العلاقات بين الآباء الكهنة

العلاقات بين الآباء الكهنة[1]
قد يوجد في كنيسة واحدة اثنان من الآباء الكهنة أو ثلاثة أو أكثر. ويعيشون معًا في جو من المودة والتعاون.
ولكن يحدث أحيانًا أن يوجد جو من التنافس والصدام.
وعن هذا الجو من التنافس، أحدثكم اليوم:
المنافسات وأسبابها:
قد يتنافسون في خدمة القداس الواحد: من يستلم الذبيحة؟ ومن يكون الكاهن الشريك؟ ومن يلقي العظة؟ ومن يرفع البخور؟
وقد يتنافسون على اجتماعات الشبان من يقودها؟ وكذلك الخدمة في التربية الكنسية: من يشرف عليها؟ وقد يتنافسون في افتقاد الشعب وفي كسب محبة الناس… ويا ليت هذا التنافس يوجد جوًا من النشاط في المحبة. ولكنه كثيرًا ما يوجد لونًا من الفُرقة والانقسام. ويكون لذلك أثره على الشعب.
ولهذا الانقسام أسباب عديدة، منها:
ربما يكون طبع الواحد غير طبع الآخر وربما يكون أسلوب التعامل مختلفًا. أو قد تكون السياسة المالية مختلفة. وكل هذا يسبب إشكالات داخل الشعب. أو قد تكون للواحد مواهب لا توجد عند زميله.
ولكن أخطر النتائج يكون في حديث أحد الآباء الكهنة ضد زميله…
قد يحدث هذا في زيارة أب كاهن لإحدى الأسرات. ويتحدث هناك عن مشاكله مع زميله، أو يشكو من بعض تصرفاته أو بعض صفاته. ولا تكون الزيارة افتقادًا، وإنما مسك سيرة. ويقع أفراد الأسرة في أفكار إدانة، سواء من جهة المتكلم أو الذي يتكلم عنه! وقد يقولون: إذا كانت علاقات الآباء الكهنة هكذا، فماذا تكون علاقات سائر المؤمنين؟! ومن أين يأخذون القدوة والمثال؟! وإذا لم يستطع كاهنان اثنان أن يتعاونا معًا، فكيف يمكن نشر المودة وسط أفراد الشعب؟!
تلافي المنافسات
فكيف يمكن تلافي هذه المنافسة وهذا الانقسام.
*إن الكاهن الواثق بنفسه، لا يختلف مع زميله، ولا ينافسه، ولا يتشاجر معه، إذ يشعر باستمرار أن الباب مفتوح أمامه.
*وكذلك الكاهن الكثير المواهب لا يتنافس: إن كان زميله لا يترك له الخدمة الطقسية، فأمامه العظة. وإن لم يترك له العظة أمامه الافتقاد. وإن لم يترك له الافتقاد، فأمامة الأنشطة المتعددة. وإن لم يترك له هذه، فأمامه الاعترافات. على أن عبارة: “إن لم يترك له…” هي مجرد فرض. ولكن من الناحية العملية، أمامه كل المجالات.
*كذلك فإن الكاهن الروحي، صاحب الطباع والصفات الروحية بالضرورة سيتهافت الناس على زيارته لهم، ويتهافتون على الاعتراف على يديه وعلى نوال صلواته وبركاته.
وإن لم يسمح له الكاهن الآخر أن يستلم صلوات القداسات العادية، فإن محبيه سيطلبون منه أن يصلي لهم قداسات خاصة. إذن لا مجال للمنافسة.
ولا يجوز إظهار هذا التنافس للناس، خوفًا من العثرة..
إن السيد المسيح لما رأى التلاميذ يتنافسون على الرئاسة، قال لهم:
“أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رُؤَسَاءَ الأُمَمِ يَسُودُونَهُمْ وَالْعُظَمَاءَ يَتَسَلَّطُونَ عَلَيْهِمْ. فَلاَ يَكُونُ هَكَذَا فِيكُمْ. بَلْ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ فِيكُمْ عَظِيمًا فَلْيَكُنْ لَكُمْ خَادِمًا. وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ فِيكُمْ أَوَّلًا فَلْيَكُنْ لَكُمْ عَبْدًا. كَمَا أَنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ لَمْ يَأْتِ لِيُخْدَمَ بَلْ لِيَخْدِمَ وَلِيَبْذِلَ نَفْسَهُ فِدْيَةً عَنْ كَثِيرِينَ” (مت20: 25- 28).
فإن نافسك زميل لا تنافسه أنت وإن تكلم عليك أمام آخرين، لا تتكلم عليه أنت.
الحديث في البيوت
إن الناس يحترمون الأب الهادئ، الذي لا يتحدث فى زياته لهم عن سيرة زميله..
ويعجبون بالكاهن الذي يزورهم، فيجلس معهم جلسة روحية تقربهم إلى الله، يحترمون روحياته، ويستفيدون من كلماته. يُعجَبون بالكاهن الذي إن قالوا له: “مَرَ علينا أبونا فلان، وتكلم ضدك فقال إنك فعلت كذا وكذا”.. يجيبهم قائلًا: “فليغفر الرب لي بصلواته”، ثم ينتقل بهم إلى حديث روحي..، أما الكاهن الذي إن قالوا له: “إن أبانا فلان تكلم ضدك”، يجيبهم: “لا.. إن من كان بيته من زجاج، لا يقذف الناس بالحجارة”، ثم يشرح بتفصيل ما يشين ذلك الأب.. لا شك أن الناس يقولون: “كلهم من صنف واحد”.. ويعثرون من كليهما…
لذلك إن افتقد كاهن أسرة، ليكن هدفه فائدتها الروحية، وليس كرامته الشخصية.
