أحد السعف

أحد السعف1
لماذا يبدأ أسبوع الآلام عقب أحد الشعانين، بدأت مرحلة المواجهة بين السيد المسيح وقادة اليهود، المسيح يكشف رياءهم، وهم يثيرون الشعب ضده، خابت آمالهم الدنيوية فيه، لما رفض المُلك الأرضي، السيد المسيح يقوي إيمان تلاميذه، ويعدهم للتجربة…
أبنائي الأحباء:
أهنئكم اليوم بهذا العيد السيدي، عيد دخول المسيح ملكًا إلى أورشليم، كما أهنئكم أيضًا ببدء أسبوع البصخة المقدسة، أو ما نسميه أسبوع الآلام.
وأود هنا أن أسأل:
ماهي العلاقة بين هذين الأمرين؟ ولماذا يبدأ أسبوع الآلام عقب عيد أحد السعف مباشرة؟
في هذا اليوم دخل السيد المسيح أورشليم كملك… ولكن أي ملك؟
هنا يبدو الفهم مختلفًا تمامًا بين السيد واليهود حول معنى المُلك ومفهومه:
هو يريد مُلكًا روحيًا على القلوب، وهم يريدون مُلكًا دنيويًا على الأرض.
هو يريد أن يخلصهم من خطاياهم، وهم لا يريدون إلا خلاصًا سياسيًا من حكم الرومان.
السيد المسيح لا يريد إلا القلب. واليهود لا يريدون إلا العرش.
هو يريد تحريرهم من عبودية الخطية وهم يريدون مظهرية تحررهم من الخارج فقط. من الحكم الأجنبي. وهكذا لم يستطيعوا الفهم الروحي الذي للمسيح وكان لابد من اصطدام بين فكره وفكرهم. فكيف بدأ الاصطدام.
بدأ يوم أحد الشعانين، حين استقبلوه بسعف النخل وأغصان الزيتون وهتفوا له كملك على أورشليم، وفرشوا ثيابهم تحت أقدامه، وقالوا مبارك الآتي باسم الرب، مباركة مملكة داود الآتية…
ولكن كل هذا الترحيب، لم يمنع الرب من خطته الإلهية… لم يجاملهم لأنهم هتفوا له، ولم يقابل ترحيبهم بترحيب، كانوا قد استقبلوه ملكًا في مدينتهم، ولكن لم يستقبلوه ملكًا على قلوبهم.
الشعب كان مخلصًا وبريئًا في ترحيبه. أما القادة فقد أزعجهم ترحيب الشعب به.
وتملكتهم الغيرة والحسد، فقالوا “هوذا الكل قد سار وراءه”… ووجهوا إليه بعض الانتقادات، بسبب الهتافات والأطفال…
أما السيد المسيح الذي لم يكن يعبأ مطلقًا بهذا المُلك الأرضي، وقد قال بصراحة فيما بعد…
مملكتي ليست من هذا العالم…
فإنه بدأ يوجه اهتمامه إلى القلب…
بدأ يطهر الهيكل من رجاساته…
قلب موائد الصيارفة، وأمرهم بإبعاد أقفاص الحمام، وأمسك سوطًا. وقال لهم في توبيخ “بيت أبي بيت الصلاة يدعى، وأنتم جعلتموه مغارة لصوص” ووجد قادة اليهود أنه قد أخذ موقفًا حازمًا هز سلطانهم، كما أنهم لم يستطيعوا أن يقاوموا قوته…
لذلك بدأوا يثيرون الشعب ضده بسبب رفضه للملك، على اعتبار أن آمالهم فيه قد خابت.
لم يعد هو المخلص المرجو، الذي تتعلق به آمال الجمهور… لم يعد إليهم صورة جدعون وشمشون، كما تصوروا المخلص أن يكون…
أما التعليم الروحي، فلم يكن هو هدفهم، ولا كانت نقاوة القلب هدفهم إنه شعب متعلق بالسياسة وليس بالقداسة، تهمه الأرض وليس الأبدية!
