التجربة والاختبار (3)

التجربة والاختبار “3”1
كنا نتحدث – في الأسبوع الماضي – عن “التجربة على الجبل”، وتكلمنا عن التجربة الأولى..
يقول الكتاب: ثم أصعد يسوع إلى البرية عن الروح ليجرب من إبليس، فبعدما صام أربعين يومًا وأربعين ليلة، جاع أخيرًا، فتقدم إليه المجرب وقال له: إن كنت أنت ابن الله فقل لهذه الحجارة أن تصير خبزًا، فأجاب يسوع وقال له: مكتوب ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، بل بكل كلمة تخرج من فم الله…
ثم أخذه إبليس إلى المدينة المقدسة، وأوقفه على جناح الهيكل وقال له: إن كنت أنت ابن الله، فأطرح نفسك إلى أسفل، لأنه مكتوب أنه يوصي ملائكته بك فعلى أيديهم يحملونك.. فأجاب يسوع وقال: مكتوب أيضًا: لا تجرب الرب إلهك…!
ثم أخذه إبليس إلى جبلٍ عالٍ جدًا، وأراه ممالك العالم ومجدها وقال له: أعطيك هذه جميعها، إن خررت وسجدت لي، فقال له يسوع: اذهب عني يا شيطان، لأنه مكتوب: للرب إلهك تسجد وإياه وحده تعبد..”!
نلاحظ هنا، أن التجربة يمكن أن تأتي في أي مكان، وهي ممكن أن تأتي أثناء “الخلوة الروحية”.. والعبادة.. فلقد كان المسيح – في خلوة – على الجبل، صائمًا ويصلي، ومع ذلك فقد جاءه المجرب.. إبليس!
وإذا كان من الممكن أن تأتي التجربة “على جبلٍ عالٍ”، يرى منه الإنسان “كل ممالك الأرض ومجدها”.. فهي من الممكن أيضًا أن تأتي “في المدينة المقدسة”.. وعلى “جناح الهيكل”!
إذا جاءت الخطية في مكان تتوافر فيه الاغراءات، فذلك شيء طبيعي.. أما أن تأتي التجربة في “المدينة المقدسة” وعلى “جناح الهيكل”.. فتلك مسألة غير سهلة.. وتعني أن الشيطان يمكن أن يأتي حتى إلى “المدينة المقدسة”، وعلى ” جناح الهيكل”.. ويُجَرِب…!
إن ذلك الأمر يدعونا لأن نحترس في كل مكان، وكل وقت وأوان.. فإن الشيطان لم يجرب المسيح فقط في المدينة المقدسة”.. ولم يكتف بأن تكون هذه التجربة على “جناح الهيكل”… وإنما كانت التجربة -بالإضافة إلى ذلك – بعد فترة مقدسة استغرقت أربعين نهارًا وأربعين ليلة، أمضاها السيد المسيح في خلوة وعبادة وصوم وصلاة…!!
بعض الناس يظن – في مرحلة من المراحل – أنه قد أصبح محصنًا ضد الخطية، فلا يكترث.. ولمثل هؤلاء أقول: حتى لو كنت في المدينة المقدسة.. وحتى لو كنت صائمًا أو تمضي خلوة تعبدية، في عبادة وصوم وصلاة.. فأنت لست بعيدًا عن التجربة.. فأحزر.. واحترس!
* لاحظوا أن – آدم – قد جُرِبَ وهو في الفردوس.. في داخل الجنة أمكن للشيطان أن يدخل، ويجرب آدم بداخلها!
* ويوسف الصديق، تعرض للتجربة وهو في بيت “امرأة زانية”، لكنه لم يسقط.. ولكن آدم – وهو في الجنة سقط…!
فالمكان – إذن – ليس هو الذي يخلص الإنسان من السقوط.. وإنما الذي يخلصه “نقاوة القلب من الداخل” و “شدة التمسك بالله”.. و”معونة الروح القدس”…!
لا تظن أنك تهرب من الخطية عن طريق “المكان”.. صحيح أن هناك بعض الأمكنة أقل حربًا من غيرها.. ولكن الصحيح – أيضًا أن الشيطان يجرب الإنسان في أي مكان.. مهما هرب!!
ولعلكم تذكرون قصة “الراهب” الذي أتعبه “شيطان الغضب”… فأراد أن يهرب إلى مكان آخر… ولكنه وجد الشيطان يلازمه أينما ذهب…!
لذلك أقول لكم: لا يجب أن يترك الإنسان احتراسه، أو يتخلى عن حذره في أي مكان.. وفي أية بيئة.. لأنه من الممكن أن توجد التجارب في أي مكان.. وفي أي وقت.. ومن الممكن أن توجد التجارب في كل فترة، حتى لو كانت فترة صوم وخلوة للعبادة.. من الممكن أن توجد التجارب في كل موضع.. فكن محترسًا.. وكن حذرًا في كل وقت، وفي كل موضع…!
