الخطيئة خيانة

الخطيئة … خيانة1
بمناسبة أسبوع الآلام وتذكرنا لخيانة يهوذا نريد أن نقول إن الخطية عمومًا هي خيانة أيًا كانت هذه الخطية.
وكل إنسان خاطئ هو إنسان خائن إلى الله… فالإنسان الخاطئ يخون محبة الله، ويخون قلب الله العطوف ويخون علاقة الود التي تربطه بالله.
لقد اعتبرنا الله أولاده ونحن في الخطية نخون هذه الأبوة… والله اعتبر الكنيسة عروسًا له ونحن في الخطية نخون هذا العريس السمائي.
والله قد غمرنا بعطفه ومحبته وإحساناته وجميله علينا… ونحن في الخطية نخون إحسانات الله وناكرين للجميل جاحدين لليد العطوفة التي امتدت لمساعدتنا وأنقذتنا وأحسنت إلينا.
وفي الخطية نكون خائنين للعهود والمواعيد التي وعدنا بها الله وسبق أننا تعهدنا لله بها. وكم من مواعيد وعدنا الله بها في فترات ضيقنا في صلوات وطلبات تعهدنا خلالها بالكثير وخنا هذه المواعيد ساعة الخطية.
إننا نخون المواعيد التي بها وعدنا الله في المعمودية بأن نجحد الشيطان ونعيش في إيمان كامل بالله.
إننا نخون المواعيد التي وعدنا بها الله في كل تناول، وفي كل اعترافات كنا نعد الله بالتوبة وبعدم الرجوع إلى الخطية وبالثبات في حياة البر، وفي خطيتنا نخون هذه العهود التي سبق وتعهدنا لله بها.
إننا في حالة الخطية نخون الله لأننا ننضم بذلك إلى أعدائه… إلى الشيطان… إننا ننضم إلى العالم وإلى الجسد… ومحبة العالم عداوة لله.
نحن نخون الله بانضمامنا إلى أعدائه، نخون جسده ودمه حينما تناولنا هذا السر المقدس، ونخون بيته القدوس الذي دخلنا فيه.
لقد أدخلنا الله بكل محبة إلى بيته ونحن نخون هذا البيت حتى أثناء وجودنا فيه. نحن في بيته وقلوبنا ليست في بيته مثل سمعان الفريسي الذي كان موجودًا مع المسيح بينما كان يفكر أفكارًا خاطئة ويدينها بقلبه.
ومن أجل هذه الخيانات كلها طلب منا أن نكون أمناء “كن أمينًا إلى الموت فسأعطيك إكليل الحياة”.
الله يطلب منا أن نكون أمناء ونحن نخون هذه الأمانة… وعلى عكس ذلك فإن ربنا في مواعيده ومحبته أمين في علاقته معنا نحن الذين نخون الله لأن قلوبنا ليست ثابتة… قلوب تهتز مع كل ريح وتهتز مع كل هوى وكل رغبة وليس لنا الحب الأمين الثابت في الله.
والله ينظر إلى خيانتنا ويتأثر ويصبر، علينا أن نعود ونترك الخيانة ونرجع مخلصين للذات الإلهية المحبة.
إن خطيتنا تعتبر خيانة لأنها صادرة من أولاد… من أبناء… من رعية… من محبين ولو صدرت هذه الخطية من أعداء ما كان يعتبرها خيانة بل يعتبرها مقاومة أو محاربة أو معاندة… أما الخيانة فهي الخطية التي تصدر من أبناء وحينئذ يعاتب ويقول… ربيت بنين ونشأتهم أما هم فقد عصوا عليَّ…
والخيانة عندما تأتي من الأعداء فهي طبيعية… وعندما قاوم عبدة الأصنام الله فهذا شيء طبيعي، وعندما قاوم الشيطان الله فهذا أيضًا شيء طبيعي، وكذلك عندما يقاوم الملحدون الله فإن هذا شيء طبيعي.
هذه كلها مقاومة… ولكن عندما تحدث المقاومة من أبناء الله فهذه خيانة صعبة، وعندما تكون إحسانات الله كثيرة ونخونها فإن الخيانة حينئذ أصعب. والكتاب يقول “الذي أكل خبزي رفع عليَّ عقبه”
والله يغدق دائمًا من عطفه ومن حنوه ومن خبراته ونعمه وحفظه ومن مساعدته للناس، ومع ذلك يجد الناس دائمًا خائنين!
