من صفات الكاهن

من صفات الكاهن[1]
تكلمنا من قبل عن شرط الامتلاء من الروح القدس، وأهمية الحياة الروحية للكاهن وخدمته. ونتحدث الآن عن صفة أخرى لازمة للكاهن وهي الحكمة:
الحكمة
عند اختيار الشمامسة السبعة، قال الآباء الرسل “انْتَخِبُوا أَيُّهَا الإِخْوَةُ سَبْعَةَ رِجَالٍ مِنْكُمْ مَشْهُودًا لَهُمْ وَمَمْلُوِّينَ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ وَحِكْمَةٍ” (أع6: 3). فإن كانت الحكمة لازمة للشماس، فهي لازمة أكثر للكاهن والأسقف.
ونرى أن سليمان الحكيم عندما عهد إليه بتدبير الشعب، كانت طلبته الوحيدة إلى الله أن يعطيه حكمة لتدبير الشعب (1مل3: 7- 12). فإن كان التدبير السياسي يحتاج لحكمة، فكم بالأولى الروحي والرب يهتم بالحكمة، لدرجة أنه سمى نفسه الحكمة في سفر الأمثال. وقال إن “اَلْحِكْمَةُ بَنَتْ بَيْتَهَا” (أم9: 1). وحتى عن البيت العادي، فعندما أمر الله ببناء خيمة الاجتماع، اختاروا رجلًا حكيمًا ليقوم بكل صنعة في هذا البيت (خر31: 1- 4).
وبولس الرسول في بنائه لملكوت الله قال “حَسَبَ نِعْمَةِ اللهِ الْمُعْطَاةِ لِي كَبَنَّاءٍ حَكِيمٍ قَدْ وَضَعْتُ أَسَاسًا” (1كو3: 10) وبلغ من أهمية الحكمة أن السيد المسيح مدح وكيل الظلم لأنه “بِحِكْمَةٍ فَعَلَ” (لو16: 8). وإن كان الكتاب قد قال “اخْتَارَ اللهُ جُهَّالَ الْعَالَمِ لِيُخْزِيَ الْحُكَمَاءَ” (1كو1: 27). إنما قال هذا عن حكمة العالم التي تبطل، والتي هي جهالة عند الله. ومع ذلك قال بولس الرسول “لَكِنَّنَا نَتَكَلَّمُ بِحِكْمَةٍ بَيْنَ الْكَامِلِينَ وَلَكِنْ بِحِكْمَةٍ لَيْسَتْ مِنْ هَذَا الدَّهْرِ” (1كو2: 6). هذه الحكمة قد وصفها معلمنا يعقوب الرسول في الإصحاح الثالث من رسالته فقال “أَمَّا الْحِكْمَةُ الَّتِي مِنْ فَوْقُ فَهِيَ أَوَّلًا طَاهِرَةٌ، ثُمَّ مُسَالِمَةٌ، مُتَرَفِّقَةٌ، مُذْعِنَةٌ، مَمْلُوَّةٌ رَحْمَةً وَأَثْمَارًا صَالِحَةً، عَدِيمَةُ الرَّيْبِ وَالرِّيَاءِ” (يع3: 17).
ولعل من أهمية الحكمة أنها إحدى مواهب الروح القدس.
والمفروض في الراعي أن يكون حسن التدبير حكيمًا، يستطيع أن يُصَّرِف أمور الكنيسة بحكمة، ويدبر نفس كل أحد بحكمة، ويدبر العلاقات مع الغرباء وغير المسيحيين بحكمة. ذلك لأن خطأ الكاهن قد يجر الشعب كله إلى مشاكل وإشكالات.
وينبغي للكاهن أن يكون خبيرًا بالنفوس، وخبيرًا بحيل الشياطين. ويستطيع أن يدبر كل أحد، كما استطاع من قبل أن يدبر أهل بيته حسنًا (1تي3: 4، 5). لا يصح أن يكون أهوجًا أو أرعنًا أو متسرعًا أو مندفعًا. ولا يصح أن يكون ضيق الفكر، أو قصير المدى في تفكيره. ولا يكون من النوع الذي ينظر إلى الأمور من زاوية واحدة، ولا يكون متهورًا.
إنما يجب في حكمته، أن يتصف بالرزانة والوقار والهدوء والحيلة أيضًا. وما أصدق قول الحكيم عندما قال: “اَلْحَكِيمُ عَيْنَاهُ فِي رَأْسِهِ. أَمَّا الْجَاهِلُ فَيَسْلُكُ فِي الظَّلاَمِ” (جا2: 14).
