك أصحاب الكثير وأصحاب القليل، والذين يريدون أن يقدموا وليس لهم.
الناس يفرحون بالكاهن الذي يكون بركة بينهم.
ويشعرون أن حياتهم قد تحولت إلى أفضل لوجوده بينهم، وأن مشاكلهم يحلها الله، إذا ما وصلت إلى معرفته، وقدّمها في صلواته. وأن طلباتهم تستجاب بفضل طلباته.
فيقولون أن هذا الكاهن هو رجل الله، وهو بركة.
الكاهن البركة “لاَ يُخَاصِمُ وَلاَ يَصِيحُ وَلاَ يَسْمَعُ أَحَدٌ فِي الشَّوَارِعِ صَوْتَهُ” (مت12: 19)، كما كان سيده هكذا هو. أيضًا هو لا يحتد على أحد، ولا يعامل أحدًا بأسلوب شديد ولا بكلمة قاسية جارحة فالكتاب يقول: “الفم الذي يبارك، لا يلعن”.
كل من يقابله، ينال منه بركة.
[1] مقالة لقداسة البابا شنوده الثالث: صفحة الرعاية – من صفات الراعي أنه بركة، بمجلة الكرازة 3/ 8 /2001



