تأملات في روحانيات الخمسين المقدسة

| الكتاب | تأملات في روحانيات الخمسين المقدسة |
| المؤلف | مثلث الرحمات البابا شنوده الثالث |
| دار نشر | كنيسة السيدة العذراء بالزيتون/ رقم 1021 |
| الطبعة | الأولى، يوليو 2016م |
| رقم الإيداع بدار الكتب | 978-977-85440-5-3 |
طُرس البركة لقداسة البابا تواضروس الثاني
وإن مات فهو يتكلم بعد..
غزارة المعرفة وعمقها في حياة المتنيح قداسة البابا
ورغم أنه نُشر أكثر من 150 كتابًا بأحجام متنوعة وفي موضوعات عديدة تغطي مساحات كبيرة من المعارف المسيحية الروحية والكنسية والآبائية، والتي تُرجمت معظمها إلى العديد من اللغات، حتى صار اسمه معروفًا عالميًا أنه "مُعلم الأجيال".. إلا أنه ما زال يوجد الكثير مما لم يُنشر بعد. وننشر لكم بعضًا من ذلك التُراث الخالد والذي لم يُنشر من قبل..
ونقدم لكم كتاب:
تأملات في روحانيات الخمسين المقدسة
وسوف تجد عزيزي القارئ متعة خاصة وأنت تستمع لصوت قداسته عبر الصفحات وبعد رحيله.. يُعلِّمنا ويروينا من فيض معرفته وروحياته وخبراته العميقة.
تقديري ومحبتي لكل من ساهم في إخراج هذه الكتب إلى النور.. خاصة مركز "معلِّم الأجيال لحفظ ونشر تُراث البابا شنوده الثالث" في كنيسة السيدة العذراء مريم بالزيتون بالقاهرة.
نفَّعنا الله ببركة صلواته لأجلنا كنيسةً وشعبًا وضعفي. ونعمته تشملنا جميعًا..
البابا تواضروس الثاني
بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية الـ 118
قداسة البابا شنوده الثالث في سطور
1- وُلِدَ في 3 أغسطس 1923م، باسم نظير جيد روفائيل.
2- حصل على ليسانس الآداب - قسم التاريخ - من كلية الآداب جامعة فؤاد الأول (جامعة القاهرة حاليًا).
3- التحق بالقوات المسلحة - مدرسة المشاة - وكان أول الخريجين من الضباط الاحتياط سنة 1947م.
4- تخرَّج في الكلية الإكليريكية "القسم المسائي" سنة 1949م، وكان الأول على الخريجين - فعُيِّنِ مُدرّسًا فيها.
5- عمِلَ مُدَرِسًا للغة الإنجليزية والعربية، في إحدى المدارس الأجنبية.
6- أتقَنَ الشعر منذ عام 1939م، وكتب كثيرًا من القصائد الشعرية.
7- في سنة 1949م: تَكَرَّسَ للخدمة في الكلية الإكليريكية وبيت مدارس الأحد في روض الفرج بشبرا، وتولى رئاسة تحرير مجلة مدارس الأحد.
8- صار راهبًا في دير العذراء الشهير بالسريان في 18 يوليو 1954م.
9- تمت سيامته بيد البابا كيرلس السادس، أول أسقف للتعليم والكلية الإكليريكية والمعاهد الدينية، باسم الأنبا شنوده في 30 سبتمبر 1962م.
10- بدأ الاجتماعات الروحية التعليمية منذ سنة 1962م، واستمر فيها حتى نياحته سنة 2012م.
11- أصدر مجلة الكرازة في يناير 1965م، واستمر في تحريرها حتى نياحته سنة 2012م (واستمرّ قداسة البابا المُعَظَّمْ تواضروس الثاني في إصدارها).
12- اختارته السماء بالقرعة الهيكلية وتمَّ تجليسه البابا الـ 117 للكنيسة القبطية الأرثوذكسية يوم 14 نوڤمبر 1971م.
13- نَمَتْ الكنيسة القبطية في عهده، داخل مصر وخارجها؛ في كل قارات العالم: أفريقيا
وآسيا وأوروبا وأستراليا والأمريكتين: الشمالية والجنوبية
14- حصل على تسع شهادات دكتوراه فخرية من كبرى جامعات أمريكا وأوروبا.
15- امتدت الكلية الإكليريكية في عهده، وأصبح لها 16 فرعًا في مصر وخارجها.
16- حصل على العديد من الجوائز مثل؛ جائزة أفضل واعظ ومعلم للدين المسيحي في العالم 1978م من مؤسسة Browning الأمريكية، وجائزة أوجوسبورج الألمانية للسلام. كما حصل على وسام الصليب الأكبر للقديس أغناطيوس من الكنيسة السريانية.
17- كتب أكثر من 150 كتابًا ونبذة في كثير من المجالات الكتابية والروحية، واللاهوتية والعقائدية وفي الخدمة والرعاية والتربية.
17- قامَ بسيامة بطريركين لكنيسة إريتريا و5 مطارنة و112 أسقفًا وأكثر من 2000 كاهن و1000 راهب.
18- قامَ برحلات رعوية ورسمية لكثير من بلدان العالم، وصلت إلى 104 رحلة.. فمثلاً زار الولايات المتحدة (57 زيارة)، والمملكة المتحدة (31 زيارة) وغيرها.
19- أحضر إلى مصر رفات القديس أثناسيوس الرسولي البطريرك الـ 20، في 10 مايو 1973م.
20- اهتم بخدمة المرأة؛ وقام بتشكيل لجنة المرأة، وسمح للمرأة بالدراسة بالكلية الإكليريكية والمعاهد الدينية، وقام بتعيينها مدرسًا بالكلية الإكليريكية والمعاهد الدينية لتدريس علم اللاهوت، وسمح لها بعضوية المجلس الملي، وعضوية مجالس الكنائس.
21- جلس قداسة البابا شنوده الثالث على الكرسي المرقسي لمدة 40 سنة، و4 أشهر، و3 أيام، وبهذا يعتبر سابع الباباوات من حيث طول مدة الجلوس على الكرسي المرقسي. عاش 88 سنة و7 أشهر، و14 يوم.
22- رقد في الرب في 17 مارس سنة 2012م، وكانت جنازة قداسته مهيبة وعظيمة، حضرها أكثر من اثنين ونصف مليون شخص. نيحَ الله نفسه في فردوس النعيم، ونَفَّعْنا بصلواته.
الأربعين يومًا
الأربعين يومًا[1]
إن الأربعين يومًا التي تلت القيامة، كانت أيامًا مفرحة، وسعيدة، عاش فيها التلاميذ مع الرب، يفتقدهم ويقويهم، ويزيل شكوكهم، ويثبتهم فى الإيمان.. عاشوا معه، وتمتعوا بعشرته، ورأوه ففرحت قلوبهم.. ليتنا نتأمل تلك الأيام المفرحة..
تقديس الفرح والحزن
فترة الصوم والنسك خلال الأربعين المقدسة، والبصخة المقدسة، هي فترة مقدسة في حياتنا الروحية، وكذلك فترة الفرح في الخمسين يومًا المقدسة التي قضاها الرب مع تلاميذه..
وهكذا كما قدس الرب الحزن والألم، كذلك قدس أيضًا الفرح به. كلها فترات مقدسة، لحن كي ايبرتو، ولحن إخرستوس آنستي.
إننا نحيا مع الرب، فى شركة دائمة، في شركة آلامه، وأيضًا في شركة الفرح بالقيامة وبتأسيس الكنيسة..
إن فترة الخماسين، هي فترة فرح؟ ولكنه فرح بالرب. وهذا هو الفرح الحقيقي، الذي أراده لنا الكتاب "اِفْرَحُوا فِي الرَّبِّ كُلَّ حِينٍ، وَأَقُولُ أَيْضًا: افْرَحُوا" (في 4: 4) (1تس5: 16).
وكان أول فرح فى الخماسين، هو الفرح برؤية الرب.. "لقد فرح التلاميذ إذ رأوا الرب "(يو20:20). وهو نفسه كان قد قال لهم: "سَأَرَاكُمْ أَيْضًا فَتَفْرَحُ قُلُوبُكُمْ، وَلاَ يَنْزِعُ أَحَدٌ فَرَحَكُمْ مِنْكُمْ" (يو16: 22).. إن رؤية الرب مفرحة، فهل رأيت الله فى حياتك؟ لعلك تقول: وكيف أرى الرب؟ ومتى؟ وأين؟
وهنا نتأمل قول الرب للمجدلية ولمريم الأخرى: "اِذْهَبَا قُولاَ لإِخْوَتِي أَنْ يَذْهَبُوا إِلَى الْجَلِيلِ، وَهُنَاكَ يَرَوْنَنِي" (مت 28: 10). وهذا ما بشر به الملاك أيضًا "يَسْبِقُكُمْ إِلَى الْجَلِيلِ. هُنَاكَ تَرَوْنَهُ كَمَا قَالَ لَكُمْ" (مر16: 7).
إن أفراح القيامة، بعد أتعاب الجلجثة، أعطت رجاءً عجيبًا. رجاء في أن كلَ ظلمة وراءها نور، وكل ضيقة لا بد لها فترة وتنقضي وتؤول إلى أفضل.. من كان يظن أن الشعب الهائج يوم جمعة الصلبوت يهتف: اصلبه اصلبه، سيتحول بعد حين إلى شعب مؤمن بهذا المسيح المصلوب..! ولكنه درس من القيامة نتعلمه، ألا نيأس مهما بدت قوات الظلمة مسيطرة.
إن فترة الأربعين المقدسة، كانت في فرحها رمزًا للفرح الذي لا ينتهي في الأبدية.
كانت مذاقة لهذا الملكوت، جعلت التلاميذ يشتهون الانطلاقَ من هذا العالم، لكي يكونوا مع الرب كل حين: "لِيَ اشْتِهَاءٌ أَنْ أَنْطَلِقَ وَأَكُونَ مَعَ الْمَسِيحِ، ذَاكَ أَفْضَلُ جِدًّا" (في 1: 23).
ولم ينس التلاميذ مطلقًا هذه الفترة، خلال كرازتهم. وهكذا يبدأ القديس يوحنا الحبيب رسالته الأولى بقوله: "الَّذِي سَمِعْنَاهُ، الَّذِي رَأَيْنَاهُ بِعُيُونِنَا، الَّذِي شَاهَدْنَاهُ، وَلَمَسَتْهُ أَيْدِينَا"(1يو1:1).
هذا الذى رأوه بالعيان، كان رمزًا للرؤيا بالإيمان. على الأقل رؤية الله فى حياتنا، وإدراك عمله معنا.. أول ما نلاحظ في الأربعين يومًا، أنها كانت فترة افتقاد.
فترة افتقاد ورعاية
لم يشأ أن يترك تلاميذه للشك وللخوف وللضعف، وللهزات النفسية التي أحدثها تأثير الصليب.. الذين كانوا منهم في ضعف خاص، ظهر لهم خصيصًا.. بطرس الرسول كان في أزمة نفسية بعد إنكاره. كان يرعبه قول الرب: "مَنْ يُنْكِرُني قُدَّامَ النَّاسِ أُنْكِرُهُ أَنَا أَيْضًا قُدَّامَ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ" (مت10: 33). لذلك ظهر الرب لبطرس، وطمأنه على رسوليته.
عندما قام السيد المسيح، لم يفكر في ذاته، وإنما في الآخرين.. لم يوبخ الذين تركوه والذين أنكروه، إنما عالج كل هؤلاء وافتقدهم في حب..
لقد جاز المعصرة وحده. تخلى عنه الكل. ولكنه لم يعتب عليهم.. أحباؤه ضعف إيمانهم، وخافوا. فلم يوبخهم على خوفهم وعلى ضعف إيمانهم، وإنما عمل على إدخال الإيمان إلى قلوبهم..
تقوية الإيمان
بدأ بعد قيامته، في تدعيم إيمان تلاميذه وعلاجه.
كان التلاميذ قد اهتز إيمانهم في حادث الصليب، وما سبقه.. فمنهم من هرب، ومن أنكر، ومن خاف واختبأ. ولم يصدقوا القيامة لما سمعوا بخبرها من مريم المجدلية ومن تلميذي عمواس (مر16: 12 - 13). وكذلك لما أخبرتهم النسوة، لم يصدقوهن وتراءى كلامهن لهم كالهذيان (لو24: 11). كذلك، فإن توما أنكر. وباقي التلاميذ لما ظهر لهم المسيح ظنوه خيالًا أو روحًا (لو24: 37).. وجميعهم تملكهم الرعب، واختفوا في العلية، وبدا أن كل بناء الإيمان قد اهتز..
وقام المسيح، فافتقد التلاميذ، وقوَى إيمانهم، وأعاد الثقة إلى نفوسهم. وثبتهم حتى ينشروا الإيمان، باقتناع..
ونحن في كل هذا نأخذ خبرة روحية، في افتقاد السيد الرب لشعبه وتقويته لإيمانهم. وهذا يفرحنا.. لأن الرب بعد القيامة، لم يعاتب ولم يعاقب على أخطاء.. بل قام يعالج ويصلح. ويعيد للكنيسة معنوياتها، وللتلاميذ شجاعتهم وإيمانهم..
قيامة المسيح، أعطت الكنيسة أيضًا شعورًا بالقوة..
لقد قام المسيح بقوة عجيبة، أخاف الحراس وصاروا كأموات، مع هيبة الملاك الذي دحرج الحجر لأجل النسوة. وقوة المسيح ظهرت في سلطانه على الموت، إذ لم يقمه أحد، بل قام بذاته.. وهكذا فقد الموت قوته، لما داس المسيح الموت، حتى أن بولس الرسول يقول مستهزئًا به: "أَيْنَ شَوْكَتُكَ يَا مَوْتُ؟" هذا الشعور بالقوة لازم التلاميذ، فكانوا في قوة يبشرون بقيامة المسيح لا يهابون الموت.
فهل تعمل فيك قوة القيامة، وهل أصبحت لا تخاف الموت، في فرح بقيامة أفضل..
فترة وجود الله معنا وثباته فينا
كان يمكن للسيد الرب أن يقوي إيمان التلاميذ في يوم واحد أو في أقل، ولكنه قضى معهم أربعين يومًا، لأنه يحب أن يكون مع أولاده.. مسرته في بني البشر.. لقد قابلهم في العلية (يو20: 19) وعند البحيرة (يو21) وفي الجليل.. وزارهم مرارًا، وحدثهم عن الأمور المختصة بملكوت الله (أع 1: 3).
وليس فقط يريد المسيح أن يكون مع أولاده، بل بالأكثر أن يكون فيهم، يحل فيهم، ويثبت فيهم وهم فيه، إلى الأبد.
قال للآب عنهم: "أَنَا فِيهِمْ وَأَنْتَ فِيَّ لِيَكُونُوا مُكَمَّلِينَ إِلَى وَاحِدٍ" (يو17: 23). وقال لتلاميذه: "اُثْبُتُوا فِيَّ وَأَنَا فِيكُمْ.. أَنَا الْكَرْمَةُ وَأَنْتُمُ الأَغْصَانُ. الَّذِي يَثْبُتُ فِيَّ وَأَنَا فِيهِ هذَا يَأْتِي بِثَمَرٍ كَثِيرٍ" (يو15: 4-6). وقال أيضًا: "مَنْ يَأْكُلْ جَسَدِي وَيَشْرَبْ دَمِي يَثْبُتْ فِيَّ وَأَنَا فِيهِ" (يو6: 56).
إنها إذًا ليست مجرد عشرة معه، وإنما ثبوت متبادل.. يحيا المسيح فينا، ونحن فيه، نوجد فيه. وكما قال القديس بولس الرسول: "..فَأَحْيَا لاَ أَنَا، بَلِ الْمَسِيحُ يَحْيَا فِيَّ" (غل2: 20).
عشرة ثابتة في الله، ليس في هذا العالم فقط، وإنما في الأبدية أيضًا، في العالم الآخر.
وهكذا طمأن السيد المسيح تلاميذه، فقال لهم: "أَنَا أَمْضِي لأُعِدَّ لَكُمْ مَكَانًا.. وَإِنْ مَضَيْتُ وَأَعْدَدْتُ لَكُمْ مَكَانًا آتِي أَيْضًا وَآخُذُكُمْ إِلَيَّ، حَتَّى حَيْثُ أَكُونُ أَنَا تَكُونُونَ أَنْتُمْ أَيْضًا" (يو14: 2 ،3).
وفي صلاته الطويلة إلى الآب لأجل تلاميذه، قال له: "أَيُّهَا الآبُ أُرِيدُ أَنَّ هؤُلاَءِ الَّذِينَ أَعْطَيْتَنِي يَكُونُونَ مَعِي حَيْثُ أَكُونُ أَنَا "(يو17: 24). وأورشليم السمائية قيل عنها إنها "مَسْكَنُ اللهِ مَعَ النَّاسِ" (رؤ21: 3). وأما على الأرض، فقال الرب لتلاميذه: "وَهَا أَنَا مَعَكُمْ كُلَّ الأَيَّامِ إِلَى انْقِضَاءِ الدَّهْرِ" (مت 28: 20). و"حَيْثُمَا اجْتَمَعَ اثْنَانِ أَوْ ثَلاَثَةٌ بِاسْمِي فَهُنَاكَ أَكُونُ فِي وَسْطِهِمْ" (مت 18: 20).
إذًا يمكن أن نعتبر الأربعين يومًا "مذاقة للملكوت".. يذوقون فيها الحياة مع الرب، لكي يحيوا معه إلى الأبد.. يحل فينا، ويتحد بنا، ويثبت فينا، ونحن فيه. وهكذا صارت فترة الأربعين يومًا هي فترة الوجود مع خاصته.
القيامة كانت تحمل معنى آخر، هو وجود الرب مع شعبه.
وكان هذا الوجود خلال الأربعين يومًا، إشارة إلى الوجود الدائم الذي قال لهم فيه: "وَهَا أَنَا مَعَكُمْ كُلَّ الأَيَّامِ إِلَى انْقِضَاءِ الدَّهْرِ" وتمثل في وجود الرب وسط الكنائس السبع حسبما رآه القديس يوحنا الرائي.
وهذا الوجود على الأرض، كان رمزًا للوجود في السماء.
حيث الرب فى وسط شعبه، فى أورشليم السمائية، مسكن الله مع الناس. تنفيذًا لوعده الصادق " حَيْثُ أَكُونُ أَنَا تَكُونُونَ أَنْتُمْ أَيْضًا "(يو14: 3).. إن ما حدث فى الأربعين المقدسة، يستكمل فى الأبدية السعيدة. والتلاميذ هنا رمز لكل الأبرار. قال الرب لمريم المجدلية ومريم الأخرى: "اِذْهَبَا قُولاَ لإِخْوَتِي أَنْ يَذْهَبُوا إِلَى الْجَلِيلِ، وَهُنَاكَ يَرَوْنَنِي" (مت 28: 10) أنظر (مر16: 7).
هناك يرونني
إنه يلتقي بالإنسان في المكان الذي يحدده هو. أي الرب. كما قاد أبرام أب الآباء إلى الأرض التي أراه إياها. وكما قاد موسى وهارون، وحدد لموسى الجبل الذي يكلمه عليه. لقد كانت جزيرة بطمس مكانًا حدده الرب وليس يوحنا. وكانت بلوطة ممرا مكانًا اختاره الرب وليس إبراهيم.
ولكننا للأسف، في علاقتنا بالرب، ما أكثر ما نحدد له أمكنة، ومواعيد، وربما نوع العمل، ونوع المواهب.
ولكن الرب اختار مكانًا للقياه (هناك يرونني)، كما اختار مكانًا لسكناه، في الخيمة، وفي الهيكل، وفي أورشليم "هذا هو الموضع الذي سُر الرب أن يسكن فيه".. "ههنا موضع راحتي إلى أبد الأبد. ههنا أسكن لأني اشتهيته" (مز132: 14). إن عبارة (هناك يرونني) تذكرنا بعبارة أخرى في النشيد: "تَعَالَ يَا حَبِيبِي لِنَخْرُجْ إِلَى الْحَقْلِ، وَلْنَبِتْ فِي الْقُرَى.. هُنَالِكَ أُعْطِيكَ حُبِّي" (نش7: 11 ،12).
كثيرون يظنون أن الحرية هي أن يفعلوا ما يشاءون.. أما نحن فنسير على الطريق الذي رسمه الرب.
كما فعل موسى كل شيء حسب المثال الذي أراه الرب إياه (أع7: 44). حتى الأوانى، قال الرب لموسى: "وَانْظُرْ فَاصْنَعْهَا عَلَى مِثَالِهَا الَّذِي أُظْهِرَ لَكَ فِي الْجَبَلِ" (خر25: 40).. والمذبح "كَمَا أُظْهِرَ لَكَ فِي الْجَبَلِ هكَذَا يَصْنَعُونَهُ" (خر27: 8).. وكان الرب يرسم كل شيء، بكل تفاصيله.. وتميز الشعب، بأنه يسير ليس حسب حكمته الخاصة، وإنما حسب المثال الذي رسمه الرب، بعبادة إلهية..
أمر الرب قائلًا: "مَتَى صَلَّيْتُمْ فَقُولُوا: أَبَانَا الَّذِي.." يقول الكتاب أيضًا: "مَتَى اجْتَمَعْتُمْ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ لَهُ مَزْمُورٌ" (1كو14: 26). نصلي إذًا المزامير.. لا نعتمد على حكمتنا الخاصة، وإنما نتبع المثال الذي وضعه الرب في كل شيء.. إن فترة الأربعين يومًا ترينا عمق العلاقة التي بين الرب وخاصته. كما أنها فترة الإعداد والتسليم لجميع الأسرار والتقاليد.
فترة التسليم
وهكذا كانت فترة الأربعين يومًا، فترة سلم فيها الرب لتلاميذه كل رسوم العبادة، وطقوسها، وكل أسرارها، فاتبعوها..
كان خلال تلك الأيام "يَتَكَلَّمُ عَنِ الأُمُورِ الْمُخْتَصَّةِ بِمَلَكُوتِ اللهِ"(أع 1: 3).. يقول لهم الأمور التي يحسن تسليمها للقادة، والقادة يسلمونها لباقي الشعب.. وعاشت الكنيسة بالتسليم.. انظروا ماذا يقول بولس الرسول لأهل كورنثوس؟ "لأَنَّنِي تَسَلَّمْتُ مِنَ الرَّبِّ مَا سَلَّمْتُكُمْ أَيْضًا" (1كو11: 23). ويقول لتلميذه تيموثاوس: "وَمَا سَمِعْتَهُ مِنِّي بِشُهُودٍ كَثِيرِينَ، أَوْدِعْهُ أُنَاسًا أُمَنَاءَ، يَكُونُونَ أَكْفَاءً أَنْ يُعَلِّمُوا آخَرِينَ أَيْضًا" (2تي2: 2).
المسيح سلّم تلاميذه، وهم سلموا غيرهم، وبالتسليم تأسست العقيدة. وفترة الأربعين يومًا كانت فترة تسليم من الرب لتلاميذه.
هذه الأسرار ليست لكل أحد، ليست تعليمًا عامًا يلقيه على الكل، مثل العظة على الجبل، وإنما هي للقادة. هم يتسلمونها منه، ثم يسلمونها للأجيال فيما بعد، كما قال بولس الرسول عن سر الإفخارستيا "للأَنَّنِي تَسَلَّمْتُ مِنَ الرَّبِّ مَا سَلَّمْتُكُمْ.." (1كو11: 23) كما تسلمَ موسى من الرب على الجبل كل الرسوم والطقوس الخاصة بخيمة الإجتماع والعبادة فيها. وصنع كل شيء حسب المثال الذي أخذه.
كيف نستقبل هذه الأيام؟
أهم شيء في هذه الأيام المقدسة، أن نستقبل المسيح في قلوبنا، كما استقبله الرسل.. أن نكون خاصته كما كانوا.. وأن نحيا حياتهم.
شاول الطرسوسى لم يكن واحدًا من الإثنى عشر، ولكن استعداده الداخلي، جعله ينال من الرب ما ناله الرسل، وأن يفوق كثيرين منهم.
فلنطلب من الرب أن يعلن لنا ذاته، كما ظهر لهم، لكي نقول معهم: "الَّذِي سَمِعْنَاهُ، الَّذِي رَأَيْنَاهُ بِعُيُونِنَا، الَّذِي شَاهَدْنَاهُ، وَلَمَسَتْهُ أَيْدِينَا" (1يو1:1).
أو لنطلب من الرب أن يفتقدنا في هذه الأيام المقدسة كما افتقد تلاميذه الأطهار، بكل رعاية وحب.
إن عبارة "بِحَسَب إِيمَانِكُمَا لِيَكُنْ لَكُمَا"، كانت تخيف البعض.. ماذا أفعل إذًا إن كان إيماني ضعيفًا؟ هل معنى هذا أنني لا أنال شيئًا؟ لا شك أن الرب لو حاسبنا في كل حين بحسب إيماننا، لكان مصيرنا إلى الضياع..
ولكن السيد المسيح أرانا أن المحبة أعظم من الإيمان، يكفي أولًا أن تحب، ولا مانع أن يهبك الله الإيمان مكافأة لحبك..
هذا يرينا أن المسيح لا يعمل فقط مع الكاملين. إنما يعمل أيضًا مع الناقصين لكي يكملهم.. تلميذا عمواس لم يكن عندهما الإيمان، لذا قالا عن المسيح إنه "كَانَ إِنْسَانًا نَبِيًّا مُقْتَدِرًا فِي الْفِعْلِ وَالْقَوْلِ.." (لو24: 19)، مجرد نبي، مجرد إنسان مقتدر في الفعل والقول!! فلا آمنا بلاهوته، ولا آمنا بقيامته، ولا عرفاه.. ولكن المسيح وهبهما هذا الإيمان، من عنده..
حسن أن نؤمن أن الله يمكن أن يهبنا الإيمان، ويمكن أن يقوي ضعف إيماننا، ولا يعاملنا بحسب إيماننا الضعيف أو المفقود.
[1] مقال لقداسة البابا شنوده الثالث، نشر في مجلة الكرازة بتاريخ 8 مايو 1992م
عيشوا في روحيات الخماسين وفي الأمور المختصة بملكوت الله
عيشوا في روحيات الخماسين وفي الأمور المختصة بملكوت الله[1]
الخمسون يومًا بعد القيامة هي أيام فرح في الكنيسة المقدسة. حتى أنه إن مات شخص في هذه الأيام، ودخل جثمانه إلى الكنيسة للصلاة عليه، فإنه يُستقبل بألحان الفرح.
وهكذا لا يوجد صوم ولا مطانيات في هذه الأيام، حتى في يومي الأربعاء والجمعة.. وقد يظن البعض أن الروحيات قد تفتر في أيام الخماسين، بدون صوم ومطانيات. ويسأل: كيف تكون روحياتنا إذًا؟ وكيف نعوّض فاعلية الصوم في حياتنا الروحية والتأثير الروحي للمطانيات؟
لهذا يحسن بنا أن نتأمل أيام الخماسين وذكرياتها، لكي نجيب على هذا السؤال.. لقد قال السيد المسيح لتلاميذه عن قيامته: "سَأَرَاكُمْ أَيْضًا فَتَفْرَحُ قُلُوبُكُمْ، وَلاَ يَنْزِعُ أَحَدٌ فَرَحَكُمْ مِنْكُمْ" (يو16: 22). وكذا قيل بعد القيامة "فَفَرِحَ التَّلاَمِيذُ إِذْ رَأَوْا الرَّبَّ" (يو20:20).
إذًا تلك الأيام كانت أيام فرح بالرب..
ونحن لا نفرح فيها بسبب أن العيد قد حلّ، وأن الصوم قد انتهى! فليست أفراحنا هي أفراح عالمية، إنما المهم هو الفرح بالرب، كما يقول القديس بولس الرسول في رسالته إلى فيلبي:" اِفْرَحُوا فِي الرَّبِّ كُلَّ حِينٍ، وَأَقُولُ أَيْضًا: افْرَحُوا" (في 4: 4).
الفرح في الرب - كما توحي تلك الأيام - يعني الفرح بالوجود مع الرب، الفرح بلقاء الرب.. انتظرته، وأخيرًا وجدته، وتمتعت بالعشرة معه. كما حدث مع التلاميذ. فإلى أي حد نحن في هذه الأيام نفرح بوجودنا مع الرب؟
حاول إذًا أن توجد في حضرة الرب، وتفرح بعشرتك معه. تفرح بلاهوته، تفرح بقدرته.
يمكن لكي تفرح بالرب، أن تتذكر إحسانات الله إليك طول حياتك، منذ أن وُلدت.. لكى تفرح بعمل الله معك، وبعمله أيضًا مع كل أحبائك، لأن ذلك كان سبب فرح لك أيضًا.. هوذا داود النبي يقول فى هذا المجال: "بَارِكِي يَا نَفْسِي الرَّبَّ، وَلاَ تَنْسَيْ كُلَّ حَسَنَاتِهِ" (مز103: 2). فليدرب إذًا كل واحد منا نفسه على الفرح بالرب.
ليس فقط الفرح بإحسانات الله، إنما أيضًا الفرح بصفات الله الجميلة.
فالتأمل في صفات الله، يجلب للنفس فرحًا.. هوذا داود النبي يقول: "أَمَّا نَفسِي فَتَفرَحُ بِالرَّبِّ وَتَبتَهِجُ بِخَلاَصِهِ. جَمِيعُ عِظَامِي تَقُولُ: "يَا رَبُّ، مَن مِثلُكَ المُنقِذُ المِسكِينَ مِمَّن هُوَ أَقوَى مِنهُ.." (مز35: 9، 10). "يَا اَللهُ، الَّذِي صَنَعتَ العَظَائِمَ. يَا اَللهُ، مَن مِثلُكَ؟!" (مز71: 19) "يَا رَبُّ إِلهَ الجُنُودِ، مَن مِثلُكَ ؟ قَوِيٌّ؟" (مز89: 8). "لاَ مِثلَ لَكَ بَينَ الآلِهَةِ يَا رَبُّ، وَلاَ مِثلَ أَعمَالِكَ" (مز86: 8). إن داود يفرح بصفات الله وبعظمته ومجده، فيفتخر به. ويقول: "لاَ مِثلَ لَكَ بَينَ الآلِهَةِ يَا رَبُّ - كُلُّ الأمَمِ الَّذِينَ صَنَعتَهُم يَأتُونَ وَيَسجدُونَ أمامكَ يَا رَبُّ، وَيُمجدُونَ اسمَكَ. لأَنَّكَ عَظِيمٌ أَنتَ وَصَانِعٌ عَجَائِبَ. أَنتَ اللهُ وَحدَكَ" (مز86: 8- 10). إنه يذكرني بذلك الشاعر الذي قال مفتخرًا بآبائه الملوك:
وأبي كسرى علا إيوانه أين في الناس أب مثل أبي؟
ليتنا إذًا في هذه الفترة ندرب أنفسنا على الفرح بالرب، نتذكر إحساناته، وبالتأمل في جميل صفاته.. وماذا أيضًا؟
كان السيد المسيح في تلك الفترة يكلم تلاميذه. ليتك إذًا في هذه الفترة تعيش فيها تمامًا. وكما كنت في أسبوع الآلام، تعيش في الأحداث الخاصة بذلك الأسبوع، وفي الأقوال والقراءات الخاصة بآلامه. إذًا ليتك في أيامنا هذه، تعيش في الأمور الخاصة بملكوت الله. حيث سلّم الرب تلاميذه كل الأسرار الكنسية وكل الطقوس الكنسية. وسلّمهم أيضًا الكهنوت (يو20: 22، 23). وكذلك سلطان التعليم والمعمودية (مت28: 19، 20) وباقي الأمور المختصة بملكوت الله..
سوف تجد أمورًا كثيرة تختص بملكوت الله.. لعل في مقدمتها الإيمان. فما نصيبك من الإيمان؟ كما يقول القديس بولس في رسالته الثانية إلى أهل كورنثوس: "جَرِّبُوا أَنْفُسَكُمْ، هَلْ أَنْتُمْ فِي الإِيمَانِ؟ امْتَحِنُوا أَنْفُسَكُمْ" (2كو13: 5). إن كلمة الإيمان كلمة كبيرة وواسعة. ليس مجرد أن تقول قانون الإيمان فتحسب نفسك مؤمنًا!! إنما حياة الإيمان العملية، التي ترى بها الرب موجودًا في كل مكان يراك ويسمعك ويعرف كل ما تعمله، ويسجل ذلك كله عليك في الأسفار التي ستُفتح في يوم الدينونة الرهيب. أدرك ذلك تمامًا، لأنه من الأمور المختصة بملكوت الله. حينئذ تعيش محترصًا ومدققًا..
لقد أصدرت لكم كتابًا عن حياة الإيمان، حدثتكم فيه عن الإيمان العملي، الذي يوقن فيه الإنسان بحماية الله فلا يخاف. الإيمان الذي يوقن فيه الإنسان أن الله معه في كل مكان، ويقول مع المرتل: "تأملت فرأيت الرَّبَّ أَمَامِي فِي كُلِّ حِينٍ، لأَنَّهُ عَنْ يَمِينِي فَلاَ أَتَزَعْزَعُ" (مز16: 8).. إنه الإيمان الذي هو من الأمور المختصة بملكوت الله.
أيضًا التوبة من الأمور المختصة بملكوت الله.. لأنه لا يستطيع إنسان أن يدخل ملكوت الله بدون التوبة.. فإن كنت في هذه الأيام المقدسة لا تجد صومًا ولا مطانيات. لكن بلا شك توجد أمامك التوبة بكل تفاصيلها. لأن التوبة هي من روحيات الخماسين. من روحيات الفترة التي يوجد فيها الناس مع الله..
ولكي تحيا في حياة التوبة، عليك بشركة الروح القدس، فهي أيضًا من الأمور المختصة بملكوت الله. ولا يمكن أن تصل إلى ملكوت الله بدون شركة الروح. لذلك جرّب نفسك: هل أنت في هذه الشركة المقدسة؟ وإلا درب نفسك عليها. من الأمور المختصة بملكوت الله أيضًا: ممارسة أسرار الكنيسة. لأن كل سر معه المغفرة. وفيه أيضًا ثبات في الله، وفيه عمل من أعمال الروح القدس. إذًا أنظر كيف تسلك.
لا يقل إنسان إذًا: لقد فترت روحياتي في هذه الفترة.. التي لا صوم فيها ولا مطانيات!! لماذا يا ابني؟ هل الصوم والمطانيات هما الواسطة الروحية الوحيدة. هناك بلا شك وسائط روحية كثيرة يمكن أن تسلك فيها.. في هذه الفترة التي نتذكر فيها فرح التلاميذ بقيامة المسيح.
إن التلاميذ لم يفرحوا فقط بقيامة الرب، إنما فرحوا أيضًا بالقيامة بصفة عامة.. فالسيد المسيح إذ قام صار (باكورة للراقدين). وكما قام المسيح سنقوم نحن أيضًا، ويحضرنا معه في مجيئه الثاني (1كو15: 20، 23). قيامة المسيح كانت هي الانتصار القوي على الموت، والبشارة بالقيامة العامة. وهكذا يقول الرسول: "إِنْ لَمْ يَكُنِ الْمَسِيحُ قَدْ قَامَ، فَبَاطِلٌ إِيمَانُكُمْ" (1كو 15: 17).