ومن الوسائل التي توصل الكاهن إلى الحكمة: غير المواهب الطبيعية من الذكاء وسعة الفكر، والثقافة التي توسع ذهنه، هناك أيضًا الخبرة. فالخبرة تُصَّيِر الجاهل حكيمًا، لأنه يستفيد عمليًا مما عبر عليه من أحداث.
ومن أجل هذه الخبرة يحسن أن يكون الكاهن في سن ناضجة، لكي يبعد عن الاندفاع من جهة، ولكي يكتسب خبرة الحياة من جهة أخرى.
السن
إن كلمة قس أبرزفيتيروس معناها شيخ.
والبروتستانت يترجمون عبارات القسوس إلى شيوخ، لأن الكلمة اليونانية تحمل نفس المعنى أيضًا. فكأن الكاهن في الأصل كان شيخًا مختبرًا حكيمًا، ينظر إليه الناس كأب، حتى من الناحية الجسدية.
وفي هذه السن يكون قد فرغ من تربية أولاده، ولم يعد منشغلًا بعد ببيته. وفي هذه السن يكون قد انتهى أيضًا من النواحي الشبابية، كما تقول الدسقولية أنه: كبر عن السن الذي يمس فيه امرأة. بهذا يكون متفرغًا من جهة الوقت، ومن جهة مسئوليات البيت، ومكتسبًا خبرات في الحياة، وله وقار السن وهيبة الشيبة.
فإن لم يصل الكاهن إلى سن المشيب، فعلى الأقل يكون له نضوج آخر يسميه البعض حكمة الشباب.
لأن السن ليس مقياسًا، فكم من شباب فاقوا الشيوخ في حكمتهم: وقد كان أثناسيوس الرسولي حكيمًا في شبابه المبكر، فاق جميع الشيوخ في زمانه. ونلاحظ أن كثيرًا من الآباء البطاركة جلسوا على العرش البابوي في سن مبكرة مثل أثناسيوس الرسولي.
ونلاحظ أن السيد المسيح على الرغم من أنه أقنوم الحكمة، لم يبدأ خدمته إلا عندما وصل إلى سن الثلاثين من عمره. وكذلك في هذه السن بدأ يوحنا المعمدان ينادي في الناس بالتوبة. وكانت سن الثلاثين هي سن خدمة الكهنوت عند اليهود. لأن حديث السن مهدد بشيئين: إما أنه يخطئ، أو يتصلف، وإما أن يستهين الناس بحداثته (1 تي4: 12). وهذه الاستهانة قد تزعزع خدمته.
مسألة السن أيضًا لا تتعلق فقط بالتصرف الحسن. إنما أيضًا تتعلق بالخدمة. لأنه كلما يكبر الإنسان، تزداد معارفه ومعلوماته، وبهذا يصبح الكاهن قادرًا على إشباع شعبه بالتعليم. كما يتعلق السن أيضًا بالهيبة والوقار…
المعرفة والعلم
من عمل الكاهن، أن يكون معلمًا للشعب. والكتاب المقدس يقول إنه: “من فم الكاهن تطلب الشريعة” (ملا2: 7)، والدسقولية تقول: إنه يجب أن يشبع شعبه بالتعليم. لذلك لا يصح فقط أن يكون الكاهن متعلمًا، وإنما يجب أن يكون صالحًا للتعليم، قادرًا على إرشاد غيره.
وهذه المعرفة ينبغي أن تكون ذات نواحي متعددة.
فيكون ذا معرفة بالأمور اللاهوتية والعقيدية والطقسية والدينية عمومًا. ويعرف تفسير الكتاب، ويقدر على مجادلة أصحاب الطوائف في منطقته. كما ينبغي أيضًا أن يكون عارفًا بالنفس البشرية ومشاعرها وإحساساتها، وعارفًا بحروب الشياطين وطرق قتالهم، حتى يستطيع أن يكون مرشدًا روحيًا وأبًا لأولاده في الاعتراف وإلا ينطبق القول: “وَإِنْ كَانَ أَعْمَى يَقُودُ أَعْمَى يَسْقُطَانِ كِلاَهُمَا فِي حُفْرَةٍ” (مت 15: 14).
ونحن نلاحظ أن التعليم هو عمل هام يكاد يسأل عنه كل درجات الكهنوت. وسنتكلم عن هذا الموضوع بالتفصيل في باب (الكاهن والتعليم)…
[1] مقالة لقداسة البابا شنوده الثالث: من صفات الكاهن، بمجلة الكرازة 11 نوفمبر 1994



