آلام السيد المسيح

آلام السيد المسيح…1
** أريد أن أحدثكم الليلة عن آلام السيد المسيح، استعدادًا لأسبوع البصخة الذي سنحتفل به.
إنه من المؤلم حقًا أن السيد المسيح الذي قدم للعالم كل خير، لم يأخذ من العالم إلا كل الألم… كان العالم خائنًا بالنسبة للسيد المسيح.
إن الألم بالنسبة للسيد المسيح لم يكن في الأسبوع الأخير من فترة تجسده، ولم يكن أثناء المحاكمة أو على الصليب، وإنما شمل الألم حياته كلها على الأرض، حتى قيل عنه أنه كان رجل أوجاع ومختبر حزن… كما قيل إنه بكى أكثر من مرة، وأنه حزن وأكتئب، وقال عن نفسه في إحدى المرات “نفسي حزينة حتى الموت”.
* إن السيد المسيح كان يمكن أن يأخذ من العالم كل مجد وكل اهتمام، لولا أنه أخلى ذاته وأخذ شكل العبد.
ربما لا يجرؤ الناس أن يؤلموا القوي الجبار صاحب السلطان أو الغني، أما المسيح فقد جاء فقيرًا وبلا مركز وأخذ شكل العبد وشاركنا في كل شيء، وشاركنا أيضًا في الألم.
إننا عندما نرى آلام السيد المسيح نتعزى في آلامنا… وعندما نرى آلام السيد المسيح تبكت في داخلنا، لأننا كبشر سبب آلامه في الماضي أو في أيامنا هذه.
كثيرون يحزنون على آلام المسيح، وهم يزيدون آلامه بأفعالهم في كل يوم… كثيرون يرون صورة المسيح المصلوب فيبكون في داخلهم، وهم يصلبون المسيح كل يوم.
* ماذا كانت آلام المسيح؟ … إن أول شيء آلم قلب المسيح كان الرفض والترك…
لقد رفضه العالم وتركه وقيل عنه “إلى خاصته جاء وخاصته لم تقبله”… حتى في بلده الذي ولد فيه رفضوه، فقال “ليس نبي بلا كرامة إلا في وطنه”.
هذا الرفض كان يحسه السيد المسيح تمامًا، ويقول المزمور عنه “رفضوني أنا الحبيب مثل الميت المرذول“… وبقي المسيح مرفوضًا على حبه وحنانه ومغفرته واحتماله… كان مرفوضًا بالرغم من كل ذلك… وما تزال الصورة المشهورة التي تمثل الرفض للمسيح… إنه يقرع على الباب، والباب مغلق لا يفتحه صاحب البيت… أنا واقف على الباب أقرع والباب موصد أمامي… ما زال المسيح يقول كما قال في نشيد الأناشيد “افتحي لي يا أختي يا حبيبتي… إن رأسي قد ابتل من الطل وقصصي من ندى الليل”… وما تزال العروس ترفض.
* إن الباب مغلق في وجه السيد المسيح بصفة مستمرة… في أورشليم، وفي السامرة أيضًا، لقد أغلقوا باب المدينة ولم يدخلوه لأن وجهه كان متجهًا نحو أورشليم. وبسبب هذا الرفض ملكت الغيرة والحماس قلب يوحنا ويعقوب فقالا … “أتشاء يا رب أن تنزل نار من السماء وتحرق هذه المدينة؟”.. لكن السيد المسيح قبل الرفض، ولم يقبل أن يحرق المدينة.
كانوا يرفضونه، أما هو فكان يقبلهم، وبسبب هذا الرفض وجد المسيح أعداء كثيرين بلا سبب، كما قيل في المزمور “أبغضوني بلا سبب”… وقال داود “أكثر من شعر رأسي الذين يبغضونني بلا سبب”.
* هكذا كان السيد المسيح… لقد أبغضه الكتبة والفريسيون والصدوقيون والكهنة ورؤساء الكهنة وشيوخ الشعب والناموسيون والجليليون.
كثيرون أبغضوه بلا سبب… كانوا يريدون أن يصطادوه بكلمة، كانوا يحيكون حوله الدسائس ويتهمونه تهمًا باطلة… كانوا يشتكونه إلى الدولة: ويقولون انه ضد القيصر.. كانوا يريدون التخلص منه، وأكثر من مرة أمسكوا بالحجارة ليرجموه (يو10: 31).