والقيامة بالجسد تعطينا فكرة - نحن البشر- عن القيامة بالروح. فإن كانت الخطية موتًا، تكون التوبة قيامة.. كما قال الأب عن عودة ابنه الضال "ابنِي هذَا كَانَ مَيِّتًا فَعَاشَ" (لو15: 24). وكما نقول في القداس الإلهي "أعطيتني القيام من سقطتي". وكما قيل في سفر ميخا النبي "لاَ تَشْمَتِي بِي يَا عَدُوَّتِي، إِذَا سَقَطْتُ أَقُومُ" (ميخا7: 8). وكما يقول الرسول: "اسْتَيْقِظْ أَيُّهَا النَّائِمُ وَقُمْ مِنَ الأَمْوَاتِ فَيُضِيءَ لَكَ الْمَسِيحُ" (أف5: 14). ويقول الرسول أيضًا: "وَنَحْنُ أَمْوَاتٌ بِالْخَطَايَا أَحْيَانَا مَعَ الْمَسِيحِ" (أف2: 5). هذه هي القيامة الروحية التي نتذكرها أيضًا في هذه الأيام. فنتذكر الحياة في التوبة.. وهكذا تصلي وتقول للرب: "أعطني القيام من سقطتي. أنشد في أذنيَّ أنشودتك الحلوة التي تقول: "ابْنِي هذَا كَانَ مَيِّتًا فَعَاشَ"..
وإذ نتذكر قيامة المسيح، وفرح التلاميذ بها، أتذكر بيتين من الشعر كتبتهما تحت صورة القيامة في أواخر الأربعينات وهما:
قام المسيح الحي هل مثل المسيح تُراك قمت
أم لا تزال موسدًا فـى الـقبر تـرقد حــيـث أنــت
إنهما نوعان من القيامة. قيامة السيد المسيح هى قيامة الجسد. وقيامتنا نحن هى القيامة من سقطة الجسد، أو من سقطة الروح أيضًا وحدها أو مع الجسد.. اللص اليمين قام من سقطته. لذلك استطاع أن يتمتع مع المسيح في الفردوس (لو23: 43) ويفرح معه هناك، في يوم سبت الفرح، وأعطانا مثالًا عن الفرح مع الرب، عن طريق التوبة وعبارة "نحن بعدل جوزينا" (لو23: 41).
نقطة أخرى عن هذه الفترة التي قضاها التلاميذ مع الرب بعد القيامة. وهي أنها كانت فترة إعداد للخدمة.. لأنهم قبل ظهور المسيح لهم، كانوا في خوف من اليهود، وقد أغلقوا على أنفسهم في العلية. وما كان ممكنًا لهم وهم في هذه الحالة أن يخدموا الرب. فلما ظهر لهم الرب بعد قيامته، أعطاهم الثقة والفرح والشجاعة التي استطاعوا بها فيما بعد أن يقولوا لرؤساء اليهود: "يَنْبَغِي أَنْ يُطَاعَ اللهُ أَكْثَرَ مِنَ النَّاسِ" (أع 5: 29). وكانوا أيضًا في شك. فلما ظهر لهم الرب وأثبت لهم قيامته، وعاش معهم الأربعين يومًا يحدثهم عن الأمور المختصة بملكوت الله، أزال منهم كل شك، وغرس في قلوبهم الإيمان الذي نادوا به في كل مكان. ومن مشارق الشمس إلى مغاربها، بلغت أقوالهم (مز19).
كما أنه أعطاهم التعليم الذي سينقلونه إلى كل الناس. ولذلك قال لهم قبل صعوده: "اذهَبُوا وتَلْمِذُوا جمِيعَ الأُمَمِ.. وعَلِّمُوهُم أَن يَحفَظُوا جَمِيعَ مَا أَوْصَيْتُكُمْ بِهِ" (مت 28: 19، 20). وهذا الذي قد أوصاهم به، كان في هذه الفترة، في الأربعين يومًا. لقد قواهم المسيح من الداخل، وقال لهم في وعد بقوة في المستقبل "لكِنَّكُمْ سَتَنَالُونَ قُوَّةً مَتَى حَلَّ الرُّوحُ الْقُدُسُ عَلَيْكُمْ، وَتَكُونُونَ لِي شُهُودًا فِي.." (أع 1: 8). ومنح سلطان الكهنوت والتعليم والمعمودية.. (يو20: 22، 23) (مت 28: 19، 20).
وأعدهم للخدمة.. وتحقق فيهم قول المرتل في المزمور "إِذَا سِرْتُ فِي وَادِي ظِلِّ الْمَوْتِ لاَ أَخَافُ شَرًّا، لأَنَّكَ أَنْتَ مَعِي" (مز23: 4).
هذه القوة، وكل هذا الإعداد للخدمة.. هي بعض من روحيات الأربعين يومًا التي قضاها التلاميذ مع الرب. أتريد أن تأخذ من روحيات تلك الأيام، خذ هذه القوة، وعدم الخوف، والشهادة للرب في كل مكان، وأمام كل أحد.. والاستعداد للخدمة.. وقد يقول أحد: أنا لست خادمًا. أو تقول امرأة: أنا لست خادمة!! كلا، إن الخدمة ليست هي مجرد التعليم في الكنيسة وإنما هناك مجالات أخرى عديدة للخدمة.
اخدموا الرب عن طريق تعليم أطفالكم الأمور المختصة بملكوت الله. وتدريبهم على الحياة الروحية.
فأنت مسئول عنهم أمام الله، وأمام الكنيسة، وأمام المستقبل. إن الأمهات والجدات هن اللائي غرسن الإيمان في قلوب أطفال روسيا، حينما كانت الكنيسة تقاسي من ضغوط الشيوعية الملحدة لمنعهم عن التعليم.. ليس فقط واجب الأسرة أن تعلّم أطفالها طريق الرب، وإنما أيضًا أن تدربهم على الروحيات..
وأيضًا تأتي الخدمة عن طريق تقديم القدوة الصالحة. إنها فترة إعداد للخدمة. فإن لم تكن لكم المعرفة اللازمة للخدمة، اقرأوا وادرسوا، لكي تعلموا أولادكم..
في هذه الفترة نفخ السيد فى تلاميذه وقال لهم: "اقْبَلُوا الرُّوحَ الْقُدُسَ.." (يو20: 22). فإن كان قد قال لهم ذلك في مجال الكهنوت، فعلى الأقل - بالنسبة إليكم - ليكن الروح القدس عاملًا فيكم لتقديسكم من الداخل، ولتقويتكم على عمل الخير في كل مجال. قل له يا رب: "إنني قد أخذت الروح في سر الميرون.. ولكني أريد إشعال قوته فيَّ، لكي أدخل في شركة الروح في كل عمل..". إن قال أحد إن فترة الخمسين ليس فيها صوم ولا مطانيات، نقول له: ولكن هذه الفترة، فيها الصلاة، والمزامير، والقراءة، والتأمل، والتداريب الروحية على كل فضيلة. وفيها أيضًا الاعتراف والتناول.. إلخ.
حاول مثلًا أن تعوّض المزامير التي لم تقلها طول أسبوع الآلام.
استغل هذه الفترة في صلاة أكثر بالمزامير، وأيضًا في حفظ المزامير وفي ترديدها في مناسبات عديدة، وفي التأمل في المزامير والتعمق في معانيها. وإن كنت في أسبوع الآلام قد تعودت على ترديد صلاة مرات عديدة جدًا وهي تسبحة البصخة "لك القوة والمجد والبركة والعزة إلى الأبد آمين.." حاول بنفس الأسلوب أن تختار لك صلاة معينة تناسب قلبك ومشاعرك، وترددها بنفس الأسلوب، حتى تصبح جزءًا راسخًا في فكرك.
بالمزامير والصلوات المتكررة تحفظ عقلك مع الله.
وتربط عقلك بتأملات روحية، وتدخل في عمق كل عبارة وفي روحياتها، وتطبقها على حياتك، وتأخذ منها غذاء روحيًا. ليس في وقت الصلاة فقط، وإنما في حياتك بصفة عامة. فينشغل عقلك بالصلاة. حتى إن توقف لسانك، يبقى عقلك مرددًا لها.. أمامك أيضًا فرصة للقراءة الروحية. مع إعطاء عقلك فرصة للتأمل..
هناك ملاحظة أخرى أقولها لكم بمناسبة عدم وجود صوم في فترة الخمسين. وهذه الملاحظة هي: عدم الصوم ليس معناه التسيب في الأكل. ليس معناه أن تأكل بلا ضابط!! أو تأكل عشية وباكر ووقت الظهر، وفيما بين الوجبات، وبكمية تجلب للبعض أمراضًا.. كن إذًا حريصًا في نوعيات أكلك وكمياتها. والفوائد الروحية التي حصلت عليها في الصوم الكبير كله وأسبوع الآلام بوجه خاص.. لا تفقدها. وليكن الرب معك في إفطارك كما في صومك.
[1] مقال لقداسة البابا شنوده الثالث، نشر في مجلة الكرازة بتاريخ 9 مايو 1997م
افرحوا لأن هناك رجاء
افرحوا لأن هناك رجاء[1]
يتكلم سفر أعمال الرسل عن فترة الأيام التالية للقيامة، ويقول عن التلاميذ: "اَلَّذِينَ أَرَاهُمْ أَيْضًا نَفْسَهُ حَيًّا بِبَرَاهِينَ كَثِيرَةٍ، بَعْدَ مَا تَأَلَّمَ، وَهُوَ يَظْهَرُ لَهُمْ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، وَيَتَكَلَّمُ عَنِ الأُمُورِ الْمُخْتَصَّةِ بِمَلَكُوتِ اللهِ" (أع1: 3)..
إننا نعيش فترة الخمسين يومًا التالية للقيامة، وهذه الفترة تتميز بأشياء كثيرة:
فهي تتميز أولاً: بعمل المسيح نفسه.. وليس عمل البشر.. فنحن نرى أن السيد المسيح في هذه الفترة، هو الذي يتحدث إلى الناس.. وليس الناس هم الذين يتحدثون إليه.. وهذه مسألة جديدة، جديرة بالتأمل. فربما تمتع كل منكم بالحديث مع الله، ولكن من الذي جرّب منكم أن يتحدث الله إليه؟؟
ثانيًا: تتميز هذه الفترة بمسألة أخرى، وهي أن المسيح هو الذي كان يظهر للناس – للتلاميذ - ولم يكونوا هم الذين يذهبون إليه.. وهذا أيضًا اختبار جميل.. حين نتأمل أن المسيح يذهب إلى التلاميذ فى كل مكان ويظهر لهم، حتى في العلية، وهم جالسون فيها والأبواب مغلقة! (يو20). فهل جرّبت وقتًا، كانت فيه أبوابك مغلقة، ثم وجدت أن المسيح يخترقها ويدخل، ليظهر لك ويتحدث معك؟ أحيانًا كثيرة يتحدث المسيح إلينا وأبوابنا مفتوحة.. أما أن يدخل ويظهر ويتحدث إلينا والأبواب مغلقة.. فذلك هو الجميل حقًا..
وأحيانًا كان المسيح – في هذه الفترة – يظهر للتلاميذ، بينما هم منهمكون في أمور العالم.. فلقد حدث أنهم رجعوا إلى صيد السمك، ومع ذلك فقد ظهر لهم أثناء الصيد.. وفي ذلك يقول القديس أغسطينوس: "إن المسيح ظهر لبطرس، ليس وهو منهمكًا في صيد النفوس.. وإنما ظهر له المسيح، وهو منهمك بصيد السمك"!
كذلك ظهر المسيح للتلاميذ وهم سائرون في الطريق.. مثلما حدث مع تلميذي عمواس.. حيث لم تكن لديهم أي فكرة عن المسيح.. ولا عن النبوات.. ومع ذلك، فقد ظهر لهم، وأخذ يكلمهم.. بينما لم يكونوا فاهمين لأي شيء.. مع ذلك كله.. فهو الذي ظهر لهم..! وهكذا ظهر المسيح للكثيرين – بعد القيامة – وأراهم نفسه حيًا ببراهين كثيرة.. فهو الذي أعلن ذاته لهم.. بينما لم يكونوا هم الذين يبحثون عنه!
نلاحظ أن هذه الفترة، تتميز بأن المسيح فيها يبحث عن الناس.. أنه يرمم البناء المنهار، ويعالج الشك عند توما.. وعند المجدلية. ويعالج الخوف عند بطرس والأحد عشر، أثناء وجودهم في العلية..! هنا، نجد أن المسيح يعمل.. فقد كانت الكنيسة في حالة انهيار بعد الصلب، ضرب الراعي، فتبددت الرعية.. وها هو السيد المسيح يجيء إلى هذه الرعية المبددة، المنزعجة، الخائفة.. ليصلح في هذا الجو..
تلك زاوية من زوايا هذه الفترة المقدسة – فترة ما بعد القيامة – وهي كيف أن المسيح يبحث عن الناس، ويزورهم، ويظهر ذاته لهم، ويتحدث إليهم، ويعالج ضعفاتهم، ويثبت إيمانهم.
وهذه الفترة تحتاج منا إلى استجابة.. فهو مستعد ليعمل فينا.. فقط يجب أن نستجيب نحن لعمله فينا.. كذلك ترينا هذه الفترة أن السيد المسيح يعمل كما قال: "ها أَنَا مَعَكُمْ كُلَّ الأَيَّامِ إِلَى انْقِضَاءِ الدَّهْرِ" (مت 28: 20).. فهو مستعد لأن يكون معنا كل وقت ويعمل فينا..
من أجل ذلك، نعتبر هذه الفترة "فترة فرح".. لأن المسيح موجود معنا.. إنها فترة فرح.. والكتاب يقول أنه: لا يستطيع بنو العرس أن يصوموا، ما دام العريس معهم (مر2: 19).. ولهذا فلا يوجد في هذه الفترة صوم، ولا انقطاع عن الطعام، ولا حزن، ولا ألحان حزينة.. حتى في الجنازات..
ولأن هذه الفترة كذلك ليس فيها صوم، فإن البعض لا يستفيد منها، وتنقلب في حياته إلى فترة فتور.. لماذا؟.. لأن هؤلاء لم يجربوا الفرح في الرب.. وكثيرون جربوا حياة التوبة والبكاء على الخطية، وانسحاق القلب.. وهم يشعرون أن فترة بكائهم على خطاياهم هي أعمق فترة في حياتهم.. بينما قليلون هم الذين يشعرون أنهم أقوياء في الروح.. في فترة الفرح.
ليتنا نجرب الفرح في الرب، ونعيش في جمال فترة الخمسين يومًا المقدسة.. فترة الفرح الروحي بوجود الرب معنا، وعمل الله فينا ومعنا.. ليتنا نجرب فرح اللقاء بالرب والحديث معه.
جربوا يا إخوتي حياة الفرح.. فالإنسان المضطرب من الداخل لا يعيش هذه الفترة.. والذي يعيش دائمًا في شكوى وضجر وتذمر، لا يعيش في فرح الخمسين يومًا المقدسة. وفترة الخمسين يومًا المقدسة، هي فترة الفرح بالرب، لأن المسيح – عندما كان ذاهبًا إلى الجلجثة – قال للتلاميذ "وَلكِنِّي سَأَرَاكُمْ أَيْضًا فَتَفْرَحُ قُلُوبُكُمْ، وَلاَ يَنْزِعُ أَحَدٌ فَرَحَكُمْ مِنْكُمْ" (يو16: 22)..
جربوا يا إخوتي أن تتخلصوا من أحزانكم، ومن ضيقاتكم، وأن تعيشوا في سلام قلب دائم، وبهجة مستمرة.. فإن الرسول يقول: "اِفْرَحُوا فِي الرَّبِّ كُلَّ حِينٍ، وَأَقُولُ أَيْضًا: افْرَحُوا" (في 4:4).
هذه ميزة الخمسين يومًا المقدسة، هي أننا نجد الناس خلالها فرحين بالله، فرحين ليس لأنهم تركوا الصوم، فنحن لا نفرح إن تركنا الصوم، وإنما نحن نفرح بوجود المسيح معنا.. فهل تشعر أن المسيح معك، يزورك بين الحين والآخر، ويحدثك عن الأمور المختصة بملكوت الله؟.. هل تشعر بهذه الصلة والتجاوب بينك وبين الله؟.. وإنك حقًا في عشرة مع الله؟
أنا لا أقول لكم افرحوا – كما تعود الناس من أهل العالم أن يفرحوا – وإنما أقول لكم افرحوا بعشرة الله، وافرحوا لأن الله لا يمكن أن يتخلى عنكم، حتى إن دخلتم في اختبار بستان جثسيماني، واختبار الجلجثة.. والقبر والدفن.. وهي اختبارات الآلام والضيقات الشديدة التي اجتازها السيد المسيح، حتى وصل إلى القبر..
أقول لكم – رغم ذلك كله – يجب أن تفرحوا بعشرة الله، لأن الأمور مهما تعقدت.. فهناك رجاء..
إن موضوع القيامة يعطي فكرة عظيمة عن "الرجاء".. فكرة أنه مهما اظلمّ الموقف، ومهما تعقدت الأمور.. ومهما اشتدت الضيقات.. ومهما قال الأعداء "لَيْسَ لَهُ خَلاَصٌ بِإِلهِهِ" (مز3).. فهناك – رغم ذلك كله – ومهما حدث.. لنا رجاء..
ولذلك أقول لكم: افرحوا.. لأن هناك رجاء.. ونحن – في القيامة – نشعر بالفرح المستمر الذي هو من الله.. الله الذي بدّل حزن التلاميذ إلى فرح.. وطمأن الخائفين.. وجمع شمل المبددين.. ولهذا.. لنا رجاء في المسيح، الذي قام وانتصر على الموت، وكان أقوى من الموت.. وأقوى من الشيطان، وأقوى من الشر.. كان المسيح أقوى من الكل.. هذا المسيح القوي الجبار، لنا فيه رجاء، وفرح.. ونحن باستمرار نفرح، لأنه يعمل معنا، ولا يتركنا لأعدائنا، ودائمًا يبشرنا بالخلاص..
يجب أن نعيش – فى الخمسين يومًا المقدسة – بهجة الخلاص، ونفرح.. فعيشوا في الخلاص وافرحوا.. عيشوا في "الفرح الآتي"، وليس في "الضيقة الحاضرة".. لا تعيشوا في "المشكلة القائمة".. ولكن عيشوا في "الحل الآتي".. لا تعيشوا في الضيقة القائمة، وإنما عيشوا في الفرج الآتي من قبل الله..
إن حياة القلق، والاضطراب، والانزعاج الداخلي، لا تتمشى مع بهجة الخمسين يومًا المقدسة.. وأولاد الله دائمًا فرحون.. ودائمًا يملك السلام على قلوبهم.. ولهذا، فإن أولاد الله دائمًا ينشرون السلام والفرح والبهجة في كل مكان.
[1] مقال لقداسة البابا شنوده الثالث، نشر في جريدة وطني، بتاريخ 23 أبريل 1972م
الفرح بالرب
الفرح بالرب[1]
نحن الآن في فترة الأربعين يومًا التي كان فيها السيد المسيح مع رسله القديسين الذين قال لهم: "سَأَرَاكُمْ أَيْضًا فَتَفْرَحُ قُلُوبُكُمْ، وَلاَ يَنْزِعُ أَحَدٌ فَرَحَكُمْ مِنْكُمْ"(يو16: 22). وفعلًا، لما رأوه فرحوا به. فرحوا لأنهم رأوه بينهم قائمًا، وقد انتصر على الموت. فرحوا بقيامته وبقوته، ولأن قيامته هي عربون لقيامة كل من يؤمن به. ويقول الإنجيل المقدس: "فَفَرِحَ التَّلاَمِيذُ إِذْ رَأَوْا الرَّبَّ"(يو20:20). ولم يقتصر الأمر على رؤيته، بل أنه قضى بينهم أربعين يومًا، كان يظهر لهم، ويحدثهم عن الأمور المختصة بملكوت الله (أع 1: 3).
ونحن في الكنيسة نعيد لهذه الفترة، فهي فترة فرح، لا صوم فيها ولا مطانيات. نرتل فيها لحن القيامة. حتى إذا دخل الكنيسة ميت في جنازة، نستقبله بألحان الفرح ولحن القيامة. إننا نعيش مع التلاميذ فترة الفرح هذه: الفرح بالرب. ونود أن نتحدث معكم الآن عن الفرح بالرب..
هناك أسباب كثيرة تفرح قلب الإنسان، ولكن أكثرها عمقًا، وأكثرها نقاوة هو الفرح بالرب. ليس الفرح بالنعم التي يعطيها الرب، إنما بالرب نفسه.
إن الله ليس مجرد وسيلة لفرحك، إنما هو موضوع فرحك، وهو سبب فرحك. لذتك وسرورك؟
تفرح أولاً، لأنك عرفت الرب، ولأنك وجدته. كما فرحت المرأة السامرية لأنها وجدت المسيا )يو4)، وكما فرح نثنائيل وفيلبس لأنهما وجدا يسوع (يو1)، وكما فرحت مريم المجدلية ومريم الأخرى برؤيتهما الرب بعد القيامة (مت28).
أنت تفرح لأن شيئًا جديدًا دخل حياتك، لما عرفت الرب، فأصبحت حياتك ذات قيمة، وذات معنى، وذات طعم..
تفرح لأن الرب قد أشبعك.. كل أمور العالم وملاذه ومبهجاته، كانت تطفو على سطح حياتك، ولكن الفرح بالرب دخل إلى عمقك لأول مرة. ولكنك لا تفرح بالرب، إن كان قلبك متعلقًا بشيء غيره!
الشاب الغني وجد المسيح، ومع ذلك لم يفرح (مت19: 22). لقد مضى حزينًا، لأن قلبه كان مشغولًا بأشياء أخرى وضع سعادته فيها. وكما يقول الكتاب: "حَيْثُ يَكُونُ كَنْزُكَ هُنَاكَ يَكُونُ قَلْبُكَ أَيْضًا" (مت6: 21).. الذين يفرحون بأمور العالم، يرون وصايا الرب ثقيلة. لأنها وصايا تقف حائلًا بينهم وبين شهواتهم العالمية، وتحرمهم من ملاذهم الجسدية، وأمانيهم التي يعقدونها حول الماديات.. هؤلاء يرون أن طريق الرب يتطلب منهم جهدًا وكفاحًا. وذلك لكي يقهروا الجسد، وينتصروا على الإرادة المنحرفة، ولكي يقاوموا الأفكار، ويضبطوا نفوسهم، ويضبطوا ألسنتهم وحواسهم وشهوات قلوبهم، وفي كل ذلك يحرمون أنفسهم من ملاذ يرون أنها تسعدهم!!
لذلك وصايا الرب تكون شبه نير على أكتافهم. ويودون أن يتخلصوا من هذا النير، كما حدث أولًا للابن الضال، حينما تخلص من بيت أبيه، لكي يحيا كيفما يشاء (لو15: 22)!
أما الذين تجردوا من العالميات، فإنهم يفرحون بالرب الذي حررهم، فلم تعد هناك شهوة مادية تستعبد قلوبهم. وكأنهم يقولون للرب: من يوم أن عرفناك، وأصبحت نظراتنا إلى الحياة متغيرة، وبعمل روحك فينا، دخلنا في تجديد أذهاننا (رو12: 2)، وأصبحنا نجد لذة في الروحيات التي كنا بعيدين عنها قبلًا. وأصبح اسم الرب حلوًا في أفواهنا، وصرنا نجد السعادة كل السعادة في عشرة الرب.
إنه فرق كبير بين أن يذهب إنسان إلى بيت الله كواجب روحي يتعبه ضميره إن قصّر فيه، وبين إنسان يقول من أعماقه "فرحت بالقائلين لي إلى بيت الرب نذهب"، "تشتاق وتذوب نفسي للدخول إلى ديار الرب". حقًا هناك فرق بين الحب، ومجرد أداء الواجب..
فرق بين إنسان يصلي لأن الدين يأمره بهذا، وإنسان آخر يصلي وهو يقول للرب "باسمك أرفع يدي، فتشبع نفسي كما من شحم ودسم"..
قد يبدأ الإنسان حياته الروحية بمخافة الرب، ولكنه بالحرص وبالتغصب وبقهر الذات، ما يلبث أن يدخل في محبة الله.. وتصل حياته إلى الفرح بالرب.
لا شك أن الفرح بالرب، مرتبط بمحبتنا له. كأي إنسان تحبه، فتفرح بلقياه، وتفرح بالوجود معه.. وتفرح بالحديث عنه، وبكل ما يذكرك به. هكذا تفرح بالله وبكل عمله فيك، وتفرح بأن يقودك في موكب نصرته.. تفرح بالرب وبوعوده الكثيرة الخاصة بالأبدية السعيدة معه.. كما قال في سفر الرؤيا: "مَنْ يَغْلِبُ فَسَأُعْطِيهِ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ شَجَرَةِ الْحَيَاةِ.. ويَأْكُلَ مِنَ الْمَنِّ الْمُخْفَي.. وأعطيه اسمًا جديدًا.. سَأَجْعَلُهُ عَمُودًا فِي هَيْكَلِ إِلهِي"(رؤ2، 3).
الذي يفرح بالرب، سيجد الأبدية مفرحة، لأنها الحياة معه.
المجيء الثاني مفرح لأولئك الذين يختطفهم الرب معه على السحاب (1تس4: 17)، أو الذين يأتون معه في مجيئه.. إنه مجيء مفرح يقول عنه المزمور: "تتهلل الأرض.. تفرح الجزائر الكثيرة".. ولكن ليس مفرحًا للذين يتعرضون لقول الكتاب: "مُخِيفٌ هُوَ الْوُقُوعُ فِي يَدَيِ اللهِ الْحَيِّ" (عب10: 31). أولئك الذين يتعرضون لدينونة في مجيئه، ويقول لهم إني لم أعرفكم قط.. الذين يخافون يوم تفتح الأسفار، وتنكشف النيات والأفكار، هؤلاء لا يفرحون بالرب. إنما يفرح به الذين بدأوا حياة التوبة ههنا، وذاقوا بهجة خلاصه، ومنحهم الرب ثقة بأن يكونوا معه حيث يكون هو (يو14: 3). هؤلاء لا يخافون الموت، بل بالأكثر يفرحون به. ولا يرونه موتًا، بل انطلاقًا. كما قال سمعان الشيخ: "الآنَ تُطْلِقُ عَبْدَكَ" (لو2: 29). وكما قال بولس الرسول: "لِيَ اشْتِهَاءٌ أَنْ أَنْطَلِقَ وَأَكُونَ مَعَ الْمَسِيحِ، ذَاكَ أَفْضَلُ جِدًّا" (في 1: 23).
الذين يفرحون بالرب لا يرون الباب المؤدي إلى الملكوت بابًا ضيقًا، ولا الطريق إليه كربًا. إنما يرى ذلك. كذلك من كان فيه الجسد يشتهي ضد الروح (غل5: 17).. يرى الباب ضيقًا، من لم يذق وينظر ما أطيب الرب. ومن لا يزال يقاوم الشهوة والجسد والعالم.. هذا الذي يلزمه أن يقاوم حتى الدم، مجاهدًا ضد الخطية (عب12: 4). أما الذين يحبون الرب ويفرحون به، فكل طرقه أمامهم مستقيمة وحلوة. يتغنون ويقولون: "وصية الرب مضيئة تنير العينين، شهاداته تفرح القلب، تجعل الجاهل حكيمًا" (مز19). بل يقول كل منهم للرب: "فرحت بكلامك كمن وجد غنائم كثيرة" (مز119) "وجدت كلامك كالشهد فأكلته" بل هو "أحلى من العسل والشهد في فمي"..
إذًا افرحوا بالرب هنا، لكي تفرحوا به هناك. افرحوا به وبوصاياه وطرقه. افرحوا بملكوته وملائكته. افرحوا بوعوده. افرحوا بقوته العاملة فيكم، وبنعمته العاملة معكم، وبروحه القدوس الذي يشترك معكم في كل عمل صالح "اِفْرَحُوا فِي الرَّبِّ كُلَّ حِينٍ، وَأَقُولُ أَيْضًا: افْرَحُوا" (في 4: 4).. إن كل ما يحيط بالرب، هو فرح لا ينطق به. كان ميلاده فرحًا.. وفي التبشير بميلاده قال الملاك: "هَا أَنَا أُبَشِّرُكُمْ بِفَرَحٍ عَظِيمٍ يَكُونُ لِجَمِيعِ الشَّعْبِ.." (لو2: 10). وكانت قيامته فرحًا، "فَفَرِحَ التَّلاَمِيذُ إِذْ رَأَوْا الرَّبَّ" (يو20:20). وكان جلوسه عن يمين الآب فرحًا، إذ وضع أعداؤه تحت موطئ قدميه (مز110: 1). وكانت معجزاته أيضًا فرحًا..
هل أتجرأ أكثر وأقول: كان صلبه وموته أيضًا فرحًا بقوله "قَدْ أُكْمِلَ" (يو19: 30). إذ أكمل عمل الخلاص وغفران الخطايا للعالم. وقد كان موته "مُحْرَقَةً، وَقُودَ رَائِحَةِ سَرُورٍ لِلرَّبِّ" (لا1: 9، 13، 17). سرور للعالم الذي نال الخلاص، وسرور للآب الذي "سُرَّ بِأَنْ يَسْحَقَهُ بِالْحَزَنِ" (إش53: 10). إنه سرور باستيفاء العدل الإلهي لخلاص البشرية.. الله كما نفرح به، يفرح بنا ويخلصنا. فيقول الكتاب إن السماء تفرح بخاطئ واحد يتوب (لو15: 10). الخاطئ يفرح بوصوله إلى التوبة، والله يفرح بتوبة الخاطئ. مثلما وجد الخروف الضال، فحمله على منكبيه فرحًا (لو 15: 5).
افرح إذًا بالرب، وعبر له عن فرحك به. قل له: أنا يا رب أعيش في فرح، لأني أشعر أن يدك تمسكني وتقودني، وأن نعمتك تقويني وترشدني، وروحك القدوس يعلمني كل شيء، ويمنحني مواهب لأسلك في سبلك.
افرح في كل مرة تقوم فيها من سقطتك. وقل للرب: "امنحني بهجة خلاصك" (مز50). وعن الفرح بالتوبة، ربما يسأل أحدهم ويقول: كيف يفرح الإنسان في التوبة، والتوبة يليق بها الدموع؟ كيف يفرح الإنسان، وفي التوبة مذلة وانسحاق، وفيها يبلل فراشه بدموعه؟!(مز6)، ويجلس بالمسوح على التراب كأهل نينوى.. أقول لك: إن التائب يشعر بفرح حتى وهو غارق في دموعه. دموعه لا تسبب له حزنًا، بل تسبب له تعزية، وفي التعزية يجد فرحًا. ومقاييس الروحيات غير مقاييس أهل العالم، فالتوبة لذتها في انسحاقها، وسعادتها في دموعها. بل إن لم تكن هناك دموع، فإن التائب يحزن ولا يتعزى.
إن الدموع والفرح – في القاموس الروحي – يتمشيان معًا. في الدموع يصطلح الإنسان مع الله. وبالصلح يفرح. وكل أعمال التوبة من صوم ومطانيات ومسوح ودموع، تكون في القلب ينابيع من الفرح. وكلما تعب الإنسان بالأكثر من أجل الرب، فعلى هذا القدر يزداد فرحه من الداخل..
وليست الدموع فقط سبب فرح، بل حتى الموت أيضًا.. الذي يفرح بالرب، يفرح بالموت، لكيما يلتقي مع الله. وكثير من القديسين كانوا يقابلون ساعة الموت بفرح شديد.. وتضيء وجوههم بالنور. وهكذا كان أيضًا آباؤنا الشهداء: كما حدث مع القديس أبا فام الجندي الذي قال عن يوم استشهاده "إنه يوم عرسي".. ونحن أيضًا نفرح في يوم استشهاد القديس ونعتبره عيدًا.
افرح بالرب الذي يهتم بك هنا، ويعد لك مكانًا هناك. ويعتبرك كابن خاص، ويعاملك في حب. افرح أن لك إلهًا طيبًا، ليس له شبيه بين الآلهة.
[1] مقال لقداسة البابا شنوده الثالث، نشر في مجلة الكرازة بتاريخ 22 مايو 1981م
الفرح الروحي غير الفرح الزائف
الفرح الروحي غير الفرح الزائف[1]
الإنسان الروحي يعيش في فرح دائم، سببه سلام في القلب لا ينقطع، وإيمان برعاية الله له. وحتى إن لم يكن حاضره يفرحه، فإن له رجاء في أن الله سوف يدبر كل شيء لصالحه. وهكذا فإنه يتبع نصيحة الرسول ويضعها في ذهنه، إذ قال: "فَرِحِينَ فِي الرَّجَاءِ" (رو12:12).
الإنسان الروحي يملك عليه الفرح، حتى إن حزن، فإن حزنه يتحول إلى فرح، وإن أحاطت به الأحزان من الخارج، يكون قلبه متشبعًا بالفرح من الداخل، كما قال الرسول: "كَحَزَانَى وَنَحْنُ دَائِمًا فَرِحُونَ" (2كو6: 10). وإنه إنسان يعيش فى بشاشة دائمة، ملامحه مملوءة سلامًا. وشعاره قول القديس بولس الرسول: "اِفْرَحُوا فِي الرَّبِّ كُلَّ حِينٍ، وَأَقُولُ أَيْضًا: افْرَحُوا" (في 4:4).
أما الكآبة فيقدمها الآباء القديسون، كحرب من حروب عدو الخير. وهكذا نقرأ في كتابات مار أوغريس، وفي كتابات يوحنا كاسيان، وكل الكتب النسكية. فالكآبة من الأفكار الثماني المحاربة للنفس، بل إن علماء النفس يعتبرون الكآبة Depression مرضًا نفسيًا.. الشيطان يلقي الكآبة في قلب الإنسان، لكي يلقيه إلى اليأس، ومن ثم يبعده عن الله، ويشعره بأن الله لا يهتم به. فنجد هذا الإنسان باستمرار كئيبًا ومضطربًا حزينًا حائرًا، غير واثق بمعونة الرب. وفي يأسه وفي حيرته يمكن أن يستسلم لأي وضع. أما ابن الله الواثق بعمل الله لأجله، فإنه – مهما حدث له – يتغنى بتسبحة السيدة العذراء "وَتَبْتَهِجُ رُوحِي بِاللهِ مُخَلِّصِي" (لو1: 47). فهو يتذكر خلاص الله الآتي، وهو في عمق مشاكله.. إننا نريد أن يكون أولاد الله فرحين، ولكن بفرح روحي، فرح حقيقي. وليس بفرح زائف من أفراح العالم..
الفرح الزائف
حينما يقول الرسول: "اِفْرَحُوا فِي الرَّبِّ كُلَّ حِينٍ"، إنما يقصد الفرح الروحي الذي مصدره الله، ويكون ملتصقًا بالرب كل حين. وهو غير الفرح الصبياني، وباقي الأفراح العالمية، أو الفرح بالذات..
من أمثلة الفرح الصبياني: فرح يونان باليقطينة التي ظللت على رأسه لتخلصه من غمه (يون4: 6). أو فرح الابن الأكبر الذي اشتهى من أبيه جديًا يفرح به مع أصدقائه (لو15: 29). وكذلك فرح سليمان بملاذ العالم ومهما اشتهته عيناه من الأمور التي قال عنها فيما بعد "الْكُلُّ بَاطِلٌ وَقَبْضُ الرِّيحِ" (جا2). ومن ذلك أيضًا قول الكتاب: "قَلْبُ الْجُهَّالِ فِي بَيْتِ الْفَرَحِ" (جا 7: 4).
