الدموع في الخدمة

الدموع في الخدمة[1]
لعل من أشهرها دموع إرميا النبي.
هذه التي سُجلت فى سفر كامل، من الأسفار المقدسة دُعي (مراثي إرميا).
والذي يشمل صلوات كثيرة، كلها تنهد وحسرة، كأن يقول:
“اُذْكُرْ يَا رَبُّ مَاذَا صَارَ لَنَا. أَشْرِفْ وَانْظُرْ إِلَى عَارِنَا. قَدْ صَارَ مِيرَاثُنَا لِلْغُرَبَاءِ… صِرْنَا أَيْتَامًا بِلاَ أَبٍ. أُمَّهَاتُنَا كَأَرَامِلَ” (مرا 5: 1- 3).
ويقول أيضًا: “مَضَى فَرَحُ قَلْبِنَا. صَارَ رَقْصُنَا نَوْحًا. مِنْ أَجْلِ هَذَا حَزِنَ قَلْبُنَا. مِنْ أَجْلِ هَذِهِ أَظْلَمَتْ عُيُونُنَا… لِمَاذَا تَنْسَانَا إِلَى الأَبَدِ وَتَتْرُكُنَا طُولَ الأَيَّامِ؟ اُرْدُدْنَا يَا رَبُّ إِلَيْكَ فَنَرْتَدَّ. جَدِّدْ أَيَّامَنَا كَالْقَدِيمِ. هَلْ كُلَّ الرَّفْضِ رَفَضْتَنَا؟” (مرا 5: 15- 22).
ويشرح في هذا السفر بكاء مملكة يهوذا فيقول:
“عَلَى هَذِهِ أَنَا بَاكِيَةٌ. عَيْنِي، عَيْنِي تَسْكُبُ مِيَاهًا لأَنَّهُ قَدِ ابْتَعَدَ عَنِّي الْمُعَزِّي رَادُّ نَفْسِي” (مرا 1: 16). “كَلَّتْ مِنَ الدُّمُوعِ عَيْنَايَ. غَلَتْ أَحْشَائِي” (مرا 2: 11). “انْسَكَبَتْ عَلَى الأَرْضِ كَبِدِي عَلَى سَحْقِ بِنْتِ شَعْبِي”.
“عَيْنِي تَسْكُبُ وَلاَ تَكُفُّ بِلاَ انْقِطَاعٍ. حَتَّى يُشْرِفَ وَيَنْظُرَ الرَّبُّ مِنَ السَّمَاءِ” (مرا3: 49، 50).
هنا بكاء بلا انقطاع، وبلا عزاء، حتى تعبت العين من البكاء، وشعور بأن الله قد ترك النفس أو نسيها أو رفضها!! وصلاة… مع صلاة إليه أن يرجع.
2- ولعل من الأمثلة أيضًا بكاء المسبيين عند أنهار بابل. وفي ذلك يقول المرتل:
“عَلَى أنْهارِ بابِلَ هُناكَ جَلَسْنا، بَكَيْنا عِنْدَما تَذَكّرْنا صِهْيونَ. عَلَى الصِّفْصافِ في وَسَطِها عَلَّقنا قيثاراتنا. لأنَّهُ هُناكَ سَألَنا الَّذينَ سَبَوْنا أقْوالَ التَّسْبيح… كَيفَ نُسَبِّحُ تَسْبِحَةَ الرَّبِّ في أرْضٍ غَريبَةٍ؟” (مز136: 1- 4).
3- ومن الأمثلة أيضًا بكاء نحميا لما سمع أخبار سيئة عن أورشليم.
فقال: “فَلَمَّا سَمِعْتُ هَذَا الْكَلاَمَ جَلَسْتُ وَبَكَيْتُ وَنُحْتُ أَيَّامًا وَصُمْتُ وَصَلَّيْتُ أَمَامَ إِلَهِ السَّمَاءِ” (نح1: 4).
وفي صلاته اعترف بخطاياه وخطايا كل الشعب، وطلب من الرب رحمة، مذكرًا إياه بمواعيده للآباء.