وحرب الإنسان، غالبًا ما تكون من داخل نفسه.. إنها حرب تأتيه من الداخل.. وعندما قال الكتاب المقدس: إن الشيطان حارب المسيح على جبل.. وأثناء الوحدة والخلوة والعبادة.. وفي المدينة المقدسة.. فقد أراد أن يُظهِر لنا قوة المسيح في كل وضع، وفي كل مكان، وفي كل حالة.. أراد الكتاب بذلك، أن يظهر لنا أن المسيح يستطيع أن ينتصر في كل موضع، وفى كل حالة.. بل ويستطيع السيد المسيح أن ينتصر فيك أنت أيضًا، إذا ما تعرضت لحرب الشيطان…!
أجل.. يستطيع المسيح أن ينتصر فيك أثناء حرب الشيطان. فقط نادِهِ وتمسك به، وقل له: يا رب أنا لا أستطيع أن أهرب من حرب الشيطان.. لكنك أنت – يا رب – قادر أن تعطي القوة والمعونة، للانتصار، مهما كانت قوة الحرب وشراستها!
لم يستجب يسوع للشيطان وهو يقول له: “ألق نفسك إلى أسفل، والملائكة ستحملك”…!
- أما نحن، فكثيرًا ما نلقي بأنفسنا إلى “أماكن العثرة”، ونود أن تحملنا الملائكة!
- وكثيرًا ما نوجد – بأنفسنا – حيث تجارب الخطية، ونقول أن الملائكة تحمينا!
- بل أننا أحيانًا نترك أمور حياتنا بلا نظام ولا تدبير، ونقول أن الله يدبر!
إننا بذلك – كمن يضيع نفسه، ثم يطلب من الله أن يحميه وينقذه..
إن الله يتدخل لإنقاذك إذا ما أتتك التجربة.. ولكن أن تلقي أنت بنفسك إلى التهلكة، ثم تطلب تدخل الله.. ذلك أمر خطأ…!
فلا تضيع نفسك، ولا تقل: أدخل التجربة وأتصدى لها.. وإنما قل دائمًا – في صلاتك – كما علمنا السيد: “لا تدخلنا في تجربة”..!!
- لقد اختار “لوط” “سدوم”، وسكن فيها، فألقى – بذلك – نفسه في التهلكة، وأضاع نفسه، ففقد أولاده وزوجته، ولولا شفاعة إبراهيم.. لربما كان قد هلك هو أيضًا..
- وكذلك “حواء”، عندما عاشرت “الحية”، سقطت في الخطية، وضاعت!
فلا تلقي بنفسك في التهلكة، ولا تُقبِل على دخول التجربة، لأنك إن فعلت ذلك، فكأنك تستجيب إلى ما رفضه السيد المسيح نفسه، عندما قال له الشيطان: “اطرح نفسك إلى أسفل، والملائكة سوف تحملك”!
لا تقل لنفسك إني أستطيع أن ألقي بنفسي إلى أسفل، والملائكة سوف تحملني.. ولذلك فعليك أن تحرص على الابتعاد عن مواطن التهلكة، ومواطن العثرات.. وابتعد عن “المعاشرات الرديئة”.. وابتعد عن الكتب والصور والسماعات الرديئة.. ولا تستهن بشيء، لأنك إن استهنت بالخطر – مهما بدا لك أنه ضئيل – فكأنك بذلك تضحك على نفسك.. لا تلقي بنفسك إلى أسفل، وتطلب من الملائكة أن تحملك لكيلا تهلك!
احترسوا من الخطية..
وأذكروا أن “حواء” – عندما عاشرت “الحية” – سقطت وضاعت!
احترسوا من الخطية، وأذكروا أن الحياة مع الله، تعلمنا التدقيق والاحتراس…!
وإن وقع أحدكم في تجربة، فليقل ما قاله داود النبي: “دفعت لأسقط.. لكن الرب عضدني”..
أهرب لحياتك، ولا تدفع نفسك إلى التجربة والتهلكة…!
وأذكر، أن الملائكة، قالوا للوط: “اهرب لحياتك، لا تقف في كل الدائرة، ولا تنظر إلى الوراء”!
صحيح أن الملائكة، تستطيع أن تحملك، وتنجيك، وكان يمكن أن يحدث ذلك مع المسيح، ولكنه رفض أن يلقي بنفسه.. بينما هو نفسه قد مشى على المياه…
المهم.. أن الإنسان لا يسعي إلى التجربة بنفسه.. ولا يلقي بنفسه إلى التهلكة.. و”سليمان الحكيم” يقول: “من يأخذ في حضنه نارًا ولا يحترق! من يمشي على الجمر ولا تكتوي قدماه”؟! لا تعتد بقوتك، ولا تثق في حصانتك، فإن الخطية قد طرحت كثيرين جرحى، وكل قتلاها أقوياء”!!