ومن أنواع الفرح الخاطئ، فرح البعض بالمواهب الروحانية. فرحهم بأن ذاتهم تكبر وتعظم من خلال مواهب الروح!! لقد فرح التلاميذ قائلين للرب: "حَتَّى الشَّيَاطِينُ تَخْضَعُ لَنَا بِاسْمِكَ". فقال لهم الرب: "لاَ تَفْرَحُوا بِهذَا: أَنَّ الأَرْوَاحَ تَخْضَعُ لَكُمْ، بَلِ افْرَحُوا بِالْحَرِيِّ أَنَّ أَسْمَاءَكُمْ كُتِبَتْ فِي السَّمَاوَاتِ"(لو10: 17، 20)، وهكذا ردّهم من الفرح الخاطئ بالذات، إلى الفرح الروحي بالوجود مع الله في السماء..
ومن أمثلة الفرح الخاطئ، فرحة التكلم بألسنة، واشتهاء ذلك. والفرح بالدموع في الصلاة، وليس بعشرة الرب ومذاقته. ومع أن القديس بولس الرسول كان يتكلم بألسنة أكثر من الكل، لكنه حارب هذه الشهوة الباطلة، وفضّل عليها أن ينطق خمس كلمات بفهم أكثر من عشرة آلاف كلمة بلسان (1كو14: 18، 19). ذلك لأن هدفه كان بناء الآخرين، وليس المجد الباطل.. ولما كثرت مواهب بولس الروحية، فلكي لا يرتفع من فرط الاستعلانات، أعطاه الرب شوكة في الجسد لئلا يرتفع (2كو12: 7).
ومن الفرح الخاطئ أيضًا، الفرح بالماديات وأمور العالم الزائل.. ونعني "شَهْوَةَ الْجَسَدِ، وَشَهْوَةَ الْعُيُونِ، وَتَعَظُّمَ الْمَعِيشَةِ" (1يو2: 16)، إنها فرحة الحواس، وفرحة بالعالم الذي يبيد وشهوته معه (1يو2: 17).
على أنه أسوأ أنواع الفرح الخاطئ، فرح الإنسان بسقطة عدوه. أي فرحه بهلاك أعدائه وضياعهم، لذلك يقول الكتاب: "لاَ تَفْرَحْ بِسُقُوطِ عَدُوِّكَ، وَلاَ يَبْتَهِجْ قَلْبُكَ إِذَا عَثَرَ. لِئَلاَّ يَرَى الرَّبُّ وَيَسُوءَ ذلِكَ فِي عَيْنَيْهِ" (أم24: 17، 18). ويقول أيضًا: "الْمَحَبَّةُ لاَ تَفْرَحُ بِالإِثْمِ" (1كو13).
الفرح الروحي
مثاله: فرح التلاميذ لما رأوا الرب (يو20:20). وفرح المجوس عندما رأوا النجم يرشدهم إلى طفل المذود (مت2: 9، 10). وفرح الذين ذاقوا ونظروا ما أطيب الرب (مز34: 8).
ومن أمثلة الفرح الروحي: الفرح بالخلاص. كقول القديسة العذراء: "وَتَبْتَهِجُ رُوحِي بِاللهِ مُخَلِّصِي" (لو1: 47). وكقول المرتل في المزمور "امنحني بهجة خلاصك "(مز51: 12). الفرح بالخلاص هو فرح بالرب الذي "يَقُودُنَا فِي مَوْكِبِ نُصْرَتِهِ"(2كو2: 14). إنه فرح بخلاص من أعدائنا، ومن جميع مقاومينا (لو1: 71). خلاص تغنى به داود النبي "دفعت لأسقط والرب عضدني"، "قوتي وتسبحتي هو الرب، وقد صار لي خلاصًا" (مز 118: 14). هو خلاص تحدث عنه موسى النبي فقال: "قِفُوا وَانْظُرُوا خَلاَصَ الرَّبِّ"، "الرَّبُّ يُقَاتِلُ عَنْكُمْ وَأَنْتُمْ تَصْمُتُونَ" (خر 14: 13، 14). وبنفس الخلاص تغنى داود النبي في فرح وقال: "لولا أن الرب كان معنا.. لابتلعونا ونحن أحياء. مبارك هو الرب الذي لم يسلمنا فريسة لأسنانهم" (مز124).
افرح بخلاص الرب: الخلاص من التجارب، ومن الخطايا. سواء كان خلاصًا لك، أو لأحبائك، أو للكنيسة.. إنه فرح هنا وفي السماء، بخلاص الخطاة، بل بخلاص خاطئ واحد يتوب (لو15: 10). وهكذا قال الأب (لابنه الأكبر) عن رجوع الابن الضال: "كَانَ يَنْبَغِي أَنْ نَفْرَحَ وَنُسَرَّ، لأَنَّ أَخَاكَ هذَا كَانَ مَيِّتًا فَعَاشَ، وَكَانَ ضَالُا فَوُجِدَ" (لو15: 32).
إنه فرح بالخلاص، من الأعداء ومن الضربات. كما يقول الكتاب: "يسقط عن يسارك ألوف، وعن يمينك ربوات. وأما أنت فلا يقتربون إليك. بل بعينيك تتأمل، ومجازاة الخطاة تبصر" (مز91: 7، 8). "لاَ تَضْرِبُكَ الشَّمْسُ فِي النَّهَارِ، وَلاَ الْقَمَرُ فِي اللَّيْلِ" (مز121: 6). "يُحَارِبُونَكَ وَلاَ يَقْدِرُونَ عَلَيْكَ، لأَنِّي أَنَا مَعَكَ، يَقُولُ الرَّبُّ، لأُنْقِذَكَ" (إر1: 19) "أَنَا مَعَكَ، وَأَحْفَظُكَ حَيْثُمَا تَذْهَبُ، وَأَرُدُّكَ إِلَى هذِهِ الأَرْضِ" (تك 28: 15).
الذي يفرح بخلاص الرب، لا يتكبر. فالخلاص لم يكن بسببه، وإنما هو من عند الرب. كما قالت القديسة العذراء: "لأَنَّ الْقَدِيرَ صَنَعَ بِي عَظَائِمَ، وَاسْمُهُ قُدُّوسٌ" (لو1: 49). وكما قال القديس بطرس في معجزة شفاء الرجل الأعرج "وَلِمَاذَا تَشْخَصُونَ إِلَيْنَا، كَأَنَّنَا بِقُوَّتِنَا أَوْ تَقْوَانَا قَدْ جَعَلْنَا هذَا يَمْشِي؟! إِنَّ إِلهَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ.." (أع3: 12، 13).
حاول أن تجلس بينك وبين نفسك، وتتأمل خلاص الرب.. سواء في حياتك أو في حياة الناس. كم مرة انتشلك الرب كشعلة من النار دون أن تحترق (زك 3: 2). قل للسيد الرب: أنا أشعر بيدك القوية وهي تسد أفواه الأسود (دا6)، وهي تشق لي طريقًا في البحر(خر14).. وتفجر لي ماء من الصخر (خر17).
حقًا إن خلاص الرب له قصص طويلة: منها قصة داود مع جليات (1صم17)، وقصة مريم المجدلية التي أخرج منها الرب سبعة شياطين (مر16: 9). وقصص مريم القبطية، وبيلاجية، وأغسطينوس، وموسى الأسود، وكثيرين قادهم الرب إلى التوبة. إن الذين سقطوا وخلصوا، كانوا أكثر سعادة من الذين لم يسقطوا!!
لقد شعروا بمحبة الرب وحنوّه وقوّته، وعمله من أجلهم. وهكذا الذين حوربوا وانتصروا، كانوا أكثر سعادة من الذين لم يحاربوا.. كلهم دخلوا فى حياة الاختبار وحياة الفرح وحياة الشكر.. كل واحد منهم يتغنى ويقول: "دُفعت لأسقط، والرب عضدني"، "يمين الرب صنعت قوة، يمين الرب رفعتني" (مز118).
صوته رن في أذنيّ "مَا لَكَ ههُنَا يَا إِيلِيَّا؟!" (1مل19: 9، 13). أو سمعت صوته وهو يقول: "كَفَاكُم قُعُودٌ فِي هذَا الجَبَلِ" (تث1: 6). أو صوته يشرح تاريخ الخلاص وهو يقول: "كنت مَدُوسَةً بِدَمِكِ.. وَرَأَيتُكِ، وَإِذَا زَمَنُكِ زَمَنُ الحُبِّ. فَحَمَّمتُكِ بِالمَاءِ، وَمَسَحتُكِ بِالزَّيتِ، وَجَمُلتِ جِدًّا جِدًّا، فَصَلُحتِ لِمَملَكَةٍ، وَخَرَجَ لَكِ اسمٌ فِي الأُمَمِ لِجَمَالِكِ، لأَنَّهُ كَانَ كَامِلًا بِبَهَائِي الَّذِي جَعَلتُهُ عَلَيكِ" (حز16: 6-14).
حقًا يا رب، أنت هو "الْمُقِيمِ الْمَسْكِينَ مِنَ التُّرَابِ، الرَّافِعِ الْبَائِسَ مِنَ الْمَزْبَلَةِ، لِيُجْلِسَهُ مَعَ أَشْرَافٍ شَعْبِهِ" (مز113: 7، 8).. وعندما يجلس هذا المسكين مع قديسيك، يقول في فرح "تبتهج روحي بخلاصك".
ولعل أجمل أنواع الفرح الروحي، الفرح بالرب ذاته وبعشرته. نعم، أعمق الفرح، هو الفرح بالرب ذاته، وليس مجرد الفرح بعطاياه أو بمواهبه.. هو الفرح بلقياه، بعشرته ومذاقته، والتمتع به..
والذي يفرح بالرب، يفرح به وبكل ما يتعلق به: يفرح بكلامه، ببيته، خدمته، بملكوته، بمقادسه.. حتى بتجاربه، بصليبه. يقول مع المرتل: فَرِحْتُ بِالْقَائِلِينَ لِي إِلَى بَيْتِ الرَّبِّ نَذْهَبُ" (مز122: 1) "فرحت بكلامك كمن وجد غنائم كثيرة" (مز119) "مساكنك محبوبة أيها الرب إله القوات، تشتاق وتذوب نفسي للدخول إلى ديار الرب" (مز84: 1، 2) "محبوب هو اسمك يا رب، فهو طول النهار تلاوتي" (مز119). وأنت: قد تفرح بكلمة من كلام الله. وتجد فيها كنزًا من التأملات، تراها نورًا لسبيلك، وحلوة لحلقك، وسببًا لعزائك. تفرح بكلمته، تفرح بالصلاة، بالألحان، بالترتيل، تفرح بالخدمة وبالمخدومين، وبشركة الروح القدس (2كو13: 14). وبعمل الله فيك ومعك، وبيد الرب التي تقود حياتك.
الذي يفرح بالرب هنا، سيفرح بالرب هناك، في السماء. والذي يرضي الرب هنا على الأرض، سيفرح بمجيئه الثاني، ويرتفع معه على السحاب، أما الذي يقع في الخطية، فإنها تنزع فرح الرب من قلبه. بل يخاف من ملاقاة الرب، كما قال أبونا آدم بعد الخطية: "سَمِعْتُ صَوْتَكَ فِي الْجَنَّةِ فَخَشِيتُ"(تك3: 10). وكما يقال عن الخطاة يوم الدينونة "مُخِيفٌ هُوَ الْوُقُوعُ فِي يَدَيِ اللهِ الْحَيِّ" (عب 10: 31).
إن أعظم فرح بالرب، هو الفرح الأخير، بالحياة معه في السماء.
[1] مقال لقداسة البابا شنوده الثالث، نشر في جريدة وطني بتاريخ 18 مايو 1997م
افتحوا له قلوبكم
افتحوا له قلوبكم[1]
نعيش الآن الأربعين يومًا المقدسة، التالية للقيامة.. وفي هذه الأربعين يومًا وضع المسيح أساس كل شيء، فقد اجتمع مع تلاميذه وحدثهم عن كل ما يختص بالكنيسة. ونظامها وطقوسها ومباشرتها. حدثهم عن كل ما يصلح أن يقال للقادة، وليس لعامة الشعب.
ولذلك، عندما نقول عن الكنيسة أنها رسولية، فنعنى أن الرسل أسسوها، وأن هؤلاء الرسل أخذوا العقيدة من المسيح نفسه، لأنه مكث معهم أربعين يومًا يحدثهم عن الكنيسة..
هناك أشياء لا يصح أن تقال لعامة الشعب، وكان المسيح يقولها لتلاميذه على انفراد.. فنحن نرى بطرس الرسول يقول للمسيح ذات يوم: "ألنا قلت هذا المثل، أم للجميع؟" (لو12: 41).. ومعنى ذلك أنه يوجد كلام كان المسيح يقوله للتلاميذ وحدهم – دون سائر الناس.
لقد كان – في فترة الأربعين يومًا المقدسة – كلام يقال للاثنى عشر.. القادة.. وخرج من المسيح تعليم إلهي خلال هذه الفترة..
إن موسى النبي أمضى أربعين يومًا مع الله على الجبل، حدثه الله فيها عن الأمور المختصة بالله.. وشرح له خيمة الاجتماع وتفاصيلها، والعبادة.. حتى أن الله قال له: "فَاصْنَعْهَا عَلَى مِثَالِهَا الَّذِي أُظْهِرَ لَكَ فِي الْجَبَلِ" (خر25: 40).. لأن الله يحب أن التعليم يخرج منه.. وهو يقول في الكتاب المقدس: "وَيَكُونُ الْجَمِيعُ مُتَعَلِّمِينَ مِنَ اللهِ" (يو6: 45)..
فالله هو مصدر التعليم، ويعطي التعليم للرسل.. ثم يعطي الرسل التعليم للناس..
في بدء الخليقة أعطى الله هذا لآدم أيضًا.. ولكن آدم أخطأ حين أخذ المعرفة بعيدًا عن الله.. وأُمنا حواء أخطأت أيضًا حين أخذت المعرفة من غير الله..
لقد حدّث المسيح تلاميذه عن الأمور المختصة بملكوت الله.. خلال الأربعين يومًا المقدسة.. وموسى النبي أمضى أربعين يومًا على الجبل يحدّثه الله خلالها عن الأمور المختصة بالملكوت أيضًا..
والأمور المختصة بملكوت الله.. لها معان كثيرة.. والكتاب المقدس يقول: "مَلَكُوت اللهِ دَاخِلَكُمْ" (لو17: 21).. يعني أن الله يملك عليكم.. وذلك هو معنى ملكوت الله بصفة عامة.
كيف تصل الكنيسة إلى كل قلب، وإلى كل عقل؟ هذه أيضًا أمور خاصة بملكوت الله.. ويمكن أن تكون ذات صفة فردية.. خاصة بكل شخص.. أو صفة عامة، تتصل بكيفية نشر الملكوت إلى كل مكان ليصل إلى كل شعب وكل فرد..
لقد كلم المسيح تلاميذه عن الأمور المختصة بملكوت الله، في أحاديث نافعة وهامة.. فهل أحاديثنا نحن أيضًا في هذه الأمور؟ في كثير من الأحيان تكون أحاديثنا تافهة بعيدة عن الأمور المتصلة بملكوت الله.
ليت كل منا يسأل نفسه قائلًا: أين هذه الأمور المختصة بملكوت الله في قلبي، وفي حياتي..
ليت كل منا يسأل نفسه قائلًا: ماذا تريد يا رب أن تفعل معي.. ماذا تريد يا رب أن تملك فيَّ؟ ليت كل منا ينادي الرب قائلًا: أملك عليَّ يا رب، وتعال حدّثني عن الأمور المختصة بملكوتك..
ألم تتفكروا في ما هي الأمور المختصة بملكوت الله؟ وإذا كان الله يريد أن يملك أيًا منكم، فكيف يملكه؟ وما هي الأركان العاصية على مملكة الله في حياتك؟ وما هي الأعضاء المتمردة؟ ما الذي يعوق ملكوت الله فيك؟ كيف يمكن أن يملكك الله، وتصير ضمن ملكوت الله؟
في هذه الفترة – فترة الأربعين يومًا المقدسة – وضع المسيح كل أساس بناء الكنيسة.. فهي فترة من أقدس الفترات في الكنيسة، كان المسيح يتمشى على الأرض، والأرض لا تدركه.. وإنما تدركه مجموعة معينة من الناس – التلاميذ – فتحت قلوبها له.
قبل هذه الفترة، كان الكل يرونه ويختلطون به.. كان يراه الأحباء والأعداء أيضًا.. كان يجلس معه من يريد بركته.. وكان يجلس معه أيضًا من يريد أن يمسكه بكلمة! كان يقابله يوحنا الحبيب ويتكئ على صدره.. وكان يقابله أيضًا يهوذا الإسخريوطي الخائن الذي باعه بثلاثين من الفضة.
كان الكل يرونه ويلتقون به ويخالطونه.. ولكن في فترة الأربعين يومًا كان المسيح يمشي على الأرض، ولا يراه إلا المستحقون الذين فتحوا قلوبهم له.. لم يكن يسمعه إلا الخاصة التي تستحق أن تسمع الكلمة من فمه..
كان المسيح يتمشى على الأرض، ولا تتمتع به كل الأرض.. هذه نقطة مهمة.. وهنا يأتي معنى كلمة "الخاصة".. الخاصة التي يكشف لها ذاته. وتلك النقطة، تعطينا صورة للملكوت السماوي.. إن الله موجود، ولكن ليس كل شخص يستطيع أن يتمتع به أو يراه..
إن المسيح يعيش وسط محبيه فقط!! هل لو جاء المسيح مرة ثانية، وتمشى على الأرض، تكون أنت ضمن الذين يقابلهم، ويحدثهم عن الأمور المختصة بملكوت الله؟ أم تحسب نفسك غريبًا بالنسبة له؟
في قصة بولس الرسول منظر متعب.. كان بولس وهو سائر في الطريق، عندما ظهر له المسيح. فالآخرين الذين كانوا مع بولس سمعوا الصوت ولم يبصروا أحدًا! كان بولس يكلم المسيح.. والآخرون لا.. كانوا يرون بولس ويسمعونه ولكنهم لا يرون المسيح، ولا يسمعونه.. لماذا؟
لأنهم لا يستحقون، ولأنهم لم يصلوا إلى الدرجة التي ينظرون فيها المسيح ويسمعون حديثه.. "وَلكِنْ طُوبَى لِعُيُونِكُمْ لأَنَّهَا تُبْصِرُ، وَلآذَانِكُمْ لأَنَّهَا تَسْمَعُ.." (مت13: 16).
هذه هي درجة الرسل، وامتيازهم.. فلقد مكث المسيح أربعين يومًا على الأرض – بعد قيامته - من أجل الرسل.. من أجل أحبائه.. وأراد أن يجلس معهم ويحدثهم..
لم يصعد المسيح إلى السماء بعد قيامته مباشرة.. ولكنه أجل ذلك أربعين يومًا.. وترك السيرافيم والشاروبيم والأرباب والكراسي وكل أمجاد السماء التي تنتظره واهتم بالتلاميذ. ومن أجلهم بقي أربعين يومًا على الأرض.. وذلك لأهمية التلاميذ..
لقد ظهر المسيح مرة لخمسمائة أخ، وظهر أيضًا لتلميذي عمواس.. ولكن الأهم كان من أجل الاثنى عشر! فهل لك - يا أخي – هذه الأهمية في ملكوت الله؟ بحيث أن المسيح يؤخر صعوده أربعين يومًا من أجلك؟
يوجد أناس لهم مقام وأهمية في الملكوت.. هؤلاء هم الذين يحملون الشعلة للأجيال كلها، ويتولون خدمة الكرازة في أقصى المسكونة وأنحاء الأرض.. هم حملة المشاعل، وواضعوا الأساس..
هؤلاء هم الاثنى عشر.. وواحد آخر.. هو بولس.. فقد ظهر له المسيح وجاءه وأعطاه الرسالة..
أنا أخشى – أيها الأحباء – أن نكون مشغولين عن الأمور المختصة بملكوت الله.. بأمور العالم وتفاهاته ومشاغله وأخطائه وشهواته!
قد يأتي المسيح لواحد منكم، يقول له أتيتك خصيصًا لأحدثك عن الأمور المختصة بملكوت الله.. فلا يجده مستعدًا.. ويجده مشغولًا بأمور أخرى!
هناك أناس لا يريدون أن يفتحوا قلوبهم.. والله لا يفرق بين الناس.. وإنما هو إله للكل ومستعد لأن يجلس مع الجميع ويحدثهم عن الأمور المختصة بملكوت الله.. ولكن هناك قلوب غير مستعدة.. ومغلقة.. وترفض المسيح!
إنه يقف على الباب ويقرع، ولكن نحن الذين نغلق في وجهه الباب، ولا نريد أن نفتح له!
إن الله يريد أن يحدثنا.. ولكننا نحن لا نعطيه فرصة، ولا نهتم به! هناك أناس لا أهمية في حياتهم للأمور المختصة بملكوت الله.. ولا يولونها أي اهتمام..! لكن التلاميذ، كان كل عرق فيهم ينبض بمحبة المسيح، وكل فكر لهم يمتلئ بمحبة المسيح.. لقد كان المسيح بالنسبة لهم، يملأ القلب والفكر والحياة.. وكما قال بطرس: "هَا نَحْنُ قَدْ تَرَكْنَا كُلَّ شَيْءٍ وَتَبِعْنَاكَ" (مر10: 28)..!
هؤلاء هم الذين استحقوا أن يأتي إليهم المسيح، ويمضي معهم أربعين يومًا.. ليس فقط هذه المدة، بل قال لهم: "وَهَا أَنَا مَعَكُمْ كُلَّ الأَيَّامِ إِلَى انْقِضَاءِ الدَّهْرِ" (مت28: 20).. وقال أيضًا: "حَيْثُمَا اجْتَمَعَ اثْنَانِ أَوْ ثَلاَثَةٌ بِاسْمِي فَهُنَاكَ أَكُونُ فِي وَسْطِهِمْ" (مت18: 20).
إن هذا الكلام موجه إلى المهتمين بكلام الله، الذين يريدون الأمور المختصة بالملكوت.. إلى الأرض التي تنبت ثلاثين وستين ومائة!! لهذه النفوس يأتي الله ويتحدث عن الأمور المختصة بملكوت الله.
يحدثنا سفر نشيد الأناشيد، عن واحدة لم تكن مستعدة.. جاء إليها المسيح ولكنها رفضته.. فتركها ومضى، ثم نهضت تقول: "حَبِيبِي تَحَوَّلَ وَعَبَرَ"(نش5: 6)! لماذا؟ لأنها لم تفتح له!
إذا أردتم أن تسمعوا الأمور المختصة بملكوت، افتحوا لله قلوبكم.. افتحوها للمسيح، وقولوا له: تعال، وادخل، واملك.. لا تغاروا من الرسل، لأن المسيح جلس معهم وتحدث إليهم.. لأنكم لو كنتم فى مشاعر الرسل، لفعل المسيح معكم مثلما فعل معهم.
لو كان عندكم لله، محبة الرسل، واستعدادهم، واهتمامهم لكلمة الله.. لأتى إليكم المسيح وجلس معكم يحدثكم عن الأمور المختصة بملكوت الله.
كثيرًا ما يأتي المسيح إليكم.. في رسالة روحية. القلب الحساس هو وحده الذي يفطن إليها ويتلقاها.. وهكذا.. تأتينا أفكار من عند الله ورسائل مختصة بملكوت الله.. ولكن.. واحد يستفيد منها.. والآخر لا يريد أن يستمع إلى النداء.. ويفتح باب قلبه وحياته!
وفي ذلك ينطبق قول الكتاب المقدس عن المسيح: "فِي وَسْطِكُمْ قَائِمٌ الَّذِي لَسْتُمْ تَعْرِفُونَهُ" (يو1: 26).
هو إذًا أتى خصيصًا ليتحدث عن الأمور المختصة بالملكوت.. ولكن كما يقول الكتاب: "وَسَامِعِينَ لاَ يَسْمَعُونَ وَلاَ يَفْهَمُونَ" (مت13:13).
نريد أن نعيش في روحانية الأربعين يومًا المقدسة، ولنفتح قلوبنا للمسيح، وآذاننا، وأذهاننا أيضًا.. لكي نسمع الأمور المختصة بملكوت الله. نريد هذه القلوب التي تحب هذه الأمور وتنشغل بها، وتفرح لها.. نريد قلوبًا من نوع قلب داود الذي قال: "فرحت بكلامك كمن وجد غنائم كثيرة.. كلامك أحلى من العسل والشهد في فمي.. باسمك أرفع يدي فتشبع نفسي كما من شحم ودسم..".
إن المسيح يأتي، كما كان يجيء للتلاميذ خلال الأربعين يومًا المقدسة.. فمن منكم يريد أن يفتح له؟
إن من يفتح ينال ويسمع فعلًا عن الأمور المختصة بالملكوت. إن الأربعين يومًا المقدسة.. قائمة في كل وقت، والمسيح يأتي في كل وقت.. ولكن من الذي يستحق أن يستقبله؟ إنه مستعد أن يسكب في قلبك خلال دقيقة واحدة، ما سكبه في قلب يوحنا الحبيب.. فقط افتح له قلبك..
يا إخوتي: عيشوا في بركة الأربعين المقدسة.. عيشوا في عشرة المسيح، واسمعوا حديثه عن الأمور المختصة بملكوت الله.
[1] مقال لقداسة البابا شنوده الثالث، نشر في جريدة وطني بتاريخ 30 أبريل 1972م
الأمور المختصة بملكوت الله
الأمور المختصة بملكوت الله[1]
بمناسبة فترة الأربعين يومًا التي نعيشها الآن، نتذكر ما قيل عنها في سفر أعمال الرسل، إن السيد المسيح كان فيها يظهر لتلاميذه "يَتَكَلَّمُ عَنِ الأُمُورِ الْمُخْتَصَّةِ بِمَلَكُوتِ اللهِ" (أع 1: 3). فما هي تلك الأمور المختصة بملكوت الله؟
اهتمام الرب بالملكوت
لا شك أن ملكوت الله، كان أهم شيء في رسالة السيد المسيح، قبل صلبه وبعده. منذ خلقنا الله، كنا في ملكوته، لأنه أوجدنا من العدم، فصرنا له، ولكن هذا الملكوت لم يستمر. فلماذا؟ يقول الرسول: "بِإِنْسَانٍ وَاحِدٍ دَخَلَتِ الْخَطِيَّةُ إِلَى الْعَالَمِ، وَبِالْخَطِيَّةِ الْمَوْتُ، وَهكَذَا اجْتَازَ الْمَوْتُ إِلَى جَمِيعِ النَّاسِ.."، "بِخَطِيَّةِ الْوَاحِدِ قَدْ مَلَكَ الْمَوْتُ" (رو5: 12، 17). وهكذا ملك الشيطان، ودُعيّ رئيس هذا العالم. أكثر من مرة، أطلق عليه السيد الرب هذا اللقب: ففي اقترابه إلى الفصح الأخير، قال: "اَلآنَ يُطْرَحُ رَئِيسُ هذَا الْعَالَمِ خَارِجًا" (يو12: 31). وقال في حديثه عن الروح القدس يوم الخميس الكبير إنه يبكت العالم على دينونة "لأَنَّ رَئِيسَ هذَا الْعَالَمِ قَدْ دِينَ" (يو16: 11). وقال أيضًا في حديثه في ذلك اليوم: "رَئِيسَ هذَا الْعَالَمِ يَأْتِي وَلَيْسَ لَهُ فِيَّ شَيْءٌ" (يو14: 30).
وكان لا بد أن يُنزع الملك من الشيطان، لكي يملك المسيح. أو لكي يسترد ملكه الذي كان له منذ البدء. وقد تجسد الرب، لكي يفدي الإنسان، ويسترد هذا المُلك. وهكذا قيل عنه في أول بشارته، بعد العماد: "جَاءَ يَسُوعُ إِلَى الْجَلِيلِ يَكْرِزُ بِبِشَارَةِ مَلَكُوتِ اللهِ وَيَقُولُ: قَدْ كَمَلَ الزَّمَانُ وَاقْتَرَبَ مَلَكُوتُ اللهِ، فَتُوبُوا وَآمِنُوا بِالإِنْجِيلِ" (مر1: 14، 15).
لقد بشّر الرب باقتراب الملكوت، لأن الملكوت لم يكن قد تم بمجرد مجيئه، إنما كان سيتم بصليبه.. وهكذا علّم تلاميذه، والعالم أجمع، أن يصلوا قائلين: "لِيَأْتِ مَلَكُوتُكَ" (مت6: 10). ليأت ملكوتك داخلنا: فتملك على قلوبنا وأفكارنا وحواسنا ومشاعرنا. تملك على حياتنا كلها، على الوقت وعلى الإرادة، وعلى كل ما نملك. ويأتي ملكوتك أيضًا على العالم كله، على "خِرَافٌ أُخَرُ لَيْسَتْ مِنْ هذِهِ الْحَظِيرَةِ" (يو10: 16).
بل ليأتِ ملكوتك الأبدي، حينما تسلّم الملك لله الآب. حينما تبطل كل رياسة وكل قوة. حينما يخضع كل شيء تحت قدميك. وآخر عدو يبطل هو الموت (1كو15: 24- 27). نعم كل هذا سلّمه الرب لتلاميذه، ضمن الأمور المختصة بملكوت الله.
متى ملك الرب؟
ملك الرب على الصليب، لما اشترانا بدمه (رؤ5: 9). ولذلك قيل في آخر مزامير الساعة السادسة التي نتذكر فيها صلب السيد المسيح "اَلرَّبُّ قَدْ مَلَكَ. لَبِسَ الْجَلاَلَ. لَبِسَ الرَّبُّ الْقُدْرَةَ، ائْتَزَرَ بِهَا" (مز93: 1). نعم لبس هذه القوة التي هزم بها الشيطان، واسترد الملك منه..
وفي أول مزمور من الساعة التاسعة، التي فيها نتذكر موت الرب عنا، وردت عبارة "الرب قد ملك على خشبة" (مز96: 10). وقد تكررت في مزامير الساعة التاسعة عبارة "الرب قد ملك".. فنقول في صلاتنا: "اَلرَّبُّ قَدْ مَلَكَ، فَلْتَبْتَهِجِ الأَرْضُ" (مز97: 1). "اَلرَّبُّ قَدْ مَلَكَ. تَرْتَعِدُ الشُّعُوبُ" (مز99: 1).
حقًا بموت الرب، قد ملك الذين كانوا تحت حكم الموت، فمات هو عنهم. وبموته داس الموت، وأبطل حكم الموت، واشترانا.. وكما قال الرسول: "لأَنَّكُمْ قَدِ اشْتُرِيتُمْ بِثَمَنٍ" (1كو6: 20). "عَالِمِينَ أَنَّكُمُ افْتُدِيتُمْ.. بِدَمٍ كَرِيمٍ، كَمَا مِنْ حَمَل بِلاَ عَيْبٍ وَلاَ دَنَسٍ، دَمِ الْمَسِيحِ" (1بط1: 18 ، 19). وهكذا كان السيد المسيح – على الصليب – "عَامِلًا الصُّلْحَ بِدَمِ صَلِيبِهِ" (كو1: 20). وبهذا الصلح بيننا وبين الله، أدخلنا إلى ملكوته.
الأمور المختصة بالملكوت
لعل أول أمر هو الفداء، وحمله الخطية نيابة عنا. هذا هو أول أمر تحدث فيه السيد المسيح مع تلاميذه: دخول الملكوت بدم المسيح. حتى في ملكوته الأبدي، ظهر "وَهُوَ مُتَسَرْبِلٌ بِثَوْبٍ مَغْمُوسٍ بِدَمٍ، وَيُدْعَى اسْمُهُ كَلِمَةَ اللهِ"(رؤ19: 13)..
ولما كان الرب قد ملك بدمه، نغني له في يوم الجمعة الكبيرة التي سفك فيها دمه لحن بيك إثرونوس. نقول له فيه: "كُرْسِيُّكَ (عرشك) يَا اَللهُ إِلَى دَهْرِ الدُّهُورِ. قَضِيبُ اسْتِقَامَةٍ قَضِيبُ مُلْكِكَ" (مز45: 6) (عب1: 8).
وما معنى "قَضِيبُ اسْتِقَامَةٍ قَضِيبُ مُلْكِكَ؟". معناه أن هذا الملك قد تم بالاستقامة، أي بالحق والعدل، عندما أخذ العدل الإلهي حقه كاملًا على الصليب. وتم استيفاء حكم الموت الذي اجتاز إلى جميع البشر. بهذا الدم بدأ تأسيس ملكوت الله. ولكن لمن؟ "الَّذِينَ يَخْلُصُونَ" (أع 2: 47). وكيف يخلصون؟ أولاً بالإيمان..
وهنا حدث المسيح تلاميذه عن الأمر الثاني الخاص بالملكوت، وهو الإيمان: هذا الذي قاله من قبل لنيقوديموس: "هكَذَا أَحَبَّ اللهُ الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ، لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ، بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ" (يو3: 16).
لقد بدأ الملكوت على الصليب، وأول دليل على ذلك، أن الرب فتح الفردوس، وأدخل فيه الراقدين على رجاء. نزل إلى أقسام أرض السفلى، وسبى سبيًا (أف4: 9، 8)، وأصعد أولئك الذين "لَمْ يَنَالُوا الْمَوَاعِيدَ، بَلْ مِنْ بَعِيدٍ نَظَرُوهَا وَصَدَّقُوهَا وَحَيُّوهَا.. يَبْتَغُونَ وَطَنًا أَفْضَلَ، أَيْ سَمَاوِيًّا" (عب11: 13، 16). كان لا بد للملكوت أن ينتشر في كل أرجاء الأرض..
لذلك قال لهم سرًا آخر يختص بالملكوت وهو قبول الأمم.
فقال لهم: "اذْهَبُوا إِلَى الْعَالَمِ أَجْمَعَ وَاكْرِزُوا بِالإِنْجِيلِ لِلْخَلِيقَةِ كُلِّهَا" (مر16: 15). وأيضًا: "فَاذْهَبُوا وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ الأُمَمِ وَعَمِّدُوهُمْ بِاسْمِ الآب وَالابْنِ وَالرُّوحِ الْقُدُسِ وَعَلِّمُوهُمْ أَنْ يَحْفَظُوا جَمِيعَ مَا أَوْصَيْتُكُمْ بِهِ"(مت 28: 19، 20).
ولانتشار الملكوت: "سَتَنَالُونَ قُوَّةً مَتَى حَلَّ الرُّوحُ الْقُدُسُ عَلَيْكُمْ، وَتَكُونُونَ لِي شُهُودًا فِي أُورُشَلِيمَ وَفِي كُلِّ الْيَهُودِيَّةِ وَالسَّامِرَةِ وَإِلَى أَقْصَى الأَرْضِ"(أع 1: 8).
بهذا سلّمهم المعمودية ضمن الأمور المختصة بملكوت الله. فالخلاص لن يكون بالإيمان فقط، إنما كما قال لهم: "مَنْ آمَنَ وَاعْتَمَدَ خَلَصَ"(مر16: 16).. فالمعمودية هي موت وقيامة معه (رو6). لأنه "بِمُقْتَضَى رَحْمَتِهِ خَلَّصَنَا بِغُسْلِ الْمِيلاَدِ الثَّانِي وَتَجْدِيدِ الرُّوحِ الْقُدُسِ" (تي 3: 5) "مَدْفُونِينَ مَعَهُ فِي الْمَعْمُودِيَّةِ" (كو2: 12).