4- ونفس الوضع بالنسبة إلى عزرا الكاهن، لما عرف خطايا الشعب. فبكى وأبكى الشعب معه.
وفي ذلك يقول الكتاب: “فَلَمَّا صَلَّى عَزْرَا وَاعْتَرَفَ وَهُوَ بَاكٍ وَسَاقِطٌ أَمَامَ بَيْتِ اللَّهِ اجْتَمَعَ إِلَيْهِ مِنْ إِسْرَائِيلَ جَمَاعَةٌ كَثِيرَةٌ جِدًّا مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالأَوْلاَدِ لأَنَّ الشَّعْبَ بَكَى بُكَاءً عَظِيمًا” (عز10: 1).
وفي غير المراثي، يقول إرميا النبي في سفره:
“يَا لَيْتَ رَأْسِي مَاءٌ وَعَيْنَيَّ يَنْبُوعُ دُمُوعٍ فَأَبْكِيَ نَهَارًا وَلَيْلًا قَتْلَى بِنْتِ شَعْبِي” (أر9: 1).
5- وقد بكى دانيال النبي أيضًا من جهة سنوات السبي:
وقال في ذلك: “فَوَجَّهْتُ وَجْهِي إِلَى اللَّهِ السَّيِّدِ طَالِبًا بِالصَّلاَةِ وَالتَّضَرُّعَاتِ بِالصَّوْمِ وَالْمَسْحِ وَالرَّمَادِ. وَصَلَّيْتُ إِلَى الرَّبِّ إِلَهِي وَاعْتَرَفْتُ وَقُلْتُ:. أَخْطَأْنَا وَأَثِمْنَا وَعَمِلْنَا الشَّرَّ وَتَمَرَّدْنَا وَحِدْنَا عَنْ وَصَايَاكَ وَعَنْ أَحْكَامِكَ…” (دا9: 3، 5).
“فِي تِلْكَ الأَيَّامِ أَنَا دَانِيآلَ كُنْتُ نَائِحًا ثَلاَثَةَ أَسَابِيعِ أَيَّامٍ. لَمْ آكُلْ طَعَامًا شَهِيًّا وَلَمْ يَدْخُلْ فِي فَمِي لَحْمٌ وَلاَ خَمْرٌ وَلَمْ أَدَّهِنْ حَتَّى تَمَّتْ ثَلاَثَةُ أَسَابِيعِ أَيَّامٍ” (دا10: 2، 3).
وهنا نرى البكاء مصحوبًا بالصلاة والصوم والزهد والاعتراف بالخطايا.
6- من أمثلة البكاء في الخدمة بكاء ميخا النبي “مِنْ أَجْلِ إِثْمِ يَعْقُوبَ وَمِنْ أَجْلِ خَطِيَّةِ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ” (مى1: 5). وفى هذا يقول:
“مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ أَنُوحُ وَأُوَلْوِلُ. أَمْشِي حَافِيًا وَعُرْيَانًا. أَصْنَعُ نَحِيبًا كَبَنَاتِ آوَى وَنَوْحًا كَرِعَالِ النَّعَامِ. لأَنَّ جِرَاحَاتِهَا عَدِيمَةُ الشِّفَاءِ لأَنَّهَا قَدْ أَتَتْ إِلَى يَهُوذَا…” (مي1: 8، 9).
7- ولعل في قمة البكاء في الخدمة بكاء ربنا يسوع المسيح على أورشليم:
وفي ذلك يقول الكتاب “وَفِيمَا هُوَ يَقْتَرِبُ نَظَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ وَبَكَى عَلَيْهَا. قَائِلًا… فَإِنَّهُ سَتَأْتِي أَيَّامٌ وَيُحِيطُ بِكِ أَعْدَاؤُكِ بِمِتْرَسَةٍ… وَيَهْدِمُونَكِ وَبَنِيكِ فِيكِ وَلاَ يَتْرُكُونَ فِيكِ حَجَرًا عَلَى حَجَرٍ” (لو19: 41- 44).