أما إن كان ما قيل عنه معثرًا حقًا، فليشرح لهم الأمر في موضوعية وإيجابية، دون أن يمس من نقل أو اخترع تلك العثرات ودائمًا يأخذ الشر مدة ثم ينقضي… فإن تكلم ضدك زميلك في البيوت، سيأتي وقت يسأم الناس فيه مثل ذلك الكلام. وقد يقولون له في صراحة: “كفى يا أبانا كلامًا في هذه الموضوعات فقد تعبنا”.. أو قد يقطعون حديثه بسؤال في موضوع آخر، لكي يبعدوه عن الحديث في سيرتك، فيُحرج ويَخجل.. وقد يقارنون بين أسلوبك الروحي، وأسلوبه في التشهير، فترجح كفتك عندهم..
إنني أخشى أن منازعات الكهنة مع بعضهم البعض، تُعطي مجالًا للطوائف في الاستيلاء على الشعب…
وكما قال أحد الأدباء الروحيين: “تنازع نسران على فريسة، فكانت من نصيب الثعلب”، أي أنه فيما يتشاجران – أتى غريب، فاستولى على ما يتشاجران عليه.. وحتى إن لم تأت الطوائف وتجذب الشعب إليها، فإن بعضًا من الشعب سوف يتضايق من روح الخصومة بين الآباء، ويذهب إلى اجتماعات تلك الطوائف من تلقاء نفسه. لذلك اهتموا بالعمل الروحي البَنَّاء، وابعدوا عن المنازعات.
تقسيم المنطقة:
بعض الكهنة يقسمون منطقة الكنيسة إلى أقسام جغرافية. وكل أب له منطقة رعوية. وذلك تفاديًا للاختلاف.
وقد يختلفون حول مناطق الحدود. ويشعر البعض منهم أن الحدود قد تحولت إلى قيود. وذلك أن الكاهن – في سيامته – قد رُسم على منطقة الكنيسة كلها. وقد يطلبه بعض الشعب في منطقة أخرى، ولا يستطيع أن يقول لا…
إن التقسيم من أجل التعاون في الرعاية أمر مقبول. ولكن هناك أمورًا كثيرة لا يصلح فيها التقسيم إطلاقًا…
مثال ذلك صلوات الجناز مثلاً. هل يستطيع أب كاهن أن لا يقوم بواجب العزاء نحو أحد من شعب الكنيسة، باعتبار أنه ليس من منطقته؟! كذلك في الكوارث والحوادث، يجب أن يساهم الكل في إبداء شعورهم نحو من حلت بهم تلك الضيقة والمساهمة معهم في حلها، دون النظر إلى موضوع الحدود. نفس الوضع نقوله في افتقاد المرضى، سواء في البيوت أو المستشفيات. لا يستطيع أب كاهن أن يُقصر في افتقاد مريض والسؤال عنه والاطمئنان عليه بحجة أنه ليس من منطقتة…
كذلك موضوع الاعتراف، لا يدخل أبدًا في موضوع حدود جغرافية.
هل يمكن أن يأتي إنسان ليعترف، فيسأله الكاهن عن عنوانه ليعرف من أي منطقة هو ثم يرفض قبول اعترافه لسبب أنه ليس من منطقته؟! أية عثرة تكون لمثل هذا الإنسان في رفض الأب له؟ كما أن من حق أي شخص أن يعترف عند الأب الذي يستريح له. وليس من حقنا أن نرفض إنسانًا يأتي إلينا تائبًا.
إن ترتيب الخدمة، لا يجوز أن يتحول من تقسيم إلى انقسام.
هناك أمور عامة وواجبات عامة، يشعر كل كاهن في الكنيسة أن عليه واجبًا حيالها، لا يمكن أن تعفيه منه حدود جغرافية هي من صنعنا نحن… تبقى مسألة الافتقاد. وفي هذه أيضًا نقول: “الْحَرْفَ يَقْتُلُ” (2كو3: 6).
فإن طلبت إحدى العائلات من أب كاهن أن يزورها، لا يمكنه أن يرفض طلبها قائلًا: “لا أستطيع زيارتكم، لأنكم لستم من منطقتي”. لا بد أنهم سيقولون له في استغراب: “كيف هذا يا أبانا؟! ألست قسيس كنيستنا؟!”. أتراه يستطيع أن يجيب: لقد اتفقت مع زميلي في الخدمة أن لا أزوركم، لأنكم أنتم من منطقته!!
حقًا إن التعاون وتنظيم الخدمة شيء، والانقسام شيء آخر.. وإعلان هذا الانقسام على الشعب شيء معثر وغير عملي…
ما أجمل المحبة التي تجمع كاهنين معًا في خدمة واحدة.. يتعاونان معًا في رعاية شعب الكنيسة.
ولكن حتى إن فُقِدَ التعاون، وحتى لو صار زميلك في الخدمة خصمًا لك، تذكر حينئذ قول السيد الرب:
“كُنْ مُرَاضِيًا لِخَصْمِكَ سَرِيعًا مَا دُمْتَ مَعَهُ فِي الطَّرِيقِ” (مت5: 25).
أما كيف تكسبه وتحيا معه في سلام، فهذا ما سوف أحدثك عنه في العدد المقبل، إن شاءت نعمة الرب وعشنا.
[1] محاضرة ألقاها قداسة البابا شنوده الثالث في معهد الرعاية بتاريخ 27 فبراير 1995م، ونُشرت في مجلة الكرازة بعنوان “صفحة الرعاية: العلاقات بين الآباء الكهنة”، بتاريخ 2 يونيو 1995م.