إن الخطية خيانة فعلًا ما كان ينتظرها.
وعندما نتتبع الخطية نجدها هكذا… خذوا مثلًا خطية آدم وحواء كثيرون تكلموا عنها ولكن فيها خيانة… تصوروا الله وقد أعطاهما كل شيء، خلقهما على صورته ومثاله في أحسن صورة وأجملها، جعلهما ملكين على الجنة وقال لهما… أحكما هذه الجنة بما فيها من حيوانات البرية وسمك البحر وطيور السماء… وأسكنهما فردوسًا وجنة ومع ذلك ما الذي حدث؟
لقد ظهرت خيانة الإنسان وعصيانه إلى الله ونسيانه كل جمائله عليه بالرغم من محبة الله وإحساناته. كل جميل نسيه وخانه ولم يذكر محبة الله. ومثل ديماس الذي قال عنه بولس الرسول “ديماس تركني لأنه أحب العالم”… وديماس هذا كان بولس قد جعله واحدًا من مساعديه ومن معاونيه في الكرازة، كان بولس يقول عنه ديماس الحبيب وبعد ذلك يقول… ديماس تركني، كما يقال إنه عبد الأصنام بعد إيمانه. إنها خيانة من ديماس.
** وخذوا مثلًا امرأة لوط… لقد أنقذها ملاك الله من حريق سدوم وأرسل لها ملاكًا أمسكها بيديها وخرج معها بعطف كبير من أرض سدوم… ما النتيجة؟ لقد خانت الله، التفتت إلى وراء اشتاقت إلى سدوم الخاطئة والملاك مازال ممسكًا بيديها! لقد كان قلبها خائنًا لله.
* وأيضًا هؤلاء الناس الذين قال عنهم الكتاب… بدأوا بالروح وكملوا بالجسد… لقد بدأوا بالروح وكوّنوا علاقة مع الله زمنًا وبعدما عاشوا عادوا وخانوه وأكملوا بالجسد، ولهذا فإن كلام الله عن هؤلاء الخونة كان شديدًا.
وانظروا ماذا يقول “العبرانيين الإصحاح السادس “لأن الذين استنيروا مرة وذاقوا الموهبة السمائية وصاروا شركاء الروح القدس، وذاقوا كلمة الله الصالحة وقوات الدهر الآتي وسقطوا لا يمكن تجديدهم أيضًا للتوبة إذ هم يصلبون لأنفسهم ابن الله ثانية ويشهرونه.
تصوروا الله وقد عامل هؤلاء الناس بمنتهى العطف والكرم والنعمة…أنارهم وأعطاهم الموهبة السمائية لكي يذوقوها… وأعطاهم كلمة الله الصالحة لكي يتلذذوا بها وصيرهم شركاء للروح القدس وأعطاهم قوات الدهر الآتي ومع ذلك رجعوا وشهروه، وتركوا الله وخانوه.
ومن أجل ذلك أيضًا يعود الله ويتكلم عن الذين خانوه فيقول على لسان بولس “فإنه إن أخطأنا باختيارنا بعدما أخذنا معرفة الحق لا تبقى بعد ذبيحة عن الخطايا بل قبول دينونة مخيف وغيرة نار عتيدة أن تأكل المضادين”
فإن أخطأنا باختيارنا بعد أن أخذنا معرفة الحق… وبعد أن عرفناه وسرنا معه… فإن هذا خيانة جسيمة… كيف نخون الله بعدما عرفناه؟
ربما كان هناك عذر لمن لم يعرفوا الله… أما الذين عرفوه وذاقوه وجربوا الكنيسة والأسرار والنعم الإلهية والحياة الروحية والصلاة والتأمل وجربوا الالتصاق بالله، وجربوا كلمة الله الصالحة وشركة الروح القدس… هؤلاء الناس إذا خانوه وتخلوا عنه وانضموا إلى أعدائه فإن خطيئتهم تكون مرعبة وشديدة… وهكذا يقول المسيح… من أنكرني قدام الناس أنكره أنا أيضًا قدام أبي وملائكته.
من ائتمنهم الله على هيكله فنجسوه، وائتمنهم على بيته فجعلوه مغارة لصوص… وائتمنهم على خدمة فنسبوها إلى أنفسهم… إن هذا خيانة الله.
