وحـــــــدة… لكن في الإيمان

وحـــــــدة… لكن في الإيمان1
1- إننا نؤمن بالوحدة، وقد نادى بها السيد المسيح ورسله.
إننا نؤمن بكنيسة واحدة جامعة، أي تشمل جميع المؤمنين في العالم كله. هذه الكنيسة وصفها الكتاب المقدس بأنها جسد المسيح، وللمسيح جسد واحد، هو رأسه…
وقد أراد الرب هذه الوحدة وعلم بها فقال “وتكون رعية واحدة لراع واحد” (يو10: 16). ومن أجلها صلى وهو في طريقة إلى الصليب، قائلًا “أيها الآب القدوس احفظهم في اسمك الذين اعطيتني، ليكونوا واحدًا كما نحن”.
واستطرد مكررًا نفس المعنى “وأنا قد أعطيتهم المجد الذي أعطيتني ليكونوا واحدًا كما أننا نحن واحد” (يو11: 17، 22). لا شك أنه لا يمكن أن توجد وحدة في الوجود أقوى من هذه الوحدة التي تشبه بوحدة الأب والابن “كما إننا نحن واحد”.
وهذه الوحدة عاشها الرسل، إذ يقول الكتاب “وكان لجمهور الذين آمنوا قلب واحد ونفس واحدة” (أع4: 23). ونادي الرسل بهذه الوحدة وعلموا بها. فقال يوحنا عن السيد المسيح “ليجمع أبناء الله المتفرقين إلى واحد” (يو11: 52). وقال بولس الرسول “لأنكم جميعًا واحد في المسيح يسوع” (غل3: 28). وفي رسالته الأولى إلى كورنثوس قال إننا “أعضاء كثيرة ولكن جسد واحد” وإننا “اعتمدنًا بروح واحد.. وسقينا جميعًا روحًا واحدًا” (1كو12: 20، 13).
ليس هذا في العهد الجديد فحسب، وإنما منذ القدم أيضًا. فقد تكلم الرب على لسان نبيه إرميا فقال “وأعطيهم قلبًا واحدًا وطريقًا واحدًا ليخافوني كل الأيام” (إر32: 29).
2-ما هي الوحدة في المسيحية؟
أنها ليست اجتماعات مشتركة، وليست تعاونًا في نواح معينة اجتماعية أو تربوية وما إلى ذلك. وإنما هي قبل كل شيء إيمان واحد، وفكر واحد في المسيح. هي “وحدانية الروح” كما وصفها بولس الرسول “جسد واحد وروح واحد، كما دعيتم أيضًا في رجاء دعوتكم الواحد. رب واحد، إيمان واحد، معمودية واحد” (أف4: 3- 5).
إن الصداقة والمجاملة والتزاور والخلطة، كل هذه مقدمات، ومقدمات طيبة، ولكنها ليست الوحدة المسيحية. لا يمكن أن نعتبر أنفسنا قد اتحدنا إلا إذا أمكننا أن نصلي معًا على مذبح واحد، ونتناول معًا ذبيحة واحدة، بإيمان واحد، وكل منا معترف بكهنوت الآخر. إذا حدث هذا تكون الوحدة قد تمت… ولكن هذا لم يحدث بعد.
ولكي يتم هذا، يحتاج الأمر إلى تفاهم، واجتماعات جادة بين اللاهوتيين، للوصول إلى حل واحد يتفق عليه الجميع. على أن يوافق هذا الحل ضمائرنا، ويوافق الإيمان المسلم لنا من القديسين، بجهاد ودماء.
3- شكلية الاتحاد ضارة وليست نافعة
لكي نصل إلى نتيجة سليمة علينا أن نتكلم بصراحة، إن المهتمين بالوحدة الآن يعملون جهدهم للأسف الشديد مبتدئين بالوحدة الشكلية مثال ذلك:
توحيد الأعياد، هل تؤدي إلى وحدة؟
لقد قرر الأقباط الكاثوليك في مصر- وحدهم دون سائر الكاثوليك في مصر من أرمن وأروام… إلخ- قرروا أن يعيدوا عيد القيامة المجيد مع الأقباط الأرثوذكس في نفس اليوم. وفي نفس الوقت تكونت لجنة بابوية قبطية أرثوذكسية لبحث موضوع التقويم القبطي والنظر في إمكانية توحيد الأعياد وبالأخص عيد الميلاد: هل يكون في25 ديسمبر أم يبقى كما هو يوم 7 يناير؟
ونحن لا نريد- في هذا المجال- أن ندخل في التفاصيل الخاصة بالتقويم وإنما نقول إنها مسألة علمية بحتة لا دخل لها بالعقيدة في شيء. ولنفرض أن الجميع اتفقوا على يوم واحد لعيد الميلاد، فهل يكونون قد وصلوا إلى الوحدة المطلوبة. أم هي شكلية توهم الناس بأن الأقباط الأرثوذكس قد اتحدوا مع الكاثوليك وأصبح لا فرق بينهما. وفي سبيل هذه الشكلية يتناسى الجميع- وخاصة البسطاء من العامة- ما بيننا وبين الكاثوليك من فروق خطيرة في الإيمان؟!
