السنة الجديدة

السنة الجديدة1
قبل كل شيء، أريد أن أقول لكم كل عام وأنتم بخير، فها هو عام 1971 قد مضى، وها نحن نستقبل عامًا جديدًا …
ولست أدري، هل أبارك لكم العام الجديد، أم أعزيكم في العام الذي مضى… فالعام المنقضي هو جزء من حياة الإنسان، وانتهاء عام يعني أن جزءًا من حياة الإنسان قد انتهى… بل أقول لكم، إن كل دقيقة تمر، فهي تعني أن جزءًا من حياتنا يمضي… وكل عام جديد، إنما هو خطوة جديدة نحو الأبدية!
وكل عام يمضي من حياتنا لا نستطيع أن نسترجعه مرة أخرى… وقد تكون لنا في العام الذي مضى أخطاء، ربما نتبرم منها، أو نندم عليها، أو نتركها… لكننا – على أية حال – لا نستطيع أن نعيد الذي مضى، ولا نستطيع أن نفعل معه شيئًا… فقد مضى وانتهى، بكل ما فيه، وأصبح أمرًا واقعًا… لا نستطيع تغييره.
ومن أجل ذلك فإنه لزام علينا أن ندقق في كل دقيقة من حياتنا… لأن هذه الدقيقة، هي جزء من عمرنا… ولقد أعطانا الله ذلك العمر، لكي نستغله في الخير، ونحب الله فيه… وعندما يعطينا الله عامًا جديدًا، فلكي يكون عامًا للخير، وإذا ضاع هذا العام بغير ثمر، فإن هدف الله من حياتنا لا يتحقق.
لقد وهبنا الله عمرًا وحياة، لكي نرضيه في هذا العمر وتلك الحياة، ونعمل إرادته ومشيئته… وعلى ذلك، فمن المفروض أن تكون كل دقيقة تمر مثمرة، ذات منفعة، وخير وبركة، لنا وللآخرين…!
فهل كنا حريصين على الأوقات التي مرت من عمرنا؟ وهل كانت كل ساعة من عمرنا ثمينة في نظرنا، عزيزة علينا؟ … هل اعتبرنا أن كل ساعة مرت بنا، كأنها “وزنة”- أعطيت لنا لكي نتاجر بها ونربح؟ … هل اعتبرنا أنفسنا أننا مجرد “وكلاء” على هذه الحياة التي أعطيت لنا…!
إن حياتنا ليست ملكًا لنا، وإنما هي ملك لله، سلمها لنا كوديعة نحن أمناء عليها… وسنقدم لله عنها حسابًا… لأنها مِلكه، ونحن مجرد وكلاء… فما هو الحساب الذي سنقدمه لله عن هذه الوديعة التي هي حياتنا؟؟
كل وقت مملوء بالخير، هو الذي يحسب حقًا من عمركم، وهو الوقت الحي من حياتكم أما الأوقات التي لا تستغل في الخير، فهي ميتة، لا تحسب من الحياة… وعلى ذلك، فكم من الأوقات ضاعت من العمر، لا تحسب… فما هو عمركم الحقيقي؟
انظروا إلى حياتكم، وليسأل كل منكم نفسه: كم ساعة من العمر كانت لي، وكم ساعة من العمر كانت ملكًا للشيطان… كم ساعة كانت للجسد، وكم ساعة كانت للمادة… كم ساعة كانت مثمرة وخيرة ونيرة.
أريد أن يواجه كل منكم نفسه بصراحة وصدق، ويسألها… كم ساعة من العمر كانت لك… وكم ساعة كانت عليك؟؟
بعض الناس يقول – بكل غفلة وجهل – “أريد طريقة أضيع بها الوقت… إنني أبحث كيف أقتل الوقت”؟ ولا يعرف هذا الإنسان، أن هذا الوقت جزء من حياته التي سيعطي عنها حسابًا في اليوم الأخير!!
هناك أشخاص كانت حياتهم ثمينة وغالية… كانت حياتهم ذات قيمة، وكل دقيقة منها تقتدر كثيرًا في فعلها!