فاحترس لنفسك لأن الإنسان الذي لا يحترس لنفسه يكون عُرضَة للضياع، وأنت لست أقوى من الرسل والأنبياء والجبابرة، الذين سقطوا.. فكن محترسًا، وحذرًا.. وأعمل بالمثل القائل: “الباب الذي يأتي منه الريح… سده وأستريح”!!
“احترس لنفسك.. ولكن ليس معنى ذلك أن “تخاف” من الخطية، فهناك فرق بين “الاحتراس” و “الخوف”. إننا نحترس، ولكن لا نخاف.. واثقين أن الله يعمل فينا!
“احترس” لحيل الشيطان، وابتعد عن كل سبب من أسباب الخطية.. ابتعد عن الصداقات الرديئة.. والمشورات الخاطئة، وكل ما من شأنه أن يوجد العثرات.. وأحط نفسك باستمرار بسياج من عمل الله ومن الروحيات.. لا تفتخر، بل خَف.. ولا تلقي بنفسك “من على جناح الهيكل”.. ولا تطلب باستمرار أن تحملك الملائكة.. وأذكر قول السيد المسيح: “مكتوب لا تجرب الرب إلهك”!
لقد أراد الشيطان – في هذه التجربة – أن يقدم “إغراءً خاطئًا” – من نوع معين: عندما طلب من المسيح أن يطرح نفسه إلى أسفل.. فكأنه كان يقول له: أنت ابنًا لله، ولابد أن تأخذ حقك من المعجزات، وأن تحملك الملائكة…!
وعندما قال له المسيح: “لا تجرب الرب إلهك”، فكأنه كان يقول له: إن الله يعمل المعجزات في حينها، وليس في كل حين.. ولا يجب أن يهمل الإنسان في نفسه ثم يطلب معجزة.. لا يجب أن يهمل الإنسان في رزقه، ثم يطلب الله أن يرزقه… ولا يجب أن يُهمِل الطالب في مذكراته وتحصيله، ثم يطلب من الله أن ينجحه آخر العام…!
لابد أن يكون الإنسان “عاقلاً”.. ولا يجرب الرب إلهه!
بعض الناس يتواكلون، ويقولون “خليها بالبركة”.. أو “خليها على الله”.. فيهملون شئونهم، وكأنهم يطلبون من الله أن يُسَيِر أحوالهم بالمعجزات.. وهؤلاء يجب أن يتفكروا – دائمًا – قول المسيح: “لا تجرب الرب إلهك”..
حاول دائمًا أن تكون محترسًا، حذرًا.. ولا تطلب من الله معجزات في كل حالة.. إن بعض الناس يتصورون أن “طريق الله” هو “طريق المعجزات”.. وهذا خطأ.. فلم يقل المسيح لنا أن نعيش بالمعجزات.. ولكن المعجزات تحدث في الوقت المناسب الذي يراه الله…!
كذلك أراد الشيطان بهذه التجربة شيئًا آخر.. كأنه صور للمسيح أنه عندما يلقي بنفسه، والملائكة تحمله.. فسوف تكون هذه المعجزة شيئًا يخدم قضية الكرازة…!
ولكن المسيح – عندما رفض- فكأنه يرد على الشيطان قائلًا: إنني جئت أخلص الناس عن طريق أن أتألم عنهم، وأعلمهم طريق الخلاص.. لا أن أخلصهم بمعجزة.. جئت أكرز ببشارة الملكوت، وأشفي كل ضُعفٍ.. لا أريد “الفخامة” أو “الاستعراض”، لأن الخلاص لا يأتي بهذه الأمور التي هي من عمل الشيطان!
لقد طلب الرب من الإنسان أن يكون حكيمًا.. ومدح “وكيل الظلم” لحكمته…!
والحياة الروحية تحتاج إلى “حكمة سماوية.. و… “..
ولا يجب أن نطلب أن نُعامَل بطبيعة غير طبيعتنا.. إنما نحن نحتاج أن نسلك بحكمة في الطريق الروحي.. يقول السيد المسيح: “كونوا حكماء كالحيات!”.
إن الشيطان يحاربنا ويتصدى لنا بحكمة.. أفلا يجب أن نكون – نحن أيضًا – حكماء لكي نعرف كيف نقهره ونتغلب عليه؟ إن الطريق الروحي يحتاج لحكمة.. وإن لم توجد لديك “الحكمة” فاستخدم “المشورة”.. واسأل غيرك، وخذ “حكمة” الآباء والمرشدين، والكتب والقديسين.. ولا تسلك برعونة في الحياة الروحية، عندما تظن أن المسألة هي أن “تلقي بنفسك.. والملائكة سوف تحملك”.. فهذه خدعة من الشيطان..
إن الشيطان يريد “المناظر” و”الاستعراض” و”الأبهة” و”الفخامة”. أما أنت فلا تسلك هكذا.. ولا تبحث عن المناظر والفخامة والأبهة، لأن الذين طلبوا هذه، أضلهم الشياطين ولعبت بهم…!
- مقال لقداسة البابا شنوده الثالث نشر في جريدة وطني بتاريخ 5-3-1972م