شكليات أخرى… في القداس مثلًا…
ليس الجميع يفهمون الخلافات الإيمانية العميقة بيننا وبين المذاهب المسيحية الأخرى. ولكن الكثيرين- وخاصة العامة والبسطاء- يرون فروقا ظاهرة في الطقوس والأعياد. فمثلًا كانوا يرون أن الكاثوليك يستخدمون في قداساتهم اللغة اللاتينية التي لا يعرفها الشعب، بينما لغتنا قبطية. وكانوا يرونهم لا يستخدمون القربان في الأسرار الإلهية- بل يستعملون شيئًا آخر… كما كانت موسيقاهم وألحانهم مختلفة وكذلك قراءاتهم الكنسية وملابسهم.
أما الآن فقد استخدم الكاثوليك نفس الطقس القبطي بقداسه وألحانه ولغته وقربانه حتى ظن البعض أنه لا فرق! طبعا ما تزال هناك فروق حتى في نفس القداس يمكن أن يكشفها “المجمع” مثلا: فنحن نذكر بعد اسم مارمرقس مباشرة أبانا القديس ساويرس بطريرك أنطاكية ومعلمنا القديس ديوسقورس بابا الإسكندرية الذي حدث في عهده الانقسام سنة 451م. وهذان في نظر الكاثوليك هرطوقيان لا يصح ذكرهما في مجمع القديسين! ومن أمثلة هذين أيضًا كل القديسين الذين أتوا بعد الانقسام أو أثناءه، كالقديس دانيال القمص، والأنبا يؤنس كاما القس، والأنبا صموئيل المعترف، والقديس العظيم الأنبا مكاريوس الأسقف أحد الثلاثة المقارات القديسين.
وأيضًا في لحن بينشتى لا يذكرون اسم القديس برسوم العريان ولا اسم الأنبا رويس لأنهما هرطوقيان في نظرهم!
وفي نفس الوقت هم يعترفون بقداسة لاون “الكبير” صاحب “طومس لاون” الذي ابتدع الإيمان الخلقيدوني الذي رفضه الأقباط بإصرار في القرن الخامس واستشهد في سبيل ذلك مئات الآلاف من القديسين في مصر وأنطاكية.
على أن العامة من البسطاء والمساكين قد لا يدركون هذا إطلاقًا، مخدوعين بشكليات من اللغة والألحان. فما داموا يسمعون في القداس لحن طاي شورى، وهيتين ني أبرسفيا.. فانهم يقولون “قداس الكاثوليك مثلنا تمامًا ولا فرق، لقد اتحدنا”!
أمور أخرى لها دلالتها…
ومن الأمور الخطيرة التي لها دلالتها أن بطريرك الأقباط الكاثوليك السابق للأنبا اسطفانوس البطريرك الحالي كان يلقب بالأنبا مرقس الثاني، أي أنه أول بطريرك باسم مرقس بعد القديس مارمرقس، ناسيًا أنه كان لنا بطريريك باسم أنبا مرقس الثامن (108). ولكن هؤلاء البطاركة جميعًا لم يعترف بهم الأقباط الكاثوليك كبطاركة، وعلى هذا النحو أيضًا جميع البطاركة بعد القديس ديوسقورس (25). ويقينًا أنه لو كان قد رسم لهم بطريرك باسم كيرلس لا سموه كيرلس الثاني…! أي الاسم الذي أتي مباشرة بعد كيرلس الكبير السابق للانقسام!
هل يجوز إذن أن نبدأ بالشكليات ونترك الأمور الخاصة بالإيمان؟!
فما هي الخلافات الإيمانية إذن؟
كثيرة هي الخلاقات إن حاولنا أن نحصرها عدًا، وسنعالجها في أعداد قادمة إن أحب الرب وعشنا. يكفي الآن أن نضرب مثلًا ببعض أمور تتعارض مع الإيمان المسيحي:
(أ) طبيعة المسيح
(ب) الحبل بلا دنس
(ج) المطهر
(د) رئاسة بطرس
(هـ) هبات الغفرانات
(و) زوائد فضائل القديسين
(ز) خلافات في الطقوس لها دلالتها
يجب البدء بهذه الأمور وأمثالها قبل أن نهتم بشكليات خارجية في موضوع الاتحاد كالتقويم وما إليه، حتى يعرف الشعب حقيقة الموقف واضحة…
نرجو في العدد المقبل بمشيئة الرب أن نعرض لعلاقتنا بأخوتنا التابعين” للكنيسة اليونانية”.
- مقال لنيافة الأنبا شنوده أسقف التعليم -مجلة الكرازة العدد الرابع – السنة الأولى – أبريل 1965



