ابْني الْحَبِيبُ الَّذِي بِهِ سُرِرْتُ

نود في هذه الليلة أن نجعل موضوع تأملاتنا آية جميلة، سمعناها من فم الله الآب إذ يقول عن السيد المسيح “هذَا هُوَ ابْني الْحَبِيبُ الَّذِي بِهِ سُرِرْتُ“…
ابْني الْحَبِيبُ الَّذِي بِهِ سُرِرْتُ1
كان السيد المسيح فعلا ابنًا حبيبًا لله الآب، يحب الآب ويحبه الآب، يفعل مشيئة الآب، ويطيعه حتى الموت موت الصليب. ولكن المهم في الموضوع هو:
هل كل واحد منا يسمع من فم الله نفس هذه العبارة “ أَنْتَ ابْنِي الْحَبِيبُ، بِكَ سُرِرْتُ”…
كثيرون لهم اسم أنهم أولاد الله، وليست لهم سمات البنوة الحقيقية. يطالبون الله بحقوق كأبناء، دون أن يقوموا بواجبات البنوة!!
كما قال الله في سفر إشعياء “رَبَّيْتُ بَنِينَ وَنَشَّأْتُهُمْ، أَنمَّا هُمْ فَعَصَوْا عَلَيَّ” (أش1: 2). ننادي الله يا أبانا، دون أن نكرمه كأب، بل نسلك سلوكًا لا يليق بأبناء الله!
علينا أن نسأل أنفسنا: هل نحن حقًا أولاد الله؟ وما هي العلامات التي يتميز بها أولاد الله؟
أولًا: الابن يشبه أباه، ونحن قد خلقنا فعلًا على صورة الله ومثاله. فلا يصح أن نفعل كاليهود الذين كانوا يفتخرون باطلًا بأن لهم إبراهيم أبًا، دون أن تكون لهم أعمال إبراهيم!! بل إن قال أحد منا إنه ابن الله ” يَنْبَغِي أَنَّهُ كَمَا سَلَكَ ذَاكَ هكَذَا يَسْلُكُ هُوَ أَيْضًا” (1يو2: 6).
اعملوا إذن الأعمال التي تليق بأولاد الله
الذي يعيش في الخطية، لا يكون على صورة الله، ولا يدل على أنه ابنه. بل أن يوحنا الرسول يقول في (1يو3: 9، 10):“كُلُّ مَنْ هُوَ مَوْلُودٌ مِنَ اللهِ لاَ يَفْعَلُ خَطِيَّةً، لأَنَّ زَرْعَهُ يَثْبُتُ فِيهِ، وَلاَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُخْطِئَ لأَنَّهُ مَوْلُودٌ مِنَ اللهِ”.
بل يقول أيضًا “كُلَّ مَنْ وُلِدَ مِنَ اللهِ لاَ يُخْطِئُ، بَلِ الْمَوْلُودُ مِنَ اللهِ يَحْفَظُ نَفْسَهُ، وَالشِّرِّيرُ لاَ يَمَسُّهُ” (1يو5: 18).
هذا الذي لا يستطيع أن يخطئ، ولا يستطيع الشرير أن يمسه، يقول له الرب “أَنْتَ ابْنِي الْحَبِيبُ، بِكَ سُرِرْتُ”.
يقول الرسول أيضًا ” مَنْ وُلِدَ مِنَ اللهِ يَغْلِبُ الْعَالَمَ” (1يو5: 4) وهذه إحدى علامات أولاد الله البارزة، أنهم غالبون.
أولاد الله هم الغالبون، الذين يقودهم في موكب نصرته:
يقول: “مَنْ يَغْلِبُ فَسَأُعْطِيهِ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ شَجَرَةِ الْحَيَاةِ، أُعْطِيه إِكْلِيلَ الْحَيَاةِ… مَنْ يَغْلِبُ فَسَأُعْطِيهِ أَنْ يَأْكُلَ مِنَ الْمَنِّ الْمُخْفَي”.. وأعطيه اسمًا جديدًا. “مَنْ يَغْلِبُ فَسَأَجْعَلُهُ عَمُودًا فِي هَيْكَلِ الله” (رؤ2: 3).. أولاد الله الغالبون، أعطاهم سلطانًا أن يدوسوا كل قوة العدو ويقولوا: “أَسْتَطِيعُ كُلَّ شَيْءٍ فِي الْمَسِيحِ الَّذِي يُقَوِّينِي”… لذلك فهذه الكنيسة المجاهدة نسميها فيما بعد الكنيسة المنتصرة.
والله يقول لكل من أبنائه الغالبين “أَنْتَ ابْنِي الْحَبِيبُ، بِكَ سُرِرْتُ”
“بك سُرِرْتُ”، لأن هناك ابنا يكون عارًا لأبيه وخزيًا لأمه مثل عيسو الذي صار مرارة قلب لإسحق ورفقة، ومثل أبشالوم الذي بكى عليه داود، ومثل الابن الضال الذي ترك بيت أبيه وأنفق ماله بعيش مسرف، واشتهى الخرنوب!