وهكذا فعل تلاميذه حسبما أوصاهم. وكانوا يعمّدون كل الذين يؤمنون. بل إنهم في يوم الخمسين، يوم حلول الروح القدس، عمّدوا في ذلك اليوم ثلاثة آلاف نفس (أع2: 41). وبهذه المعمودية يصبح الذين آمنوا من بني الملكوت..
ولكن لكي يؤمن الناس ويعتمدوا، ينبغي أن يبشروهم. ولهذا اهتم الرسل جدًا بأن يعكفوا على الصلاة وخدمة الكلمة (أع 6: 4). لماذا؟ لأنه إن كان "كُلَّ مَن يَدعو بِاسمِ الرَّبِّ يَخلصُ. فَكَيفَ يَدعونَ بِمَن لَم يؤمِنوا بِهِ؟ وَكَيفَ يؤمِنونَ بِمَن لَم يَسمَعوا بِهِ؟ وَكَيفَ يَسمَعونَ بِلاَ كَارِزٍ؟!"(رو10: 13، 14). وهكذا كانت الكرازة من الأمور المختصة بالملكوت. فخرج الرسل فيما بعد، يكرزون حسبما أمرهم المسيح. ونجحت كرازتهم "وَكَانَ الرَّبّ كلَّ يَومٍ يَضمّ إِلَى الكَنِيسَةِ الَّذِينَ يَخلصونَ" (أع2: 47)، "وَكَانَ مؤمِنونَ يَنضَمّونَ لِلرَّبِّ أَكثَرَ، جَمَاهِير مِن رِجَال وَنِسَاءٍ" (أع5: 14) "وَكَانَت كَلِمَة اللهِ تَنمو، وَعَدَد التَّلاَمِيذِ يَتَكَاثَر جِدًّا فِي أورشَلِيمَ، وَجمهورٌ كَثِيرٌ مِنَ الكَهَنَةِ يطِيعونَ الإِيمَانَ" (أع6: 7). وبنيت الكنائس في كل مكان "وَأَمَّا الكَنَائِس فِي جَمِيعِ اليَهودِيَّةِ وَالجَلِيلِ وَالسَّامِرَةِ فَكَانَ لَهَا سَلاَمٌ، وَكَانَت تبنَى وَتَسِير فِي خَوفِ الرَّبِّ، وَبِتَعزِيَةِ الرّوحِ القدسِ كَانَت تَتَكَاثَر" (أع 9: 31).
إن طبيعة النمو من الأمور المختصة بملكوت الله. وهكذا كان الرب قد سبق وقال لهم: "هكَذَا مَلَكُوتُ اللهِ: كَأَنَّ إِنْسَانًا يُلْقِي الْبِذَارَ عَلَى الأَرْضِ، وَيَنَامُ وَيَقُومُ لَيْلًا وَنَهَارًا، وَالْبِذَارُ يَطْلُعُ وَيَنْمُو، وَهُوَ لاَ يَعْلَمُ كَيْفَ؟ لأَنَّ الأَرْضَ مِنْ ذَاتِهَا تَأْتِي بِثَمَرٍ. أَوَّلًا نَبَاتًا، ثُمَّ سُنْبُلًا، ثُمَّ قَمْحًا مَلآنَ فِي السُّنْبُلِ.."(مر4: 26- 28).
علّمهم أيضًا أن التوبة من الأمور المختصة بملكوت الله. لأنه "إِنْ لَمْ تَتُوبُوا فَجَمِيعُكُمْ كَذلِكَ تَهْلِكُونَ" (لو13: 3، 5). وهكذا أعطى الله التوبة للحياة (أع 11: 18). ولكن لا يستطيع الناس أن يتوبوا، إن لم يتجدد القلب من الداخل بالروح القدس (تي3: 5). وهكذا سلّمهم الرب في تلك الأيام منح الروح القدس. فبذلك تصبح أجساد الناس هياكل للروح القدس، وروح الله يسكن فيهم (1كو3: 16) (1كو6: 19). وإذ يسكن روح الله فيهم، إنما يملك عليهم. وهكذا علمهم أن منح الروح القدس من الأمور المختصة بملكوت الله. ونفذ الرسل هذا التعليم، فكانوا يضعون أيديهم على المعمّدين، ويعطونهم الروح القدس. كما فعل القديسان بطرس ويوحنا مع أهل السامرة (أع8: 16، 17). وكما فعل القديس بولس مع أهل أفسس (أع19: 5، 6).. فيما بعد استُخدمت المسحة المقدسة (1يو2: 20، 21).
من الأمور المختصة بملكوت الله أيضًا، سلّمهم سر الإفخارستيا. هذا الذي كان قد تكلم عنه قبلًا، حينما تحدث عن خبز الحياة، الخبز النازل من السماء (يو6). قائلًا: "مَنْ يَأْكُلُ جَسَدِي وَيَشْرَبُ دَمِي فَلَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ، وَأَنَا أُقِيمُهُ فِي الْيَوْمِ الأَخِيرِ"، "مَنْ يَأْكُلْ جَسَدِي وَيَشْرَبْ دَمِي يَثْبُتْ فِيَّ وَأَنَا فِيهِ" (يو6: 54، 56). ولما لم يكن بولس الرسول مع الأحد عشر خلال الأربعين يومًا، لأنه لم يكن قد آمن بعد.. لذلك سلّمه الرب بعد إيمانه هذا السر، وبدوره سلّم هذا السر في رسالته الأولى إلى أهل كورنثوس (1كو11: 23 – 26). إذًا فقد تسلّم الرسل من الرب أسرار الكنيسة باعتبارها من الأمور المختصة بملكوت الله.
ولكن لكي يخدموا الأسرار، كان لابد أن يمنحهم سلطان الكهنوت. وهكذا دخل إليهم في العلية، وقال لهم: "كَمَا أَرْسَلَنِي الآبُ أُرْسِلُكُمْ أَنَا وَلَمَّا قَالَ هذَا نَفَخَ وَقَالَ لَهُمُ: اقْبَلُوا الرُّوحَ الْقُدُسَ، مَنْ غَفَرْتُمْ خَطَايَاهُ تُغْفَرُ لَهُ، وَمَنْ أَمْسَكْتُمْ خَطَايَاهُ أُمْسِكَتْ" (يو20: 21- 23). ومارس الرسل سلطان مغفرة الخطايا، كما مارس المؤمنون الاعتراف بخطاياهم (أع19: 18). لأن هذه الأمور المختصة بملكوت الله.
بدأت الكنيسة تعمل، لأن عمل الكنيسة هو نشر ملكوت الله. الكنيسة هي التي تكرز وتعلم وتنشر الإيمان، وهي التي تعمد وتضم الذين يخلصون. وهي التي تمسح المؤمنون بالمسحة المقدسة، فيسكن روح الله فيهم. وهي التي تقود الخطاة إلى التوبة لتغفر لهم خطاياهم، وهي التي ترعى الناس وتعلمهم محبة الله والثبات فيه.
كل الكهنة والخدام ليس لهم عمل سوى بناء الملكوت. وكل نشاط من أنشطة الكنيسة ينبغي أن يرتبط بالملكوت. وإن كان الأمر كذلك، يكون إعداد الخدام الروحيين هو من الأمور المختصة بملكوت الله. نقصد الخدام الذين لا تقتصر خدمتهم على النواحي الفكرية والثقافية والاجتماعية. بل يكون عملهم هو بناء النفوس، لتكون أعضاء في جسد المسيح، ولكي يكون المخدومون من بني الملكوت.
إن كل خدمة كنسية بعيدة عن الملكوت، ليست هي خدمة بالحقيقة. وهكذا قال الرسول إن الرب: "أَعْطَى الْبَعْضَ أَنْ يَكُونُوا رُسُلًا، وَالْبَعْضَ أَنْبِيَاءَ، وَالْبَعْضَ مُبَشِّرِينَ، وَالْبَعْضَ رُعَاةً وَمُعَلِّمِينَ لأَجْلِ تَكْمِيلِ الْقِدِّيسِينَ لِعَمَلِ الْخِدْمَةِ، لِبُنْيَانِ جَسَدِ الْمَسِيحِ، إِلَى أَنْ نَنْتَهِي جَمِيعُنَا إِلَى وَحْدَانِيَّةِ الإِيمَانِ وَمَعْرِفَةِ ابْنِ اللهِ. إِلَى إِنْسَانٍ كَامِل. إِلَى قِيَاسِ قَامَةِ مِلْءِ الْمَسِيحِ" (أف4: 11- 13).
هذا هو بناء الملكوت. وهذا هو هدف الخدمة. وإن كان السيد المسيح قد شرح الأمور المختصة بملكوت الله.
فما هو إذًا دور كل عضو في الكنيسة في بناء الملكوت؟
نقول هذا ليس فقط للرعاة والكهنة وكل الإكليروس، وكل الخدام والخادمات.. إنما نقوله أيضًا لكل أب ولكل أم ولكل أسرة.
فهل الخدمة إذًا تكفي؟ كلا، بل معها النعمة أيضًا. عمل النعمة هو من الأمور المختصة بملكوت الله. وهكذا قال بولس الرسول: "بِنِعْمَةِ اللهِ أَنَا مَا أَنَا، وَنِعْمَتُهُ الْمُعْطَاةُ لِي لَمْ تَكُنْ بَاطِلَةً، بَلْ أَنَا تَعِبْتُ أَكْثَرَ مِنْهُمْ جَمِيعِهِمْ. وَلكِنْ لاَ أَنَا، بَلْ نِعْمَةُ اللهِ الَّتِي مَعِي" (1كو15: 10).
ولست أريد هنا أن أتكلم كثيرًا عن النعمة العاملة والمعطية، وإنما أحيلكم إلى كتاب وضعته لكم خصيصًا عن النعمة. قال السيد المسيح: "مَلَكُوتُ اللهِ دَاخِلَكُمْ "(لو17: 21). ولكن ملكوت الله في داخل الإنسان عبارة عن درجات..
درجات ليس الكل فيها واحدًا، بل كثيرًا ما يمتاز فيها شخص عن آخر. وبهذا ففي السماء "نَجْمًا يَمْتَازُ عَنْ نَجْمٍ فِي الْمَجْدِ" (1كو15: 41). والإنسان الواحد قد ينمو ملكوت الله في داخلهِ، وقد يضعفُ عندما يتركُ محبته الأولى (رؤ2: 4). وربما لا يسلّم الإنسان كلَ حياته لله. ويكون ملكوت الله في داخلهِ ملكوتًا جزئيًا. ويستبقى جزءًا غير مملوك من الرب. وتكون لهذا خطورته القصوى عليه.. ابحث إذًا عن ذلك الجزء الذي لا يملكه الله فيك، وسبب ذلك. وحاول أن تصطلح مع الله، لأن الوصية هي أن تحب الله من كل قلبك، ومن كل فكرك (مت22: 37) (تث6: 5).
ملكوتُ الله يحتاجُ إلى حياة الانتصارِ، وهناك وعود للغالبين. جاهد لكي يملك الله كل ما فيك، ولا يبقى في قلبكِ شيء يتمرد على ملكوته، أو ينفصل عن ملكوته، وتذكر قول الرسول: "لَمْ تُقَاوِمُوا بَعْدُ حَتَّى الدَّمِ مُجَاهِدِينَ ضِدَّ الْخَطِيَّةِ" (عب12: 4).
لقد وعد الله الغالبين بأن يأكلوا من شجرة الحياة، ومن المن المخفي (رؤ2: 7، 17). بل ما أجمل وما أمجد عبارته: "مَنْ يَغْلِبُ فَسَأُعْطِيهِ أَنْ يَجْلِسَ مَعِي فِي عَرْشِي، كَمَا غَلَبْتُ أَنَا أَيْضًا وَجَلَسْتُ مَعَ أَبِي فِي عَرْشِهِ" (رؤ3: 21)!
الذين يملكهم الله على الأرض، هم الذين يتمتعون بملكوته في السماء. إذًا الملكوت يبدأ هنا، ويكمل هناك.. ملكوت السموات، الذي عُبّر عنه بأورشليم السمائية، مسكن الله مع الناس (رؤ21: 2، 3)، هو خاص بمن عاشوا حياة مقدسة على الأرض "وَلَنْ يَدْخُلَهَا شَيْءٌ دَنِسٌ وَلاَ مَا يَصْنَعُ رَجِسًا وَكَذِبًا، إِّلاَّ الْمَكْتُوبِينَ فِي سِفْرِ حَيَاةِ الْخَرُوفِ" (رؤ21: 27).
فهل حياتك على الأرض مؤهلة للملكوت السماوي؟
الملكوت السماوي هو "مَا لَمْ تَرَ عَيْنٌ، وَلَمْ تَسْمَعْ أُذُنٌ، وَلَمْ يَخْطُرْ عَلَى بَالِ إِنْسَانٍ"(1كو2: 9). وهو يبدأ بعد انتهاء هذا العالم الحاضر.. ويخيل إليَّ أن الرب في حديثه مع تلاميذه عن الأمور المختصة بملكوت الله، قد حدثهم عن هذا الملكوت أيضًا. بدليل أنهم بعد ذلك سألوه عن مجيئه الثاني، فأجابهم: "لَيْسَ لَكُمْ أَنْ تَعْرِفُوا الأَزْمِنَةَ وَالأَوْقَاتَ الَّتِي جَعَلَهَا الآبُ فِي سُلْطَانِهِ" (أع1: 7).
[1] مقال لقداسة البابا شنوده الثالث، نشر في مجلة الكرازة بتاريخ 30 مايو 1997م
السيد المسيح مع تلاميذه أربعين يومًا بعد القيامة
السيد المسيح مع تلاميذه أربعين يومًا بعد القيامة[1]
ونحن نحتفل بأفراح القيامة، يسرني أن أحدثكم عن التأمل في موضوع.. السيد المسيح مع تلاميذه أربعين يومًا بعد القيامة، وهي أيام فرح بالرب. بدأت بمعجزة، وانتهت بمعجزة. بدأت بمعجزة القيامة، وانتهت بمعجزة الصعود. وكل من هاتين المعجزتين تدل على لاهوت الرب. وبين هاتين المعجزتين توجد معجزات أخرى كثيرة منها:
(أ) دخول السيد المسيح من الأبواب المغلقة على التلاميذ. كما ورد في (يو20: 19، 26).
وهي معجزة تدل على أن جسد القيامة كان جسدًا ممجدًا، لا تستطيع أن تعترضه العوائق المادية، تمامًا كما خرج من القبر في معجزة القيامة، والقبر مغلق.
(ب) معجزة أخرى، وهي أنه كان يظهر فجأة ويختفي فجأة. أحيانًا يجدونه ماشيًا معهم أو واقفًا في وسطهم، كما حدث مع تلميذي عمواس (لو24: 15)، ومع التلاميذ الأحد عشر(لو24: 36)، ومع التلاميذ السبعة على شاطئ بحر طبرية (يو21: 4).
(جـ) يضاف إلى هذا، إنه كان يخفي عنهم معرفته حينًا، ويظهرها لهم حينًا آخر، كما فعل مع تلميذي عمواس (لو24: 16، 31) "أُمْسِكَتْ أَعْيُنُهُمَا عَنْ مَعْرِفَتِهِ" ثم "انْفَتَحَتْ أَعْيُنُهُمَا وَعَرَفَاهُ".
وكما حدث أيضًا مع مريم المجدلية (يو20: 14، 16). ونفس الأمر حدث للتلاميذ عند شاطئ طبرية (يو21: 4، 7).
(د) معجزة رابعة وهي صيد السمك الكثير: حينما قال لهم: "أَلْقُوا الشَّبَكَةَ إِلَى جَانِبِ السَّفِينَةِ الأَيْمَنِ فَتَجِدُوا. فَأَلْقَوْا، وَلَمْ يَعُودُوا يَقْدِرُونَ أَنْ يَجْذِبُوهَا مِنْ كَثْرَةِ السَّمَكِ".. إذ كانت "مُمْتَلِئَةً سَمَكًا كَبِيرًا، مِئَةً وَثَلاَثًا وَخَمْسِينَ" (يو21: 6، 11). وهكذا قال يوحنا: "هُوَ الرَّبُّ" (يو21: 7).
(ه) ويمكن أن نضيف إلى معجزات تلك الفترة: ظهورات ملائكة القيامة وتبشيرهم لكل من زار القبر، وكذلك معجزة الأكفان التي خرج منها السيد المسيح، والمنديل الموضوع وحده في ناحية داخل القبر، مما جعل بطرس ويوحنا يؤمنان بالقيامة (يو20: 6 – 9).
وفي قيامة المسيح، وفّي بوعده لتلاميذه ففرحوا جدًا بلقائه.
كان قد قال لهم قبل صلبه: "بَعْدَ قَلِيل لاَ تُبْصِرُونَنِي، ثُمَّ بَعْدَ قَلِيل أَيْضًا تَرَوْنَنِي" (يو16: 16). وقال لهم أيضًا: "وَلكِنِّي سَأَرَاكُمْ أَيْضًا فَتَفْرَحُ قُلُوبُكُمْ، وَلاَ يَنْزِعُ أَحَدٌ فَرَحَكُمْ مِنْكُمْ" (يو16: 22).
وهكذا قيل في الإنجيل، لما وقف المسيح في وسط تلاميذه بعد القيامة: "فَفَرِحَ التَّلاَمِيذُ إِذْ رَأَوْا الرَّبَّ" (يو20: 20).
وهم لم يروه فقط، وإنما "أَرَاهُمْ أَيْضًا نَفْسَهُ حَيًّا بِبَرَاهِينَ كَثِيرَةٍ، بَعْدَ مَا تَأَلَّمَ وَهُوَ يَظْهَرُ لَهُمْ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، وَيَتَكَلَّمُ عَنِ الأُمُورِ الْمُخْتَصَّةِ بِمَلَكُوتِ اللهِ" (أع 1: 3).
ولهذا تعتبر هذه الأيام أيام فرح، لا مطانيات فيها ولا صوم، لأنه "لا يَسْتَطِيعُ بَنُو الْعُرْسِ أَنْ يَصُومُوا وَالْعَرِيسُ مَعَهُمْ؟" (مر2: 19).
وإذ فرح التلاميذ بوفاء وعده لهم، وثقوا تمامًا بوفاء كل وعوده أيضًا. سواء الوعود التي قالها لهم قبل صلبه، أو ما قاله لهم بعد قيامته. وبخاصة وعوده عن إرسال الروح القدس لهم، وما سيمنحه لهم من قوة لكي يشهدوا له (أع1: 8). ووعوده لهم بمواهب الشفاء وبعناية الرب لهم (مر16: 17، 18).. إذ قد ظهرت لهم قوة الرب في قيامته، كما ظهر صدق وعوده.
نلاحظ أيضًا أن الرب في ظهوره لتلاميذه، كان يختار الأشخاص الذين يظهر لهم، ومكان الظهور وموعده.
هو الذي حدد بنفسه لمن يظهر: لمريم المجدلية، لبطرس، لتلميذي عمواس، للأحد عشر، لتوما، للسبعة تلاميذ، ليعقوب. وفيما بعد لشاول الطرسوسي، ولأكثر من خمسمائة أخ (1كو15: 5 – 8).
ومن جهة المكان، ظهر عند القبر للمريمتين، ثم لمريم المجدلية. وأيضًا في الجليل حسبما قال للمريمتين: "قُولاَ لإِخْوَتِي أَنْ يَذْهَبُوا إِلَى الْجَلِيلِ، وَهُنَاكَ يَرَوْنَنِي" (مت 28: 10، 16).
كما ظهر أيضًا في العلية (يو20: 19) وعند شاطئ طبرية (يو21: 1). وفي الطريق كما ظهر لتلميذي عمواس (لو24: 15).
وكل ذلك في الموعد الذي اختاره هو. وهذا كله يذكرنا بقول الكتاب: "لاَ يَأْتِي مَلَكُوتُ اللهِ بِمُرَاقَبَةٍ" (لو17: 20).
نحن لا نعلم متى يفتقدنا الرب بنعمته، وبرحمته؟ ومتى يعمل روحه القدوس فينا، وكيف؟ متى يتكلم في قلوبنا، ومتى يوجه إرادتنا؟ ومتى يمنحنا قوة من عنده؟ كل هذا لا يمكن أن يخضع لمراقبة منا. إنما فجأة، وفي وقت لا نتوقعه، نجد الرب معنا في العلية والأبواب مغلقة، ونسمعه يقول: "سَلاَمٌ لَكُمْ" (يو20: 19).
وفي وقت ما كان يتوقعه شاول الطرسوسي، يجد نورًا أبرق حوله، وصوت الرب يقول له: "شَاوُلُ، شَاوُلُ! لِمَاذَا تَضْطَهِدُنِي؟!" (أع 9: 4). كذلك في وقت ما كان يتوقعه صموئيل الطفل، وفي سن لم تكن منتظرة، ينادي الرب هذا الطفل، ويحمله رسالة لعالي الكاهن (1صم3: 4-14).
هكذا ظهر الرب لتلاميذه في لقاءات متعددة، وعلى مدى أربعين يومًا.
كما كان الرب أيضًا مع موسى النبي على الجبل يسلمه الوصايا التي كتبها له، والوصايا غير المكتوبة. وأيضًا كان ذلك في مدى أربعين يومًا.
ولعل الرقم 40 له رموزه...
فالرقم 10 يرمز لوصايا الرب، والرقم 4 يرمز إلى جهات الأرض الأربع. فكان 4×10 ترمز إلى نشر وصايا الله في جميع أرجاء المسكونة. وصاياه لموسى وللرسل..
لم يظهر السيد المسيح للكل، ولكن لتلاميذه الذين يأتمنهم على حمل رسالة.
لم يظهر لحنان أو قيافا، ولا لهيرودس أو بيلاطس، ولا للكهنة والكتبة والفريسيون ورؤساء اليهود.
فهؤلاء ما كانوا يستجيبون، بل قد انشغلوا بدفع الرشاوي للجند واضعين كلمة كذب في أفواههم. كذلك انشغلوا بمحاربة القيامة، واضطهاد من ينادي بها. كل أولئك كان ينطبق عليهم قول أبونا إبراهيم: "وَلاَ إِنْ قَامَ وَاحِدٌ مِنَ الأَمْوَاتِ يُصَدِّقُونَ!" (لو16: 31).
ظهر السيد المسيح لرسله، وللمرأة أيضًا.
فقد رفع من شأن المرأة، وجعل لها رسالة في المجتمع، وعملًا في الكنيسة. جميل قول إنجيل مارمرقس "وَبَعْدَمَا قَامَ بَاكِرًا فِي أَوَّلِ الأُسْبُوعِ ظَهَرَ أَوَّلًا لِمَرْيَمَ الْمَجْدَلِيَّةِ" (مر16: 9).
ظهر لها مع مريم الأخرى فيما هما منصرفتان من عند القبر وقال لهما سلام لكما: "فَتَقَدَّمَتَا وَأَمْسَكَتَا بِقَدَمَيْهِ وَسَجَدَتَا لَهُفَقَالَ لَهُمَا يَسُوعُ: لاَ تَخَافَا. اِذْهَبَا قُولاَ لإِخْوَتِي أَنْ يَذْهَبُوا إِلَى الْجَلِيلِ، وَهُنَاكَ يَرَوْنَنِي" (مت28: 9، 10). وظهر للمجدلية مرة أخرى وهي تبكي خارج القبر (يو20: 14). وعزاها، وأعطاها خبرًا توصله إلى تلاميذه "فَجَاءَتْ مَرْيَمُ الْمَجْدَلِيَّةُ وَأَخْبَرَتِ التَّلاَمِيذَ أَنَّهَا رَأَتِ الرَّبَّ، وَأَنَّهُ قَالَ لَهَا هذَا" (يو20: 18).
وكانت فترة الأربعين يومًا للرب مع التلاميذ، فترة تعليم وتفهيم وتسليم. سلمهم فيها الأمور المختصة بملكوت الله (أع1: 3).
بل سلمهم كل الأمور الخاصة بتفسير الرموز التي في العهد القديم. يقول الإنجيل في لقائه مع تلميذي عمواس: "ثُمَّ ابْتَدَأَ مِنْ مُوسَى وَمِنْ جَمِيعِ الأَنْبِيَاءِ يُفَسِّرُ لَهُمَا الأُمُورَ الْمُخْتَصَّةَ بِهِ فِي جَمِيعِ الْكُتُبِ" (لو24: 27).
لا شك أنه كنز من المعلومات، هذا الذي قاله لهما الرب. ولكن معلمنا لوقا الإنجيلي لم يكتبه لنا..
وفي لقائه مع الأحد عشر قال لهم: ".. أَنَّهُ لاَ بُدَّ أَنْ يَتِمَّ جَمِيعُ مَا هُوَ مَكْتُوبٌ عَنِّي فِي نَامُوسِ مُوسَى وَالأَنْبِيَاءِ وَالْمَزَامِيرِ. حِينَئِذٍ فَتَحَ ذِهْنَهُمْ لِيَفْهَمُوا الْكُتُبَ" (لو24: 44، 45).
يا إخوتي، يحدث لي أحيانًا أنني أعاتب معلمنا القديس العظيم لوقا الإنجيلي، وأقول له: لماذا يا سيدي لم تكتب كل ذلك لنا؟!
ذخيرة المعلومات العجيبة العميقة الإلهية هذه، التي فتح بها الرب أذهان تلاميذه، وفسر لهما الأمور المختصة به في ناموس موسى والأنبياء والمزامير.
ولكننى أعود وأسحب عتابي.. حينما أتذكر قول الرب لتلاميذه: "اذْهَبُوا وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ الأُمَمِ.. وَعَلِّمُوهُمْ أَنْ يَحْفَظُوا جَمِيعَ مَا أَوْصَيْتُكُمْ بِهِ" (مت28: 19، 20).
ولقد أطاع الرسل ما قاله لهم الرب، وعلمونا جميع ما أوصاهم به الرب، وما فسره لهم الرب.. البعض ذكروه في رسائلهم، والبعض في كتب تعاليمهم وقوانينهم. ولكن ماذا عن الذي لم يكتبوه؟ أو الذي قال عنه يوحنا الرسول مثلًا: "إِذْ كَانَ لِي كَثِيرٌ لأَكْتُبَ إِلَيْكُمْ، لَمْ أُرِدْ أَنْ يَكُونَ بِوَرَق وَحِبْرٍ، لأَنِّي أَرْجُو أَنْ آتِيَ إِلَيْكُمْ وَأَتَكَلَّمَ فَمًا لِفَمٍ" (2يو12) (3يو13، 14).
كل ذلك وصل إلينا في حياة الكنيسة وتقاليدها. وهنا نستعيد ما قاله الرب حينما فتح ذهنهم.. لقد فسر لهم من أول موسى.. من أول سفر التكوين والخروج واللاويين والعدد والتثنية.
لعله بدأ معهم رموز قصة الخلاص من أول نسل المرأة الذي يسحق رأس الحية (تك3: 15). ثم سلسلة الذبائح والمحرقات من أول هابيل الصديق (تك4: 4). وقصة خروف الفصح الذي افتدى الأبكار، وقول الرب عنه: "فَأَرَى الدَّمَ وَأَعْبُرُ عَنْكُمْ" (خر12: 13). هذا الذي قال عنه بولس الرسول فيما بعد: "لأَنَّ فِصْحَنَا أَيْضًا الْمَسِيحَ قَدْ ذُبحَ لأَجْلِنَا" (1كو5: 7).
كل الذبائح كانت ترمز إلى المسيح في هذه العبارة. بريء يحمل خطايا مذنب، ليموت بدلًا منه. فالحيوان الذي يذبحونه حيوان بريء، يضع الخاطئ يده عليه ويعترف بخطاياه. فيحمل هذا الحيوان ذنوب الخاطئ، وينوب عنه في الموت، "لأَنَّ أُجْرَةَ الْخَطِيَّةِ هِيَ مَوْتٌ" (رو6: 23). "وَبِدُونِ سَفْكِ دَمٍ لاَ تَحْصُلُ مَغْفِرَةٌ" (عب9: 22). ولعل في كل ذلك شرح لهم رموز المحرقة، وذبيحة الخطية، وذبيحة الإثم، وذبيحة السلامة.
وأيضًا رموز الأشخاص إليه مثل إسحاق الذي يرمز إلى ذبيحة الابن الوحيد، ويوسف الذي باعه أخوته. وداود الذي قال: "أَكْثَرُ مِنْ شَعْرِ رَأْسِي الَّذِينَ يُبْغِضُونَنِي بِلاَ سَبَبٍ" (مز69: 4)
والذي قال: "ثَقَبُوا يَدَيَّ وَرِجْلَيَّ. وأحصوا كُلَّ عِظَامِي" (مز22: 16، 17).. وما أكثر الإشارات التي تدل عليه في المزامير مثل؛ "قَالَ الرَّبُّ لِرَبِّي اجْلِسْ عَنْ يَمِينِي حَتَّى أَضَعَ أَعْدَاءَكَ مَوْطِئًا لِقَدَمَيْكَ" (مز110: 1).
وأيضًا "أَقْسَمَ الرَّبُّ وَلَنْ يَنْدَمَ: أَنْتَ كَاهِنٌ إِلَى الأَبَدِ عَلَى رُتْبَةِ مَلْكِي صَادَقَ" (مز110: 4).
ولعله شرح النبوات التي وردت عنه.. وبخاصة في سفر إشعياء النبي الذي يسمونه النبي الإنجيلي، الذي تنبأ عن ولادة السيد من عذراء (إش7: 14). والذي تحدث عن لاهوته (إش9: 6). وتنبأ أيضًا عن آلامه وعن فدائه للبشرية، بقوله: "كُلُّنَا كَغَنَمٍ ضَلَلْنَا. مِلْنَا كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى طَرِيقِهِ، وَالرَّبُّ وَضَعَ عَلَيْهِ إِثْمَ جَمِيعِنَا"(إش53: 6).
كذلك الرموز الأخرى التي ترمز إليه. مثل يونان النبي في بطن الحوت، ومثل الحية النحاسية (يو3: 14).
ومثل المن الذي نزل من السماء (يو6). بل ما يرمز إلى أمه العذراء أيضًا من حيث علاقتها به: كالمجمرة الذهبية التي تحمل الجمر داخلها، وكالعليقة المشتعلة بالنار ولا تحترق (خر3: 2).. ويعوزنا الوقت إن ذكرنا كل ذلك وغيره مما ذكره الرب بلا شك لتلاميذه. وأيضًا في فترة الأربعين المقدسة، لابد أنه سلمهم كل عقائد الكنيسة وطقوسها.
[1] مقال لقداسة البابا شنوده الثالث، نشر في جريدة وطني بتاريخ 2 مايو 1993م
في الأربعين يومًا سلم المسيح عقائد الكنيسة لتلاميذه
في الأربعين يومًا سلَّم المسيح عقائد الكنيسة لتلاميذه[1]
كيف نحتفظ بروحياتنا خلال أفراح الخماسين؟
حينما ظهر المسيح لتلاميذه بعد القيامة، كانوا في حالة نفسية في غاية التعب.
كان اليهود يطاردونهم مع كل من ينتمي إلى المسيح. لذلك كانوا خائفين ومغلقين على أنفسهم في العلية.. وما كانوا قد نالوا بعد القوة التي تحل عليهم من الروح القدس.
وكان يحيط بهم أيضًا الخوف والحزن والشك، بعد أحداث الصلب وما فعله سلطان الظلمة بقائدهم ومعلمهم العظيم صانع المعجزات والعجائب..
لذلك كانوا في حاجة إلى قوة خارجية تعيد إليهم الثقة والطمأنينة، وتحقق لهم المواعيد التي وعدهم بها الرب.
وكأن ملاكًا قد وقف على باب القبر الذي دفن فيه المسيح، وهو ينشد ويقول:
قم حــــطــــم الـشيطان لا تبق لدولـــته بـــــقــية
قم قو إيمان الرعاة ولـــــم أشــتات الـــــــرعية
واغفر لبطرس ضعفه وامسح دموع المجدلية
واكـــشف جراحك مقنعًا تـــومـــا فـــــريــبـتــه قــويــة
وهكذا قام السيد المسيح وظهر لبطرس الذي كان قد أنكره أثناء محاكمته ثلاث مرات، وظهر أيضًا لمريم المجدلية التي شكت في قيامته ثلاث مرات (يو20). وظهر لتوما الذي قال: "إِنْ لَمْ أُبْصِرْ فِي يَدَيْهِ أَثَرَ الْمَسَامِيرِ، وَأَضَعْ إِصْبِعِي فِي أَثَرِ الْمَسَامِيرِ، وَأَضَعْ يَدِي فِي جَنْبِهِ، لاَ أُومِنْ" (يو20: 25). وظهر لباقي الرسل الذين كانوا في خوف وشك.
كان لا بد أن يقوي بظهوره إيمان هؤلاء القادة الذين سينشرون الإيمان في كل الأرض. هؤلاء الذين شكوا، حتى حينما ظهر لهم أولًا، وظنوه خيالًا أو شبحًا أو روحًا (لو24: 37). حتى إنه قال لهم: "مَا بَالُكُمْ مُضْطَرِبِينَ، وَلِمَاذَا تَخْطُرُ أَفْكَارٌ فِي قُلُوبِكُمْ؟.. جُسُّونِي وَانْظُرُوا، فَإِنَّ الرُّوحَ لَيْسَ لَهُ لَحْمٌ وَعِظَامٌ كَمَا تَرَوْنَ لِي" (لو24: 38، 39). ولم يكتف بظهوره، بل قضى معهم أربعين يومًا، يثبت فيها إيمانهم، وسلمهم التعليم الذي سيكرزون به بعد أن يحل الروح القدس عليهم..
وقد شرحنا قبلًا كيف أنه فتح ذهنهم لكى يفهموا ما كتب عنه فى ناموس موسى، وفى كتب الأنبياء وفى المزامير(لو24: 27، 44-46).
سواء ما يتعلق بالذبائح أو الرموز أو النبوات..
كذلك سلمهم في تلك الفترة الأسرار الكنيسة، وكل عقائد الكنيسة وأنظمتها وطقوسها. ومارس الرسل تلك التعاليم، وتركوها في حياة الكنيسة المقدسة يتناقلها جيل بعد جيل. وكان الرسل يميلون إلى العمل الكرازي الشفاهي أكثر من الكتابة، حسبما قال القديس يوحنا الحبيب: "إِذْ كَانَ لِي كَثِيرٌ لأَكْتُبَ إِلَيْكُمْ، لَمْ أُرِدْ أَنْ يَكُونَ بِوَرَق وَحِبْرٍ، لأَنِّي أَرْجُو أَنْ آتِيَ إِلَيْكُمْ وَأَتَكَلَّمَ فَمًا لِفَمٍ" (2يو12) وكرر ذلك في (3يو13، 14). ومثلما قال القديس بولس فيما بعد: "وَأَمَّا الأُمُورُ الْبَاقِيَةُ فَعِنْدَمَا أَجِيءُ أُرَتِّبُهَاتفسير وليم ماكدونالد" (1كو11: 34).
