أسرار القيامة والحياة

أسرار
القيامة والحياة1
على أي شيء تدل القيامة من الموت؟
ما هي فاعلية القيامة في حياتنا؟
حياة الإنسان لا تنتهي بالموت، إنما لها امتد كيف نقوم؟ هل بنفس هذا الجسد؟
في مناسبة عيد قيامة السيد المسيح نود أن تكون لنا بعض تأملات في القيامة ودلالتها وما تركته من تأثير في حياة البشرية كلها وكيف فتحت أمام الناس أبواب الأبدية وكيف غيرت من خلق الناس وطباعهم وأعطت معنى للحياة فما هي القيامة بل قبل هذا: ما سر الحياة والموت
عندما خلق الله الإنسان خلقه للحياة… نفخ فيه نسمة حياة، فصار نفسًا حية.
وصار الخلود من طبيعة الإنسان أما الموت فهو دخيل عليه.
إنه نتيجة للخطية، وليس من صفات الطبيعة البشرية التي خلقها الله على صورته ومثاله، كشبهه.
لذلك عندما ساد الموت على العالم، كان هذا شيئًا غريبًا ومحزنًا.
وإذ أراد الله أن يرد الإنسان إلى رتبته الأولى، كان لابد أن يرد إليه صفة الحياة، ويرجعه إلى الخلود، وينقذه من الموت، فلا يعود يسيطر على طبيعته.
وفي قيامة المسيح انتصرت الطبيعة البشرية على الموت، وبالقيامة دخل الإنسان إلى الخلود.
كان السيد المسيح – كابن للإنسان – مثل البشرية في كل شيء. في موته مات عنا، ودفع عنا أجرة الخطية التي هي موت. وفي قيامته، وعن طريقه، انتصرت طبيعتنا على الموت.
إننا نفرح بقيامة السيد المسيح لأنها قيامتنا كلنا…
بها أدركنا أنه لا موت بعد اليوم، ولا فناء، أقصد لا استمرار للموت.
إن حياتنا أصبح لها طابع الدوام والاستمرار. لقد عاد آدم نفسًا حية كما كان…
إن القيامة هي الحلم الذي كان ينتظره الآباء، ويرقدون على رجائه.
وما أكثر الأفراح التي جلبتها القيامة بالنسبة إلى البشر.
إنها تعطي رجاء في حياة أخرى بعد الموت، وتظهر أن حياة الإنسان لها امتداد في العالم الآخر، وامتداد إلى غير حد… إلى الأبدية.
وهذا الامتداد هو إلى حياة أفضل من حياتنا هذه.
سنقوم بأجساد نورانية روحانية
سنقوم بنفس هذا الجسد، ولكن في مجد، في حالة من التجلي تتجلى به طبيعتنا، كما رأى التلاميذ على جبل طابور.
نقوم بجسد لا يعرف الفساد بطبيعة روحانية، بجسد لا يتعب ولا يمرض، ولا يتألم، ولا يجوع ولا يعطش، ولا يخضع للشهوات المادية، ولا ينحل فيما بعد، ولا يموت.
نقوم بأجساد تخلصت من سيطرة المادة. نقوم على شبه جسد المسيح الممجد، في قيامته…
بل ما أجمل قول الكتاب في قيامتنا، أننا سنكون كملائكة الله في السماء…
وهكذا فإن القيامة قد رفعت من قيمة الإنسان ونوعيته…
إنه بالقيامة يتميز ويمتاز عن كل الكائنات الحية الأخرى، التي حينما تموت لا تقوم مرة أخرى.
إن قصة الحياة على الأرض قصيرة جدًا، إذا ما قيست بالأبدية التي لا نهاية لها. ولو كانت حياتنا هي هذه الفترة القصيرة على الأرض، إذًا ما كان أقصرها وأتفهها.
وبالقيامة أصبحت لحياتنا على الأرض أهداف روحانية…
والهدف الروحي لحياتنا الأرضيّة، هي إعداد أنفسنا للأبدية السعيدة، وذلك بتنقية القلب والفكر والروح والجسد، لكي ما نكون مستحقين بالإيمان أن نحيا هناك، في عشرة الله وملائكته وقديسيه… لأنه لا شركة مطلقًا بين النور والظلمة.
لو كانت الحياة قاصرة على الأرض، لانتشرت مادية الأبيقوريين الذين كانوا يقولون “لنأكل ونشرب، فإننا غدًا نموت”. وإذًا لانتشرت الشهوات والملاذ الخاطئة، كيما يتمتع الإنسان بكل ما يستطيعه خلال فترة حياته على الأرض…
إن القيامة جعلتنا نعمل لنتأهل للحياة الدائمة. وهكذا أصبحت لحياتنا قيمة، وأصبح لها هدف تسعى إليه.
وبالقيامة زال من قلب الإنسان كل خوف من الموت.
لو كان الموت ينهي حياة الإنسان، لكان ممكنًا إذًا أن يخاف الناس منه. أما وهو مجرد جسر ذهبي يوصل إلى النعيم الأبدي، وهو ليس نهاية إنما هو انتقال إلى أفضل، لذلك ما عاد الناس يخافونه…
بل إن القديس بولس الرسول يتحدى الموت قائلًا “أين هي شوكتك يا موت؟ أين غلبتك يا هاوية؟” (١ كو١٥: ٥٥).
وهكذا تقدم الشهداء إلى الموت بكل شجاعة وبكل فرح.