والله من تواضعه وحبه، دعا هؤلاء الضالين أبناءً!
فقال “ابْنِي هذَا كَانَ مَيِّتًا فَعَاشَ، وَكَانَ ضَالاًّ فَوُجِدَ”. دعاه ابنًا وهو ضال، وهو ميت بالخطية! ودعا العصاة أبناءً فقال “رَبَّيْتُ بَنِينَ وَنَشَّأْتُهُمْ، أَمَّا هُمْ فَعَصَوْا عَلَيَّ”
أما الابن الضال فيقول “ لَسْتُ مُسْتَحِقًّا أَنْ أُدْعَى لَكَ ابْنًا ”
صورتي لا تدل على بنوتي، ولا سلوكي يدل، بل بسببي يجدف الناس على الاسم الحسن. من تواضعك لم تسقط عني صفة البنوة!
صفة أخرى قالها الرسول بولس عن أولاد الله (رو8: 14): “لأَنَّ كُلَّ الَّذِينَ يَنْقَادُونَ بِرُوحِ اللهِ، أُولئِكَ هُمْ أَبْنَاءُ اللهِ”
الذين يطيعون الروح، ويستسلمون لعمل النعمة، وينفذون مشيئة الرب، كما في السماء كذلك على الأرض، ويطيعون حتى الموت… يقول الله لكل من هؤلاء: “أَنْتَ ابْنِي الْحَبِيبُ، بِكَ سُرِرْتُ”..
الشخص الذي ينقاد بروح الله، لا تقوده نفسه، لا رغباته ولا نزعاته، ولا يقوده الشيطان، ولا أصدقاء السوء..
هذا لا يتعب الله معه. يقول عنه إنه ابني، أشير له من بعيد، فيتبع إشارتي، ودون أن أشير، يعرف مشيئتي وينفذها.. إنه يحمل صليبي، وينشر ملكوتي، لا يسلك مع كل ريح، بل يثبت في محبتي. إنه ابني، به سررت.
إن كنا أولاد الله، فلننفذ إذن مشيئته، لأنه يقول ” أَنَّ مَنْ يَصْنَعُ مَشِيئَةَ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ هُوَ أَخِي وَأُخْتِي وَأُمِّي” (مت12: 50).. هؤلاء المنقادون بروح الله، لا يستطيعون أن يخطئوا، والشرير لا يمسهم.
حقًا ما أجمل أن تكون سبب سرور للرب…
يمكنك أن تكون كذلك بالتوبة، لأنه قال ” السَّمَاءِ تفرح بِخَاطِئٍ وَاحِدٍ يَتُوبُ” نعم والسماء تفرح بمن ينقادون بروح الرب… أما الذين لا ينقادون بالروح، بل يحزنون روح الله القدوس، ويطفئون الروح، ويقاومون الروح، فأولئك “نقول لا بنون”!… أولئك يقول عنهم الرب ” اِسْمَعِي أَيَّتُهَا السَّمَاوَاتُ وَأَنصتي أَيَّتُهَا الأَرْضُ.. رَبَّيْتُ بَنِينَ وَنَشَّأْتُهُمْ، أَمَّا هُمْ فَعَصَوْا عَلَيَّ”.
الابن الحقيقي، كالغصن الذي يثبت في الكرمة. أما الذي ينفصل عنها، فإنه يجف ويعرض للحريق، ولا يسر به الرب…
إننا نفعل الخير، ليس فقط لأجل أبديتنا، وإنما بالأكثر لأننا نحب الخير، ونحب أن نكون رائحة سرور للرب.
قيل عن المحرقات إنها كانت تقدم “رَائِحَةِ سَرُورٍ لِلرَّبِّ” (لا1: 17)، فَتَنَسَّمَ الرَّبُّ رَائِحَةَ الرِّضَا (تك8: 21). والرسول يطلب إلينا أَنْ تُقَدِّمُوا أَجْسَادَكُمْ ذَبِيحَةً حَيَّةً مُقَدَّسَةً مَرْضِيَّةً عِنْدَ اللهِ..” (رو12: 1)، فيقول الرب لكل منا ” أَنْتَ ابْنِي الْحَبِيبُ، بِكَ سُرِرْتُ”…
أولاد الله الذين يسرون قلبه، يتميزون أيضًا بالمحبة
ما دام الله محبة، فلا بد أن يكون أولاده محبين…
يقول الرسول “كُلُّ مَنْ يُحِبُّ، قَدْ وُلِدَ مِنَ اللهِ، وَيَعْرِفُ اللهَ. وَمَنْ لاَ يُحِبُّ لَمْ يَعْرِفِ اللهَ، لأَنَّ اللهَ مَحَبَّةٌ” (1يو4: 7، 8).
أولاد الله أيضًا يتميزون بالحرية، لأن الخطاة عبيد للخطية..