ومن أمثلة العقائد التي سلمها السيد المسيح لرسله في تلك الفترة، طريقة ممارسة سر الإفخارستيا. وما يتعلق بهذا السر من استعداد روحي. كذلك كان قد أعطاهم هذا السر في يوم الخميس الكبير، وقال لهم: "اِصْنَعُوا هذَا لِذِكْرِي" (لو22: 19). ولكنه لم يقل لهم في ذلك اليوم كيف يقومون بهذا العمل. ويقينًا أنه شرح لهم ذلك كله خلال الأربعين يومًا.. لكنهم لم يكتبوا لنا ذلك، وإنما علموه للكنيسة بالممارسة.
ولأن بولس الرسول لم يكن واحدًا من الاثنى عشر، ولم يتسلم هذا التعليم خلال الأربعين يومًا، لأنه كان ضد الإيمان في ذلك الوقت. لذلك سلمه الرب هذا السر فيما بعد، بعد إيمانه وإرساليته. وهكذا يقول القديس بولس في إحدى رسائله: "لأَنَّنِي تَسَلَّمْتُ مِنَ الرَّبِّ مَا سَلَّمْتُكُمْ أَيْضًا: إِنَّ الرَّبَّ يَسُوعَ فِي اللَّيْلَةِ الَّتِي أُسْلِمَ فِيهَا، أَخَذَ خُبْزًا وَشَكَرَ فَكَسَّرَ، وَقَالَ: خُذُوا كُلُوا هذَا هُوَ جَسَدِي الْمَكْسُورُ لأَجْلِكُمُ. اصْنَعُوا هذَا لِذِكْرِي.. فَإِنَّكُمْ كُلَّمَا أَكَلْتُمْ هذَا الْخُبْزَ وَشَرِبْتُمْ هذِهِ الْكَأْسَ، تُخْبِرُونَ بِمَوْتِ الرَّبِّ إِلَى أَنْ يَجِيءَ" (1كو11: 23- 26).
وشرح القديس بولس الرسول أهمية الاستحقاق للتناول، وخطورة وعقوبة التناول بغير استحقاق. فقال إن الذي يتناول بغير استحقاق، يكون مجرمًا في جسد الرب ودمه، ويكون غير مميز جسد الرب، ويأكل ويشرب دينونة لنفسه. وأضاف: من أجل هذا فيكم كثيرون ضعفاء ومرضى وكثيرون يرقدون. وأوصى بأن يمتحن الإنسان نفسه قبل أن يتناول.. (1كو11: 27- 30).
كل هذا كان يمارسه المؤمنون قبل رسالة بولس في حياة الكنيسة عن طريق التسليم الرسولي بغير كتابة. وكانوا قد تسلموا ذلك من الرب. لأنه من غير المعقول أن يسلم الرب لبولس ما لم يسلمه لباقي الرسل. وإن كان بولس قد تسلم ذلك بعد إيمانه، فمما لا شك فيه أن الأحد عشر قد تسلموا ذلك كله وغيره خلال الأربعين يومًا التي قضاها الرب معهم.
كذلك تسلموا في تلك الفترة سر الكهنوت، وسلطانه في المغفرة والتعليم والتعميد.. وذلك حينما ظهر لهم الرب وقال لهم: "كَمَا أَرْسَلَنِي الآبُ أُرْسِلُكُمْ أَنَا، وَلَمَّا قَالَ هذَا نَفَخَ وَقَالَ لَهُمُ: اقْبَلُوا الرُّوحَ الْقُدُسَ. مَنْ غَفَرْتُمْ خَطَايَاهُ تُغْفَرُ لَهُ، وَمَنْ أَمْسَكْتُمْ خَطَايَاهُ أُمْسِكَتْ" (يو20: 21- 23).
ونلاحظ أن هذا السلطان لم يمنحه الرب لجميع المؤمنين، وإنما للرسل فقط. وبالطبع لخلفائهم أيضًا، حتى يستمر العمل الرسولي في الكنيسة. كذلك سلّمهم سلطان التعليم والتعميد، حينما قال لهم: "فَاذْهَبُوا وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ الأُمَمِ وَعَمِّدُوهُمْ بِاسْمِ الآب وَالابْنِ وَالرُّوحِ الْقُدُسِ. وَعَلِّمُوهُمْ أَنْ يَحْفَظُوا جَمِيعَ مَا أَوْصَيْتُكُمْ بِهِ"(مت28: 19، 20) (مر16: 15).
وطبيعي أنه شرح لهم كيف يمارسون سر العماد. كل هذا ما كان مناسبًا أن يشرحه آباؤنا الرسل بالتفصيل في الأناجيل أو الرسائل، التي قصد بها نشر القواعد الأساسية للإيمان. أما عن الطقوس والممارسة العملية، فقد سلمه الرسل عن طريق التقليد والحياة العملية داخل الكنيسة.
مثال ذلك كيفية سيامة القسوس والأساقفة. بانتشار المسيحية في كل مكان، كان لابد من إقامة الخدام في كل قطر وفي كل مدينة وقرية. وهكذا فإن بولس الرسول يقول لتلميذه تيطس أسقف كريت: "مِنْ أَجْلِ هذَا تَرَكْتُكَ فِي كِرِيتَ لِكَيْ تُكَمِّلَ تَرْتِيبَ الأُمُورِ النَّاقِصَةِ، وَتُقِيمَ فِي كُلِّ مَدِينَةٍ شُيُوخًا كَمَا أَوْصَيْتُكَ"(تي 1: 5).
ولكن الرسول لم يذكر طريقة إقامة القسوس. ولا شك أن هذا الأمر كان معروفًا في طقوس الكنيسة وفي حياتها العملية. مارسه الرسل وتركوه لخلفائهم. وكذلك سيامة الأساقفة، كما قال القديس بولس لتلميذه تيموثاوس "أُذَكِّرُكَ أَنْ تُضْرِمَ أَيْضًا مَوْهِبَةَ اللهِ الَّتِي فِيكَ بِوَضْعِ يَدَيَّ" (2تي 1: 6). وطبيعي أن وضع اليد كانت تصحبه صلوات ويصحبه نطق وطقس خاص، ولم يذكر ذلك كله، لأنه كان معروفًا في حياة الكنيسة، تركه الرسل فيها حسبما تعلموه من السيد المسيح..
ويتحدث القديس يوحنا الرسول عن سر المسحة. يذكر ذلك في رسالته الأولى (1يو2: 20، 27). فمن أين أتى بهذا الحديث عن المسحة؟ نستنتج أنه أخذ ذلك من المسيح خلال الأربعين يومًا، ثم كتبه في رسالته، وكانت الكنيسة تمارسه..
كل ذلك وغيره من الأمور المختصة بملكوت الله، التي تحدث فيها المسيح مع تلاميذه أثناء الأربعين يومًا، ولم تكتب في الأناجيل والرسائل، ووصلت إلينا عن طريق التقليد..
كانت تلك الفترة أيام فرح، ولكن ليس للكل. فرؤساء الكهنة وشيوخ اليهود ومعلموهم من الكتبة والفريسيين ما كانوا فرحين، وبخاصة عندما خرج التلاميذ فيما بعد ليكرزوا بقيامة المسيح وتعاليمه.
ولكن لأنها كانت فترة فرح للتلاميذ، فنحن لا نصوم فيها، ولا نمارس فيها المطانيات، لأنها أيام أعياد وفرح بالقيامة وبالوجود مع الرب.. لدرجة أنه حينما يموت لنا قريب في تلك الفترة، يدخل جثمانه إلى الكنيسة بألحان الفرح.. غير أن البعض يقولون إن روحياتهم تفتر خلال خمسين يومًا لا صوم فيها ولا مطانيات!!
فبماذا ننصحهم إذًا للحفاظ على روحياتهم؟
أول ملاحظة نقولها هي أن الروحيات لا تتوقف على الصوم وحده. فهناك وسائط روحية كثيرة - قد أصدرنا لكم عنها كتابًا -، وعلى أية الحالات يمكننا في هذا المجال أن نضع بعض النصائح..
1- أكثروا من الصلوات، وليست صلوات الأجبية فقط، إنما أضيفوا إليها صلوات خاصة من عمق قلوبكم، تتحدثون فيها مع الرب الذي كان يتحدث مع تلاميذه في تلك الفترة. ويمكن أن تضيفوا أيضًا بعض المزامير الجميلة التي لا تستخدم في الأجبية مثل مزمور "باركي يا نفسي الرب" (مز103). كذلك مزمور39، وغيرهما، وبعض صلوات الآباء والأنبياء.
2- بالإضافة إلى إزادة الصلوات، يمكن إزادة القراءات الروحية أيضًا، سواء في الكتاب المقدس أو الكتب الروحية والنسكية وأقوال الآباء، فإنها تنشط الروحيات، وتزود الفكر بالتأملات الجميلة.
3- مما يصلح الروحيات أيضًا في هذه الفترة كما في غيرها: التداريب الروحية لاكتساب فضائل معينة، أو لمقاومة ضعفات خاصة.
4- كذلك أحب أن أقول إن فترة الخماسين هي أيام إفطار، وليست أيام تسيب. فالبعض ينتقلون فجأة من النسك الشديد في أسبوع الآلام، إلى التسيب في طعام الإفطار بدءًا من عيد القيامة، واستمرارًا على ذلك فيما بعده. ونصيحتي لكل هؤلاء: الاستمرار في ضبط النفس، ولا يتعارض هذا مطلقًا مع أفراح الخماسين.
فأفراحنا هي أفراح روحية، وليتها ترتبط بضبط النفس. كُل إذًا من الطعام الفطاري. لكن أضبط نفسك من جهة الكمية، ومن جهة كثرة الأنواع، ومن جهة شهوة الأكل، ومن جهة المواعيد، وبخاصة الأكل بين الوجبات وفي كل وقت وبلا ضابط!! وأعرف أن هذا الأمر نافع لك، ليس فقط من الناحية الروحية، إنما من جهة الصحة أيضًا.
5- فترة الأربعين المقدسة هي فترة فرح بالوجود مع الله. فهل تشعر بوجودك معه خلالها؟ أم أنك تكتفي بعدم الصوم، مع الامتناع عن المطانيات، دون أن تلتفت إلى السبب الذي من أجله تفعل ذلك، وهو المتعة بوجود الرب معنا، وهو وجود متبادل. أم تذكر قول أغسطينوس عن حياته قبل توبته: كنت يا رب معي، ولكني من فرط شقوتي لم أكن معك..
6- إذًا من التداريب التي تتفق مع روحانية أيام الخماسين، تدريب الوجود مع الله. أو على الأقل التداريب الخاصة بالتوبة، لأننا لا يمكن أن نشعر بالوجود مع الله، بينما نحن نحزنه بخطايانا وعدم توبتنا.
إذن اهتم بأيام الخماسين من جهة الروح، وليس من جهة الجسد فقط: ما يأكله ويشربه، أو انحنائه في المطانيات.
7- أما عن المطانيات، فإن فقدت انحناء الجسد، اهتم بانحناء الروح أمام الله، بانسحاق النفس. تذكر خطاياك، وقدم عنها انسحاقًا قلبيًا، فهو يعوضك عن مطانيات الجسد، وتذكر قول داود النبي في المزمور: "لصقت بالتراب نفسي" (مز119). فالتصاق نفسك بالتراب يعوضك التصاق جسدك بالتراب.
وأخيرًا فليعطك الرب، وليعطني معك، فترة روحية مقبولة قدامه..
[1] مقال لقداسة البابا شنوده الثالث، نشر في جريدة وطني بتاريخ 9 مايو 1993م
المسيح والكنيسة
المسيح والكنيسة[1]
في فترة الأربعين يومًا، والمسيح مع رسله الأطهار، نتذكر المسيح مع الكنيسة، وعمله من أجلها في القيامة، وبعد القيامة وقبلها، وموقف المسيح من الكنيسة.
المسيح والكنيسة
إن الكتاب المقدس هو قصة علاقة الله بالكنيسة. وكانت الكنيسة الأولى هي آدم وحواء، ثم كنيسة أخرى رعاها الله هي نوح وأسرته في الفلك، ثم أسرة إبراهيم، ثم بيت إسرائيل، إلى أن انتشرت في كل الأرض.
من أجل الكنيسة صُلب المسيح، لكي يقدس الكنيسة بدمه. لكي يطهرها ويفديها، ويدفع ثمن الخطية عنها..
ومن أجلها داس الموت بقيامته، ليعطيها النصرة على الموت. ومن أجلها قضى الأربعين يومًا يحدثهم عن الأمور المختصة بالملكوت. فكان ما يشغل المسيح هو الكنيسة والملكوت والخلاص.
وقد كوّن المسيح الكنيسة من جماعة القديسين. من القديسين الذين تقدسوا بالدم، ونالوا هذا التقديس في المعمودية، ونالوه بسكنى الروح القدس فيهم بوضع اليد ثم الميرون، وتقدسوا أيضًا بالأسرار المقدسة..
وعن هذه القداسة يتكلم بولس الرسول في رسائله. فيذكر القديسين الذين في أفسس، وكل قديس في المسيح يسوع، ويحدث العبرانيين قائلًا: "مِنْ ثَمَّ أَيُّهَا الإِخْوَةُ الْقِدِّيسُونَ، شُرَكَاءُ الدَّعْوَةِ السَّمَاوِيَّةِ" (عب3: 1).
والسيد المسيح اعتبر أن الكنيسة جسده، وهو الرأس. فلم تعد الكنيسة شيئًا منفصلًا عنه، وإنما هو وهي كيان واحد، رأس وجسد، كما سبق وقال أيضًا عن هذه الوحدة: "أَنَا الْكَرْمَةُ وَأَنْتُمُ الأَغْصَانُ" (يو15: 5). إنه كيان واحد، هذه الأغصان يسري فيها عصير الكرمة، وترتبط هي بالكرمة، ويكون لها نفس الثمر.
وعن هذه الوحدة شبّه الكنيسة أيضًا بعروس له. وقال في ذلك "ليسا بعد اثنين بل واحد". وعلق بولس الرسول على هذه الوحدة فقال: "هذَا السِّرُّ عَظِيمٌ، وَلكِنَّنِي أَنَا أَقُولُ مِنْ نَحْوِ الْمَسِيحِ وَالْكَنِيسَةِ" (أف5: 32). وما وحدة الزوجين في سر الزواج، إلا تشبيه بعلاقة المسيح بالكنيسة. حقًا هذا السر عظيم. إنها لمسة حب لطيفة من جهة المسيح بالكنيسة.
يقول عن أعضاء هذه الكنيسة: "أَنَا فِيهِمْ وَأَنْتَ فِيَّ لِيَكُونُوا مُكَمَّلِينَ إِلَى وَاحِدٍ" (يو17: 23). ما هي الكنيسة إذًا؟ وممن تتكون؟ الكنيسة هي جماعة القديسين؟ وهي جماعة المفديين بالدم الكريم، وهي عروس المسيح، وهي "مِنْ لَحْمِهِ وَمِنْ عِظَامِهِ" (أف5: 30). وهي أيضًا مجموعة من المؤمنين تتغذى على جسد الرب ودمه في سر الإفخارستيا. أية عظمة هذه؟
وقد أراد الرب أن لا يفترق مطلقًا من هذه الكنيسة. فقال: "أَنَا أَمْضِي لأُعِدَّ لَكُمْ مَكَانًا. وَإِنْ مَضَيْتُ وَأَعْدَدْتُ لَكُمْ مَكَانًا آتِي أَيْضًا وَآخُذُكُمْ إِلَيَّ، حَتَّى حَيْثُ أَكُونُ أَنَا تَكُونُونَ أَنْتُمْ أَيْضًا" (يو14: 2، 3). وعن هذا الأمر صلى أيضًا إلى الله الآب قائلًا: "أَيُّهَا الآبُ أُرِيدُ أَنَّ هؤُلاَءِ الَّذِينَ أَعْطَيْتَنِي يَكُونُونَ مَعِي حَيْثُ أَكُونُ أَنَا" (يو17: 24).
إنها نفس الصورة التي نراها في سفر الرؤيا: الرب في وسط المنائر السبع، أي في وسط الكنائس، يتمشى بينها، وفي يده السبعة الكواكب، أي رعاة هذه الكنائس.
"الله وسط شعبه" صورة متكررة في الكتاب باستمرار. إنها قصة خيمة الاجتماع، في وسط خيام الشعب كله.. وقصة تابوت العهد مع شعب الله في رحلاته، وهي أيضًا قصة الفلك من قبل، وقصة الهيكل، وقصة المسيح مع تلاميذه.. بل هي قصة الرب الذي قال: "هَا أَنَا مَعَكُمْ كُلَّ الأَيَّامِ إِلَى انْقِضَاءِ الدَّهْرِ" (مت 28: 20). "حَيْثُمَا اجْتَمَعَ اثْنَانِ أَوْ ثَلاَثَةٌ بِاسْمِي فَهُنَاكَ أَكُونُ فِي وَسْطِهِمْ" (مت 18: 20) وطبعًا أي شخص يتحدث إلى الله، يكون الله معه. ولكن استخدام عبارة اثنين أو ثلاثة هنا، تعني الكنيسة. وتعني أن الرب يريدنا كيانًا واحدًا، لا أفراد متفرقين. إنه يريدنا جسمًا واحدًا، إن تألم فيه عضو يتألم باقي الأعضاء معه. يريدنا كيانًا واحدًا يقول كل فرد فيه: "فَرَحًا مَعَ الْفَرِحِينَ وَبُكَاءً مَعَ الْبَاكِينَ" (رو12: 15).
والكنيسة ليست فقط مع الرب هنا، بل في الأبدية أيضًا. إن أورشليم السمائية هي "مَسْكَنُ اللهِ مَعَ النَّاسِ، وَهُوَ سَيَسْكُنُ مَعَهُمْ، وَهُمْ يَكُونُونَ لَهُ شَعْبًا" (رؤ21: 3). والكنيسة في الأبدية تتكون من الله الرأس ومن الملائكة ومن القديسين. الكل أسرة واحدة هم أهل بيت الله.
والكنيسة لها علاقة بكل الثالوث القدوس. لها علاقة بالآب الذي دعا أعضاء الكنيسة أولاده. ولها علاقة بالابن الذي فداها وقدسها وصار رأسًا لها. ولها علاقة بالروح القدس، إذ صار أعضاؤها هياكل للروح القدس، والروح القدس يعمل فيهم، وهم شركاء له في العمل.
وكل المؤمنين يمارسون هذه العلاقة من خلال الكنيسة. علاقتهم بالله تبدأ بالإيمان، والإيمان ينالونه عن طريق الكنيسة التي تمارس خدمة الكلمة، وبالكلمة توصل إليهم الإيمان. ثم يصيرون أعضاء في جسد الرب بالموت والقيامة معه في المعمودية، إذ يقول الكتاب: "لأَنَّ كُلَّكُمُ الَّذِينَ اعْتَمَدْتُمْ بِالْمَسِيحِ قَدْ لَبِسْتُمُ الْمَسِيحَ" (غل3: 27). وهذا العماد يناله المؤمن عن طريق الكنيسة، التي قال الرب لقادتها: "وَعَمِّدُوهُمْ بِاسْمِ الآب وَالابْنِ وَالرُّوحِ الْقُدُسِ" (مت 28: 19).
وقادة الكنيسة، رسل المسيح، وخلفاؤهم من الأساقفة سماهم المسيح وكلاء له. وقال عنهم الرسول إنهم وكلاء السرائر الإلهية، وإنهم سفراء للمسيح، كأن الله يعظ بهم، ينادون للناس أن اصطلحوا مع الله. وقال الرب عنهم: "فَمَنْ هُوَ الْوَكِيلُ الأَمِينُ الْحَكِيمُ الَّذِي يُقِيمُهُ سَيِّدُهُ عَلَى خَدَمِهِ لِيُعْطِيَهُمُ الْعُلُوفَةَ فِي حِينِهَا؟ طُوبَى لِذلِكَ الْعَبْدِ الَّذِي إِذَا جَاءَ سَيِّدُهُ يَجِدُهُ يَفْعَلُ هكَذَا" (لو12: 42، 43). وقال الكتاب: "يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الأُسْقُفُ بِلاَ لَوْمٍ كَوَكِيلِ اللهِ" (تي 1: 7). والكنيسة هي التي تقود الشعب في طريق الخلاص.
بل الكنيسة هي جماعة المخلصين، إذ يقول الكتاب: "وَكَانَ الرَّبُّ كُلَّ يَوْمٍ يَضُمُّ إِلَى الْكَنِيسَةِ الَّذِينَ يَخْلُصُونَ" (أع2: 47). الكنيسة هي التي تقدم الغذاء الروحي للشعب، وهي التي تمنحهم السرائر الإلهية، وتمنحهم عطايا الروح القدس.
فما هو موقفك من الكنيسة، وقد عرفت موقف المسيح منها ومقدار محبته لها؟ هل أنت تشارك في بناء الكنيسة، وفي كل يوم تضم لها بعض الذين يخلصون بمساهمة محبتك وغيرتك؟ إن أول أوشية (طلبة) نقدمها في القداس الإلهي هي صلاة من أجل الكنيسة وسلامها.. وسفر أعمال الرسل، لا يحدثنا عن أفراد، إنما عن الكنيسة ككل، وعن عمل الأفراد من أجلها..
والرب لما دعانا إلى الصلاة، وعلمنا الصلاة الربانية، علمنا أن نصلي كجماعة، وليس كأفراد مستقلين. وهكذا نقول: "أبانا الذي في السموات. خبزنا.. أعطنا، اغفر لنا كما نغفر. لا تدخلنا في تجربة. لكن نجنا من الشرير". كلها أسلوب الجمع، ينسى فيها الإنسان نفسه كفرد، ويذكر أنه عضو في جماعة، يطلب من أجلها كلها، طلبة واحدة.
فهل أنت في شركة مع المسيح، وشركة مع الكنيسة؟ هل تشترك مع المسيح في عمله، وتشترك معه في آلامه، وتشترك معه في بناء الملكوت. وهل تشترك مع الكنيسة في كل شيء، ولا تخرج مشاعرك عن مشاعرها؟ وهل تشعر بفضلها على حياتك؟!
إني أعجب لمن يريد أن يكوّن مع الله علاقة منفردة، منفصلة أو مستقلة عن الكنيسة، كأنه جزيرة في محيط!
إن أقصى عقوبة كانت توقع على المؤمن، هي قطعه من الشركة المقدسة، وعزله عنها Ex – communication.
من العجيب في سيرة القديس أنبا بولا أول السواح، الذي عاش حوالي 80 سنة لا يرى وجه إنسان، أنه لما زاره القديس الأنبا أنطونيوس، اطمأن الأنبا بولا في أول حديثه، على الكنيسة وسلامها، وسأل عما تتعرض له من اضطهادات. وشارك هذا السائح المتوحد في إيمان الكنيسة بإهدائه ثوبه للبابا أثناسيوس الرسولي.
إن عشت في شركة الكنيسة، فأنت شخص مسيحي.. وإن بعدت عن هذه الشركة، فلست من المسيح.. كما أنك تحرم نفسك من المواهب الروحية التي لا تأتي إلا عن طريق الكنيسة حسب تعليم الرب نفسه.
حتى الخلاص لما تكلم عنه الرب، تكلم عنه للكنيسة كلها. هكذا أحب الله (العالم) حتى بذل ابنه الوحيد.. هذا هو حمل الله، الذي يحمل خطايا (العالم) كله.. إنه خلاص للكنيسة كلها، والكنيسة تعطي لكل من ينطبق عليه قول الرب: "مَنْ آمَنَ وَاعْتَمَدَ خَلَصَ" (مر16:16).
[1] مقال لقداسة البابا شنوده الثالث، نشر في مجلة الكرازة بتاريخ 29 مايو 1981م
ملكوت الله
ملكوت الله
ملكوت السموات[1]
المقصود بالملكوت هو ملكوت السموات. وهو على نوعين: ملكوت على الأرض، وهو ملكوت روحي وملكوت في السماء، وهو ملكوت أبدي.
الله هو الملك
إن الله هو الملك بطبيعته كخالق. فهو يملك ما قد خلقه. يملك السموات والأرض وكل ما فيهما. وهكذا قال المزمور: "لِلرَّبِّ الأَرْضُ وَمِلْؤُهَا. الْمَسْكُونَةُ، وَكُلُّ السَّاكِنِينَ فِيهَا" (مز24: 1). والرب أيضًا ملك علينا، باعتبار أنه اشترانا بالفداء، بالدم الكريم على الصليب. وهكذا قال القديس بولس الرسول: "لأَنَّكُمْ قَدِ اشْتُرِيتُمْ بِثَمَنٍ. فَمَجِّدُوا اللهَ فِي أَجْسَادِكُمْ وَفِي أَرْوَاحِكُمُ الَّتِي هِيَ للهِ" (1كو6: 20). وقال القديس بطرس الرسول: "عَالِمِينَ أَنَّكُمُ افْتُدِيتُمْ لاَ بِأَشْيَاءَ تَفْنَى، بِفِضَّةٍ أَوْ ذَهَبٍ.. بَلْ بِدَمٍ كَرِيمٍ" (1بط1: 18، 19).
الله لا يملكنا فقط، بل أيضًا يملك كل موهبة لنا. فكل مواهبنا هي موهوبة لنا منه، هو أعطانا إياها. وهكذا قال القديس يعقوب الرسول: "كُلُّ عَطِيَّةٍ صَالِحَةٍ وَكُلُّ مَوْهِبَةٍ تَامَّةٍ هِيَ مِنْ فَوْقُ، نَازِلَةٌ مِنْ عِنْدِ أَبِي الأَنْوَارِ.." ( يع1: 17). نحن لا نملك ما عندنا، إذ قد أخذناه منه.
إذًا نحن مجرد وكلاء على مواهب أعطانا الله إياها، لكي نستخدمها في ملكوته. وهكذا قال القديس بطرس الرسول: "لِيَكُنْ كُلُّ وَاحِدٍ بِحَسَبِ مَا أَخَذَ مَوْهِبَةً، يَخْدِمُ بِهَا بَعْضُكُمْ بَعْضًا، كَوُكَلاَءَ صَالِحِينَ عَلَى نِعْمَةِ اللهِ الْمُتَنَوِّعَةِ" (1بط4: 10). فأمور الخدمة، الله يملكها كلها، ونحن مجرد وكلاء على خدمته. وهكذا قال: "فَمَنْ هُوَ الْوَكِيلُ الأَمِينُ الْحَكِيمُ الَّذِي يُقِيمُهُ سَيِّدُهُ عَلَى خَدَمِهِ لِيُعْطِيَهُمُ الْعُلُوفَةَ فِي حِينِهَا؟" (لو12: 42). وسيحاسبنا الله على كل ما سلّمنا إياه قائلًا لكل منا: "أَعْطِ حِسَابَ وَكَالَتِكَ" (لو16: 2).
والمال الذي في أيدينا، نحن لا نملكه، بل نحن مجرد وكلاء عليه.
لقد وُلدنا عراة لا نملك شيئًا. والله من كرمه وهبنا ما في أيدينا من مال أو أملاك – كمجرد وكلاء عليها – نتصرف فيها حسنًا، ونقدّم عنها حسابًا للمالك الحقيقي الذي هو الله. نحن لا نملك شيئًا، لا مالًا ولا سلطة. المُلك لله وحده. وهكذا علمنا أن نختم الصلاة الربية بعبارة: "لأَنَّ لَكَ الْمُلْكَ، وَالْقُوَّةَ، وَالْمَجْدَ، إِلَى الأَبَدِ. آمِينَ" (مت6: 13). حقًا، له الملك. وكل ملك للبشر، إنما منبثق منه.
ونحن نناديه بعبارة الملك، في لحن "إبؤورو" قائلين "يا ملك السلام، أعطنا سلامك". ولما تحدث الرب عن أورشليم، قال إنها: "مَدِينَةُ الْمَلِكِ الْعَظِيمِ" (مت5: 35). فالله إذًا هو هذا الملك العظيم. وفي سفر زكريا النبي يقول إن جميع الأمم أتوا: "لِيَسْجُدُوا لِلْمَلِكِ رَبِّ الْجُنُودِ" (زك14: 16). وأجمل لقب له هو في سفر الرؤيا: الله هو "مَلِكُ الْمُلُوكِ وَرَبُّ الأَرْبَابِ" (رؤ19: 16).
بل هو الملك وحده. وقد تحدث سفر الرؤيا عن عرشه والمحيطين به (رؤ4: 2-4). ومع ذلك نقول للرب في الشعر:
في سماءٍ أنتَ حقًا إنما كل قلب عاشَ في الحبِ سماك
عرشك الأقدس قلب قد خلا من هوى الكل فلا يحوى سواك
ما دام الله هو الملك، فمتى بدأ التمرد عليه..
التمرد على ملك الله
أول من بدأ بالتمرد على ملك الله، هو الشيطان. وذلك حين قال: "أَصْعَدُ إِلَى السَّمَاوَاتِ. أَرْفَعُ كُرْسِيِّي فَوْقَ كَوَاكِبِ اللهِ.. أَصِيرُ مِثْلَ الْعَلِيِّ" (إش14: 13، 14). وتبع الشيطان في تمرده على ملك الله، كثير من جند السماء من طغمات الملائكة، من الرؤساء والسلاطين وأجناد الشر الروحية (أف6: 12). ولا يزال الشيطان وجنوده حتى الآن يقاومون ملك الله. بل إنه عمل بنفس الأسلوب مع أبوينا الأولين، قائلًا لهما تصيران مثل الله. وما زال الشيطان مستمرًا في إغواء البشر ضد ملكوت الله.
ونتيجة لخطية الإنسان - فبدلًا من ملك الله - ملكت الخطية وملك الموت!
وهكذا يقول القديس بولس الرسول في رسالته إلى رومية: "بِإِنْسَانٍ وَاحِدٍ دَخَلَتِ الْخَطِيَّةُ إِلَى الْعَالَمِ، وَبِالْخَطِيَّةِ الْمَوْتُ، وَهكَذَا اجْتَازَ الْمَوْتُ إِلَى جَمِيعِ النَّاسِ.. قَدْ مَلَكَ الْمَوْتُ مِنْ آدَمَ.." (رو5: 12، 14).
ملكت الخطية والموت على الناس، بالفساد والوثنية. ولم يعد الله يملك على الناس روحيًا. ولما ازداد مُلك الفساد عليهم، أغرق الله العالم بالطوفان (تك6)، وأحرق سدوم وعمورة (تك19). وأوقع على العالم الكثير من العقوبات..
ما هي الأنواع الأخرى التي ملكت على الإنسان؟ ملك الإلحاد، وهو إنكار وجود الله. وفي الإلحاد نقول إن الجهل هو الذي ملك. وهكذا يقول المرتل في المزمور: "قَالَ الْجَاهِلُ فِي قَلْبِهِ: لَيْسَ إِلهٌ" (مز14: 1). ثم ملكت على الإنسان الشهوة بكل أنواعها، وبخاصة شهوة الجسد التي "طَرَحَتْ كَثِيرِينَ جَرْحَى، وَكُلُّ قَتْلاَهَا أَقْوِيَاءُ" (أم7: 26). وملك المال على الناس. حتى أن الرب في العظة على الجبل، قال إنه لا يمكن أن تعبد ربين: الله والمال (مت6: 24).
وملكت على الإنسان: الذات، والعظمة، والكبرياء. ثم ملكت البدع والهرطقات، وأصبح لها أنصار كثيرين، يزيدون يومًا بعد يوم. وتدفعهم الكبرياء إلى التمسك بهرطقاتهم.. وكل هؤلاء انفصلوا عن ملكوت الله.
وبقى أن نسأل كل إنسان: أحقًا أنت من أبناء الملكوت؟ تعبير(بنو الملكوت) جاء على لسان السيد المسيح نفسه (مت8: 12). وبنو الملكوت الحقيقيون، هم أولئك الذين سيضيئون كالشمس في ملكوت أبيهم (مت13: 43). هم الذين يحبون ملكوت الله، وينشرونه أيضًا على الأرض. أبناء الملكوت هم الذين يخضعون لقوانين الملكوت، أعني وصايا الله. ويصلّون من كل قلوبهم قائلين: "ليأت ملكوتك" (مت6: 10).
فمتى أتى هذا الملكوت؟ كيف بدأ التبشير به؟
التبشير بالملكوت
منذ بدأ السيد المسيح كرازته، يقول عنه مارمرقس الرسول فى الإنجيل إنه جاء إلى الجليل: "يَكْرِزُ بِبِشَارَةِ مَلَكُوتِ اللهِ وَيَقُولُ: قَدْ كَمَلَ الزَّمَانُ وَاقْتَرَبَ مَلَكُوتُ اللهِ، فَتُوبُوا وَآمِنُوا بِالإِنْجِيلِ" (مر1: 14، 15). لم يقل "أتى الملكوت"، بل "اقترب ملكوت الله".
لأن الله ما كان ممكنًا أن يملك، إلا بعد أن يشترينا بدمه على الصليب. ولكي نستفيد من ذلك، يلزمنا الإيمان بالفداء، وتلزمنا التوبة. لهذا قال: "فَتُوبُوا وَآمِنُوا بِالإِنْجِيلِ".. وكانت قضية الملكوت في عمق رسالة المسيح. لذلك قال عنه القديس متى إنه "وَكَانَ يَسُوعُ يَطُوفُ كُلَّ الْجَلِيلِ يُعَلِّمُ فِي مَجَامِعِهِمْ، وَيَكْرِزُ بِبِشَارَةِ الْمَلَكُوتِ" (مت4: 23). كان لابد للناس أن يؤمنوا بأهمية أن يملك الله عليهم.
ولكن متى ملك الله عليهم؟ ومتى تحققت النبوءات التي تكررت في المزامير مبشرة بعبارة "الرب قد ملك" (مز97: 1) (مز99: 1).
الجواب هو: "الرب قد ملك على خشبة" (مز96). ملك الرب على الصليب. لذلك في اقترابه من عمل الفداء، قال عن الشيطان: "رَأَيْتُ الشَّيْطَانَ سَاقِطًا مِثْلَ الْبَرْقِ مِنَ السَّمَاءِ" (لو10: 18). وقال أيضًا: "رَئِيسَ هذَا الْعَالَمِ قَدْ دِينَ" (يو16: 11). وبالصليب بدأ الله يسترجع ملكه..
الله يسترجع ملكه
أولًا: بدأ يحطم الشيطان، فسقط مثل البرق من السماء. وبسقوط الشيطان بدأت تزول الوثنية من العالم. وما أن أتى القرن الخامس، حتى وجدنا الوثنية قد انتهت من كل أوروبا والشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وإذ بغالبية معابد الوثنيين قد تحولت إلى كنائس. ومع زوال الوثنية، أخذت تتهاوى وتندحر الفلسفات الوثنية التي جادلت المسيحية في بادئ الأمر إلى أن اختفت من أمامها.
كان الرب قد كوّن له تلاميذ صاروا بناة الملكوت. كرزوا بالإيمان والإنجيل للخليقة كلها (مر16: 15). وانتصرت كرازتهم على العالم اليهودى القديم. "وَجُمْهُورٌ كَثِيرٌ مِنَ الْكَهَنَةِ يُطِيعُونَ الإِيمَانَ" "وَكَانَتْ كَلِمَةُ اللهِ تَنْمُو، وَعَدَدُ التَّلاَمِيذِ يَتَكَاثَرُ جِدًّا" (أع6: 7) "وَكَانَ الرَّبُّ كُلَّ يَوْمٍ يَضُمُّ إِلَى الْكَنِيسَةِ الَّذِينَ يَخْلُصُونَ" (أع2: 47). حقًا، كان "مَلَكُوتَ اللهِ قَدْ أَتَى بِقُوَّةٍ" (مر9: 1) كما وعدهم الرب.