ومن هنا بدأت آلام المسيح تدخل مرحلة جديدة هي مرحلة المواجهة.
قال لهم “ويل لكم أيها الكتبة والفريسيون المراؤون … ويل لكم أيها القادة العميان، الذين تغلقون ملكوت السموات قدام الناس، فلا تدخلون أنتم ولا تدعون الداخلين يدخلون” (مت 23).
وكذلك قال لكهنة اليهود: أن ملكوت الله ينزع منكم، ويعطى لأمة أخرى تصنع ثماره (مت21: 43).
وبخ الناموسيين أيضًا. إنه أسلوب لم يتعودوه منه من قبل. لم يتعودوه من المسيح الوديع الهادئ الذي “لا يخاصم ولا يصيح، ولا يسمع أحد في الشوارع صوته…قصبة مرضوضة لا يقصف… وفتيلة مدخنة لا يطفئ”.
ولكن الرب أرانا بذلك، أن للحزم وقتًا كما أن للصبر حدودًا…
المسيح رفض الملك الأرضي، وهو يعرف تمامًا ثمن هذا الرفض ونتائجه.
وكان قد رفض هذا الملك في بدء عمله، في التجربة على الجبل، حينما سمع من المجرب عبارة “لك أعطي ممالك الأرض ومجدها”.
إنه لم يشأ الحكم إنما الصليب.
أحب الآلام أكثر من السلطة… الآلام من أجل محبته للناس ورغبته تخليصهم، أكثر من المجد العالمي، الذي قال عنه من قبل “مجدًا من الناس لست أقبل”. وأي مجد، وأي ملك، يمكن أن يعرضه الناس على ملك الملوك ورب الأرباب…؟
لذلك كان أحد السعف يومًا حاسمًا في علاقة السيد المسيح باليهود.
هو كشف خطته في العمل الروحي، وفي رفض الحكم الأرضي.
وهم بدأوا تفكيرهم في التآمر ضده وخطوا الخطوة التنفيذية يوم الأربعاء، بعد ثلاثة أيام من استقبال المسيح كملك في أورشليم… اتفقوا في ذلك اليوم مع يهوذا على خيانة سيده، وسلموه المال، وسلمهم ضميره…!
أما السيد المسيح، فخرج من أورشليم ليبيت في بيت عنيا، وبدأ يعد العدة لاستقبال الصليب.
خلص تلاميذه من الخضوع للقيادات اليهودية والكهنوت اليهودي الهاروني…
بأن كشف هؤلاء وأولئك، ووبخهم وقال لهم أن الملكوت ينزع منكم… وقال لرسله الأطهار من جهة قادة اليهود: لا تدعوا لكم معلمًا على الأرض، لأن معلمكم واحد وهو المسيح، ولا تدعوا لكم أبًا ولا سيدًا… قال هذا في مجال توبيخه للكتبة والفريسيين المرائين: (مت23).
ولم يقل هذا الكلام طبعًا لعامة المؤمنين، الذين كان لهم في رسل المسيح وخلفائهم معلمون وآباء وسادة وهو “أعطى البعض أن يكونوا رسلاً… والبعض رعاة ومعلمين” (أف4: 11).
بدأ المسيح يلغي الكهنوت اللاوي، ليؤسس كهنوتًا على طقس ملكي صادق.
كما أنه على الصليب سمح أن ينشق حجاب الهيكل، ليؤسس هيكلاً مسيحيًا جديدًا، غير هيكل اليهود…
ومنذ أحد السعف بدأ إعدادًا من نوع جديد، لرسله القديسين، لكي يستقبلوا حادث الصلب في غير انزعاج ولكي يستعدوا لتحمل المسئوليات المقبلة ولكي يحتملوا غيابه عنهم بالجسد…
أما عمله لتقوية إيمان التلاميذ ورجائهم، فتركز فيما يأتي:
قبل أسبوع الآلام مباشرة، وفي يوم السبت السابق لأحد الشعانين، أقام السيد لعازر بعد موته بأربعة أيام بعد أن قيل عنه أنه انتهى، ويئس الكل من جهته…(يوم11).