أما أولاد الله، فإذ قد حررهم الابن، صاروا بالحقيقة أحرارًا، لا تستعبدهم رغبة ولا شهوة ولا خطية ولا عادة…
وبالحرية يصيرون شبه الله ومثاله، لأنه حر، وهكذا يعيشون في حرية مجد أولاد الله…
المولود من الله، مولود من الماء والروح، له الميلاد الثاني، بغسل الماء بالكلمة. وفي ميلاده الجديد، يموت إنسانه العتيق، ويولد من المعمودية على شبه الله ومثاله، وقد لبس المسيح، وهكذا يصير مملوءًا من البر والقداسة، على صورة الله. ينظر إليه الله ويقول “أَنْتَ ابْنِي الْحَبِيبُ الَّذِي بِهِ سُرِرْتُ”.
هذا الذي يسر به الله، تفرح به الملائكة أيضًا
ليس فقط في حياته الأرضية، بل في وفاته أيضًا. كما مات لعازر وحملته الملائكة، ومثل روح أنبا أمون التي رآها الأنبا أنطونيوس وسط تسبيح الملائكة، ومثل قول الملائكة عند وفاة أبا نفر “هذه روح طاهرة” هلم نأخذها ونقدمها قربانًا لله”..
في الواقع أن الابن الوحيد الذي سر به الآب، هو ربنا يسوع المسيح، لأن العالم كله وقع في الخطية…
” الْجَمِيعُ أَخْطَأُوا وَأَعْوَزَهُمْ مَجْدُ اللهِ”، والوحيد الذي بقي قدوسًا بلا عيب، هو هذا الابن الحبيب، الذي ناب عن البشرية كلها في إرضاء الله الآب.
هذا هو الابن الحبيب الذي ناب عنا جميعًا في تقديم صورة مثالية للبشرية الكاملة، سر بها قلب الله الآب.
ليتنا جميعًا نُسر الآب أيضًا، ونُفرح قلبه بنا…
يفرح لطهارتنا وقداستنا وكمالنا، ومحبتنا له… يفرح لأننا في كل حين نعمق صلتنا به، ونفتح له قلوبنا كلما يقرع على أبوابنا، وكلما سمعنا صوته لا نقسّي قلوبنا… يفرح بنا كأبناء طيعين محبين، يمجدون أباهم الذي في السماوات…
إن كنت لم تسر الله في الماضي، فأمامك المستقبل.
فكر في أول يوم، كيف تفرح قلب الله فيه..
وإن لم تجد شيئًا يفرحه، اعترف أمامه بعجزك وقل:
أنا يا رب، حياتي كلها سنوات عجاف، لم أفعل ما يُسرك. هبني إذن أن ابدأ من جديد، أنا أتعبتك سنوات هذا عددها، فأعطني أن أسرك ولو لحيظات قليلة.
إنه لموقف مؤثر حقًا، أن نرى السيد المسيح يبكي على أورشليم التي أحزنت قلبه القدوس ويقول:
يَا أُورُشَلِيمُ، يَا أُورُشَلِيمُ! يَا قَاتِلَةَ الأَنْبِيَاءِ وَرَاجِمَةَ الْمُرْسَلِينَ إِلَيْهَا، كَمْ مَرَّةٍ أَرَدْتُ أَنْ أَجْمَعَ أَوْلاَدَكِ كَمَا تَجْمَعُ الدَّجَاجَةُ فِرَاخَهَا تَحْتَ جَنَاحَيْهَا، وَلَمْ تُرِيدُوا..” إرادتكم ضد إرادتي، أنا في طريق وأنتم في آخر. أنا أبحث عن خلاصكم، وأنتم لا تبحثون عن خلاص أنفسكم، بل على العكس: كلما أفدي من الحفرة حياتكم، تحفرون لأنفسكم آبارًا مشققة كل يوم.. افرحوني ولو يومًا واحدًا، لأقول لكل منكم “أَنْتَ ابْنِي الْحَبِيبُ، بِكَ سُرِرْتُ”…
صدقوني إن جواز المرور الوحيد الذي تدخلون به إلى الملكوت هو هذه الشهادة الإلهية “أَنْتَ ابْنِي الْحَبِيبُ، بِكَ سُرِرْتُ”.
بدونه لا يمكن أن تدخلوا. العل واحدًا منكم يقول لله: لقد كنت صاحب مواهب، وباسمك أخرجت شياطين، فيقول له: الحق أني لا أعرفك. هذه المواهب كانت تسرك أنت، مثلما فرح التلاميذ أن الشياطين تخضع لهم. ولكن لم تبحث عن مسرتي أنا!! ومسرتي أن أجد قلبك أبيض مثل الثلج، والروح القدس يسكن فيه، فأقول “أنت ابني الحبيب بك سررت”.
تري لو سألنا الله أن يحل في وسطنا، ويشير بأصبعه إلى أبنائه الأحباء، الذين سر بهم قلبه: إلى من منا سيشير الرب ويقول “أَنْتَ ابْنِي الْحَبِيبُ، بِكَ سُرِرْتُ”…
وفي تلك اللحظة، من منا سيتوارى خجلًا؟! ومع ذلك نحن نستطيع يا إخوتي، في لحظة، وفي طرفة عين، أن نصطلح مع الله ونسر قلبه.
- مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة التاسعة – العدد الرابع (27-1-1978م)




