هَلُمَّ وَرَائي فأجْعَلكُمَا صَيّادي النَاس

هَلُمَّ وَرَائي فأجْعَلكُمَا صَيّادي النَاس[1]
الله هو الذي يدعو للخدمة. وقد يدعو أناسًا لا يفكرون في هذا الأمر على الإطلاق “لَيْسَ أَنْتُمُ اخْتَرْتُمُونِي بَلْ أَنَا اخْتَرْتُكُمْ” (يو15: 16).
مر الرب على بطرس وأندراوس، وكانا مشغولين بصيد السمك، وقد سهرا الليل كله ولم يصطادا شيئًا. وفيما هما منشغلان بأمور العالم وفاشلان فيها، قال لهما: “هَلُمَّ وَرَائِي فَأَجْعَلُكُمَا صَيَّادَيِ النَّاسِ” (مت4: 19)، وهكذا لم يكن نجاح الخدمة راجعًا إلى غيرتهما…
وبنفس الوضع مر على (متى)، وهو منهمك في مكان الجباية، وقال له اتبعني، ومر على شاول الطرسوسي وهو منشغل باضطهاد الكنيسة ودعاه للخدمة كإناء مختار لهداية الأمم…
إن الرب يعرف عينات النفوس الصالحة لصيد الناس، حتى لو كانت مشغولة بصيد السمك. يعرفهم أين هم ويدعوهم لخدمته…
هَلُمّ وَرَائي فأجعَلكَما…
إنك لا تستطيع أن تخدم، إلا إذا مشيت وراء المسيح…
وراءه في أسلوبه وطريقته، في دعوته، وفي كل شيء… يجب أن تكون لك تبعية للمسيح، عرفت كيف تمشي وراءه، وحينئذ هو يجعلك صيادًا للناس.
أنت لا تستطيع أن تجعل من نفسك صيادًا، بل هو يجعلك.
لا ذكاءك ولا خبرتك، لا قيادة أخرى، لا جهدك ولا مهارتك، بل المسيح هو الذي يجعلك صيادًا للناس.
ستتعب الليل كله، ولا تصطاد شيئًا، حتى يأتي الرب ويعلمك كيف ترمي شباكك في الأعماق، ويقول لك: هلم ورائي. اسلك في طريقي وبطريقتي، بنفسي ومنهجي، وأنا سأجعلك، سأختارك، سأرسل لك نعمتي، وأضع روحي فيك، وأعلمك الصيد.
رَابح النفوس حَكيمَ:
إن رابح النفوس له صفات كثيرة: نشيط، ذكي، مضحي. ولكن من أهم صفاته أن يكون حكيمًا… أنظروا إلى بولس الرسول كيف قال: “صِرْتُ لِلْيَهُودِ كَيَهُودِيٍّ لأَرْبَحَ الْيَهُودَ… ولليوناني كيوناني، لكي أربح اليوناني… وَلِلَّذِينَ بِلاَ نَامُوسٍ كَأَنِّي بِلاَ نَامُوسٍ… صِرْتُ لِلْكُلِّ كُلَّ شَيْءٍ لأُخَلِّصَ عَلَى كُلِّ حَالٍ قَوْمًا” (1كو9: 20- 22).
ليكن الخادم حكيمًا، ولكن بحكمة إلهية، نازلة من فوق.
حكمة إنسان اختبر الطريق الروحي، ومشي فيه، يعرف طبائع الناس، ويعرف الحروب الروحية وحيل الشياطين. يعرف أن يقول الكلمة التي تناسب كل شخص، في الوقت المناسب.
هناك خدام قادوا آخرين بطرق خاطئة، وفرضوا عليهم واجبات فوق مستواهم، فصار الطريق صعبًا أمامهم. وتعقدوا.
هؤلاء الخدام صاروا كالفريسيين الذين كانوا يضعون على أكتاف الناس أحمالاً ثقيلة عسرة الحمل، وظنوا أن الصعوبة تعني علو المستوى. ولا هم دخلوا، ولا جعلوا الداخلين يدخلون.
إنهم يعلمون الناس مثاليات، خارج نطاق التطبيق العملي…
وهم أنفسهم لم يختبروها… وإنما عرفوها بالسماع أو القراءة. يقولون للناس: الذي لا يفعل كذا، لا يكون خادمًا والذي لا يفعل كذا، لا يكون مسيحيًا ويتشكك السامعون، وربما يتركون الخدمة…
ينسون قول بولس الرسول: “سَقَيْتُكُمْ لَبَنًا لاَ طَعَاما لأَنَّكُمْ لَمْ تَكُونُوا بَعْدُ تَسْتَطِيعُونَ” (1كو3: 2)، وقول الآباء الرسل: “لاَ يُثَقَّلَ عَلَى الرَّاجِعِينَ إِلَى اللهِ مِنَ الأُمَمَ” (أع15: 19)، وقول رب المجد: “إِنَّ لِي أُمُورًا كَثِيرَةً أَيْضًا لأَقُولَ لَكُمْ وَلَكِنْ لاَ تَسْتَطِيعُونَ أَنْ تَحْتَمِلُوا الآنَ” (يو16: 12).
إننا لا نثقل على الناس ولكن ليس معنى هذا أن نتساهل.
كلا لا نتساهل في أيه وصية من وصايا الله. ولكن ندربهم عليها واحدة فواحدة. نتدرج بهم حتى يصلوا…
أيضًا إن أردت أن تكون صيادًا للناس، فلا تدخلهم في مشاكلك الخاصة، ولا تطبع الناس بطابعك الخاص.
لا تحاول أن تدخلهم كلهم الرهبنة، إن كنت محبًا للرهبة. ولا تدفعهم إلى الزواج، إذا كان هذا هو طريقك، لا تحدثهم عن مشاكل الكنيسة، إن كانت لك مشكلة.
كل شخص تقابله في الخدمة: له نفسيته الخاصة، ودرجته الخاصة.
له ظروفه الخاصة، وله طبيعته. ربما لا يكون صورة منك. أتركه في طريقه. أرشده إلى الحق الخالص، وليس إلى الطريق الذي تؤمن به أنت وتختاره لنفسك… ربما أنت تحب الوحدة، وهو يحب الخدمة. ربما الوحدة التي تناسبك، لا تناسبه.
الصياد الحكيم، من صفاته البارزة: الصبر.
يلقي الشبكة، أو الصنارة، ويصبر. وربما ينتظر طويلًا، ولكنه لا يمل. هكذا أيضًا صياد الناس… فإن كنت ملولًا، تريد في الخدمة الثمر السريع، وإلا تركتها، فأنت لست صيادًا حكيمًا، إن قلت نصيحة، ولم يعمل بها السامع، فلا تتضايق، ولا تمل النصح.
إن الخدمة تحتاج إلى طول أناة على الخطاة حتى يتوبوا.
اصبر على التلميذ المناكف في فصلك، واصبر على الشاب المنحرف، واصبر على المقيد بعادة حتى يتخلص منها…
السيد المسيح شبه نفسه في الخدمة أيضًا بالزارع الذي خرج ليزرع. والزارع أيضًا صبور جدًا. يلقي بذاره ولا يتعجلها في الإنبات. كل نبات له طبيعته. وسيظهر في ملء الزمان.
[1] من كلمة قداسة البابا شنوده الثالث في مؤتمر الخدمة بفلمنج بالإسكندرية 23 /8 /1977: هَلُمَّ وَرَائي فأجْعَلكُمَا صَيّادي النَاس، نُشرت بمجلة الكرازة 16 مايو 2003