ومرة أرادوا أن يقذفوه من فوق الجبل، وفي أوقات كثيرة كانوا يوجهون إليه الإهانات العديدة… كانوا يقولون عنه أنه سامري، وبه شيطان، وأنه يعاشر الخطاة، ويزور العشارين، وأنه ببعلزبول يخرج الشياطين… وإنه يكسر السبت وينقض الناموس… وما أكثر التهم والاتهامات التي وجهت إليه.
* لقد قوبل السيد المسيح بالصد في حبه… إنه أحب الناس حتى المنتهى، وفتح قلبه متسعًا إلى النهاية… عاش عطوفًا محبًا للكل، ولكنه لم يجد محبة من أحد، كانت محبة من طرف واحد.
هكذا كان المسيح وما يزال يحب ويُرفض في حبه… يحب ويجد الخيانة جزاء لحبه… ومن العجيب أنه كان يجد المقاومة في الأوقات التي يفعل فيها خيرًا… لقد هاجوا عندما شفى المولود أعمى.. وثاروا عليه أيضًا عندما شفى نازفة الدم وصاحب اليد اليابسة.
* لم تكن العداوة فقط التي قوبل بها السيد المسيح، وإنما أيضًا جابه الحسد والغيرة… إن الحسد والغيرة دائمًا صليب الناجحين والمتفوقين، وصليب الأبرار والقديسين. كان المسيح ناجحًا في خدمته، وكان الحسد يطارده وتدبر له الدسائس للتخلص منه… إن مشكلة المسيح هي قول الكهنة عنه “هوذا الكل قد صار وراءه”.
صدقوني إن الحسد والغيرة قابلا المسيح حتى وهو طفل رضيع… لقد حسده هيرودس عندما رأى المجوس قد ذهبوا ليسجدوا للطفل يسوع قائلين إنه ملك اليهود. ووصل الحسد به إلى الدرجة التي جعلته يقتل جميع أطفال بيت لحم، وقد جعل هذا الحسد السيد المسيح يترك بلده ويتغرب في أرض مصر فنأخذ بركته هنا، واستضافته مصر في الوقت الذي طردته فيه اليهودية، ووجد الحب لدى البلاد الغريبة في الوقت الذي لم يجد فيه حبًا في مسقط رأسه.
* هكذا قضى السيد المسيح حياة مليئة بالألم… بالمقاومين والأعداء والحساد والمتآمرين… لقد استضافه رجل فريسي هو سمعان، وكان يرقبه ليمسك عليه خطأ، والعجيب أن هؤلاء الحاسدين كانوا يحسدونه مع أنه ترك لهم كل شيء… لم ينافسهم في الغنى والمركز والألقاب، ولم يكن له أين يسند رأسه… كان يعيش متجولًا لا بيت ولا أهل ولا غنى… لا شيء على الإطلاق، ومع ذلك لم يرضوا!
كان يعظ الناس، لم يكن له هيكل أو قاعة يعظ فيها… كان يعظ في أي مكان… في الطريق، وعلى الشواطئ، وفي الحقول، وعلى الجبال… لقد ترك لهم الهياكل، ومع ذلك لم يرضوا.
إن الحسد لا يهدأ إطلاقًا، إنه السوس الذي يأكل في القلب والفكر ويتلف النفس… إنه النار التي تلهب الحاسد.
* وقضى السيد المسيح فترة من الألم على خطايا الناس…
لقد تألم من أجل المستوى الضعيف الذي انحدر إليه البشر في هذا الزمان، ونظر إلى أورشليم وبكى عليها… ونظر إلى الناس فرآهم منطرحين ومنزعجين كغنم لا راعي لها… كان يتحنن في ألم على هذا الشعب الضائع التائه المفقود الذي لا يجد رعاة يرعونه.
* هناك آلام بسبب الإهانة، وآلام بسبب الحب. إن القلب المحب يتألم لأخطاء من يحبه.
لقد نظر السيد المسيح إلى البشرية التي خلقت على صورته ومثاله، فوجدها قد فقدت الصورة الإلهية… فقدت البراءة والطهر والقداسة والصلة بالله… وتعب المسيح في هداية الناس ولم يهتدوا.
كثيرون خانوه… حتى الشخص الذي ائتمنه على الصندوق وأعطاه وظيفة هامة في وسط الاثني عشر، خانه… كان يهوذا من البارزين وخانه، كان يسرق ما يعطى للفقراء… كم مرة أردت أن أجمع أبنائي كما تجمع الدجاجة فراخها تحت جناحها… كم من المرات أردت ولم تريدوا.
