مِن صفات الكاهن: المعــرفــة

مِن صفات الكاهن: المعــرفــة[1]
مكتوب في الدسقولية: “الأسقف هو الراعي والكاهن معلِّم، والشماس خادم”. وعن التعليم بالنسبة إلى الكاهن، ورد في سفر ملاخي النبي: “لأَنَّ شَفَتَيِ الْكَاهِنِ تَحْفَظَانِ مَعْرِفَةً وَمِنْ فَمِهِ يَطْلُبُونَ الشَّرِيعَةَ لأَنَّهُ رَسُولُ رَبِّ الْجُنُودِ” (ملا2: 7).
وعبارة “مِنْ فَمِهِ يَطْلُبُونَ الشَّرِيعَةَ” تعني أنه دارس للشريعة.
فهو في التعليم لا يقول رأيه الخاص، إنما وصايا الله في الشريعة.
من هنا كان يلزم للآباء الكهنة أن يكونوا من خريجي كليات اللاهوت، ليكونوا على معرفة بالعلوم الدينية.
ويلزم أن يكون الأب الكاهن دارسًا للكتاب المقدس دراسة عميقة، ودارسًا لتفسير الكتاب وبخاصة من أقوال الآباء القديسين، ومعلمي البيعة المشهود لهم. كما يكون دارسًا للعلوم اللاهوتية والطقسية، وتاريخ الكنيسة.
ولكي يكون ملمَّا بالشريعة ينبغي أن يكون دارسًا لقوانين الكنيسة: سواء قوانين الآباء الرسل، أو قوانين المجامع المسكونية والمجامع المعترف بها، إقليمية كانت أو مكانية.
وبذلك كله، يمكن أن “مِنْ فَمِهِ يَطْلُبُونَ الشَّرِيعَةَ”…
وحينما يدرس القوانين الكنسية يدرس أيضًا أسبابها والحكمة فيها، ولماذا أصدرها الآباء. وإذا سُئل فيما يختص بذلك، يعطي إجابته بالشاهد. سواء من الكتاب أو القوانين أو كليهما.
فإذا سُئل مثلًا لماذا تحريم الزواج بأخت الزوجة أو بأخي الزوج؟
يجيب بما ورد في سفر اللاويين: إصحاح 18، 20.
وبما ورد في قوانين القديس باسيليوس الكبير مثلًا. وما ورد في الإنجيل (مت14: 3، 4). ويشرح السبب الروحي والاجتماعي للتحريم. ويشرح الاستثناء الوارد في (تث25: 5). وفي (مت22: 24) عن الأخ الذي يتوفّى قديمًا بدون نسل. ويأخذ أخوه زوجته لكي يقيم نسلًا لأخيه المتوفي. الأمر غير الجائز قانونًا حاليًا.
وهكذا لا يعتمد في إجابته على عبارة نعم أو لا فحسب. بل يشرح ويثبت، بطريقة تقنع سامعه.
فلا يليق بالكاهن أن يدّعي المعرفة بكل شيء، ويجيب على كل سؤال يُوجّه إليه مهما كان لا يعرف عنه شيئًا!!
من الأفضل أن يكون متواضعًا، ويقول في بعض الأمور: “لا أعرف”. فهذا خير من أن يجيب إجابة خاطئة، يُعثر بها غيره أو يُشككه. أو يُكتشف أمره فيما بعد، ويعرفون أنه أخطأ في الإجابة. علمًا بأن هناك أمورًا كثيرة لم يكشف لنا الرب معرفتها.
أو يمكن أن يقول لسائله، أعطني فرصة لأبحث هذا الأمر، وأجيبك عنه في الأسبوع المقبل (أو فيما بعد…).
فلا تخجل أيها الأب من كلمة “لا أعرف”. أنا نفسي قلتها.
- سألني أحدهم ذات مرة “أين توجد جنة عدن حاليًا”؟
فقلت له: “لا أعرف” فلما ألح عليّ، قلت له: “ألم يحدث أن الطوفان قد أغرق كل شيء أيام أبينا نوح؟ لعلها هي أيضًا أغرقت وانتهى أمرها. أما قول الرب في سفر الرؤيا: “مَنْ يَغْلِبُ فَسَأُعْطِيهِ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ شَجَرَةِ الْحَيَاةِ الَّتِي فِي وَسَطِ فِرْدَوْسِ اللهِ” (رؤ2: 7)، فإنه لم يقصد شجرة الحياة التي كانت في جنة عدن أيام أبينا آدم، إنما ما كانت ترمز إليه.
وأضفت: لو كانت جنة عدن لا تزال موجودة، لكان رؤساء الدول يتنافسون على ملكيتها! وخرائط العالم تُظهر موضع كل شيء على الأرض!
- وسألني آخر “ما شعور الروح وهي تخرج من الجسد؟”.
