الكاهن كواعظ ومعلم

الكاهن كواعظ ومعلم[1]
وينبغي على الكاهن في عظته ألا يجرح شعور أحد.
وبخاصة في الموضوعات التي يتعرض لنقدها، وتحذير الناس منها. لا يصح أن يستخدم التهكّم الجارح، أو النقد اللاذع، أو أسلوب الشتائم والإقلال من شأن الناس، بأسلوب منفّر، خالٍ من الرقة، كأنه سهام موجهة إلى البعض… فإن هذه الطريقة قد تجعل البعض يبعد عن الكنيسة، أو يظن أن الأب الكاهن يقصده بالذات لتجريحه أو لإهانته أمام الشعب…
ولا يجوز للكاهن أن يحتج بأن له سلطة أن يوبّخ!
ويتمسك باستمرار بقول الرسول لتلميذه تيموثاوس الأسقف “وَبِّخِ، انْتَهِرْ، عِظْ” (2تي4: 2). فالرسول يقول بعدها “بِكُلِّ انَاةٍ وَتَعْلِيمٍ”. وهذا الرسول نفسه في كلامه مع شيوخ أفسس قال لهم إنه قضى بينهم ثلاث سنوات، لم يفتر أن ينذر بدموع كل أحد (أع20: 31). إنه ينذر بدموع، وليس بالإهانة والتجريح. إن الكلمة الروحية الإيجابية في التعليم، أقوى بكثير وأعظم تأثيرًا من الإهانات في العظات…
واعرف أن العادة الرديئة التي تريد إبعاد الناس عنها، قد تحتاج إلى وقت.
وتحتاج أيضًا إلى معونة إلهية وعمل من النعمة، لكي يتخلص البعض منها. وليس بمجرد شتيمة الواقعين تحت أسرها سيبطلونها. ربما تحتاج أيضًا إلى صلاة منك لأجل هؤلاء. والقديس بولس الرسول يقول: “اُذْكُرُوا الْمُقَيَّدِينَ كَأَنَّكُمْ مُقَيَّدُونَ مَعَهُمْ، وَالْمُذَلِّينَ كَأَنَّكُمْ أَنْتُمْ أَيْضًا فِي الْجَسَدِ” (عب13: 3).
واعلم أيضًا أنه من ضمن تحضير العظة، تحضير روحك لإلقائها.
فالعظة ليست مجرد كلام يقال، إنما هي بالأكثر تأثير في النفوس. وهذا التأثير ينبع من روحك ومدى صلتها بالله، ومدى عمل الله في الكلمة. تصور أن القديس بولس الرسول العظيم، يقول في رسالته إلى أهل أفسس صلوا “لأَجْلِي، لِكَيْ يُعْطَى لِي كَلاَمٌ عِنْدَ افْتِتَاحِ فَمِي”… (أف6: 19).
ينبغي للكاهن أيضًا أن يحترم رسالة المنبر.
فالمنبر هو مكان التعليم، هو لخدمة الكلمة فقط…
ليس هو لتصفية حسابات مع بعض الناس، ولا هو لسياسة معينة يريدها الكاهن. ليس هو لعرض مشاكله مع مجلس الكنيسة أو مع التربية الكنسية، أو مع أي أحد من الناس.
وليس المنبر مجالًا للإعلان عن نفسه، ولا للدفاع عن نفسه. إنما هو رسالة روحية وكلمة منفعة. وقد يحضر الكنيسة كثيرون لا علاقة لهم إطلاقًا بشيء من المشاكل التي يعرضها الكاهن، فيعثرون أو على الأقل لا يستفيدون شيئًا لبنيانهم الروحي.
أيضًا منبر التعليم ليس لنشر أفكار خاصة.
إنما هو لنشر فكر الكنيسة وعقيدتها وتعليمها. أما الذي له فكر خاص أو عقيدة خاصة، فليس له أن يجعلها عقيدة عامة للكنيسة الجامعة. ليس هذا من حقه ولا من سلطانه. وإذا نشر كل كاهن أفكاره الخاصة التي ليست من عقيدة الكنيسة، فإن هذا يقود إلى البلبلة، وربما إلى البدعة أو الهرطقة…
إن المجمع المقدس وحده هو الذي يقدم التعليم للكنيسة.