8- ومن أمثلة البكاء أيضًا بكاء بولس الرسول في الخدمة:
فإنه يقول لكهنة أفسس: “أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ دَخَلْتُ أَسِيَّا كَيْفَ كُنْتُ مَعَكُمْ كُلَّ الزَّمَانِ. أَخْدِمُ الرَّبَّ بِكُلِّ تَوَاضُعٍ وَدُمُوعٍ كَثِيرَةٍ وَبِتَجَارِبَ أَصَابَتْنِي بِمَكَايِدِ الْيَهُودِ”.
“لِذَلِكَ اسْهَرُوا مُتَذَكِّرِينَ أَنِّي ثَلاَثَ سِنِينَ لَيْلًا وَنَهَارًا لَمْ أَفْتُرْ عَنْ أَنْ أُنْذِرَ بِدُمُوعٍ كُلَّ وَاحِدٍ” (أع20: 18، 19، 31). وحتى في رسائله يقول لأهل كورنثوس: “لأَنِّي مِنْ حُزْنٍ كَثِيرٍ وَكَآبَةِ قَلْبٍ كَتَبْتُ إِلَيْكُمْ بِدُمُوعٍ كَثِيرَةٍ، لاَ لِكَيْ تَحْزَنُوا، بَلْ لِكَيْ تَعْرِفُوا الْمَحَبَّةَ الَّتِي عِنْدِي وَلاَ سِيَّمَا مِنْ نَحْوِكُمْ” (2كو2: 4).
9- وبالمثل كان تلاميذ القديس بولس في بكائهم.
فهو يرسل إلى تلميذه تيموثاوس ويقول له: “اذْكُرُكَ بِلاَ انْقِطَاعٍ فِي طِلْبَاتِي لَيْلًا وَنَهَارًا. مُشْتَاقًا أنْ أرَاكَ، ذَاكِرًا دُمُوعَكَ” (2تي1: 3، 4).
أسباب البكاء في الخدمة
* القلب الحساس يتأثر من حالة الناس المخدومين.
* يتأثر أذ يتذكر خطاياهم. كيف ضعفوا وكيف جرحوا قلب الله.
* ويتأثر بنتأئج الخطية، وما جلبته من متاعب ومن ويلات… أو بما سوف تجلبه من غضب الله.
* بل قد يتأثر فيما هو يوبخ على الخطايا، متذكرًا ضعفه هو أيضًا، وأنه ما كان يريد أن يوبخ، فينذر بدموع…
* وقد يبكي الإنسان في الخدمة، طالبًا معونة الله، أو طالبًا رحمته ومغفرته. أو يبكي وهو يعرض على الله في صلاته، ما وصل إليه الأمر من ضياع.
* يبكي الإنسان في الخدمة شاعرًا بضعفه، ومتوسلًا إلى الله أن يتدخل، لأن الأمور لا تحل بدونه.
* أو قد يبكي من شدة المشاكل، ومن ضغط العدو عليه، أو من شماتة الأعداء وتعييرهم، كما قال داود النبي:
“صَارَتْ لِي دُمُوعِي خُبْزًا نَهَارًا وَلَيْلًا إِذْ قِيلَ لِي كُلَّ يَوْمٍ أَيْنَ إِلَهُكَ. هَذِهِ أَذْكُرُهَا فَأَسْكُبُ نَفْسِي عَلَيَّ.” (مز42: 3، 4).
نوعان من الدموع!
هناك امرأتان:
إحداهما بالدموع تنال كل ما تطلب. والأخرى بالبكاء تخسر كل شيء!
الأولى بكاؤها عميق، وله أسباب حقيقية، ودوافع إنسانية، يؤثر في القلب فيتحنن ويشفق…
والأخرى بكاؤها نكد يسبب نكدًا! لا يؤثر بل يثير. وإذا استمر يؤدي بها إلى عكس ما تريد…
[1] مقالة لقداسة البابا شنوده الثالث عن: الدموع في الخدمة، مجلة الكرازة 9 فبراير 1990.