- فقلت له: “لا أعرف. لم أجرّب. والذين خرجت أرواحهم وعادوا إلى الحياة، لم يحكوا لنا شيئًا عن هذا الأمر”…
- وسألني ثالث “ما شكل الروح؟”…
فقلت له: “لا أعرف. والمعروف أن الروح لا ترى بحواس الجسد. ومع ذلك حينما يسمح لنا الله أن نراها، تكون في شكل الجسد. كما حدث أن القديس الأنبا أنطونيوس رأى روح الأنبا أمونيوس أب جبل نتريا تحملها الملائكة بعد موته. فكيف عرف أنها روح ذلك القديس إلا لو كانت في نفس شكله”. ومع تلك الإجابة قلت:
“وعلى الرغم من هذا، لا أعلم: هل الروح لها شكل، أم أنها حينما تظهر تتخذ لها شكلًا يُرى”. وبقيت عبارة “لا أعرف”…
ولكي يكون الأب الكاهن واسع المعرفة، ينبغي أن يقرأ كثيرًا. ولكن لا يعتنق كل شيء يقرأه، ولا ينشره كعقيدة.
وبخاصة الأفكار التي تبدو جديدة، وتستهويه جِدتها، ويستهويه أن ينشر شيئًا جديدًا، غير المألوف. فهذا الأمر خطر جدًا، وما أسهل أن يؤدي إلى البدعة. لأنه ما هي البدعة سوى ابتداع شيء جديد.
لذلك ينبغي أن يكون لك أساس قوي من العقيدة، تزن به كل فكر جديد. لتعرف ما يمكنك قبوله، وما لا يمكنك.
اِقرأ كثيرًا في المراجع الأصيلة في الكنيسة الموثوق بها.
وفي غير ذلك افهم وحلّل وقارن. ولا تقبل شيئًا جديدًا يتعارض مع تعليم الكنيسة المعروف. وإن احترت، شاور من هو أعلم منك.
أتذكر في إحدى المرات نشر أحد الآباء رأيه في ملكي صادق إنه أزلي أبدي، وأنه الله في إحدى ظهوراته في العهد القديم!!
ولم أقبل هذا الرأي. وقلت إنه إنسان عادي كان ملكًا وكاهنًا (تك14). ورددت على ذلك الرأي فيما بعد في مقال نُشر في مجلة الكرازة في عشر صفحات. غير أنني قبل أن أنشر المقال في “الكرازة” قلت في نفسي إن ملكي صادق ورد كلام عنه في الرسالة إلى العبرانيين إصحاح 7 وهذه قد فسّرها القديس يوحنا ذهبي الفم. فيجب أن أرجع إلى تفسيره…
ولما قرأت تفسير ذهبي الفم. ووجدت أن رأيي يتفق مع فكره، نشرت ما نشرته. لا مانع إذًا من الرجوع إلى تعليم الآباء. ولا يعتد أحد بفكره الخاص، ويجاهر به إن كان جديدًا!
واجبك ككاهن أن تقدم تعليم الكنيسة.
فإن كانت الكنيسة لم تبت في موضوع معين، عن طريق رئاستها ومجمعها المقدس، ولك أنت رأي، قدمه كرأيك الخاص وليس كعقيدة الكنيسة.
واحترس من جهة آرائك الخاصة، إن كنت قد استقيتها من كتب أجنبية، ليست من عقيدة كنيستنا أو تخالفها. فالبعض قد ضلّوا بسبب سيرهم في طريق كهذا.
معرفة الأب الكاهن لا تقتصر فقط على العلوم اللاهوتية والطقسية، إنما يجب أن تكون له معرفة بالروحيات كواعظ ومرشد روحي.
فيجب أن يكون واسع المعرفة في هذه النقطة، ويراعي فيها مستويات الذين يسمعونه. وعليه أن يفرّق بين الروحيات العامة التي يسلك فيها أي إنسان، والعلوم النسكية الخاصة بالرهبان والمتوحدين، والتي لا يقدر عليها عامة الناس، أو التي تصلح للوحدة وليس للمجتمع…
ويحسن أن تكون له أيضًا دراسة ببعض الموضوعات النفسية والعقلية والاجتماعية، مع معرفة مراحل السن وخصائصها، ونفسية الرجل والمرأة.
وعليه أيضًا أن تكون له معرفة ببعض الأمور التي تشغل المجتمع.
ويأخذ هذه المعرفة من مصادرها العلمية والكنسية السليمة.
مثل موضوعات: نقل الأعضاء، والاستنساخ، والبويضات المخصبة، والأم البديلة أو الرحم المستأجر، وموت الرحمة.
ولا يقول في هذه الأمور رأيّا خاصّا، كما يجب أن يكون له رأي معتدل في المخترعات الحديثة التي يمكن أن تستخدم في الخير أو في الشرّ.
[1] مقالة لقداسة البابا شنوده الثالث: صفحــة الــرعـايــة – مِن صفات الكاهن: المعــرفــة، بمجلة الكرازة 26/ 4 /2002