لقد جرب السيد المسيح خيانة الكثيرين، في مرة وهو يتحدث عن التناول من جسده ودمه يقول الكتاب “من هذا الوقت رجع كثيرون من تلاميذه إلى الوراء ولم يعودوا يمشون معه فقال يسوع للاثني عشر، ألعلكم أنتم أيضًا تريدون أن تمضوا”.
لقد سار هؤلاء معه ثم رجعوا إلى الوراء ولم يسيروا معه، لقد كان يعرف خيانة الناس، يعرف أنه يأتي وقت فيمضي كل واحد إلى خاصته ويتركونه وحده.
ولهذا فإن الكتاب يعتبر من يبعد عن طريق الله بعد معرفته خائنًا.
والخطأ من الصديق يعتبر خيانة، زمن العدو عداوة، ومن أجل هذا يقول الكتاب… إن إسرائيل خانت الرب وعبدت آلهة أخرى.
ومعنى هذا أن الإنسان عندما يترك الرب فإن الآلهة الأخرى قد تكون المال… الجسد… الشهوات وهذه خيانة.
إن الشخص الذي يخون الله يضع نفسه مع يهوذا في صف واحد، وكثيرًا ما تلوم يهوذا لأنه باع سيده وخانه ولكن ما أكثر الخائنين أمثال يهوذا!…
إن يهوذا مجرد رمز… مجرد مثل وصورة من الصور الفاسدة، التي تعبر عن كثيرين.
وإذا كانت الخطية خيانة فلنخف من الخطية إذًا، الخطية ليست مجرد سقوط… إنها خيانة. خيانة لقلب الله المحب… خيانة للماضي الجميل الذي قضيناه مع الله.
وهل يجوز بعد أن اعتبرنا الله من أصدقائه، وأحصانا وسط أحبائه ووسط أولاده ورعيته ووسط خاصته… هل يجوز أن نعود وننقلب مرة أخرى؟
إن الانقلاب في العلاقة مع الله نوع من الخيانة…
إن الملائكة بينهم وبين أنفسهم يقولون أين ذلك الصديق الذي كان يصلي ويتعبد ويتناول ويحيا حياة الطاعة المقدسة… إنه عاد وخان الله وترك طريقه.
إنهم ينظرون إلى الخاطئ كإنسان خائن ترك عشرة الله.
في العهد القديم والعهد الجديد أمثلة كثيرة لهذا النوع من الناس الذين كانوا على مواهب وعادوا وخانوا الله. الكتاب يتكلم عن خيانة بلعام الذي كان موهوبًا وكان له نبوة وتنبأ عن المسيح، لقد أعطاه الله مواهب وقال عنه… بلعام الذي يرى رؤى القدير.
إنه رجل مفتوح العينين يرى رؤى القدير ومع ذلك خان الله من أجل مكسب مادي وترك الله وصار مثالًا للضلالة التي تضل كثيرين.
إن الله يعاتب البشر الخائنين ويقول…
“يا ابن آدم عرف أورشليم برجاساتها وقل هكذا قال السيد الرب لأورشليم مخرجك ومولاك من أرض كنعان… أما ميلادك يوم ولدت … لم تشفق عليك عين… فمررت بك ورأيتك مدوسة بدمك فقلت لك بدمك عيشي…قلت لك بدمك عيشي، جعلتك ربوة كنبات الحقل فربوت وكبرت وبلغت زينة الأزيان… كنت عريانة وعارية فمررت بك ورأيتك وإذا زمنك زمن الحب، فبسطت ذيلي عليك وسترت عورتك وحلفت لك ودخلت معك في عهد يقول السيد الرب فصرت لي فحممتك بالماء وغسلت عنك دماءك ومسحتك بالزيت والبستك مطرزة… وحليتك بالحلي فوضعت أسورة في يديك وطوقًا في عنقك… إنه عتاب الله للخائنين.
النفس البشرية هكذا يصلحها الله وينقلها ويعمل لها كل خير وهي كما هي في خيانتها فإذا أحست قوة في نفسها بعدت عن الله. وإن أحست نعمة حولها بعدت عن الله… إنها نفس خائنة.
ليتنا ونحن نذكر هذه الخيانات أن نعود إلى الله مرة أخرى… وأن يتحنن علينا وأن يعطينا وفاءً وإخلاصًا.
- مقال لقداسة البابا شنوده الثالث نشر في جريدة وطني بتاريخ 15-4-1973م