وإن كان ذلك يمس شيئًا جديدًا، فإن المجمع المقدس لا يعلن ذلك إلا بعد دراسة مستفيضة، وبعد مداولة بين أعضائه، واستنادًا على تعليم الكتاب المقدس وعلى أقوال الآباء.
وإن كان الكتاب قد قال إنه من فم الكاهن تطلب الشريعة (ملا2: 7)، فمعنى ذلك الشريعة المستقرة في الكنيسة وفي الكتاب المقدس والتقاليد المعترف بها، وليس معنى ذلك الشريعة حسب المفهوم الخاص للكاهن!! فالمفهوم الخاص قد يختلف من شخص لآخر.
وليحترس الكاهن من نشر كل ما يقرأه في الكتب، وبخاصة الكتب الأجنبية.
ففي الغرب، تنتشر حرية الفكر إلى درجة رفض بعض تعليم الكنيسة الجامعة، بل ورفض بعض تعاليم الكتاب المقدس!! وتوجد انحرافات كثيرة، واتجاهات عقائدية، متعددة وكل إنسان يقول ما يريد، ويعلّم بما يريد. ونتيجة لهذا تعددت المذاهب واختلفت… ووُجد بينهم ما يعرف باسم “النقد الكتابي” Biblical Criticism. فاحترس من تلك الكتابات الأجنبية، سواء بلغتها أو مترجمة أو مقتبسة…
ولا تعلّم بشيء إلا بما تسلمته من الكنيسة. وفي هذا يقول القديس بولس الرسول لتلميذه تيموثاؤس الأسقف:
“وَمَا سَمِعْتَهُ مِنِّي بِشُهُودٍ كَثِيرِينَ، اوْدِعْهُ أنَاسًا أمَنَاءَ، يَكُونُونَ اكْفَاءً أنْ يُعَلِّمُوا آخَرِينَ أيْضًا” (2تي2: 2).
ما أكثر الذين أضروا الكنيسة، نتيجة لنشر أفكارهم وعقائدهم الخاصة، أو نتيجة لإعجابهم بأفكار جديدة أحبّوا أن يبهروا الناس بها دون أن يدركوا مدى صحتها أو مدى خطورتها!!
وكان وراء ذلك شيء من الإعجاب بالنفس، أو من الكبرياء التي تظن أنها تعرف ما لا يعرفه الغير، أو تريد أن يعرّف الناس أنها تعرف ما لا يعرفه الآخرون.
أو قد يحدث هذا نتيجة لعدم احترام الكنيسة وتعليمها!!
لذلك كل فكر جديد يأتيك، أعطه فترة حضانة حتى يستقر على قواعد لاهوتية ثابتة.
وحتى يستقر على أساس من الكتاب ومن تقليد الكنيسة ومن تعليم الآباء. ولا تنشره بسرعة وتجعل الآخرين يعتنقونه. وبهذا تضرّ نفسك والآخرين معك. ولا مانع من أن تستشير ذوي المعرفة والدراية. وأن تبحث فالتعليم لا يوافقه التعجّل إطلاقًا.
كما أن بعض الكهنة يتعرضون في تعليمهم لأمور ليست من اختصاصاتهم.
ويُبدون في هذه الأمور رأيًا ارتجاليًا أو عفويًا، كثيرًا ما يكون موضعًا للنقد!! فإن سئلوا سؤالًا حتى في الذرّة، أو في علوم الفضاء، أو في مسائل طبية أو علمية دقيقة، وما أشبه ذلك… لا مانع عندهم من الإجابة وباستفاضة، حتى لا يصفهم السامع بالجهل!
معروف أنه لا يوجد إنسان متخصص في جميع العلوم والمعارف، وإلا فما معنى عبارة (التخصص). ومعروف أيضًا أن المجال العلمي للكاهن، ليس في أمثال هذه الأمور. فإن صمت الكاهن في مثل هذه الموضوعات، لا يعتبر هذا عيبًا فيه ولا يلومه أحد.