خذوا لذلك مثلًا بولس الرسول… لو أتيح له أن يزورنا في هذا العالم يومًا واحدًا… لكانت زيارته كفيلة بتغيير نظام هذا العالم… ولعمل عملًا لا نستطيع أن نفعله في مئات السنين… فقد كانت كل دقيقة في حياته عملًا!!
خذوا –أيضًا- مثلًا آخر- من بطرس الرسول الذي بعظة واحدة… كسب خمسة آلاف شخص إلى حظيرة الإيمان…
هؤلاء أناس كانت حياتهم مثمرة… وكل دقيقة منها كانت عملًا له مفعول… وليس ذلك ينطبق على “حياة الروح” فقط… وإنما في كل مجال… فهناك أناس كانوا أمناء على الحياة… أثروا في كل شيء وأثمروا… وكانت كل دقيقة في حياتهم تعمل عملاً كبيرًا… ولكم – على سبيل المثال – أن تتصوروا، كم تساوي خمس دقائق في حياة أينشتاين!!
فهل حياتكم غالية بهذا الشكل، يشتهي الناس دقيقة منها…؟ أم أنها ضائعة لا قيمة لها!؟
أعطوا قيمة لحياتكم، واجعلوا كل وقت من أوقاتكم له قدر وفعل، وإنتاج وقيمة!!
هناك أناس يساوى اليوم من حياتهم جيلًا بأكمله!
كانت حياتهم كلها بركة لأجيالهم، لدرجة تجعل بقية الناس يقولون إننا عاصرنا “فلانًا” وعشنا في جيله… فيبقى الزمن معرفًا بهذا الشخص متميزًا به…
خذوا لذلك مثلًا، الجيل الذي عاش فيه “مايكل أنجلو” الرسام الإيطالي الشهير، فقد لا نعرف أسماء البابوات الذين عاشوا في هذا الحين… وربما لا نعرف أسماء الملوك الذين كانوا في “عهد شكسبير”… ولكن الجيل يعرف بهذا الأديب.
فهل – يا ترى – يأتي وقت يقول الناس فيه إننا عشنا أيام فلان؟ فكروا في ذلك…
فهناك أشخاص- لا شك – أنهم في كل جيل لهم وجود وبروز وفاعلية…
وإن لم تستطيعوا أن تكونوا أصحاب تأثير في جيل، فعلى الأقل كونوا أصحاب تأثير في مجموعة معينة… في كنيسة، أو في أسرة… أو في نطاق… المهم أن تكونوا… وجودًا وتأثيرًا وفاعلية… وبركة.!
لكن، أن يعيش الإنسان هكذا، ويترك الحياة… وكأنه غير موجود… فهناك أناس يعيشون وكأنهم لم يولدوا، وكأنهم لم يخلقوا… العالم لا يستفيد من وجودهم شيئًا… بل ربما يكون وجودهم ضارًا… فهل أنتم من هذا النوع؟
أريد أن تكون حياتكم غالية في نظر الله والمجتمع… وفي نظر الناس، وفي نظر أنفسكم… فحياتكم محسوبة… ويجب أن يكون لها وجود فعلي…
إن الكائن الحي له وجود فعلي… وهناك أناس يحدثون تأثيرًا في المكان الذي يوجدون فيه من أول لحظة يدخلونه… وهناك آخرون يدخلون ويخرجون دون أن يشعر بهم أحد… وكأنهم لم يكونوا…!!
وعندما أقول: يكون لكم عمل وتأثير فلست أقصد أن يكون ذلك من أجل أن تلفتوا إليكم الأنظار، ولكنني أقصد أن يكون لكم عمل وتأثير، من أجل الله والخير.
وإن كانت الأيام التي مرت من حياتكم لها هذا الثمر، فطوباكم…! فإن لم تكن كذلك… فأعطوا قيمة للأعوام الباقية!
ليت العام الجديد يكون هو “العام المثالي” في حياتكم.
مثلًا، لو كانت أعوام حياتكم تتنافس فيما بينها… فأي عام من هذه الأعوام كان أحسنها؟
هذا السؤال، ربما يربك البعض، وأنا لا أريدكم أن تتعبوا أنفسكم بالتنقيب عن الماضي… وإنما يكفي أن نقرر – أننا نريد أن تكون السنة الجديدة هي أحسن سنوات العمر… فهل يمكن تحقيق ذلك؟
هناك تدريب “اليوم المثالي”… فهل يمكن أن تقوموا بتدريب “العام المثالي”… بحيث تجعلوا العام الجديد، هو العام المثالي في حياتكم؟ … جربوا…!!
