تأملات في مثل الحنطة والزوان
يتحدث قداسة البابا شنوده الثالث عن مثل الحنطة والزوان الذي قاله السيد المسيح في إنجيل متى الأصحاح الثالث عشر، موضحًا المعاني الروحية العميقة التي يرمز إليها الزرع الصالح والزوان، وكيف يمثل هذا المثل حقيقة وجود الخير والشر معًا في العالم والكنيسة إلى يوم الدينونة.
١. الله الزارع الصالح والعدو الذي يزرع الشر
الله هو الزارع الأول الذي غرس زرعًا جيدًا في حقله – أي في العالم والكنيسة – بزرع القداسة والإيمان في الرسل والقديسين.
لكن العدو، أي إبليس، تسلل في الظلام بينما الناس نيام وزرع الزوان وسط الحنطة، أي الشر وسط الخير.
وهكذا دخلت الخطيئة أولًا في السماء بسقوط الشيطان، ثم على الأرض بخداع آدم وحواء.
٢. تشابه الزوان بالحنطة وصعوبة التمييز بينهما
الزوان يشبه القمح من الخارج، ولا يُفرّق بينهما إلا عند النضوج، حين تظهر سنابل الحنطة الممتلئة بالثمر بينما يبقى الزوان فارغًا.
وهكذا يوجد في الكنيسة من يظهرون كخدام أو مؤمنين، لكنهم في الداخل بعيدون عن الله.
مثل يهوذا بين التلاميذ، ونيقولا بين الشمامسة، والأنبياء الكذبة الذين حذر منهم المسيح وبولس الرسول.
٣. العمل الخفي للعدو حين يكون الناس نيامًا
يؤكد البابا أن الشيطان يزرع الزوان حين يغفل الناس، أي عندما ينام الضمير أو يبرد الإيمان.
فكل خطية تبدو في شكل فضيلة هي نوع من الزوان الذي يُخفي نفسه تحت مظهر الخير، مثل القسوة التي تُظن حزمًا أو الكبرياء الذي يُظن غيرة مقدسة.
لذلك دعا قداسة البابا إلى السهر الروحي المستمر واليقظة في الخدمة والحياة الروحية.
٤. موقف الله من وجود الزوان
الرب لم يأمر بانتزاع الزوان فورًا لئلا تُقتلع الحنطة معه، بل قال: “دعوهما ينميان كلاهما معًا إلى يوم الحصاد.”
فالله طويل الأناة، يعطي فرصة للتوبة، وربما يتحول الزوان إلى حنطة كما حدث مع شاول الطرسوسي الذي صار بولس الرسول.
٥. نمو الخير والشر معًا حتى يوم الحصاد
يشرح البابا أن الخير والشر ينموان في العالم في وقت واحد:
فالخدمة والقداسة تزداد في الكنيسة، وفي المقابل يزداد الشر والانحلال والبدع.
لكن الله يسمح بذلك لحكمة، حتى تظهر فضائل الأبرار وصبرهم وإيمانهم وسط الضيقات.
٦. يوم الحصاد الأخير
في اليوم الأخير، يرسل الله ملائكته ليجمعوا الزوان في حزم تُطرح في النار، أما الحنطة فتوضع في مخازن الله أي ملكوته الأبدي.
ذلك اليوم سيكون فصلًا نهائيًا بين الأبرار والأشرار، حين ينتهي الشر إلى الأبد، ويُكلَّل الأبرار بالحياة الأبدية.
الرسالة الروحية:
المثل يدعونا إلى التمييز والسهر الروحي، وعدم الحكم على الآخرين باكرًا، لأن الله وحده يعرف القلوب ويميز بين الحنطة والزوان.
كما يدعونا إلى الثقة في عدل الله وصبره، فهو لا ينسى الحنطة وسط الزوان، بل سيكافئها في يوم الحصاد الأبدي.