وإقامة لعازر كانت تحمل معنيين: المعنى الأول هو قدرة المسيح الإلهية التي لم يسبقه إليها أحد، وكونه يقبض في يده على الحياة والموت. فحينئذ لا ينزعج التلاميذ إن رأوه على الصليب. والمعنى الثاني أن إقامة لعازر من الموت، تسهل عليهم الإيمان بقيامة المسيح الذي أقام لعازر حيًا… وقبل إقامة لعازر مهد الرب عقول التلاميذ وقلوبهم للإيمان به والثقة بقدرته بمعجزة أخرى، هي منح البصر للمولود أعمى (يو9).
كل هذا لكي ينقذهم من الشك، في وقت صلبه. وحتى إن شكوا يكون من السهل عليهم أن يرجعوا إلى إيمانهم، ويمكنهم أيضًا احتمال رؤيته حيًا، عند القيامة، بعد أن يروه ميتًا على الصليب…
وتميز هذا الأسبوع أيضًا بجلسات طويلة بين المسيح وتلاميذه لتقوية إيمانهم وإعدادهم لقبول التجربة…
ويشرح لنا إنجيل يوحنا أحاديث طويلة بين الرب وتلاميذه شملت الأصحاحات 16،15،14،13 من إنجيل يوحنا. قال لهم فيها إنه سيمضي ثم يأتي “بعد قليل سوف لا ترونني، ثم بعد قليل سترونني” “أنا ماض لأعد لكم مكانًا، وإن مضيت وأعددت لكم مكانًا، آتي أيضًا وآخذكم إلىَّ حتى حيث أكون أنا، تكونون أنتم أيضًا”
(لا أترككم يتامى) (يو15)
وعزاهم أيضًا بأنه سيرسل لهم الروح القدس المعزي من عند الآب وقال لهم أن الروح القدس سيمكث معهم إلى الأبد، وسيعلمهم كل شيء.
عزاهم تعزية أخرى تقويهم وهي تسليمهم سر الأفخارستيا المقدس يوم خميس العهد، حتى يثبتوا فيه.
وصلى من أجلهم صلاة طويلة في (يو17). وقال “أيها الآب، أريد أن هؤلاء الذين أعطيتني يكونون معي حيث أكون أنا”
قال لهم كل شيء قبل أن يكون، حتى إذا كان يؤمنون.
قال لهم أن ابن الإنسان سيسلم إلى أيدي الخطاة، فيصلبونه ويقتلونه وفي اليوم الثالث يقوم.
وقال لهم أيضًا “سأراكم فتفرح قلوبكم…ولا يستطيع أحد أن ينزع فرحكم منكم”… وقد كان…
إن يوم أحد السعف يرسم لنا خطة فيما يريده الرب لنا…
وضع الرب لنا فيه مثالاً، أن الألم أعمق وأعظم من المجد العالمي…
وأعطانا مثالاً عن مدى اهتمامه بأولاده، بتلاميذه، وتثبيته لإيمانهم.
كما أنه أرانا أنه ينبغي أن يتطهر الهيكل باستمرار، ليكون بيتًا للصلاة
هذا الهيكل الذي يسكن فيه الرب على الدوام، وهو ينشد في آذاننا عبارته المعزية: ها أنا معكم كل الأيام وإلى انقضاء الدهر.
وهكذا نحن بعد أحد السعف، نبدأ في ذكرى أسبوع الآلام، ذاكرين حب الله لنا، الذي جعله يبذل ذاته عنا، ليخلصنا من آثامنا.
فليكمل لنا الرب هذه البصخة المقدسة بسلام، ويرينا أفراح قيامته سنين عديدة. له المجد من الآن وإلى الأبد آمين.
- مقال لقداسة البابا شنوده الثالث نشر في جريدة وطني بتاريخ 19-4-1981م