الناس يصلون، ويطلبون من الله أن يكون العام الجديد عام خير وبركة في حياتهم… وأنا أقول، إن هذا في أيديكم أنتم، والله مستعد دائمًا أن يعينكم إن كنتم تريدون، ويكفي أنكم تريدون… وتصممون!
المشكلة التي تصادف الناس أن الأيام تمر في حياتهم رتيبة متشابهة… فاليوم مثل الأمس… وغدًا كاليوم… وهكذا بلا فرق… وبغير “عنصر تجديد واضح”…
لا أريد هذا… وإنما أريدكم أن تعملوا عملًا من أجل العام الجديد… اطلبوا من الله… وهذه صفحة جديدة بيضاء ناصعة البياض… حتى الآن لم تكتبوا فيها شيئًا… ولا أريد أن تكتبوا فيها خطأ…
لقد مضى عام 1971 على النحو الذي مضى عليه… وانقضى.. مضى العام الفائت… كيفما كان… وها هي صفحة العام الجديد بيضاء لم يسجل فيها شيء… فاحرصوا كل الحرص على نقاوة هذه الصفحة… قبل أن تتكلموا، راجعوا أنفسكم، وقبل أن تفكروا تأنوا… وقبل أن تغضبوا، راجعوا أنفسكم… راجعوا أنفسكم قبل كل شيء… فهل تستطيعون…؟!
أقول لكم
جربوا… لأننا نريدها سنة جديدة: بلا غضب… ولا اضطراب… ولا قلق… فإننا نريد سنة 1972 أن تكون سنة سلام داخلي… هذا هو التدريب الذي أدعوكم إليه في العام الجديد… فقرروا… وجربوا… وحاولوا…
كل شخص منا، فليجرب أن يبحث عن “الغلطة البارزة” في حياته، ويحاول في العام الجديد أن يتلافاها ويتحاشاها ويتجنبها…! ابحثوا عن “الغلطة البارزة” في حياتكم، وتجنبوها فإن المهم أن تمر السنة على صواب… وبدون خطأ…!
هناك ملاحظة هامة: سوف تتعرضون لها، وأقولها لكم كإنذار:
هذه الملاحظة هي، كما تستعدون لكي تكون السنة الجديدة كلها لله… فالشيطان أيضًا يستعد ليضع قوته كلها ضدكم… فلا تغضبوا، لأن ذلك هو عمل الشيطان… فقد يحاول بث اليأس في نفوسكم، وإذا نظرتم ووجدتم أنكم أخطأتم، فأعلموا أن الشيطان يعمل، ولكن لا تهتموا، ولا تضطربوا، واستمروا في تجنب الخطأ ومقاومته… إن داود النبي، في ذلك يقول: “وإن قام علىّ جيش ففي هذا أنا مطمئن”… وبولس الرسول يقول: “إذًا يا أخوتي الأحباء، كونوا راسخين غير متزعزعين، مكثرين في عمل الرب كل حين، عالمين أن تعبكم ليس باطلًا في الرب”.
هذا العام الجديد أيها الأخوة الأحباء، ابدأوه بالله. في الماضي، كانت “الباكورات” وأوائل الثمار تعطى لله. فأعطوا بداية هذا العام لله… ولتكن الساعة الأولى فيه، واليوم الأول- لله. وليكن الله هو أول من تكلموه في بداية عام 1972… ولتكن أول رسالة تأتيكم في هذا العام… من عند الله… رسالة الله… ليكن الله في البداية… وفي النهاية… وفي كل حين إن الكتاب المقدس يقول “فلنبدأ بدءًا حسنًا”…
ابدأوا العام الجديد بخطة مع الله، من واقع حياتكم… والمهم أن يكون هذا العام جديدًا… ليس فقط في التقويم والترقيم… فقط… ولكن ليكن هذا العام جديدًا في حياتكم، وفي تصرفاتكم، فإن الله يحب الجديد… ويحب أن يتجدد الإنسان.