استرجع الله ملكوته: أولًا بالمعجزات. المعجزة الأولى كانت القيامة التي بشر بها الرسل فيما بعد بكل مجاهرة وقوة. ثم كانت معجزة الألسنة في يوم الخمسين، وكيف آمن في ذلك اليوم ثلاثة آلاف وتعمدوا (أع2: 41). "وَكَانَ مُؤْمِنُونَ يَنْضَمُّونَ لِلرَّبِّ أَكْثَرَ، جَمَاهِيرُ مِنْ رِجَال وَنِسَاءٍ، حَتَّى إِنَّهُمْ كَانُوا يَحْمِلُونَ الْمَرْضَى خَارِجًا فِي الشَّوَارِعِ وَيَضَعُونَهُمْ عَلَى فُرُشٍ وَأَسِرَّةٍ، حَتَّى إِذَا جَاءَ بُطْرُسُ يُخَيِّمُ وَلَوْ ظِلُّهُ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ.. وَكَانُوا يُبْرَأُونَ جَمِيعُهُمْ" (أع5: 14- 16).
"وَكَانَ اللهُ يَصْنَعُ عَلَى يَدَيْ بُولُسَ قُوَّاتٍ غَيْرَ الْمُعْتَادَةِ، حَتَّى كَانَ يُؤْتَى عَنْ جَسَدِهِ بِمَنَادِيلَ أَوْ مَآزِرَ إِلَى الْمَرْضَى، فَتَزُولُ عَنْهُمُ الأَمْرَاضُ، وَتَخْرُجُ الأَرْوَاحُ الشِّرِّيرَةُ مِنْهُمْ" (أع19: 11، 12). وما أكثر المعجزات التي جذبت الناس إلى الإيمان.
استرجع الله ملكه بالمعجزات والإيمان والحب وإقامة الرعاة. وهكذا - كما يقول الرسول – "أَعْطَى الْبَعْضَ أَنْ يَكُونُوا رُسُلًا، وَالْبَعْضَ أَنْبِيَاءَ، وَالْبَعْضَ مُبَشِّرِينَ، وَالْبَعْضَ رُعَاةً وَمُعَلِّمِينَ. لأَجْلِ تَكْمِيلِ الْقِدِّيسِينَ لِعَمَلِ الْخِدْمَةِ، لِبُنْيَانِ جَسَدِ الْمَسِيحِ" (أف4: 11، 12).. كل أولئك كانوا بناة الملكوت، وجعلوا من رعيتهم أبناء للملكوت.
واسترجع الله ملكه، ليس فقط بالإيمان، بل أيضًا بخدمة المصالحة. المصالحة التي بدأت على الصليب، وكملت – من جهة البشر- بأعمال التوبة. وفي هذا قال القديس بولس الرسول: "اللهِ، الَّذِي صَالَحَنَا لِنَفْسِهِ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ، وَأَعْطَانَا خِدْمَةَ الْمُصَالَحَةِ.. إِذًا نَسْعَى كَسُفَرَاءَ عَنِ الْمَسِيحِ، كَأَنَّ اللهَ يَعِظُ بِنَا. نَطْلُبُ عَنِ الْمَسِيحِ: تَصَالَحُوا مَعَ اللهِ" (2كو5: 18، 20). لقد أقام الله الرسل والرعاة، ليقيموا صلحًا بينه وبين شعبه. فيتوب أولئك، ويدخلوا ملكوت الله.
واستخدم الله في ذلك عمق صبره وطول أناته. وفي ذلك ينذر الرسول القلب غير التائب قائلًا: "أَمْ تَسْتَهِينُ بِغِنَى لُطْفِهِ وَإِمْهَالِهِ وَطُولِ أَنَاتِهِ، غَيْرَ عَالِمٍ أَنَّ لُطْفَ اللهِ إِنَّمَا يَقْتَادُكَ إِلَى التَّوْبَةِ؟" (رو2: 4).
حقًا كم صبر الله واحتمل! ليس فقط في عصور الوثنية والفساد القديمة، إنما في عصورنا الحالية أيضًا. خذوا مثلًا لذلك روسيا التي سادت فيها الشيوعية وأنكرت وجود الله. وصبر الله سبعين سنة على الحكم البلشفي، واحتمل الله كل إنكار لوجوده وكل استهزاء به، إلى أن رجعت روسيا إلى الإيمان مرة أخرى..
يذكرنا هذا بطول أناته أيضًا على اليهود، وقوله "طُولَ النَّهَارِ بَسَطْتُ يَدَيَّ إِلَى شَعْبٍ مُعَانِدٍ وَمُقَاوِمٍ" (رو10: 21).
واسترجع الله ملكه أيضًا: مرة بالوعود، وأخرى بالعقوبة.
بالوعود الجميلة التي يجذب بها الناس إلى الإيمان ليتمتعوا في الأبدية بما لم تره عين ولم تسمع به أذن ولم يخطر على بال إنسان (1كو2: 9). مثال ذلك ما وعد به في سفر الرؤيا جماعة الغالبين (رؤ2، 3).
وأحيانًا كان الله بالعقوبة يضم إلى ملكوته كثيرين عن طريق الخوف، كما قاد يونان إلى طاعته بأن أعد له حوتًا عظيمًا فابتلعه (يون1: 17). وكذلك سمح بإذلال شمشون ليتوب (قض16).
واسترجع الله ملكوته بعمله في رسله، شهوده وشهدائه. أولئك الذين قال لهم: "لكِنَّكُمْ سَتَنَالُونَ قُوَّةً مَتَى حَلَّ الرُّوحُ الْقُدُسُ عَلَيْكُمْ، وَتَكُونُونَ لِي شُهُودًا فِي أُورُشَلِيمَ وَفِي كُلِّ الْيَهُودِيَّةِ وَالسَّامِرَةِ وَإِلَى أَقْصَى الأَرْضِ" (أع1: 8). وقد كان.. وبعمل الروح القدس فيهم، شهد له الرسل القديسون وتلاميذهم واحتملوا ألم الاستشهاد لأجل نشر ملكوته. والذي لم يستشهد منهم – كيوحنا الحبيب – احتمل عذابات أكثر من الاستشهاد.
وهكذا في مدى ثلاثين عامًا أو أكثر بقليل انتشرت المسيحية في أورشليم وكل اليهودية والسامرة وأنطاكية، وكل الشرق الأوسط، ونزلت إلى مصر وليبيا. وامتدت شمالًا في آسيا الصغرى. وزحفت غربًا إلى بلاد اليونان وإيطاليا وأواسط أوروبا، وشرقًا إلى العراق وإلى الهند. وكان ملكوت الله قد أتى بقوة..
وكان جهاد الرسل عجيبًا في نشر الملكوت. وكمثال لذلك بولس الرسول الذي تعب أكثر من جميعهم (1كو15: 10) الذي كان "فِي الضَّرَبَاتِ أَوْفَرُ، فِي السُّجُونِ أَكْثَرُ، فِي الْمِيتَاتِ مِرَارًا كَثِيرَةً"(2كو11: 23) "بِأَسْفَارٍ مِرَارًا كَثِيرَةً، بِأَخْطَارِ سُيُول، بِأَخْطَارِ لُصُوصٍ.. بِأَخْطَارٍ مِنَ الأُمَمِ.."، "عَدَا مَا هُوَ دُونَ ذلِكَ: التَّرَاكُمُ عَلَيَّ كُلَّ يَوْمٍ، الاهْتِمَامُ بِجَمِيعِ الْكَنَائِسِ". كما قال في غيرته: "مَنْ يَعْثُرُ وَأَنَا لاَ أَلْتَهِبُ؟!" (2كو11: 26-29).
المُلك الروحي
هو أن روح الله يقود روح الإنسان (رو8: 14). وروح الإنسان تقود جسده. فيهتم بما للروح لكي يحيا. "لأَنَّ اهْتِمَامَ الْجَسَدِ هُوَ مَوْتٌ، وَلكِنَّ اهْتِمَامَ الرُّوحِ هُوَ حَيَاةٌ وَسَلاَمٌ" (رو8: 6). وكما يقول الرسول: "إِنْ كُنْتُمْ بِالرُّوحِ تُمِيتُونَ أَعْمَالَ الْجَسَدِ فَسَتَحْيَوْنَ" (رو8: 13).
لقد أراد الرب هذا الملكوت الروحي، بينما رفض ملك الأرض، وقال: "مَمْلَكَتِي لَيْسَتْ مِنْ هذَا الْعَالَمِ" (يو18: 36). والذي يحيا في هذا الملكوت الروحي، يقدم لله قلبه لكي يملك عليه، وكذلك فكره ولسانه وحواسه ووقته. فيكون كله ملكًا لله. وهنا ينبغي أن تسأل نفسك:
هل يوجد فيك شيء ليس ملكًا لله؟ إن كان فيك شيء يملكه العالم، فأعرف أن "مَحَبَّةَ الْعَالَمِ عَدَاوَةٌ ِللهِ" (يع4: 4). فهي ليست فقط خروجًا من ملكوت الله، بل بالأكثر هي مقاومة له.. استعد إذًا لتجعل الله يملكك كلك. ويكون الله هو المالك الوحيد لك.
الملكوت السمائي
إنه ملكوت السموات، الذي يبدأ بعد المجيء الثاني للسيد المسيح، وبعد الدينونة، حينما يقول للذين عن يمينه: "تَعَالَوْا يَا مُبَارَكِي أَبِي، رِثُوا الْمَلَكُوتَ الْمُعَدَّ لَكُمْ مُنْذُ تَأْسِيسِ الْعَالَمِ" (مت25: 34). وحينئذ يمنح إكليل البر لكل الذين يحبونه (2تي 4: 8). ولا تكون خطية فيما بعد. فمتى يحدث ذلك؟ يكون ذلك حينما يسلّم الملك لله الآب (1كو15: 24). وذلك بعد القيامة والدينونة. ويحيا بنو الملكوت في أورشليم السمائية، مسكن الله مع الناس (رؤ21: 3).
وحينئذ يتحقق وعده "حَيْثُ أَكُونُ أَنَا تَكُونُونَ أَنْتُمْ أَيْضًا" (يو14: 3). حينئذ يملك الله على أحبائه "وَلاَ يَكُونُ لِمُلْكِهِ نِهَايَةٌ" (لو1: 33). إنه الملكوت الذي قال عنه دانيال النبي: "مَلَكُوتُهُ مَلَكُوتٌ أَبَدِيٌّ" (دا4: 3). "سُلْطَانُهُ سُلْطَانٌ أَبَدِيٌّ مَا لَنْ يَزُولَ، وَمَلَكُوتُهُ مَا لاَ يَنْقَرِضُ" (دا7: 14).
في هذا الملكوت السمائي، يتمتع الأبرار بالأمجاد السمائية. أما الأبرار الذين يغادرون العالم الفاني الآن، فيذهبون إلى الفردوس وليس إلى الملكوت أو الأمجاد السمائية. لذلك عندما قال اللص اليمين: "اذْكُرْنِي يَا رَبُّ مَتَى جِئْتَ فِي مَلَكُوتِكَ"، صحح له الرب طلبته، وقال له: "الْيَوْمَ تَكُونُ مَعِي فِي الْفِرْدَوْسِ" (لو23: 43).
[1] مقال لقداسة البابا شنوده الثالث، نشر في مجلة الكرازة بتاريخ 8 مايو 1998م
بُناة الملكوت وكيف بنوه
بُناة الملكوت وكيف بنوه[1]
كان الله يستطيع وحده أن يبني ملكوته. لأنه "إِنْ لَمْ يَبْنِ الرَّبُّ الْبَيْتَ، فَبَاطِلًا يَتْعَبُ الْبَنَّاؤُونَ" (مز127: 1). ولكن الله أراد أن يكون بناء ملكوته عن طريق أوعية مختارة يعمل فيها، وعن طريق وكلاء صالحين يعمل بهم. فمن هم؟
مَن هم بُناة الملكوت؟
يقول الكتاب: إن الله "أَعْطَى الْبَعْضَ أَنْ يَكُونُوا رُسُلًا، وَالْبَعْضَ أَنْبِيَاءَ، وَالْبَعْضَ مُبَشِّرِينَ، وَالْبَعْضَ رُعَاةً وَمُعَلِّمِينَ لأَجْلِ تَكْمِيلِ الْقِدِّيسِينَ لِعَمَلِ الْخِدْمَةِ، لِبُنْيَانِ جَسَدِ الْمَسِيحِ" (أف4: 11، 12). وجسد المسيح هو الكنيسة (أف5: 23) (كو1: 18). وبنيان هذا الجسد أي بنيان أعضائه، المؤمنين باسمه. إن الله يريد أن الجميع يخلصون، وإلى معرفة الحق يقبلون (1تى2: 4). يريد أن الجميع يعرفونه ويحبونه ويتمتعون بملكوته..
من أجل ذلك أرسل الأنبياء والرسل وعين المبشرين والرعاة والمعلمين، لبناء هذا الملكوت، هم وتلاميذهم. وكان لابد من إعداد كل هؤلاء للقيام بعملهم. وهنا نسأل:
كيف أعد الله بناة الملكوت؟
اختارهم أولًا، وأقامهم معه يتتلمذون على يديه، يسمعونه كيف يعلّم، ويرونه كيف يتعامل ويتصرف. وأقاموا معه أكثر من ثلاث سنوات لا يفارقونه. ثم ظهر لهم بعد القيامة أربعين يومًا، يحدثهم عن الأمور المختصة بملكوت السموات (أع1: 3) ويفتح أذهانهم ليفهموا الكتب (لو24: 45). وكان قبل ذلك قد أرسلهم في دورات تدريبية (مت10)، وزوّدهم بالنصائح. وصحح لهم أخطاءهم (لو10). ولم يكن هذا كله كافيًا، بل قال لهم: "أَقِيمُوا فِي مَدِينَةِ أُورُشَلِيمَ إِلَى أَنْ تُلْبَسُوا قُوَّةً مِنَ الأَعَالِي" (لو24: 49). ونالوا هذه القوة حينما "حلّ الروح القدس عليكم" (أع1: 8). وحينئذ فقط صاروا له شهودًا.. إلى أقاصي الأرض. إذًا أعدهم بالتعليم، وبالتدريب، وبالروح القدس. كما أعدهم بتثبيت إيمانهم – بعد قيامته – وإنقاذهم من الشكوك.
ولم يكن عمل الروح القدس فقط بالألسنة النارية يوم الخمسين، وإنما أيضًا بمواهبه الدائمة لهم. وهذا ما شرحه القديس بولس الرسول في الإصحاح 12 من رسالته الأولى إلى كورنثوس فقال: "فَإِنَّهُ لِوَاحِدٍ يُعْطَى بِالرُّوحِ كَلاَمُ حِكْمَةٍ، وَلآخَرَ كَلاَمُ عِلْمٍ.. وَلآخَرَ إِيمَانٌ.. وَلآخَرَ مَوَاهِبُ شِفَاءٍ بِالرُّوحِ الْوَاحِدِ، وَلآخَرَ عَمَلُ قُوَّاتٍ، وَلآخَرَ نُبُوَّةٌ، وَلآخَرَ تَمْيِيزُ الأَرْوَاحِ، وَلآخَرَ أَنْوَاعُ أَلْسِنَةٍ، وَلآخَرَ تَرْجَمَةُ أَلْسِنَةٍ. وَلكِنَّ هذِهِ كُلَّهَا يَعْمَلُهَا الرُّوحُ الْوَاحِدُ بِعَيْنِهِ، قَاسِمًا لِكُلِّ وَاحِدٍ بِمُفْرَدِهِ، كَمَا يَشَاءُ" (1كو12: 8- 11).
كل هذا يعلمنا أهمية إعداد الخدام.. فإن كان الآباء الرسل لهم كل ذلك الإعداد الطويل المتعدد الجوانب، فماذا نقول عنا نحن في إعداد الخدام لهذا الجيل. على أية الحالات، لقد بدأ الرسل عملهم في بناء الملكوت بعد حلول الروح القدس عليهم. فكيف كانت وسائلهم لبناء الملكوت؟
كيف بنوا الملكوت؟
1- بنوه أولًا بالكرازة والتعليم، حسب وصية الرب.
لقد قال لهم قبل صعوده: "اذْهَبُوا إِلَى الْعَالَمِ أَجْمَعَ وَاكْرِزُوا بِالإِنْجِيلِ لِلْخَلِيقَةِ كُلِّهَا" (مر16: 15). وقال لهم أيضًا: "إذْهَبُوا وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ الأُمَمِ وَعَمِّدُوهُمْ بِاسْمِ الآب وَالابْنِ وَالرُّوحِ الْقُدُسِ. وَعَلِّمُوهُمْ أَنْ يَحْفَظُوا جَمِيعَ مَا أَوْصَيْتُكُمْ بِهِ" (مت28: 19 ،20).
وكما بنوا الملكوت بالكرازة والتعليم، هكذا أوصوا تلاميذهم
فقال القديس بولس الرسول لتلميذه تيموثاوس: "لاَحِظْ نَفْسَكَ وَالتَّعْلِيمَ وَدَاوِمْ عَلَى ذلِكَ، لأَنَّكَ إِذَا فَعَلْتَ هذَا، تُخَلِّصُ نَفْسَكَ وَالَّذِينَ يَسْمَعُونَكَ أَيْضًا" (1تي 4: 16). "اكْرِزْ بِالْكَلِمَةِ. اعْكُفْ عَلَى ذلِكَ فِي وَقْتٍ مُنَاسِبٍ وَغَيْرِ مُنَاسِبٍ. وَبِّخِ، انْتَهِرْ، عِظْ بِكُلِّ أَنَاةٍ وَتَعْلِيمٍ" (2تي 4: 2). كما قال لتلميذه تيطس: "تَكَلَّمْ بِمَا يَلِيقُ بِالتَّعْلِيمِ الصَّحِيحِ" (تي 2: 1). وهكذا كان الرسل يعلمون، حتى في السجون، وهم مأسورون! (أع 16). حتى وهم في محاكماتهم أمام الولاة (أع 24، 25).
2- وكانوا يستخدمون أسلوب الحوار والإقناع.
وهكذا فعل القديس اسطفانوس أول الشمامسة وأحد بناة الملكوت. وقف ضد ثلاثة مجامع من الفلاسفة، وحاورهم "وَلَمْ يَقْدِرُوا أَنْ يُقَاوِمُوا الْحِكْمَةَ وَالرُّوحَ الَّذِي كَانَ يَتَكَلَّمُ بِهِ" (أع6: 9 ،10). وهكذا أيضًا حاور اليهود بأدلة من الكتاب المقدس، فحنقوا عليه ورجموه (أع7).
والقديس بطرس كان يحاور اليهود بآيات من الأنبياء ومن المزامير. كما قال لهم في يوم الخمسين "هذَا مَا قِيلَ بِيُوئِيلَ النَّبِيِّ.. أَنِّي أَسْكُبُ مِنْ رُوحِي عَلَى كُلِّ بَشَرٍ، فَيَتَنَبَّأُ بَنُوكُمْ وَبَنَاتُكُمْ، وَيَرَى شَبَابُكُمْ رُؤًى وَيَحْلُمُ شُيُوخُكُمْ أَحْلاَمًا" (أع2: 16، 17) (يوء2: 28). وأقنعهم بالقيامة من قول داود في المزمور "لأَنَّكَ لَنْ تَتْرُكَ نَفْسِي فِي الْهَاوِيَةِ وَلاَ تَدَعَ قُدُّوسَكَ يَرَى فَسَادًا" (أع2: 27)، (مز16: 10). والأمثلة على ذلك كثيرة جدًا.
حقًا إن بناة الملكوت، يجب أن تكون عندهم قوة الحجة، والقدرة على الحوار والإقناع. فهذا نافع للتعليم.
3 - كانوا أيضًا في بناء الملكوت يجذبون الناس بحكمة.
وهكذا قال القديس بولس الرسول: "صِرْتُ لِلْيَهُودِ كَيَهُودِيٍّ لأَرْبَحَ الْيَهُودَ. وَلِلَّذِينَ تَحْتَ النَّامُوسِ كَأَنِّي تَحْتَ النَّامُوسِ لأَرْبَحَ الَّذِينَ تَحْتَ النَّامُوسِ. وَلِلَّذِينَ بِلاَ نَامُوسٍ كَأَنِّي بِلاَ نَامُوسٍ.. لأَرْبَحَ الَّذِينَ بِلاَ نَامُوسٍ.. صِرْتُ لِلضُّعَفَاءِ كَضَعِيفٍ لأَرْبَحَ الضُّعَفَاءَ. صِرْتُ لِلْكُلِّ كُلَّ شَيْءٍ، لأُخَلِّصَ عَلَى كُلِّ حَال قَوْمًا" (1كو9: 20- 22). أي أنه كان في كرازته يستخدم لكل أحد الأسلوب الذي يناسبه، والذي به يمكن أن يربحه، في حكمة.
وهكذا فعل لما دخل أثينا، ووجد المدينة مملوءة أصنامًا. لم ينتهرهم وإنما قال لهم: "أَيُّهَا الرِّجَالُ الأَثِينِوِيُّونَ! أَرَاكُمْ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ كَأَنَّكُمْ مُتَدَيِّنُونَ كَثِيرًا، لأَنَّنِي بَيْنَمَا كُنْتُ أَجْتَازُ وَأَنْظُرُ إِلَى مَعْبُودَاتِكُمْ، وَجَدْتُ أَيْضًا مَذْبَحًا مَكْتُوبًا عَلَيْهِ: «لإِلهٍ مَجْهُول». فَالَّذِي تَتَّقُونَهُ وَأَنْتُمْ تَجْهَلُونَهُ، هذَا أَنَا أُنَادِي لَكُمْ بِهِ، الإِلهُ الَّذِي خَلَقَ الْعَالَمَ وَكُلَّ مَا فِيهِ.."(أع17: 22- 24).
والحكمة في بناء الملكوت، كانت شرطًا للشمامسة أيضًا.
وهكذا عندما أراد الآباء الرسل إقامة شمامسة للخدمة، قالوا لجمهور التلاميذ: "انْتَخِبُوا أَيُّهَا الإِخْوَةُ سَبْعَةَ رِجَال مِنْكُمْ، مَشْهُودًا لَهُمْ وَمَمْلُوِّينَ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ وَحِكْمَةٍ، فَنُقِيمَهُمْ عَلَى هذِهِ الْحَاجَةِ" (أع6: 3).
ومع أن المملوء من الروح القدس، لا بد أن يكون مملوءًا من الحكمة أيضًا، إلا أنهم شددوا على شرط الحكمة أيضًا لأهميتها للخدمة.
4- كذلك بناة الملكوت بنوه بأسفار كثيرة.
لم يقبعوا في مكان واحد، ليأتيهم الشعب فيه، بل كانوا يجولون من مكان إلى آخر، كما كان سيدهم يطوف المدن والقرى يكرز ببشارة الملكوت (مت4: 23) (لو13: 22). وهكذا يقول القديس بولس الرسول عن خدمته: "بِأَسْفَارٍ مِرَارًا كَثِيرَةً، بِأَخْطَارِ سُيُول، بِأَخْطَارِ لُصُوصٍ، بِأَخْطَارٍ مِنْ جِنْسِي، بِأَخْطَارٍ مِنَ الأُمَمِ، بِأَخْطَارٍ فِي الْمَدِينَةِ، بِأَخْطَارٍ فِي الْبَرِّيَّةِ، بِأَخْطَارٍ فِي الْبَحْرِ" (2كو11: 26).
عمل الرسل أولًا في أورشليم. ولما تشتت البعض خارجها، قال الكتاب: "الَّذِينَ تَشَتَّتُوا جَالُوا مُبَشِّرِينَ بِالْكَلِمَةِ" (أع8: 4). وهكذا انتقلوا إلى السامرة وبشروها، وذهبوا إلى أنطاكية، وإلى قبرص، وإلى آسيا الصغرى، حيث أسسوا السبع كنائس هناك. ثم إلى بلاد اليونان، وإلى مصر وإلى رومة، وإلى بلاد الشرق. كانوا حركة دؤوبة لا تتوقف، دائمة السعي والانتقال.
إنها ديناميكية الخدمة، دائمة الحركة. كما قال لهم الرب من قبل: "تَكُونُونَ لِي شُهُودًا فِي أُورُشَلِيمَ وَفِي كُلِّ الْيَهُودِيَّةِ وَالسَّامِرَةِ وَإِلَى أَقْصَى الأَرْضِ" (أع1: 8). وكما تنبأ عنهم المزمور قائلًا: "الذين لاَ قَوْلَ لهم وَلاَ كَلاَمَ، ولا يسمع صوتهم، فِي كُلِّ الأَرْضِ خَرَجَ مَنْطِقُهُمْ، وَإِلَى أَقْصَى الْمَسْكُونَةِ بلغت أقوالهم" (مز19: 3، 4). ولم تكن المواصلات سهلة كما في هذه الأيام، بل كانت لها أخطار كثيرة، كما قال القديس بولس الرسول: "ثَلاَثَ مَرَّاتٍ انْكَسَرَتْ بِيَ السَّفِينَةُ، لَيْلًا وَنَهَارًا قَضَيْتُ فِي الْعُمْقِ" (2كو11: 25).
5-كذلك بنوا الملكوت بالتعب والجهد والمشقة. وفي ذلك قال القديس بولس الرسول: "فِي كُلِّ شَيْءٍ نُظْهِرُ أَنْفُسَنَا كَخُدَّامِ اللهِ: فِي صَبْرٍ كَثِيرٍ، فِي شَدَائِدَ، فِي ضَرُورَاتٍ، فِي ضِيقَاتٍ، فِي ضَرَبَاتٍ، فِي سُجُونٍ، فِي اضْطِرَابَاتٍ، فِي أَتْعَابٍ، فِي أَسْهَارٍ، فِي أَصْوَامٍ.." (2كو6: 4، 5).
ولم يقاسوا تعب الجسد فقط، بل قاست نفوسهم أيضًا.
وهكذا يقول الرسول "بِمَجْدٍ وَهَوَانٍ، بِصِيتٍ رَدِيءٍ وَصِيتٍ حَسَنٍ" (2كو6: 8). نعم تعرضوا للهوان وللصيت الرديء!! وماذا أيضًا؟ يتابع الرسول كلامه فيقول: "كَمُضِلِّينَ وَنَحْنُ صَادِقُونَ. كَمَائِتِينَ وَهَا نَحْنُ نَحْيَا، كَمَجْهُولِينَ.. كَمُؤَدَّبِينَ.. كَحَزَانَى وَنَحْنُ دَائِمًا فَرِحُونَ.." (2كو6: 8-10). ويقول كذلك: "مُكْتَئِبِينَ فِي كُلِّ شَيْءٍ، لكِنْ غَيْرَ مُتَضَايِقِينَ. مُتَحَيِّرِينَ، لكِنْ غَيْرَ يَائِسِينَ. مُضْطَهَدِينَ، لكِنْ غَيْرَ مَتْرُوكِينَ.. حَامِلِينَ فِي الْجَسَدِ كُلَّ حِينٍ إِمَاتَةَ الرَّبِّ يَسُوعَ.." (2كو4: 8-10).
القديس بولس الرسول وهو يبشر في أثينا، قال عنه قوم من فلاسفتها: "مَاذَا يُرِيدُ هذَا الْمِهْذَارُ أَنْ يَقُولَ؟!" (أع 17: 18). وفيما هو يترافع أثناء محاكمته، صاح فستوس الوالي بصوت عظيم: "أَنْتَ تَهْذِي يَا بُولُسُ! الْكُتُبُ الْكَثِيرَةُ تُحَوِّلُكَ إِلَى الْهَذَيَانِ" (أع26: 24).
إننا حاليًا نمجد هؤلاء القديسين بناة الملكوت. لكنهم في خدمتهم تعرضوا لكثير من الإهانات والضيقات، وتحملوها في فرح. بل في بدء خدمتهم، لما جلدوهم ثم أطلقوهم، قيل عنهم: "أَمَّا هُمْ فَذَهَبُوا فَرِحِينَ مِنْ أَمَامِ الْمَجْمَعِ، لأَنَّهُمْ حُسِبُوا مُسْتَأْهِلِينَ أَنْ يُهَانُوا مِنْ أَجْلِ اسْمِهِ" (أع5: 40، 41).
6- هم أيضًا بنوا الملكوت بما وهبهم الله من معجزات.
كان الروح القدس يعمل فيهم بقوة آيات ومعجزات، أحدثت تأثيرها الكبير وسط الناس، وقادتهم إلى الإيمان "وَكَانَ الرَّبُّ كُلَّ يَوْمٍ يَضُمُّ إِلَى الْكَنِيسَةِ الَّذِينَ يَخْلُصُونَ" (أع2: 47).
أول معجزة كانت التكلم بألسنة في يوم الخمسين. وقيل بعد عظة القديس بطرس إن اليهود نخسوا في قلوبهم، وإنهم آمنوا واعتمد في ذلك اليوم نحو ثلاثة آلاف نفس (أع2: 41). وبعد شفاء الأعرج الذي كان يتسول على باب الجميل، قيل: "وَكَثِيرُونَ مِنَ الَّذِينَ سَمِعُوا الْكَلِمَةَ آمَنُوا، وَصَارَ عَدَدُ الرِّجَالِ نَحْوَ خَمْسَةِ آلاَفٍ" (أع 4: 4).
ثم ازدادت المعجزات، فيقول سفر أعمال الرسل: "وَجَرَتْ عَلَى أَيْدِي الرُّسُلِ آيَاتٌ وَعَجَائِبُ كَثِيرَةٌ فِي الشَّعْبِ.. وَكَانَ مُؤْمِنُونَ يَنْضَمُّونَ لِلرَّبِّ أَكْثَرَ، جَمَاهِيرُ مِنْ رِجَال وَنِسَاءٍ. حَتَّى إِنَّهُمْ كَانُوا يَحْمِلُونَ الْمَرْضَى خَارِجًا فِي الشَّوَارِعِ وَيَضَعُونَهُمْ عَلَى فُرُشٍ وَأَسِرَّةٍ، حَتَّى إِذَا جَاءَ بُطْرُسُ يُخَيِّمُ وَلَوْ ظِلُّهُ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ.. وَكَانُوا يُبْرَأُونَ جَمِيعُهُمْ" (أع 5: 12- 16).
وقيل عن القديس بولس الرسول: "وَكَانَ اللهُ يَصْنَعُ عَلَى يَدَيْ بُولُسَ قُوَّاتٍ غَيْرَ الْمُعْتَادَةِ. حَتَّى كَانَ يُؤْتَى عَنْ جَسَدِهِ بِمَنَادِيلَ أَوْ مَآزِرَ إِلَى الْمَرْضَى، فَتَزُولُ عَنْهُمُ الأَمْرَاضُ، وَتَخْرُجُ الأَرْوَاحُ الشِّرِّيرَةُ مِنْهُمْ" (أع19: 10- 12).
وكما أجريت معجزات رحمة بالناس، كانت هناك معجزات خاصة بالعقوبة. مثلما حدث مع حنانيا وسفيره (أع5) ومع باريشوع (عليم الساحر) في (أع13: 8-11). إن هذه المعجزات كانت وعدًا من الرب الذي سبق فقال لهم "وَهذِهِ الآيَاتُ تَتْبَعُ الْمُؤْمِنِينَ.." (مر16: 17).
7- كذلك بنوا الملكوت بإقامة الخدام.
إن الخادم الحقيقي من بناة الملكوت، لا يخدم وحده، وإنما يجمع حوله بناة آخرين يخدمون معه.
وهكذا كان بولس الرسول يخدم معه كثيرون من بناة الملكوت، مثل القديس مار مرقس، والقديسون تيموثاوس، وتيطس، وأرسترخس، ولوقا الطبيب، وأنسيموس، وتيخيكس وغيرهم (كو4) ومجموعات من الشمامسة.. وأيضًا فيبي، وأكيلا وبريسكلا (رو16). وكل أولئك كانوا طاقات كبيرة في الخدمة، وبهم انتشر الملكوت وبنيت النفوس.. إلى جوار خدمة الأرامل والعذارى (1تي5) والنساء اللائي وهبن بيوتهن لتكون كنائس..
8- ساعد على بناء الملكوت أيضًا إنشاء المدارس اللاهوتية.
وكانت أول مدرسة لاهوتية هي مدرسة الإسكندرية التي أنشأها القديس مار مرقس الرسول. ووقفت ضد الفلسفة الوثنية، وقدمت للملكوت علماء ولاهوتيين، ساعدوا في بناء الملكوت.. من القديس بنتينوس إلى القديس ديديموس الضرير وغيرهم. بل قدمت المدرسة أيضًا بطاركة للكنيسة كانوا من بناة الملكوت أيضًا.
9- كذلك بناة الملكوت، بنوه بغيرتهم المقدسة وبخدمتهم العميقة التأثير. هذه الغيرة التي تظهر في قول القديس بولس الرسول: "مَنْ يَعْثُرُ وَأَنَا لاَ أَلْتَهِبُ؟" (2كو11: 29). وقوله أيضًا: "إِذِ الضَّرُورَةُ مَوْضُوعَةٌ عَلَيَّ، فَوَيْلٌ لِي إِنْ كُنْتُ لاَ أُبَشِّرُ" (1كو9: 16). وقوله: "لأُخَلِّصَ عَلَى كُلِّ حَال قَوْمًا" (1كو9: 22).
ومن جهة تأثيرهم العميق، نرى أن القديس بولس وهو أسير، لما تكلم عن البر والدينونة والتعفف أمام فيلكس الوالي، ارتعب فيلكس (أع24: 25). ولما وقف أمام أغريباس الملك، كلمه بجرأة حتى إن الملك أغريباس قال له: "بِقَلِيل تُقْنِعُنِي أَنْ أَصِيرَ مَسِيحِيًّا" (أع26: 28). عجيب أن هذا الأسير، يكون له مثل هذا التأثير.
10- بنوا الملكوت بانتصارهم على العقبات وقلة الإمكانيات.
مثال ذلك مار مرقس الذي دخل مصر، ولم تكن له فيها كنيسة ولا شعب. وكانت فيها ديانات كثيرة كالعبادات والآلهة الفرعونية واليونانية والرومانية، إلى جوار الديانة اليهودية، والفلسفات الوثنية، وسلطة الحكم الروماني القاسي، وهو أعزل لا يملك شيئًا. ولكنه استطاع أن يملأ الدنيا كرازة وتبشيرًا ويبني لله ملكوتًا.
11– العامل الأساسي الذي ساعد بناة الملكوت هو الروح القدس. الروح القدس الذي كان يتكلم على أفواههم (مت10: 20) وكان يعطيهم القوة (أع1: 8) والمواهب (1كو12) ويرشدهم إلى جميع الحق (يو16: 13).
[1] مقال لقداسة البابا شنوده الثالث، نشر في مجلة الكرازة بتاريخ 15 مايو 1998م
دعوة إلى العمل
دعوة إلى العمل[1]
تكلمنا عن أن المسيح مكث أربعين يومًا - بعد القيامة - مع تلاميذه، يحدثهم فيها عن الأمور المختصة بملكوت الله، وطرقنا الموضوع من زوايا عديدة..