وهكذا كان الأبطال في كل جيل، بل إن القديسين كانوا يشتهون الموت كما تشتهى الحياة. إن القديس بولس الرسول يقول في وضوح تام.
“لي اشتهاء أن أنطلق وأكون مع المسيح، فذاك أفضل جدًا”.
وسمعان الشيخ صلى هذه الصلاة وقال: الآن يا رب تطلق عبدك بسلام، فإن عيني قد أبصرتا خلاصك”…
ونحن كلما نودع حبيبًا لنا قد انتقل إلى السماء، نذكر فصول الكتاب الخاصة بالقيامة.
وهذا ما تفعله الكنيسة في اليوم الثالث، تذهب إلى بيت الميت، وتذكر قيامة المسيح في اليوم الثالث، التي كانت باكورة لكل قيامة بعدها. وتقرأ فصولًا أخرى من الكتاب خاصة بالقيامة من الموت، فتعطي رجاء لأهل الميت أنه سيقوم، وأن الموت لن يغلبه، ولم يكن نهاية لحياته. وهكذا تعالج الحزن في قلوبهم برجاء القيامة، فلا يحزنون كالباقين الذين لا رجاء لهم.
إن القيامة إذًا فيها عزاء روحي لأهل كل ميت بل إن عزاءها يمتد أيضًا في مجالات كثيرة.
تعزي أهل الميت بأنهم سيرونه فيما بعد، وسيلتقون به ويعيشون معه مرة أخرى. كما قال المسيح لتلاميذه “ثم بعد قليل ترونني… أراكم فتفرح قلوبكم، ولا ينزع أحد فرحكم منكم”. وفعلًا فرح التلاميذ لما رأوا الرب…
وفي القيامة عزاء آخر:
عزاء لمن لم يجد خيرًا على الأرض، مثل لعازر المسكين. عزاؤه أنه سيجد في الأبدية ما يعوّضه عن آلامه على الأرض فيتعزى بعد أن كان يتعذب.
وفي القيامة عزاء لمن لم يجد عدلًا على الأرض. عزاؤه أن حقه محفوظ هناك في الدار الأخرى، عند الرب الذي يحكم للمظلومين…
فالقيامة تقيم توازنًا في حياة كل إنسان. إذ أن محصلة ما يناله على الأرض، وما يناله في السماء، تشكل صورة سليمة للعدل.
والقيامة تعطي فكرة عن قوة الله الذي سيقيم هذه الأجساد.
الله الذي خلق الإنسان من العدم، والذي يستطيع أن يقيمه من الموت، وأن يعيد الأجساد بعد أن تكون قد تحللت وتحولت إلى تراب…
إنه القادر على كل شيء، الذي لا يعثر عليه أمر…
بل الله سوف لا يقيم الأجساد فقط، إنما سيقيمها في التجلي والمجد، روحانية نورانية
فرح القيامة شجع على وجود أصحاب الرسالات…
أولئك الذين بذلوا كل جهد، وتحملوا كل تعب، لنشر الخير على الأرض، ولم يعطوا لأنفسهم راحة. هؤلاء فعلوا ما فعلوه، ليس من أجل خير قصير المدى على الأرض، بل إيمانًا منهم بالأبدية، التي من أجلها تتنقي كل القلوب على الأرض…
لو كانت الأجساد لا تقوم، ما كان هناك دافع قوي لعمل الخير.
وقيامة الإنسان تحمل أيضًا معنى المسئولية…
لأن الناس سيقومون، لكي يقفوا أمام منبر الله العادل، لكي يقدموا حسابًا عما فعلوه في الجسد، إن خيرًا وإن شرًا، وهكذا تكون مجازاتهم في يوم الدينونة العظيم “يقوم الذين فعلوا الصالحات إلى قيامة الأبرار. والذين فعلوا السيئات إلى قيامة الدينونة” (يو٥: ٢٩).
وهذه المسئولية التي بعد القيامة هي التي علمت الناس الحرص، وقادتهم إلى الخير على الأقل، فالذين لم يحبوا الخير لذاته، بدأوا بمخافة الله يفعلون الخير خوفًا من الدينونة وبكثرة ممارستهم لعمل الخير، وجدوا فيه لذة وأحبوه لذاته.
القيامة فرح للأبرار لأنها قبل كل شيء لقاء مع الله.
أكبر متعة في الأبدية هي التمتع بالله نفسه، بحبه وعشرته فكل سعادة بعيدة عن الله، أو ليس الله مصدرها ليست هي سعادة حقيقية. وفي الأبدية سعادة قال عنها الرسول “ما لم تره عين، وما لم تسمع به أذن، وما لم يخطر على قلب بشر، ما أعده الله لمحبي اسمه القدوس”، أي فرح أعظم من هذا؟؟
ولعل من متع القيامة أيضًا زوال الشر نهائيًا…
في الأبدية السعيدة، لا شر، ولا خطية، ولا سقوط… بل يرجع الإنسان إلى بره الأول، وإلى بساطة قلبه ونقاوته، وينسى كل المعلومات السابقة عن الخطية وعن الثنائية التي أتعبته في انقسام كل الأعمال إلى الصالح والطالح.
وبعد… أترانا نستطيع أن نقول كل شيء عن القيامة في هذه العجالة؟؟ إنما أقول: جعله الله عيدًا مباركًا لنا جميعًا ولبلادنا وكنيستنا.
- مقال لقداسة البابا شنوده الثالث نشر في جريدة وطني بتاريخ 26-4-1981م