والكتاب المقدس يقول “يجدد مثل النسر شبابك”. وداود النبي يطلب من الله قائلًا “قلبًا نقيًا أخلقه فيّ يا الله، وروحًا مستقيمًا جدده في أحشائي!”. ويقول الكتاب أيضًا”: “وأعطيهم قلبًا جديدًا، وأجعل في داخلهم روحًا جديدة، وأنزع القلب الحجري من لحمهم وأعطيهم قلب لحم لكي يسلكوا في فرائضي” (حز11: 19). ويقول أيضًا “اطرحوا عنكم كل معاصيكم، واعملوا لأنفسكم قلبًا جديدًا وروحًا جديدة”. ويقول أيضًا “وأرش عليكم ماء طاهرًا، فتطهرون به من كل نجاساتكم ومن كل أصنامكم، وأطهركم، وأعطيكم قلبًا جديدًا، وأجعل روحًا جديدًا في داخلكم”.
إن الله يريد قلبًا جديدًا، وروحًا جديدًا… فهل لكم هذا القلب الجديد؟ إننا نرجو…
ولذلك، فإن الله، عندما يدعو الناس إليه، يعطيهم اسمًا جديدًا…
ففي سفر إشعياء، نقرأ عن أورشليم “وتسمين باسم جديد، يعينه فم الرب، وتكونين إكليل جمال بين الرب”! وأيضًا شاول الطرسوسي… عندما دعاه الله… أصبح “بولس”… وإبرام… سمي “إبراهيم” وساراي سميت “سارة”… وسمعان سمي “بطرس” وهكذا…
لقد كان الله يقصد بالاسم الجديد، أن يشعر الإنسان أنه دخل حياة جديدة… ومن هنا يتغير اسم الشخص في الرهبنة، وكذلك فكثير من الذين يدخلون الكهنوت يتخذون اسمًا جديدًا…
وفي سفر الرؤيا نقرأ “من يغلب فسأعطيه أن يأكل من المن المخفي، وأعطيه حصاة بيضاء، وعلى الحصاة اسم جديد مكتوب لا يعرفه أحد”… كذلك نقرأ “ورأيت سماءً جديدة وأرضًا جديدة”.
ليتكم في العام الجديد، يكون لكم اسم جديد، أقصد حياة جديدة وقلبًا جديدًا…!
وليتنا نترك العام الذي مضى، ونستقبل العام الجديد، وكل منا قد أصبح إنسانًا جديدًا، وشخصًا جديدًا في أسلوبه، وفي طبعه، وفي كلامه ومعاملاته… وسلوكه… إنسانًا جديدًا في كل شيء…
إن الله يحب التجديد، حتى في التسابيح… إذ يقول الكتاب: “سبحوا الله تسبيحًا جديدًا”…
إن الله يريد الخمر الجديدة… والخمر الجديدة لا توضع في زقاق عتيق… إنه يريد فيكم خمرًا جديدة… ولكن الزقاق العتيق لن ينفع…
فلتكن لكم حياة جديدة، نستهلها بالعام الجديد… إن بولس الرسول يقول “إن كان أحد في المسيح، فهو خليقة جديدة الأشياء العتيقة قد مضت، هوذا الكل قد صار جديدًا”…
استقبلوا العام الجديد، وأنتم تشعرون بأن هناك شيئًا في حياتكم قد تغير… وليسأل كل منكم نفسه… هل سأظل هكذا باستمرار… بدون أي تغيير؟ …
إن استقبال السنة الجديدة، ليس مجرد ملابس جديدة، وكعكًا وحلوى وإنما يجب أن يكون ذلك أبعد وأعمق… إننا نريد شيئًا جديدًا… وتجديدًا في القلب والنفس… والحياة.
إنه من العجيب حقًا، أن يجدد الإنسان من ملابسه، ولا يجدد قلبه وروحه التي هي على صورة الله ومثاله.
في هذه السنة الجديدة، أريد أن تهتموا بالتدقيق في الحياة… والأمانة فيها. إن الأمانة والتدقيق في الحياة، أمر خليق بأن يكون شعارنا في العام الجديد!!
- مقال لقداسة البابا شنوده الثالث نشر في جريدة وطني بتاريخ 2-1-1972م