ونريد هنا أن نطرقه – بمعونة الله – من زاوية أخرى.. هي زاوية "عمل المسيح". نلاحظ أن السيد المسيح، كان يعمل، حتى بعد موته، ولم ينته عمله بانتهاء حياته على الأرض، وإنما عمل أعمالًا كثيرة بعد موته.. فعندما أسلم الروح في يدي الآب، ذهب إلى الجحيم وأخرج الراقدين على رجاء، وفتح الفردوس ودخل، ودخل معه اللص اليمين، وأفواج الراقدين على رجاء..
ولما قام من الموت، عمل أيضًا أعمالًا كثيرة من أجل تثبيت الإيمان.. منها زيارة التلاميذ، ومعالجة شكوك توما، ونفسية بطرس، وشكوك المجدلية، وتقوية إيمان التلاميذ. ومن هذه الأعمال أيضًا شرح الكتاب لتلميذي عمواس.. وبناء الكنيسة، وشرح الأمور المختصة بملكوت الله..
كل هذا يرينا أن السيد المسيح يعمل، ويرينا الحياة المنتجة، المثمرة، المملوءة عملًا.. والتي لا تنتهي بالموت..
إن السيد المسيح لم تنته حياته بالموت، وإنما هو عمل بعد الموت.. وهناك أشخاص كثيرون أيضًا من أصحاب النفوس الكبيرة التي ائتمنها الله على مسئوليات ضخمة في ملكوته، يعملون بعد الموت. من هؤلاء مارجرجس، هل تظنون أن حياته قد انتهت، أو أن عمله قد انتهى؟ كلا.. وإنما هو ما زال يعمل، وله عمل كبير في ملكوت الله.. كذلك السيدة العذراء القديسة مريم، لا زالت تعمل.. وهكذا كثير من القديسين يعملون حتى بعد موتهم، يعملون أحيانًا في الرؤى، وأحيانًا في الأحلام، وأحيانًا في ظهورات معينة، وأحيانًا يرسلهم الله إلى الأرض لأعمال خاصة.. إن عملهم لم ينته بموتهم.
في إحدى المرات، دهش تلميذ يوحنا ذهبي الفم، عندما وجده وهو جالس يفسر الكتاب المقدس، وبجواره شيخ غريب يملي عليه.. فسأل التلميذ يوحنا عن هذا الشيخ.. وأجابه يوحنا: كان معي القديس بولس الرسول، يشرح لي بعض الآيات في رسائله.
إن أرواح كثير من الشهداء والقديسين كانت أيضًا تظهر للمؤمنين المضطهدين والمحاربين لكي تقويهم في الإيمان.. وهكذا كانت نفوسًا كبيرة تعمل حتى بعد موتها.. ولا تظن إطلاقًا أن هذه النفوس الكبيرة التي تعب الله في تربيتها وتنشئتها، تنتهي حياتها بالموت.. بل إنه في رأي بعض اللاهوتيين، أن هناك عملًا لهذه النفوس حتى في العالم الآخر.
المهم أن السيد المسيح بعد موته، ظل يعمل، ليس فقط خلال الأربعين يومًا المقدسة التي كان يتكلم فيها عن الأمور المختصة بالملكوت.. بل إنه – له المجد – يعمل حتى الآن.. ويقول: "بِدُونِي لاَ تَقْدِرُونَ أَنْ تَفْعَلُوا شَيْئًاتفسير هلال أمين
تفسير وليم ماكدونالد" (يو15: 5).. إنه يعمل فينا، ويعمل بنا.. والكنيسة هي عمل يديه..
وقد ظهر – بعد الأربعين يومًا بسنوات – لشاول الطرسوسي، وأرسله وفتح له طريق الخلاص.. وظهر له أيضًا مرة أخرى، وقال له: "كَمَا شَهِدْتَ بِمَا لِي فِي أُورُشَلِيمَ، هكَذَا يَنْبَغِي أَنْ تَشْهَدَ فِي رُومِيَةَ أَيْضًا" (أع23: 11).
إن حياة القديسين من غير عمل المسيح فيهم، لا تساوي شيئًا.. والمسيح كما هو.. يسعى على الجبال، وعلى التلال.. في كل مكان يجول يصنع خيرًا.. فهو باستمرار يعمل.. وقد كان يعمل قبل أن يولد، وظل يعمل بعد أن مات.. هو منذ الأزل، وإلى الأبد يعمل.. "أَبِي يَعْمَلُ.. وَأَنَا أَعْمَلُ" (يو5: 17). كان يعمل حتى فى أيام السبوت، وهو القائل إن سقط حمارك يوم سبت، أفلا تقيمه؟ وهذه المسألة ترينا العمل الدائم، والدائب، الذي لا ينتهي..
إن الرب يعمل باستمرار ولا يتوقف عن العمل لحظة واحدة.. ساهر على رعيته، لا ينعس ولا ينام.. يحرس حراسات الليل، ويعمل عمل النهار.
عندما نرى حياة المسيح في عمله الدائم، نجد أن كل دقيقة في هذه الحياة كانت مثمرة ومنتجة، ومقتدرة كثيرًا في فعلها.. كان يعمل مع الأفراد، والجماعات، نهارًا وليلًا بلا توقف.. ونحن عندما نظن أن الله قد توقف عن العمل، نصرخ إليه طالبين منه أن يعمل.. حين نصلي له قائلين: "قم أيها الرب الإله، وليتبدد جميع أعدائك.. فيرد تبارك اسمه بقوله: "الآن أقوم وأصنع خلاصًا".
نحن في ذلك لا نأمره أن يعمل.. وإنما في الواقع نحن نلتمس منه أن نرى عمله لنستمتع به.. إنه دائم العمل ويدعونا نحن أيضًا لنعمل معه.. آباؤنا عملوا مع الله.. ونحن نرى القديس بولس يقول عن نفسه وعن أبولس تلميذه: "نَحْنُ عَامِلاَنِ مَعَ اللهِ"(1كو3: 9).. ونحن نريد أن نعمل مع الله، ونستمر في هذا العمل..
كثير من القديسين كانوا لا يهدأون في العمل، ومن أشهرهم بولس الذي عمل في أسفار، وأصوام.. في البحر والبر.. وحتى في السجن كان يعمل ويكتب رسائل.. وبعدما شرح جميع أعماله الكبيرة يقول: "عَدَا مَا هُوَ دُونَ ذلِكَ: التَّرَاكُمُ عَلَيَّ كُلَّ يَوْمٍ، الاهْتِمَامُ بِجَمِيعِ الْكَنَائِسِ.. مَنْ يَضْعُفُ وَأَنَا لاَ أَضْعُفُ؟ مَنْ يَعْثُرُ وَأَنَا لاَ أَلْتَهِبُ؟" (2كو11: 28، 29)..
إن البعض يتصور أن حياة الرهبنة ركود وراحة.. ولكن صدقوني إنها حياة عمل.. وهناك يقال "راهب عمّال".. أي أنه راهب يجاهد ويعمل عمل الله.. في صلاة وسهر وتأمل وجهاد باستمرار.. إنها حياة كلها عمل بلا توقف..
إن عقل الإنسان مثلًا، دائم العمل ولا يمكن أن يتوقف في أية لحظة.. فقط نريد أن نوجهه توجيهًا سليمًا.. إن من طبيعتنا أن نعمل، ولكن المهم هو نوع العمل الذي نعمله.. فهناك عمل شرير، وعمل خير.. وهناك من يعمل من أجل نفسه، ومن يعمل من أجل الناس، وهناك أيضًا من يعمل من أجل الله.. وأنت، اسأل نفسك: هل تعمل من أجل ذاتك، أم من أجل الله؟ وما هو نوع عملك؟
إن المهم أن تعمل، ويكون عملك من أجل الله.. لقد أوجد الله العمل من أجل فائدة الإنسان.. خلق الله الإنسان وأوجد له عملًا من أجل فائدته.. ولو لم يجد الإنسان عملًا، لفكر تفكيرًا شريرًا، وأصيب بالملل والضيق.. وتستولى عليه الشياطين.
يجب أن يعمل الإنسان باستمرار أي عمل روحي بجانب الأعمال الأخرى المطلوبة منه.. إن الأعمال الروحية هي الباقية.. وخاصة تلك التي لا ينال عليها أجرًا على الأرض.
هناك فضائل تمارس في الخفاء ولا يحس بها أحد.. والأعمال الروحية كالصلاة والصوم والجهاد الداخلي وحساب النفس أعمال باقية.. لها أجر في السماء. وتوجد أعمال دائمة، يعملها الإنسان على الأرض، وتستمر في الأبدية.. إنها أعمال مستمرة لا تنتهي.. هنا وفي السماء. وهناك أيضًا أعمالًا باطلة.. قال الشيطان لأحد القديسين: لقد تعبت كثيرًا في محاربتك.. فأجابه القديس: وتعبك كله باطل.. هناك أناس يتعبون بلا فائدة، وأناس يتعبون، وتعبهم باق محفوظ، لهم أجر عنه عند الله.
وأنت: هل تعبك باطل؟ إن المسيح يقول: اعملوا.. اعملوا لا للطعام البائد، بل للطعام الباقي للحياة الأبدية. اعمل للطعام الباقي، واعمل العمل الذي تجده مسجلًا ومحفوظًا لك في سفر الحياة.. العمل الذي يقول عنه المسيح: "أَنَا عَارِفٌ أَعْمَالَكَ وَتَعَبَكَ وَصَبْرَكَ"(رؤ2: 2).. واحذر من العمل الباطل.. تلك الأعمال التي قال عنها سليمان الحكيم: "الْكُلُّ بَاطِلٌ وَقَبْضُ الرِّيحِ، وَلاَ مَنْفَعَةَ تَحْتَ الشَّمْسِ" (جا2: 11).
ليت كل واحد يحاسب نفسه على أعماله ويتساءل: ما هي الأعمال الباقية والأعمال الباطلة التي يقدم عليها طوال اليوم.. أو طوال الأسبوع.. أو طوال السنة.
ليت كل واحد يسأل نفسه: ماذا استفدت من عملي، وأي بنيان بنيته في ملكوت الله.. وأي عمل باق لي في ملكوت السموات؟
إن الكتاب المقدس يقول: اعملوا ما دام نهار.. فاعملوا ما دام هناك عمر في الحياة.. لأنه سيأتي وقت لا يستطيع الإنسان فيه أن يعمل شيئًا.. لأنه سيكون جثمانًا مسجي.. فاعملوا.. ما دامت هناك فرصة عمل. وخذوا درسًا من مثل العذارى الحكيمات اللائي عملن في الفترة الصالحة للعمل.
اعمل ما دامت لك فرصة عمل.. والله يعطيك الفرصة لتعمل من أجل خلاص نفسك، ومن أجل أبديتك، ومن أجل ملكوت الله على الأرض.. اعمل من أجل القداسة والنقاوة.
نحن مشغولون بالعالم ومشغولياته وأعماله.. ونضيع أوقاتنا في تفاهات وأباطيل.. ليت كل واحد يسأل نفسه: ماذا أعمل؟ وهل أعمالي تدخل في صفة "قبض الريح" التي قال عنها سليمان؟!
اعمل، ولا تعط لنفسك راحة.. وكن مثل داود الذي قال: "لا أعطي لعيني نومًا، ولا لأجفانى نعاسًا، ولا راحة لصدغي، إلى أن أجد موضعًا للرب، ومسكنًا لإله يعقوب" (مز132: 4).
عندما تنتهي الحياة على الأرض، فإن هناك أناسًا يجدون في الأبدية راحتهم، ويقول الواحد منهم: "ارجعي يا نفسي إلى موضع راحتك..". وذلك هو الذي يقال عنه أنه تنيح؛ أي استراح. وهناك أناس آخرون، يذهبون إلى الجحيم..
أما أنت.. فأي واحد من هؤلاء؟ ماذا تريد؟ إن الأمر بيدك، لأنك حر الإرادة، وتستطيع أن تدبر نفسك. إن الراحة – يا أخوتي – أولًا وأخيرًا هي راحة الضمير والقلب.. راحة الإنسان السعيد بأنه أتم عمله.. ويستطيع أن يقول بملئ فمه: قد أُكمل.
هذا النوع من الناس هو الذي يستريح حتى وهو يجاهد ويتعب من أجل الله.. فإنه في أعماق التعب، يشعر براحة القلب. تمامًا مثل رجال الإطفاء، الذي يجد الواحد منهم مشقة وجهدًا.. قد يعرضه للخطر.. أو يصيبه بالإعياء.. لكنه سعيد في داخله بأن ينقذ أرواحًا وممتلكات من الهلاك.
كذلك، فإن أولاد الله هم رجال إطفاء في مقاومة الشر.. والعمل المستمر، والجهد الصعب الذي يبذلونه.. ولكنهم يجدون فيه سعادة وراحة ضمير.. مثل هذا العمل.. هو الباقي.. أما تعب العالم فهو باطل.. آخرته لا شيء.. "عُرْيَانًا خَرَجْتُ مِنْ بَطْنِ أُمِّي، وَعُرْيَانًا أَعُودُ إِلَى هُنَاكَ" (أي1: 21).
إن أهل العالم شعروا بذلك.. فقال الشاعر:
تعب كلها الحياة، فما أعجب إلا من راغب في ازدياد
اعملوا يا إخوتي العمل المريح، المحفوظ لكم في الأبدية، والذي مهما تعبتم فيه، تشعرون براحة. وليكن كل واحد منكم مثل بولس الرسول الذي قال للرب: "يَا رَبُّ، مَاذَا تُرِيدُ أَنْ أَفْعَلَ؟" (أع 9: 6).
اسألوا الله كيف تعملون مشيئته. واطلبوا منه أن يعمل فيكم وبكم.. واعملوا ما دام نهار.. وما دامت لديكم القوة على العمل..
أقول هذا للجميع.. وخاصة للشباب.. إنني أوجه إلى شبابنا رسالة يوحنا الحبيب الذي يقول فيها: "كَتَبْتُ إِلَيْكُمْ أَيُّهَا الأَحْدَاثُ، لأَنَّكُمْ أَقْوِيَاءُ، وَكَلِمَةُ اللهِ ثَابِتَةٌ فِيكُمْ، وَقَدْ غَلَبْتُمُ الشِّرِّيرَ" (1يو2: 14).
يا أبنائي: لا تضيعوا وقتكم في قبض الريح.. واعملوا لأجل أبديتكم ولبنيان الكنيسة، وازدادوا في العمل يومًا بعد يوم.. واستعدوا، إن الحصاد كثير ولكن الفعلة قليلون.. وحاسبوا أنفسكم على أعمالكم، هل هي من الأعمال الباقية؟
[1] مقال لقداسة البابا شنوده الثالث، نشر في جريدة وطني بتاريخ 14 مايو 1972م
لقاءات الرب مع خليقته
لقاءات الرب مع خليقته[1]
بمناسبة ظهور السيد المسيح لتلاميذه بعد القيامة، نود أن نتحدث عن ظهورات الرب الكثيرة وأسبابها المتعددة، ولقاءاته مع الناس.
لقاءات الرب مع كثيرين
لقد ظهر الرب لكثيرين، وكلمهم فمًا لأذن.. منذ آدم.. لا شك أنه تواضع من الرب أن يتنازل ويظهر للناس، ويتحدث معهم، ويصغي إلى حديثهم، وينزل بنفسه إليهم..
لقد نزل الله لآدم في الجنة، وتكلم معه، وتكلم مع حواء أيضًا. بل تكلم مع الحية، مع الشيطان (تك3). تواضع عجيب من الله أن يتحدث مع الشيطان، وأن يسمح للشيطان بأن يجادله، كما في سفر أيوب (أي1، 2).. إنه لون آخر من إخلاء الذات. سبق التجسد..! الله كلم كثيرين من البشر في مناسبات متعددة، نود أن نستعرض بعضها، فنجد أن البعض كلمهم لأجل الدعوة.
لقاءات سببها الدعوة الإلهية
دعوة للخدمة، وللعشرة الإلهية، وللشركة مع الرب.. ولهذا السبب كان لقاء الرب مع إبراهيم ونوح وموسى وشاول الطرسوسى، وغيرهم.. ظهر الله لإبراهيم لكي يدعوه إلى صداقته، والمعيشة معه، بعيدًا عن مساكن الأشرار. فقال له: "اذْهَبْ مِنْ أَرْضِكَ وَمِنْ عَشِيرَتِكَ وَمِنْ بَيْتِ أَبِيكَ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي أُرِيكَ. وَأُبَارِكَكَ وَأُعَظِّمَ اسْمَكَ وَتَكُونَ بَرَكَةً. وَأُبَارِكُ مُبَارِكِيكَ، وَلاَعِنَكَ أَلْعَنُهُ"(تك12: 1-3).. لقاء مع اتفاقية وعهد.. وهكذا كان لقاؤه مع نوح أيضًا.
إننا لا نعرف متى يقابلنا الرب، وأين؟ لكننا نعرف أن للرب موعدًا معنا.. كيف؟ ومتى؟ وأين؟ لسنا ندري.. الله دعى موسى من العليقة المحترقة في البرية، بطريقة غير متوقعة.. وتناقش معه، وأعطاه نعمة وقوة، وأدخله في خدمته، وعالج له أسباب امتناعه..
شخص آخر دعاه الرب لخدمته، بلون من العتاب الصريح.. ذلك هو شاول الطرسوسي. قابله الرب في الطريق وقال له: "شَاوُلُ، شَاوُلُ! لِمَاذَا تَضْطَهِدُنِي؟" (أع9: 4). يضطهدك؟! من ذا الذي يستطيع أن يضطهدك يا رب؟! إنك تستطيع أن تجعل الأرض تبتلعه، أو تنزل نار من السماء وتحرقه..! نعم، أنا أستطيع ذلك، ولكني أريد أن أكسبه بالحب، بالحوار الودي.
صعب عليك يا شاول أن ترفس مناخس. إن حبي لك، أقوى من عداوتك لي. والبركة التي أريد أن أعطيك إياها، أقوى من الاضطهاد الذي تفعله بي وبكنيستي. لذلك ستنتصر محبتي على اضطهادك.. وقد كان. ورأينا شاول الطرسوسى عجينة لينة في يد الرب عندما ظهر له. وبسرعة عجيبة تحول من مضطهد للكنيسة إلى كاروز ومبشر يبذل نفسه لأجلها.. محبة الرب أذابت كل قساوة في قلبه. فصار إناءٌ مختارًا، وبادل الرب حبًا بحب. وقال: "خَسِرْتُ كُلَّ الأَشْيَاءِ، وَأَنَا أَحْسِبُهَا نُفَايَةً لِكَيْ أَرْبَحَ الْمَسِيحَ" (في 3: 8). "مَعَ الْمَسِيحِ صُلِبْتُ، فَأَحْيَا لاَ أَنَا، بَلِ الْمَسِيحُ يَحْيَا فِيَّ" (غل2: 20). هناك أشخاص – مثل شاول – لاقاهم الرب، ليدعوهم إليه. وهناك آخرون التقى بهم في ضيقاتهم، ليخفف عنهم..
لقاء في الضيقات
كثيرون في ضيقاتهم قابلهم السيد المسيح الحنون، الذي يقول: "تَعَالَوْا إِلَيَّ يَا جَمِيعَ الْمُتْعَبِينَ وَالثَّقِيلِي الأَحْمَالِ، وَأَنَا أُرِيحُكُمْ.."(مت11: 28). من أجمل هذه اللقاءات وأعجبها وأقواها، لقاء الرب بالثلاثة فتية في أتون النار. تمشى معهم في الأتون، فلم يحترقوا، ولم تدخل رائحة النار إلى ثيابهم. لم يختلف مشيه معهم عن مشيه مع آدم في جنة عدن.
حقًا إذا حل الله في أتون النار، تحول الأتون إلى فردوس. إذا مشى الله معنا في الضيقة، تحولت الضيقة إلى نعمة وبركة.. نحن يا رب نريد أن نمشي معك ونريد أن نلتقي بك، لا يهم في جنة عدن، أو في أتون النار، أو في بطن الحوت كيونان، المهم أن نلتقي بك، وكفى..
والله من جانبه يقول لنا: لا تخافوا من الضيقات والمتاعب. أنا سوف لا أمنع عنكم النار، لكني سأسير معكم فيها. سوف لا أمنع عنكم المتاعب والضيقات، لكني سأحملها عنكم.
لذلك سمح الله أن يلقى دانيال في جب الأسود، ولكن أرسل ملاكه فسد أفواه الأسود. وسمح أن يلقى بطرس في السجن، ولكن أرسل ملاكه ففك له السلاسل وفتح له الأبواب. وسمح أن ينفي يوحنا إلى بطمس، ولكن ظهر له هناك، وأعلن له ما لم يره أحد.
الذي يسير مع الرب لا يخاف، بل يقول كداود: "إن سرت في وادي ظل الموت، لا أخاف شرًا، لأنك أنت معي" (مز23). أولاد الله لا يهمهم نوع الطريق الذي يسيرون فيه. كل ما يهمهم أن يسير الله معهم فيه. هم لا يختارون لأنفسهم الطريق. الرب هو الذي يختار، وهو يصحبهم فيه. يعقوب هرب من وجه أخيه عيسو. ولكن الله قال له: "هَا أَنَا مَعَكَ، وَأَحْفَظُكَ حَيْثُمَا تَذْهَبُ، وَأَرُدُّكَ إِلَى هذِهِ الأَرْضِ". تقابل معه في ضيقته، وعزاه.
كل هذا يجعلنا نفهم المبدأ الخطير الذي وضعه الله: أنا سوف لا أستأصل الشر من الأرض، سيبقى الشر، ولكني سأحميكم منه. سيبقى الزوان مع الحنطة إلى يوم الحصاد، وسينموان معًا، ولكن سأحمي الحنطة من الزوان..
وهكذا نرى في بدء الخليقة أن الله لم يقل "لا تكن ظلمة" وإنما قال: "ليكن نور". فكان نور، وبقيت الظلمة، وفصل الله بين النور والظلمة.. لقد هجم سلطان الظلام على السيد المسيح، وحُوكم المسيح ظلمًا وأُهين وجُلد وصُلب ومات. ولكن النور انتصر أخيرًا، بالقيامة. إذًا ماذا يكون موقفنا من الظلم والظلمة؟
يقول الكتاب: "بصبركم تقتنون أنفسكم". اصبروا، لا تقاوموا الشر. في يوم الحصاد سيرسل الرب منجله، وينزع الزوان من الأرض. "لا تقاوموا الشر". "لا تنتقموا لأنفسكم". من سخّركم ميلًا، امشوا معه اثنين.. وماذا بعد؟ "الرب يقاتل عنكم وأنتم تصمتون". لا تلجأوا إلى الحيل البشرية، ولا تعتمدوا على ذراعكم البشري.. في وسط الضيقة، أنا سألتقي بكم، سأمشي معكم في الأتون كما مشيت مع الثلاثة فتية..
عندما شهد المولود أعمى للمسيح، طردوه خارج المجمع. وفيما هو خارج المجمع قابله المسيح، وكشف له ذاته، ومنحه الإيمان. لا تحزن يا ابني إذا طردوك خارج المجمع، أنا أيضًا سيخرجونني خارج المحلة.. احتمل، واحمل صليبك. أنا أيضًا سأحمل صليبًا. سأحمل جميع صلبانكم. سآخذ جميع متاعبكم، وأحرقها عند الشمس..
إيليا هرب من إيزابل، فقابله الرب في خوفه، وعزاه وقواه. قال إيليا للرب: "نَقَضُوا مَذَابِحَكَ، وَقَتَلُوا أَنْبِيَاءَكَ بِالسَّيْفِ، فَبَقِيتُ أَنَا وَحْدِي وَهُمْ يَطْلُبُونَ نَفْسِي لِيَأْخُذُوهَا". فعزاه الرب: "لست وحدك، فإن لي 7000 ركبة لم تنحن لبعل". وإيزابل هذه ستلحس الكلاب دمها. أما أنت فانتظر الرب.
كل الذي بيننا وبين الشر هو عامل الزمن فقط، لا بد أن ينهزم الشر أخيرًا. ولكن المهم متى ينهزم؟ إن هذا الزمن هو في قبضة الله وحكمة تدبيره.
سيحرق الله الزوان، وسيبيد الظلمة. وللرب حرب مع عماليق من دور لدور. أما نحن فلننتظر الرب. مهما تأخر، لا بد سيأتي، ويقيم العدل على الأرض. إن الله يلتقي مع المتضايقين لينقذهم. ولكن له لقاء من نوع آخر مع الخطاة..
لقاء الرب للعقوبة
التقى الرب مع قايين، لا ليعطيه نعمة بل ليسمعه العقوبة. والتقى مع الغني الغبي ليقول له: "هذِهِ اللَّيْلَةَ تُطْلَبُ نَفْسُكَ مِنْكَ، فَهذِهِ الَّتِي أَعْدَدْتَهَا لِمَنْ تَكُونُ؟"(لو12: 20).. هناك لقاءات كثيرة للدينونة، فاحذروا، واتعظوا بقول الكتاب: "لِئَلاَّ يَأْتِيَ بَغْتَةً فَيَجِدَكُمْ نِيَامًا" (مر13: 36). "يَأْتِي سَيِّدُ ذلِكَ الْعَبْدِ فِي يَوْمٍ لاَ يَنْتَظِرُهُ وَفِي سَاعَةٍ لاَ يَعْرِفُهَا، فَيَقْطَعُهُ وَيَجْعَلُ نَصِيبَهُ مَعَ الْخَائِنِينَ"(لو12: 46).
إنه سيأتي مرة أخرى للدينونة، ليدين الأحياء والأموات، ليعطي كل واحد حسب أعماله. يأتي في مجده على سحاب السماء، فتنوح عليه جميع قبائل الأرض. يقولون للجبال غطينا، وللتلال أسقطي علينا. تذوب الجبال مثل الشمع من قدام وجه الرب.. وحقًا كما يقول الرسول: "مُخِيفٌ هُوَ الْوُقُوعُ فِي يَدَيِ اللهِ الْحَيِّ" (عب10: 31). على أنني لا أريد أن أختم المقال بلقاء الدينونة هذا، فهناك لقاءات للبركة، وأخرى للحب.
لقاء البركة
مثل لقاء الرب مع سليمان. باركه، وبارك البيت الذي بناه. ومجد الرب ملأ البيت، مثل حلول الرب على خيمة الاجتماع فوق التابوت. ومثل لقاء الرب الأول مع يعقوب أبي الآباء، ولقائه الأول مع إبراهيم، كان للدعوة وللبركة معًا.
لقاء الحب
مثلما كان يدخل بيت مريم ومرثا، فيملأ البيت حبًا وسعادة، تكفي نظرة إلى وجهه لتفرح القلب. إنه لقاء للحب، يقول فيه الرب للإنسان: "هنَذَا وَاقِفٌ عَلَى الْبَابِ وَأَقْرَعُ. إِنْ سَمِعَ أَحَدٌ صَوْتِي وَفَتَحَ الْبَابَ، أَدْخُلُ إِلَيْهِ وَأَتَعَشَّى مَعَهُ وَهُوَ مَعِي" (رؤ3: 20). وهكذا يقف على باب النفس البشرية ويقول: "اِفْتَحِي لِي يَا أُخْتِي، يَا حَبِيبَتِي، يَا حَمَامَتِي، يَا كَامِلَتِي" (نش5: 2).
مثال هذا أيضًا لقاؤه مع إبراهيم، حينما زاره مع ملاكين.. استضافه إبراهيم، ثم منح إبراهيم نعمة أن يكون له ولد، وكصديق بحث معه موضوع سدوم.. في تفاهم عجيب، كأحد مختاريه، يناقش معه مصير أمة وشعب..!
من لقاءات الحب هذه، ما حدث حتى بعد الانتقال من هذه الأرض.. إنه لقاء الرب مع موسى وإيليا على جبل التجلي.. كيف ظهر موسى وإيليا معه في هذا الوقت؟ وكيف اختفيا؟ وبأي موعد؟ هل لمجرد المشيئة في قلبه حضرا لتوهما؟ لست أدرى.. ولكنه لقاء بين الرب وأحبائه.. وهناك لقاء مشابه.. أعني اللقاء الأبدي.
اللقاء الأبدي
عن هذا اللقاء، يقول الرب لتلاميذه القديسين: "أَنَا أَمْضِي لأُعِدَّ لَكُمْ مَكَانًا. وَإِنْ مَضَيْتُ وَأَعْدَدْتُ لَكُمْ مَكَانًا آتِي أَيْضًا وَآخُذُكُمْ إِلَيَّ، حَتَّى حَيْثُ أَكُونُ أَنَا تَكُونُونَ أَنْتُمْ أَيْضًا" (يو14: 2، 3).
أنسمى هذا لقاءً؟ بل هي عشرة دائمة. لقاء يبدأ ولا ينتهي. لقاء الرأس بالجسد.. نكون فيه، ويكون فينا، ونثبت فيه إلى الأبد..
[1] مقال لقداسة البابا شنوده الثالث، نشر في مجلة الكرازة بتاريخ 6 يونيو 1975م
متى وكيف صعد المسيح؟
متى وكيف صعد المسيح؟[1]
طبعًا، من المعروف أن السيد المسيح قد صعد في يوم الأربعين لقيامته. وقد كتبت لكم هذه عن عيد الصعود. ولكني أريد أن أتكلم كلامًا آخر عن الصعود..
السيد المسيح قد جاء إلى العالم لكي يؤدي رسالة معينة هامة هي الفداء وخلاص العالم، وقد أضاف إليها رسالة أخرى هي تعليم الناس التعليم الصحيح. وقد أدّى هاتين الرسالتين: لما أدّى رسالة الفداء، قال على الصليب: "قَدْ أُكْمِلَ" (يو19: 30). ولما أدّى رسالته في التعليم، قال للآب: "الْعَمَلَ الَّذِي أَعْطَيْتَنِي لأَعْمَلَ قَدْ أَكْمَلْتُهُ" (يو17: 4).
"أَنَا مَجَّدْتُكَ عَلَى الأَرْضِ.. أَظْهَرْتُ اسْمَكَ لِلنَّاسِ الَّذِينَ أَعْطَيْتَنِي مِنَ الْعَالَمِ.. الْكَلاَمَ الَّذِي أَعْطَيْتَنِي قَدْ أَعْطَيْتُهُمْ، وَهُمْ قَبِلُوا.."، "عَرَّفْتُهُمُ اسْمَكَ وَسَأُعَرِّفُهُمْ، لِيَكُونَ فِيهِمُ الْحُبُّ الَّذِي أَحْبَبْتَنِي بِهِ، وَأَكُونَ أَنَا فِيهِمْ" (يو17: 4- 26).
فبعد أن أدّى رسالته في الفداء والتعليم، كان ممكنًا له أن يترك هذه الأرض ويصعد إلى فوق. وهو في هذا، يعطينا درسًا أن نؤدي رسالتنا المعطاة لنا على الأرض. وقبل أن تصعد أرواحنا إلى فوق، نقول لله كما قال السيد المسيح: "الْعَمَلَ الَّذِي أَعْطَيْتَنِي لأَعْمَلَ قَدْ أَكْمَلْتُهُ" (يو17: 4). السيد المسيح لم يصعد إلا بعد أن أدّى رسالته. وأيضًا لم يصعد إلا بعد أن غلب العالم والشيطان.
وقال في ذلك لتلاميذه "ثِقُوا: أَنَا قَد غَلَبتُ العَالَمَ" (يو16: 33). وقال لهم أيضًا: "إِن كَانَ العَالَمُ يُبغِضُكُم فَاعلَمُوا أَنَّهُ قَد أَبغَضَنِي قَبلَكُم لَو كُنتُم مِنَ العَالَمِ لَكَانَ العَالَمُ يُحِبُّ خَاصَّتَهُ. وَلكِن لأَنَّكُم لَستُم مِنَ العَالَمِ، بَل أَنَا اختَرتُكُم مِنَ العَالَمِ، لِذلِكَ يُبغِضُكُمُ العَالَمُ" (يو15: 18، 19). وكما غلب المسيح، أعطاهم أيضًا أن يغلبوا. والسيد المسيح لم يصعد إلى السماء إلا بعد أن غلب العالم.
وكما غلب العالم، قد غلب الشيطان أيضًا. غلب الشيطان في التجربة على الجبل، وطرده قائلًا له: "اذْهَبْ يَا شَيْطَانُ" (مت 4: 10) "ثُمَّ تَرَكَهُ إِبْلِيسُ، وَإِذَا مَلاَئِكَةٌ قَدْ جَاءَتْ فَصَارَتْ تَخْدِمُهُ" (مت4: 11). ولكن الشيطان لم يتركه على الدوام. بل إن إنجيل لوقا يقول في التجربة على الجبل: "وَلَمَّا أَكْمَلَ إِبْلِيسُ كُلَّ تَجْرِبَةٍ فَارَقَهُ إِلَى حِينٍ" (لو4: 13). وعبارة "إِلَى حِينٍ" تعني أنه عاد إلى تجربته بعد ذلك الحين. بل حتى على الصليب سمع عبارة قالها الشيطان على أفواه بعض الناس: "إِنْ كُنْتَ ابْنَ اللهِ فَانْزِلْ عَنِ الصَّلِيبِ" (مت27: 40). إنها تشبه قول الشيطان من قبل: "إِنْ كُنْتَ ابْنَ اللهِ فَقُلْ أَنْ تَصِيرَ هذِهِ الْحِجَارَةُ خُبْزًا" (مت4: 3).
بل قد جربه الشيطان على فم تلميذه بطرس. فلما تكلم السيد المسيح عن أنه سيسلَّم إلى أيدي الشيوخ ويتألم كثيرًا ويُقتل قال بطرس: "حَاشَاكَ يَا رَبُّ! لاَ يَكُونُ لَكَ هذَا" فانتهره الرب قائلًا: "اذْهَبْ عَنِّي يَا شَيْطَانُ! أَنْتَ مَعْثَرَةٌ لِي.." (مت16: 21- 23). على كلٍ لقد غلب المسيح الشيطان في كل تجربة، سواء من الشيطان مباشرة، أو منه على أفواه الشعب، أو على فم أحد تلاميذه. لكي يصعد إلى السماء غالبًا، كما أعطى الطوبى للغالبين. لقد صعد إلى السماء بعد أن غلب العالم وغلب الشيطان، وقدّم للناس أمثولة صالحة للغالبين.
إنه في سفر الرؤيا قد وعد الغالبين، في كل كنيسة من الكنائس السبع بوعود سامية وعجيبة. فقال: "مَنْ يَغْلِبُ فَسَأُعْطِيهِ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ شَجَرَةِ الْحَيَاةِ الَّتِي فِي وَسَطِ فِرْدَوْسِ اللهِ" (رؤ2: 7).
"مَنْ يَغْلِبُ فَلاَ يُؤْذِيهِ الْمَوْتُ الثَّانِي" (رؤ2: 11). "مَنْ يَغْلِبُ فَسَأُعْطِيهِ أَنْ يَأْكُلَ مِنَ الْمَنِّ الْمُخْفَى" (رؤ2: 17). "مَنْ يَغْلِبُ فَذلِكَ سَيَلْبَسُ ثِيَابًا بِيضًا، وَلَنْ أَمْحُوَ اسْمَهُ مِنْ سِفْرِ الْحَيَاةِ، وَسَأَعْتَرِفُ بِاسْمِهِ أَمَامَ أَبِي وَأَمَامَ مَلاَئِكَتِهِ" (رؤ3: 5). "مَنْ يَغْلِبُ فَسَأُعْطِيهِ أَنْ يَجْلِسَ مَعِي فِي عَرْشِي، كَمَا غَلَبْتُ أَنَا أَيْضًا وَجَلَسْتُ مَعَ أَبِي فِي عَرْشِهِ" (رؤ3: 21).