وفي هذا المجال ما أجمل قصة القديس الأنبا أنطونيوس حينما قدّم سؤالًا لبعض تلاميذه، فأجاب منهم من أجاب، أما القديس الأنبا يوسف، فقال: “لا أعرف”. حينئذ قال له القديس الأنبا أنطونيوس: “طوباك يا أنبا يوسف، لأنك عرفت الطريق إلى كلمة: لا أعرف”…
بعض الكهنة يتعرضون في عظاتهم لأمور اجتماعية، ويدخلون في تفاصيل تجعل مستوى العظة يهبط.
لذلك أرجو- حينما تتكلمون في أمور اجتماعية أو في علاقات أسرية – أن تراعوا المستوى الروحي للعظة، ولا تتعرضوا لها إلا بأسلوب روحي له سموّه وله وقاره. وفي تحفظ وباختصار…
كذلك في التعليم الروحي، لا تُحَمّلوا الناس أحمالًا عسرة الحمل.
فعن هذا الأمر وبخ السيد الرب الكتبة والفريسيين، لأنهم “يَحْزِمُونَ أَحْمَالًا ثَقِيلَةً عَسِرَةَ الْحَمْلِ وَيَضَعُونَهَا عَلَى أَكْتَافِ النَّاسِ وَهُمْ لاَ يُرِيدُونَ أَنْ يُحَرِّكُوهَا بِإِصْبِعِهِمْ” (مت23: 4). وقال لهم: “وَيْلٌ لَكُمْ أَيُّهَا الْكَتَبَةُ وَالْفَرِّيسِيُّونَ الْمُرَاؤُونَ لأَنَّكُمْ تُغْلِقُونَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ قُدَّامَ النَّاسِ فَلاَ تَدْخُلُونَ أَنْتُمْ وَلاَ تَدَعُونَ الدَّاخِلِينَ يَدْخُلُونَ!” (مت23: 13).
وقد راعى الآباء الرسل هذا الأمر في أول مجمع مقدس لهم في أورشليم فيما قرروه على الأمم. فقد بدأوا قرارهم بقولهم: “قَدْ رَأَى الرُّوحُ الْقُدُسُ وَنَحْنُ أَنْ لاَ نَضَعَ عَلَيْكُمْ ثِقْلًا أَكْثَرَ غَيْرَ هَذِهِ الأَشْيَاءِ الْوَاجِبَةِ” (أع15: 28).
واعلم أن العظة موجهة إلى الناس عمومًا. وليس الجميع في مستوى روحي عال.
فالمستويات الروحية العليا يمكن أن تقال لمجموعات معيّنة تستطيع السلوك فيها، أو يمكن أن تُعطى عن طريق جلسات الاعتراف للذي يقدر عليها. وغير ذلك يمكن أن تقدم في أسلوب من التدرج، حتى في العظات العامة بحيث تقول إن هذا هو المستوى العالي. والخطوة الأولى إليه هي كذا وكذا.
وينطبق هذا أيضًا في أمور عديدة من الوسائط الروحية مثل الصلاة والصوم والتجرد وما إلى ذلك. تذكّر قول القديس بولس الرسول “سَقَيْتُكُمْ لَبَنًا لاَ طَعَامًا لأَنَّكُمْ لَمْ تَكُونُوا بَعْدُ تَسْتَطِيعُونَ” (1كو3: 2).
فالكاهن الحكيم هو الذي يتدرج مع شعبه لكي يوصلهم، دون أن يضغط عليهم بوصايا فوق احتمال قدرتهم، فيفشلون من أول الطريق أو ييأسون…
ولا يجوز للكاهن أن يصدر أحكامًا صعبة ضد الذين لا يستطيعون، ويصفهم بأوصاف جارحة لهم، كما قال فرعون للشعب: “مُتَكَاسِلُونَ أَنْتُمْ مُتَكَاسِلُونَ” (خر5: 17).
كل إنسان له ظروفه الخاصة: سواء ظروفه الصحية، أو ظروف عمله، أو مدى فهمه الروحي ومدى تدربه على الروحيات. فالمبتدئ في هذه الأمور غير الناضج، غير الذي يسير في طريق الكمال. فعاملوا الناس برفق وطول أناة.
[1] مقالة لقداسة البابا شنوده الثالث، صفحة الرعاية: الكاهن كواعظ ومعلم ج2، بمجلة الكرازة: 17 /2 /1995