لقد وجد السيد المسيح بشرية لا تتفق مع مشيئته الإلهية… كم مرة أردت ولم تريدوا… إنه يدعوا أشخاصًا لصحبته فيعتذرون… واحد يعتذر بأن له زوجة، وآخر بأن له حقلًا… وهكذا اعتذروا وتركوه… ولم يكن الاعتذار فقط من الغرباء، بل حتى تلاميذه… إن أحباءه الاثني عشر تركوه ووقف وحده، وعندما احتاج إليهم أن يسهروا معه ساعة واحدة لم يسهروا، وتركوه وناموا ووبخهم أكثر من مرة… أما قدرتم أن تسهروا معي ساعة واحدة؟ … ناموا الآن واستريحوا.
* عجيب أن السيد المسيح لم يكن يوبخ كثيرًا… كان يحتمل خيانة الناس وتركهم ورفضهم دون أن يوبخ، وكان أحيانًا يجد العذر لهم. هناك عبارة عجيبة في الكتاب المقدس تقول “ومضى كل واحد إلى خاصته، أما يسوع فمضى إلى جبل الزيتون” (يو8: 1) … كان السيد المسيح يعرف هذا، وقال لهم… ستأتي ساعة – وقد أتت الآن – تتفرقون كل واحد إلى خاصته وتتركوني وحدي، ولكني لست وحدي لأن الآب معي…إن المخلص الوحيد كان الآب.
الجميع تركوه… ويقول لهم… كلكم تشكون فيَّ هذه الليلة. وهذه هي الصفوة المختارة وخلاصة أحبائه وخاصته… إن من يقرأ آلام المسيح يتعزى في داخله.
* وعجيب جدًا أن كل أخطاء الناس لم تغير قلب السيد المسيح إطلاقًا… كل خيانتهم ورفضهم وتركهم له لم يهز محبته العظمى التي لا تحد… لقد ظل كما هو القلب المحب الكبير الذي يسع الكل… لا يسع كل الأحباء فقط، بل يسع أيضًا كل الخائنين والرافضين والذين شكوا فيه.
هذا هو القلب المحب الذي قال “يا أبتاه أغفر لهم لأنهم لا يدرون ماذا يفعلون” (لو23: 34).
إن السيد المسيح كان يحب قبل الخيانة وبعدها أيضًا… إنه يحب ويخونوه ويستمر في حبه… كان يقدم الخد الآخر دائمًا.
كان الفريسيون يدبرون له الدسائس ويزورهم في بيوتهم ويأكل من موائدهم ويعزيهم ويكلمهم حسنًا.
كان السيد المسيح يتألم من خطايا الناس، ومن قسوة قلوبهم وريائهم…
إنه يجد الخطاة يجرون امرأة في قسوة وإذلال، ويطلبون لها حكم الموت بلا رحمة، فينظر إليهم مستاء من قساوة قلوبهم ويقول لهم “من كان منكم بلا خطيئة فليرمها بأول حجر”
حتى تلاميذه وجد عندهم هذه القسوة قبل أن يمتصوا من حبه… يعقوب ويوحنا يقولان… إن شئت أن تنزل نارًا وتحرق هذه المدينة فيقول… لم يحن الوقت يا ابنا الرعد، ابن الإنسان لم يأت ليهلك العالم، بل ليخلص العالم. أنا لهذا جئت أطلب وأخلص ما قد هلك.
* وبالرغم من مضايقات الناس، فإن محبة السيد المسيح كانت تتجلى في عبارة واحدة عميقة “كان يجول يصنع خيرًا”… إنه يسير في كل مكان يوزع الخير والحب والحنان والمغفرة والحكمة والتعليم… إنه يجول ويصنع خيرًا ويشفي كل مرض وكل ضعف، وعلم تلاميذه أيضًا أن يجولوا ويصنعوا خيرًا… كل بيت دخلتموه قولوا سلامًا لأهل هذا البيت… اذهبوا اشفوا مرضى، أقيموا موتى، اخرجوا شياطين… إنها رسالة محبة ورسالة حنان للذين يستحقون وللذين لا يستحقون أيضًا.
كانت أخطاء الناس ذات تأثير كبير بالنسبة لهذا القلب المحب الحساس الذي للمسيح، لأنه جرح في بيت أحبائه.
إن قصة آلام السيد المسيح لا نستطيع أن نأخذها الآن بإفاضة، وفي أسبوع الآلام سنتابع بالتفصيل آلام المسيح وأخباره يومًا بيوم.
- مقال لقداسة البابا شنوده الثالث نشر في جريدة وطني بتاريخ 7-4-1974م