هكذا كان لازمًا أنه لا يصعد إلا بعد أن يغلب أولًا.. وبعد أن ينتصر لكي "يَقُودُنَا فِي مَوْكِبِ نُصْرَتِهِ" (2كو2: 14). وقد كان المسيح غالبًا ومنتصرًا على الدوام، في فترة تجسده على الأرض..
أيضًا لم يصعد السيد المسيح إلى السماء إلا بعد أن اطمأن على تلاميذه وعلى الكنيسة. لقد ائتمن هؤلاء التلاميذ على نشر الإيمان في العالم كله. فكان لا بد أن يكون هؤلاء ثابتين في الإيمان وعارفين به. غير أنه قد أدركهم الخوف بعد أحداث الصلب. وكانت هناك شكوك كثيرة تحاربهم. فظهر لهم مرات عديدة "أَرَاهُمْ أَيْضًا نَفْسَهُ حَيًّا بِبَرَاهِينَ كَثِيرَةٍ" (أع 1: 3). وجعلهم يتأكدون من قيامته. وهنا يحضرنا قول الشاعر وهو يخاطب المسيح قبل قيامته بهذه الأبيات:
قم حطـــم الـشيطان لا تبق لدولـــته بـــــقــية
قم قو إيمان الرعاة ولـــــمّ أشــتات الـــــــرعية
واغـفـــر لبطرس ضعفه وامسح دموع المجدلية
واكـشف جراحك مقنعًا تـوما فــريــبـتــه قــويــة
وهكذا قبل أن يصعد إلى السماء، ظهر لتلاميذه أربعين يومًا، وهو يحدثهم عن الأمور المختصة بملكوت الله (أع1: 3).
وفي تلك الفترة شرح لهم عقائد الكنيسة وطقوسها، وكل الرموز المتعلقة به في العهد القديم. وقال لهم: "أَنَّهُ لاَ بُدَّ أَن يَتِمَّ جَمِيعُ مَا هُوَ مَكتُوبٌ عَنِّي فِي نَامُوسِ مُوسَى وَالأَنبِيَاءِ وَالمَزَامِيرِ"، "حِينَئِذٍ فَتَحَ ذِهنَهُم لِيَفهَمُوا الكُتُبَ. وَقَالَ لَهُم: هكَذَا هُوَ مَكتُوبٌ، وَهكَذَا كَانَ يَنبَغِي أَنَّ المَسِيحَ يَتَأَلَّمُ وَيَقُومُ مِنَ الأَموَاتِ فِي اليَومِ الثَّالِثِ. وَأَن يُكرَزَ بِاسمِهِ بِالتَّوبَةِ وَمَغفِرَةِ الخَطَايَا لِجَمِيعِ الأُمَمِ، مُبتَدَئًا مِن أُورُشَلِيمَ" (لو24: 44-47).
وأيضًا لما التقى بتلميذي عمواس: "ابْتَدَأَ مِنْ مُوسَى وَمِنْ جَمِيعِ الأَنْبِيَاءِ يُفَسِّرُ لَهُمَا الأُمُورَ الْمُخْتَصَّةَ بِهِ فِي جَمِيعِ الْكُتُبِ" (لو24: 27). ولما اطمأن على الكنيسة تمامًا، واطمأن على زوال الشكوك والمخاوف من رسله القديسين. وبعد أن كانوا خائفين ومغلقين على أنفسهم في العلية، أصبحوا مستطيعين أن يخرجوا ويبشروا، حينئذ وجد أن الوقت أصبح مناسبًا للصعود.
بل أيضًا لكي يطمئن على تلاميذه وعدهم بالروح القدس لكي يكون معهم كل الأيام ويكون فيهم (يو14: 17). ويعلمهم كل شيء، ويذكرهم بكل ما قاله الرب لهم (يو14: 26). بل قال لهم: "لكِنَّكُمْ سَتَنَالُونَ قُوَّةً مَتَى حَلَّ الرُّوحُ الْقُدُسُ عَلَيْكُمْ، وَتَكُونُونَ لِي شُهُودًا فِي أُورُشَلِيمَ وَفِي كُلِّ الْيَهُودِيَّةِ وَالسَّامِرَةِ وَإِلَى أَقْصَى الأَرْضِ" (أع1: 8).
ما كان ممكنًا أن يصعد إلى السماء، إلا بعد أن يكمل رسالته: ليس فقط مجرد رسالة الكفارة والفداء، ورسالة التعليم، بل أيضًا رسالة تكوين الكنيسة والاطمئنان عليها. إن السيد المسيح يعمل كل شيء في وقته الحسن المناسب.
كيف صعد؟
"لكِنَّكُم سَتَنَالُونَ قُوَّةً مَتَى حَلَّ الرُّوحُ القُدُسُ عَلَيكُم، وَتَكُونُونَ لِي شُهُودًا فِي أُورُشَلِيمَ وَفِي كُلِّ اليَهُودِيَّةِ وَالسَّامِرَةِ وَإِلَى أَقصَى الأَرضِ" (أع1: 8). صعد فى مجده. وكان ذلك دليلًا على لاهوته. كان يتكلم مع تلاميذه، وإذا به "ارتَفَعَ وَهُم يَنظُرُونَ. وَأَخَذَتهُ سَحَابَةٌ عَن أَعيُنِهِم" (أع1: 9). وظل يرتفع حتى اختفى عنهم. "وَفِيمَا كَانُوا يَشخَصُونَ إِلَى السَّمَاءِ وَهُوَ مُنطَلِقٌ، إِذَا رَجُلاَنِ قَد وَقَفَا بِهِم بِلِبَاسٍ أَبيَضَ" (ملاكان) وقالا لهم: "إِنَّ يَسُوعَ هذَا الَّذِي ارتَفَعَ عَنكُم إِلَى السَّمَاءِ سَيَأتِي هكَذَا كَمَا رَأَيتُمُوهُ مُنطَلِقًا إِلَى السَّمَاءِ.." (أع1: 10، 11).
منظر عجيب، ما كان ممكنًا أن يضيع من ذاكرتهم. لما أتى الرب في تجسده، أتى في اتضاع. وُلد في مذود بقر، لم يشعر به أحد إلا قليلون قد أعلن لهم. وقيل في ذلك إنه "أَخْلَى نَفْسَهُ، آخِذًا صُورَةَ عَبْدٍ، صَائِرًا فِي شِبْهِ النَّاسِ. وَإِذْ وُجِدَ فِي الْهَيْئَةِ كَإِنْسَانٍ، وَضَعَ نَفْسَهُ وَأَطَاعَ حَتَّى الْمَوْتَ مَوْتَ الصَّلِيبِ" (في2: 7، 8).
لكنه في صعوده، صعد في مجد، ليس متحديًا قوانين الجاذبية الأرضية، لكنه صعد بجسد ممجد روحاني، لا علاقة له بالجاذبية الأرضية. الجاذبية الأرضية تتعلق بالمادة. فالمادة تنجذب إلى الأرض. أما الجسد الذي صعد به السيد المسيح، لم يكن جسدًا ماديًا.
بعد القيامة أكل وشرب مع تلاميذه، وأراهم جروحه وثقوب المسامير في يديه وقدميه. وقال لهم: جسّوني وانظروا. الروح ليس له لحم وعظام كما ترون لي (لو24: 37- 43) (يو20: 27). أما في الصعود فليس لحم ولا عظام، بل جسد ممجد، جسد روحاني يمكنه أن يصعد إلى فوق.
كان الصعود بجسد ممجد أمرًا لازمًا للتلاميذ، إذ تكون هذه آخر صورة للمسيح المتجسد تثبت لهم لاهوته. وبقيت هذه الصورة راسخة في أذهانهم، فيما هم يكرزون ويشهدون لقيامة السيد المسيح، في قوة إيمان بلاهوته.
فالسيد المسيح: كما اختار الوقت المناسب لصعوده، اختار أيضًا الطريقة المناسبة للصعود، بشهادة سحابة من السماء، وبشهادة ملاكين لصعوده ولمجيئه الثاني بنفس الطريقة.
وهو نازل إلينا من السماء في مجيئه الثاني، لا يتأثر بالنزول، لأنه سوف لا يكون بجسد مادي، بل بجسد روحاني، كما صعد من الأرض.
يقول الرب: "فَإِنْ رَأَيْتُمُ ابْنَ الإِنْسَانِ صَاعِدًا إِلَى حَيْثُ كَانَ أَوَّلًا" (يو6: 62). معنى هذا أن أصله في السماء، ومنها جاء إلى الأرض. ثم من الأرض يصعد "إِلَى حَيْثُ كَانَ أَوَّلًا". وهذا دليل على لاهوته، وليس كما يظن فيه الأريوسيون والنساطرة! ولهذا قال: "خَرَجْتُ مِنْ عِنْدِ الآبِ، وَقَدْ أَتَيْتُ إِلَى الْعَالَمِ، وَأَيْضًا أَتْرُكُ الْعَالَمَ وَأَذْهَبُ إِلَى الآبِ" (يو16: 28).
لاهوته حل في الناسوت فتجسد. وليس هو إنسانًا حلّ فيه اللاهوت كما يدعي النساطرة في هرطقتهم. ولذلك حسنًا قال لنيقوديموس: "وَلَيْسَ أَحَدٌ صَعِدَ إِلَى السَّمَاءِ إِلاَّ الَّذِي نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ، ابْنُ الإِنْسَانِ الَّذِي هُوَ فِي السَّمَاءِ" (يو3: 13). الأصل هو اللاهوت. وقد أخلى ذاته حينما اتحد بالناسوت. لذلك العذراء تُلقّب بوالدة الإله، وليس بأم يسوع كما يخطئ البعض في تسميتها.
وبصعود المسيح انتهت عبارة "إخلاء الذات". وفي ظهوراته بعد الصعود، كان يظهر في مجد. عندما ظهر لشاول الطرسوسي "بغتة" أبرق حول شاول نور من السماء، فسقط على الأرض، "وَهُوَ مَفْتُوحُ الْعَيْنَيْنِ لاَ يُبْصِرُ أَحَدًا" (أع9: 3، 4، 8) إلى أن صلى له حنانيا الدمشقي. "فَلِلْوَقْتِ وَقَعَ مِنْ عَيْنَيْهِ شَيْءٌ كَأَنَّهُ قُشُورٌ فَأَبْصَرَ" (أع 9: 18).
ولما ظهر ليوحنا الرسول وهو منفي في جزيرة بطمس، ظهر له في مجد "وَوَجْهُهُ كَالشَّمْسِ وَهِيَ تُضِيءُ فِي قُوَّتِهَا"، "وَعَيْنَاهُ كَلَهِيبِ نَارٍ". حتى أن يوحنا (الذي كان من قبل يتكئ على صدره) يقول: "فَلَمَّا رَأَيْتُهُ سَقَطْتُ عِنْدَ رِجْلَيْهِ كَمَيِّتٍ فَوَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَيَّ قَائِلًا لِي: لاَ تَخَفْ، أَنَا هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ، وَالْحَيُّ. وَكُنْتُ مَيْتًا، وَهَا أَنَا حَيٌّ إِلَى أَبَدِ الآبِدِينَ" (رؤ1: 13 – 18).
الصعود إذًا كان صعودًا في مجد، واستمر المجد بعد الصعود إلى أبد الآبدين. أيضًا كان صعودًا على السحاب (أع 1: 9) كما سيأتي أيضًا على السحاب (أع1: 11). وقد صعد علانية أمام تلاميذه. لذلك كان تلاميذه أهم الشهود الذين ذكروا للأجيال كلها قصة مجده في صعوده.
نريد أيضًا أن نذكر في صعوده عبارة عميقة قالها وهي: "وَأَنَا إِنِ ارْتَفَعْتُ عَنِ الأَرْضِ أَجْذِبُ إِلَيَّ الْجَمِيعَ" (يو12: 32). فكان صعود السيد الرب، بدءًا لصعودنا جميعًا. ليس بالطريقة اللاهوتية التي صعد بها، إنما بطريقة روحية، نستطيع بها أن نكون معه في كل حين. المهم أن يجذبنا إليه، فنصعد إليه، ولو بقلوبنا وأفكارنا.
الحياة الروحية في صميمها هي صعود مستمر. على الأقل هي صعود في المستوى. فالمستوى الروحي للإنسان يكون صاعدًا باستمرار إلى فوق، وهذا ما يسمونه بالنمو الروحي، ولكنه صعود.
ولهذا فإن يوحنا كليماكوس أو الدرجي في كتابه المسمى "سلم السماء"، يذكر درجات كثيرة في صعود الإنسان إلى فوق في سلم الفضائل. وهنا عليك أن تسأل نفسك: هل حياتك في صعود؟ أم هي واقفة؟ أم أن حياتك نازلة إلى أسفل؟ ما هي حياتك الآن؟ يعز علينا، ونحن كنيسة تحتفل بصعود السيد المسيح، أن لا تكون لنا علاقة بالصعود!! فلا يليق أنه بينما يصعد المسيح في سحابة إلى فوق إلى السماء، لا نصعد نحن في مستوانا الروحي، ولا صعودًا بمستوى أفكارنا!!
هناك - للأسف الشديد – أشخاص أفكارهم هابطة، هابطة في مستواها، هابطة في نوعيتها وفي درجتها. بالتوبة يصعد الإنسان من المستوى الأرضي المادي، ومن بين أوحال الأرض، إلى المستوى الروحي.
وفي النمو الروحي، يصعد درجات أخرى إلى فوق. ولا يصح مطلقًا أن يتوقف. فالذي يقف عرضة للرجوع. وليتدرب كل إنسان منا أن ينظر إلى فوق. نلاحظ أن السيد المسيح – في مباركة الخمس خبزات – نظر إلى السماء وباركها (لو9: 16). وكذلك في مباركة سر الشكر (الإفخارستيا) كما يعلمنا القداس الإلهي "نظر إلى فوق، إلى السماء إليك.. وشكر وبارك". حتى قبل أن يقيم لعازر من الموت" وَرَفَعَ يَسُوعُ عَيْنَيْهِ إِلَى فَوْقُ، وَقَالَ: أَيُّهَا الآبُ، أَشْكُرُكَ" (يو11: 41). فلينظر الإنسان إلى فوق، ولو في مناسبات معينة.
في مشاكلنا مثلًا: إن نظرنا إلى فوق، إنما ننظر إلى العون الإلهي الذي تُحل به هذه المشاكل. أما إن نظرنا إلى أسفل، إنما ننظر إلى تعقيدات الحياة الدنيا، التي بها تزداد المشاكل تأزمًا. نصيحتي لكل من تقابله مشكلة، أن يرفع نظره إلى فوق. وبذلك أيضًا تصعد صلواتنا إلى فوق.
لقد شُبهت الصلوات برائحة بخور، والبخور دائمًا يصعد إلى فوق. كما قيل في سفر النشيد "كَأَعْمِدَةٍ مِنْ دُخَانٍ، مُعَطَّرَةً بِالْمُرِّ وَاللُّبَانِ وَبِكُلِّ أَذِرَّةِ التَّاجِرِ" (نش3: 6).
[1] مقال لقداسة البابا شنوده الثالث، نشر في مجلة الكرازة بتاريخ 25 يونيو 1999م
ها أنا معكم كل الأيام (مت28: 20)
ها أنا معكم كل الأيام[1]
هكذا قال السيد الرب لتلاميذه القديسين: "هَا أَنَا مَعَكُمْ كُلَّ الأَيَّامِ إِلَى انْقِضَاءِ الدَّهْرِ"(مت28: 20). وفعلًا كان معهم بعد القيامة "أَرْبَعِينَ يَوْمًا وَيَتَكَلَّمُ عَنِ الأُمُورِ الْمُخْتَصَّةِ بِمَلَكُوتِ اللهِ"(أع1: 3). عزاهم وفرّحهم، كما سبق أن قال لهم: "وَلكِنِّي سَأَرَاكُمْ أَيْضًا فَتَفْرَحُ قُلُوبُكُمْ، وَلاَ يَنْزِعُ أَحَدٌ فَرَحَكُمْ مِنْكُمْ"(يو16: 33). وهكذا "فَرِحَ التَّلاَمِيذُ إِذْ رَأَوْا الرَّبَّ"(يو20:20). وكان فرحًا عظيمًا عزاهم عن يوم الصلب.
ظهر لهم وأزال ما كان عندهم من شكوك. ليس فقط شك توما الذي قال: "إِنْ لَمْ أُبْصِرْ فِي يَدَيْهِ أَثَرَ الْمَسَامِيرِ، وَأَضَعْ إِصْبِعِي فِي أَثَرِ الْمَسَامِيرِ، وَأَضَعْ يَدِي فِي جَنْبِهِ، لاَ أُومِنْ"(يو20: 25).
فتنازل الرب إلى ضعف هذا الرسول، وظهر له وحقق له رغبته، وأزال منه الشك. وقال له: "هَاتِ إِصْبِعَكَ إِلَى هُنَا وَأَبْصِرْ يَدَيَّ، وَهَاتِ يَدَكَ وَضَعْهَا فِي جَنْبِي، وَلاَ تَكُنْ غَيْرَ مُؤْمِنٍ بَلْ مُؤْمِنًا". فأجاب توما وقال له: "رَبِّي وَإِلهِي" (يو 20: 27، 28).
وكما أزال شك توما، أزال أيضًا شكوك باقي التلاميذ، الذين لما ظهر لهم ظنّوه روحًا. وهذا الظن معناه أن فكرهم أن الجسد لم يقم!! فقال لهم: "مَا بَالُكُمْ مُضْطَرِبِينَ، وَلِمَاذَا تَخْطُرُ أَفْكَارٌ فِي قُلُوبِكُمْ؟ أنْظُرُوا يَدَيَّ وَرِجْلَيَّ: إِنِّي أَنَا هُوَ! جُسُّونِي وَانْظُرُوا، فَإِنَّ الرُّوحَ لَيْسَ لَهُ لَحْمٌ وَعِظَامٌ كَمَا تَرَوْنَ لِي" (لو24: 37- 39). وأكل أمامهم لكي يثبت لهم قيامته بالجسد (لو24: 43).
وأيضًا أزال شك مريم المجدلية، التي قالت ثلاث مرات: "إِنَّهُمْ أَخَذُوا سَيِّدِي، وَلَسْتُ أَعْلَمُ أَيْنَ وَضَعُوهُ" (يو20: 2، 13، 15). فظهر لها، وقال لها: "يَا مَرْيَمُ"، "وَقَالَتْ لَهُ: رَبُّونِي! الَّذِي تَفْسِيرُهُ: يَا مُعَلِّمُ" (يو20: 16).
كان لا بد أن يؤكد قيامته لتلاميذه، حتى يمكنهم أن يبشروا بتلك القيامة في إيمان وثقة..
لم يظهر فقط لتلاميذه، وإنما أيضًا أرسلهم، ومنحهم الكهنوت.
دخل عليهم العلية والأبواب مغلقة، وقال لهم: "سَلاَمٌ لَكُمْ! كَمَا أَرْسَلَنِي الآبُ أُرْسِلُكُمْ أَنَا". ولما قال هذا، نفخ في وجوههم وقال لهم: "اقْبَلُوا الرُّوحَ الْقُدُسَ. مَنْ غَفَرْتُمْ خَطَايَاهُ تُغْفَرُ لَهُ، وَمَنْ أَمْسَكْتُمْ خَطَايَاهُ أُمْسِكَتْ" (يو20: 19- 23). وكان هذا تأكيدًا لما قاله لهم من قبل: "كُلُّ مَا تَرْبِطُونَهُ عَلَى الأَرْضِ يَكُونُ مَرْبُوطًا فِي السَّمَاءِ، وَكُلُّ مَا تَحُلُّونَهُ عَلَى الأَرْضِ يَكُونُ مَحْلُولًا فِي السَّمَاءِ" (مت18:18).
وفي مكوثه معهم زوّدهم بكل تعليم لازم، وفتح أذهانهم ليفهموا الكتب. قال لهم إنه كان: "لاَ بُدَّ أَنْ يَتِمَّ جَمِيعُ مَا هُوَ مَكْتُوبٌ عَنِّي فِي نَامُوسِ مُوسَى وَالأَنْبِيَاءِ وَالْمَزَامِيرِ" (لو24: 44)، "حِينَئِذٍ فَتَحَ ذِهْنَهُمْ لِيَفْهَمُوا الْكُتُبَ. وَقَالَ لَهُمْ: هكَذَا هُوَ مَكْتُوبٌ، وَهكَذَا كَانَ يَنْبَغِي أَنَّ الْمَسِيحَ يَتَأَلَّمُ وَيَقُومُ مِنَ الأَمْوَاتِ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ.." (لو24: 44- 46). وأيضًا قيل في ظهوره لتلميذي عمواس إنه: "ابْتَدَأَ مِنْ مُوسَى وَمِنْ جَمِيعِ الأَنْبِيَاءِ يُفَسِّرُ لَهُمَا الأُمُورَ الْمُخْتَصَّةَ بِهِ فِي جَمِيعِ الْكُتُبِ" (لو24: 27).
كذلك قيل عن الرب إنه في الأربعين يومًا التي قضاها مع تلاميذه بعد القيامة إنه كان يتكلم معهم عن الأمور المختصة بملكوت الله (أع 1: 3). في هذه الفترة سلّمهم جميع العقائد والطقوس والرموز..
كان الرب مع تلاميذه "كُلَّ الأَيَّامِ" (مت28: 20). وليس في فترة الأربعين يومًا فقط. وأضاف إليهم رسولًا آخر هو القديس بولس. ظهر له في طريق دمشق، وعاتبه على اضطهاده للكنيسة، ودعاه لكي يكون رسولًا للأمم. وجعله إناء مختارًا يحمل اسمه أمام أمم وملوك. وأراه كم ينبغي أن يتألم لأجل اسمه. وسلّمه إلى حنانيا الذي علمه ومنحه الروح القدس (أع 9: 2- 18). وصار بولس طاقة كبيرة انضمت إلى الكنيسة.
ومنح الرب تلاميذه القوة على صنع المعجزات.
وظهر هذا واضحًا في شفاء الرجل الأعرج الذي كان يطلب صدقة عند باب الجميل. فقال له بطرس الرسول: "لَيْسَ لِي فِضَّةٌ وَلاَ ذَهَبٌ، وَلكِنِ الَّذِي لِي فَإِيَّاهُ أُعْطِيكَ: بِاسْمِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ النَّاصِرِيِّ قُمْ وَامْشِ.. فَوَثَبَ وَوَقَفَ وَصَارَ يَمْشِي" (أع3: 2- 8). ويقول سفر أعمال الرسل: "وَجَرَتْ عَلَى أَيْدِي الرُّسُلِ آيَاتٌ وَعَجَائِبُ كَثِيرَةٌ فِي الشَّعْبِ" (أع 5: 12). "حَتَّى إِنَّهُمْ كَانُوا يَحْمِلُونَ الْمَرْضَى خَارِجًا فِي الشَّوَارِعِ وَيَضَعُونَهُمْ عَلَى فُرُشٍ وَأَسِرَّةٍ، حَتَّى إِذَا جَاءَ بُطْرُسُ يُخَيِّمُ وَلَوْ ظِلُّهُ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ.. وَكَانُوا يُبْرَأُونَ جَمِيعُهُمْ" (أع 5: 15، 16). وقيل أيضًا: "وَكَانَ اللهُ يَصْنَعُ عَلَى يَدَيْ بُولُسَ قُوَّاتٍ غَيْرَ الْمُعْتَادَةِ. حَتَّى كَانَ يُؤْتَى عَنْ جَسَدِهِ بِمَنَادِيلَ أَوْ مَآزِرَ إِلَى الْمَرْضَى، فَتَزُولُ عَنْهُمُ الأَمْرَاضُ، وَتَخْرُجُ الأَرْوَاحُ الشِّرِّيرَةُ مِنْهُمْ" (أع19: 11، 12).
وكان الرب قد حقق وعده لهم، وأرسل لهم الروح القدس. حدث ذلك في اليوم الخمسين، حيث حل الروح القدس عليهم كألسنة من نار، فالتهبوا للخدمة، ونالوا موهبة التكلم بألسنة، مما ساعدهم على الكرازة والتبشير بين الأمم. وظل الروح القدس يعمل فيهم وبهم.
وكان الرب يرشدهم أين يخدمون وكيف يخدمون. قال لهم: "لكِنَّكُمْ سَتَنَالُونَ قُوَّةً مَتَى حَلَّ الرُّوحُ الْقُدُسُ عَلَيْكُمْ، وَتَكُونُونَ لِي شُهُودًا فِي أُورُشَلِيمَ وَفِي كُلِّ الْيَهُودِيَّةِ وَالسَّامِرَةِ وَإِلَى أَقْصَى الأَرْضِ" (أع1: 8). وقال لهم نفس المعنى: "اكْرِزُوا بِالإِنْجِيلِ لِلْخَلِيقَةِ كُلِّهَا" (مر16:16).
أما عن عملهم في الكرازة فقال لهم: "اذْهَبُوا وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ الأُمَمِ وَعَمِّدُوهُمْ بِاسْمِ الآب وَالابْنِ وَالرُّوحِ الْقُدُسِ، وَعَلِّمُوهُمْ أَنْ يَحْفَظُوا جَمِيعَ مَا أَوْصَيْتُكُمْ بِهِ" (مت 28: 19، 20).
وقد نفذ الآباء الرسل هذه الوصايا. وقيل عنهم في الإنجيل لمعلمنا مارمرقس "وَأَمَّا هُمْ فَخَرَجُوا وَكَرَزُوا فِي كُلِّ مَكَانٍ، وَالرَّبُّ يَعْمَلُ مَعَهُمْ وَيُثَبِّتُ الْكَلاَمَ بِالآيَاتِ التَّابِعَةِ" (مر16: 20).. حقًا كما قال لهم: "هَا أَنَا مَعَكُمْ كُلَّ الأَيَّامِ" (مت28: 20). هذا عنهم كمجموعة..
ولنتناول واحدًا من هؤلاء الرسل هو القديس بولس الرسول: حينما كان في كورنثوس: "فَقَالَ الرَّبُّ لِبُولُسَ بِرُؤْيَا فِي اللَّيْلِ: لاَ تَخَفْ، بَلْ تَكَلَّمْ وَلاَ تَسْكُتْ لأَنِّي أَنَا مَعَكَ، وَلاَ يَقَعُ بِكَ أَحَدٌ لِيُؤْذِيَكَ، لأَنَّ لِي شَعْبًا كَثِيرًا فِي هذِهِ الْمَدِينَةِ، فَأَقَامَ سَنَةً وَسِتَّةَ أَشْهُرٍ يُعَلِّمُ بَيْنَهُمْ بِكَلِمَةِ اللهِ" (أع 18: 9- 11).
وحدث حينما كان القديس بولس في أورشليم، أن قال له الرب: "اذْهَبْ، فَإِنِّي سَأُرْسِلُكَ إِلَى الأُمَمِ بَعِيدًا" (أع 22: 21). وفي مرة أخرى: "وَقَفَ بِهِ الرَّبُّ وَقَالَ: ثِقْ يَا بُولُسُ! لأَنَّكَ كَمَا شَهِدْتَ بِمَا لِي فِي أُورُشَلِيمَ، هكَذَا يَنْبَغِي أَنْ تَشْهَدَ فِي رُومِيَةَ أَيْضًا" (أع23: 11).
كان الرب معهم يوجههم إلى أماكن الخدمة. وأيضًا كان يقويهم ويسندهم. ويعمل فيهم بنعمته. وفي هذا يقول القديس بولس الرسول: ".. وَآخِرَ الْكُلِّ كَأَنَّهُ لِلسِّقْطِ ظَهَرَ لِي أَنَا، لأَنِّي أَصْغَرُ الرُّسُلِ.. وَلكِنْ بِنِعْمَةِ اللهِ أَنَا مَا أَنَا، وَنِعْمَتُهُ الْمُعْطَاةُ لِي لَمْ تَكُنْ بَاطِلَةً، بَلْ أَنَا تَعِبْتُ أَكْثَرَ مِنْهُمْ جَمِيعِهِمْ. وَلكِنْ لاَ أَنَا، بَلْ نِعْمَةُ اللهِ الَّتِي مَعِي" (1كو15: 8- 10). وقال أيضًا: "أَسْتَطِيعُ كُلَّ شَيْءٍ فِي الْمَسِيحِ الَّذِي يُقَوِّينِي" (في 4: 13). بل أكثر من هذا قال: "فَأَحْيَا لاَ أَنَا، بَلِ الْمَسِيحُ يَحْيَا فِيَّ" (غل 2: 20).
إذًا السيد الرب لم يكن فقط معهم، بل كان بالأكثر فيهم: كما سبق أن قال للآب عنهم: "وَعَرَّفْتُهُمُ اسْمَكَ وَسَأُعَرِّفُهُمْ، لِيَكُونَ فِيهِمُ الْحُبُّ الَّذِي أَحْبَبْتَنِي بِهِ، وَأَكُونَ أَنَا فِيهِم" (يو17: 26).
وليس هذا للآباء الرسل وحدهم، بل للجميع. وفي هذا يقول القديس بولس الرسول".. لِيَحِلَّ الْمَسِيحُ بِالإِيمَانِ فِي قُلُوبِكُمْ" (أف3: 17).
والسيد المسيح يكون مع المؤمنين، حيثما اجتمعوا باسمه: وقد وعد بهذا قائلًا: "حَيْثُمَا اجْتَمَعَ اثْنَانِ أَوْ ثَلاَثَةٌ بِاسْمِي فَهُنَاكَ أَكُونُ فِي وَسْطِهِمْ" (مت 18: 20). إذًا هو موجود معهم في كل أوقات الصلاة الجامعة، وفي صلوات الأسرار الكنسية، وفي سر الإفخارستيا في صلاة القداس الإلهي، حيث نقول فيه: "هوذا كائن معنا على هذه المائدة عمانوئيل إلهنا".
وقد نفّذ الرب وعده "ها أنا معكم" في الرسائل التي أرسلها إلى رعاة الكنائس السبع التي في آسيا، يفتقدهم ويوجههم ويحذرهم..
حيث يقول لأحدهم: "عِنْدِي عَلَيْكَ: أَنَّكَ تَرَكْتَ مَحَبَّتَكَ الأُولَى. فَاذْكُرْ مِنْ أَيْنَ سَقَطْتَ وَتُبْ" (رؤ2: 4، 5).
ويقول لآخر: "لاَ تَخَفِ الْبَتَّةَ مِمَّا أَنْتَ عَتِيدٌ أَنْ تَتَأَلَّمَ بِهِ.. كُنْ أَمِينًا إِلَى الْمَوْتِ فَسَأُعْطِيكَ إِكْلِيلَ الْحَيَاةِ" (رؤ2: 10). ويقول لثالث: "عِنْدِي عَلَيْكَ قَلِيلٌ: أَنَّ عِنْدَكَ هُنَاكَ قَوْمًا مُتَمَسِّكِينَ بِتَعْلِيمِ بَلْعَامَ.. هكَذَا عِنْدَكَ أَنْتَ أَيْضًا قَوْمٌ مُتَمَسِّكُونَ بِتَعْلِيمِ النُّقُولاَوِيِّينَ الَّذِي أُبْغِضُهُ" (رؤ2: 14، 15).
ويوبخ أحدهم بقوله: "أَنَا عَارِفٌ أَعْمَالَكَ، أَنَّ لَكَ اسْمًا أَنَّكَ حَيٌّ وَأَنْتَ مَيْتٌ.. تُبْ. مَنْ لَهُ أُذُنٌ فَلْيَسْمَعْ مَا يَقُولُهُ الرُّوحُ لِلْكَنَائِسِ" (رؤ3: 1- 6).
والرب مع المؤمنين أيضًا في وقت الموت وما بعد الموت. كان مع القديس إسطفانوس في وقت استشهاده، وظهر له في رؤيا فقال: "هَا أَنَا أَنْظُرُ السَّمَاوَاتِ مَفْتُوحَةً، وَابْنَ الإِنْسَانِ قَائِمًا عَنْ يَمِينِ اللهِ". وإذ رجموه قال: "أَيُّهَا الرَّبُّ يَسُوعُ اقْبَلْ رُوحِي" (أع7: 56، 59). وكان مع اللص اليمين، ووعده قائلًا: "الْيَوْمَ تَكُونُ مَعِي فِي الْفِرْدَوْسِ" (لو23: 43).
وكثيرًا ما ظهر لقديسين في وقت وفاتهم.. وهو قد وعد رسله القديسين قائلًا: "وَإِنْ مَضَيْتُ وَأَعْدَدْتُ لَكُمْ مَكَانًا آتِي أَيْضًا وَآخُذُكُمْ إِلَيَّ، حَتَّى حَيْثُ أَكُونُ أَنَا تَكُونُونَ أَنْتُمْ أَيْضًا "(يو14: 3). وسيكون معنا أيضًا بعد القيامة في أورشليم السمائية، مسكن الله مع الناس (رؤ21: 2، 3).
وعبارة ها أنا معكم كل الأيام وإلى انقضاء الدهر، لا تعني فقط الآباء الرسل، وإنما كل البشرية، وكل الأيام.
كما ظهر لكثير من القديسين، من بينهم القديس الأنبا بيشوي الذي غسل قدمي مخلصنا الصالح. والقديس الأنبا بولا الطموهي الذي قال له الرب: "كفاك تعبًا يا حبيبي بولا".
كما ظهر أيضًا للقديس البابا بطرس خاتم الشهداء، وحذره من آريوس الهرطوقي. فنقل البابا بطرس هذه الرؤيا إلى تلميذيه أرشيلاوس وألكسندروس اللذين خلفاه على عرش مارمرقس.
وتاريخ الكنيسة حافل بأمثال هذه الرؤى التي تثبت نفس المعنى، أن الرب معنا كل الأيام وإلى انقضاء الدهر.
المهم أننا نحس بوجوده، ونكون نحن أيضًا معه. لقد ظهر لتلميذي عمواس، ولكنهما لم يدركا وجوده معهما في بادئ الأمر. ولكن انفتحت أعينهما أخيرًا فعرفاه قبل اختفائه عنهما: "فَقَالَ بَعْضُهُمَا لِبَعْضٍ: أَلَمْ يَكُنْ قَلْبُنَا مُلْتَهِبًا فِينَا إِذْ كَانَ يُكَلِّمُنَا فِي الطَّرِيقِ وَيُوضِحُ لَنَا الْكُتُبَ؟" (لو24: 31، 32). كذلك ظهر لمريم المجدلية. ولم تعرفه في بادئ الأمر وظنته البستاني. ثم عرفته أخيرًا لما ناداها باسمها (يو20: 14- 16).
أيضًا قد يكون الرب معنا، ونحن لسنا في شركة معه. وعن ذلك قال القديس أغسطينوس في اعترافاته: كنت يا رب معي. ولكنني – لفرط شقوتى – لم أكن معك. ليتنا إذًا نكون معه كل الأيام وإلى انقضاء الدهر، كما هو معنا. ولنضع أمامنا نصيحة القديس بولس الرسول "إِنْ سَمِعْتُمْ صَوْتَهُ فَلاَ تُقَسُّوا قُلُوبَكُمْ" (عب3: 15) (عب3: 7، 8).
[1] مقال لقداسة البابا شنوده الثالث، نشر في جريدة وطني بتاريخ 14 مايو 2000م





